حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


الفاطمية مشروع النهضة المعاصرة

nermeen 07-11-2009 GTM 2 @ 09:43

الفاطمية مشروع النهضة المعاصرة - د. علي أبو الخير

تجربة الدولة الفاطمية

دروس للنهضة ومشروع للتواصل

بقلم : د/علي أبو الخير

الفاطمية الجديدة .. دعوة للوحدة والتواصل

إن الدعوة إلى الفاطمية الجديدة ليس من أجل إحياء الماضي أو استرجاع الدولة الفاطمية ذاتها ، أو الدعوة للتشيع الإسماعيلي الذي كانت تدين به تلك الدولة ، بل هو استلهام للنموذج الفاطمي ، أو هي الدعوة لقد دعا إليها الأخ القائد معمر القذافي إلى الدولة الفاطمية الثانية في شمال إفريقيا كحل للقضاء على التوتر والجدل القائم بين الشيعة والسنة، والذي يستغله "العدو" لإحداث فُرقة بينهما " وقال القائد في احتفال كبير أقيم بمناسبة المولد النبوي الشريف حضره حشد كبير من الطوائف الإسلامية والعربية والإفريقية في مدينة "أغاديس" بشمال النيجر يوم السبت 31-3-2007 : "ما يجري من تقسيم الدين الإسلامي بين شيعة وسنة يصب في مصلحة الاستعمار" ، ومضى قائلا: "إنهم أعداء (الاستعمار) الإسلام والعرب.. ها هو الرئيس الأمريكي (جورج بوش) يتحدث عن الشيعة والسنة ، وهو لا يجيد حتى نطقها ولا عمقها التاريخي" ، وعن رؤيته لفض التوتر والجدل الدائر بين السنة والشيعة في العالم الإسلامي، دعا إلى "إقامة دولة فاطمية شيعية ثانية في شمال إفريقيا، وفيها جميع البربر والعرب والأمازيغ تحت هوية واحدة لإنقاذ الأمة من الانحطاط" ، ولفت إلى أن هذه الدولة ستكون الدولة الشيعية الثانية في التاريخ ، وأن هويتها قادرة على جمع كل القوميات والقبليات والعصبيات والمذهبيات في بوتقة واحدة ، وأنه ستنصهر فيها كل الإشكاليات الموجودة في شمال إفريقيا ، وإنها : "ستنهي كل الصراعات والجدل وتقطع الطريق على العدو وتسحب البساط من تحت أقدام كل المزايدين على هذه الأمة والمتاجرين في قضاياها"، ولقد رأينا في الدعوة للفاطمية المعاصرة بداية للوحدة الإسلامية التي ينشدها المسلمون ، ولكن لماذا الدولة الفاطمية دون غيرها التي دعا لها الأخ القائد ، هذا ما نود البحث عنه وفيه ، وذلك أنه عند البحث في أي نهضة أو حضارة بشرية يستوقفنا الحديث عن دلائل تلك النهضة الحضارية ، لأن كل نهضة أفرزت إنجازات ، وتلك الإنجازات هي التي تحسب لها أو عليها ، فالحضارة الغربية على سبيل المثال أفرزت كما هائلا من التقدم العلمي ، وقادت البشرية لثورة الاتصالات ، وأخذ التقدم العلمي يتقدم في كافة المجالات ، ولكنه وعلى المستوى الإنساني نجد هذه الحضارة تناست العطاء الروحي الإنساني ، وكان للتقدم العلمي أثره على الصناعات العسكرية ، فشهد القرن العشرون استخدام القوة النووية ، ومات عشرات الملايين الأبرياء من جرّاء الحروب الدامية ، بمعنى أن الحضارة الغربية الحالية لها آثارها المدمرة بجانب إيجابياتها ، ولذا عند الحديث عن نهضة عربية إسلامية لابد من الأخذ في الاعتبار النموذج الحضاري الذي يجب أن تستلهمه الأمة ، من الخارج الغربي أم من الداخل الإسلامي ، وهنا يجد الباحث المعاصر صعوبة في البحث عن نموذج حضاري إسلامي تلتزم به الأمة لتخرج من كبوتها وضعفها ، وذلك بعد أن ثبت بالتجارب المعاصرة أن استيراد مفردات النهضة من الغرب لم تأت بالثمار المرجو منها ، بل زادت عمليات التغريب والتفرق والتشرذم ، ومن ثم فإن البحث عن نموذج إسلامي هو الهدف الأسمى والأمثل للأمة ، وهناك ثلاثة نماذج من النهضة الإسلامية تمكنت من تقديم الحضارة الإسلامية للعالم بأسره ، وكانت النواة التي قامت عليها الحضارة الأوربية المعاصرة ، أما النماذج الثلاثة فهي تجربة الدولة العباسية خلال عصر الخليفة المأمون وتجربة الدولة الإسلامية في الأندلس وتجربة الدولة الفاطمية ، وعند البحث نجد أن الدولة العباسية في طور نهضتها أيام الخليفة هارون الرشيد ثم اعتماد الخليفة المأمون من بعده المنهج العقلي أو الاعتزالي كان قمة الروعة في الحضارة الإسلامية ، ولكنه وفي سبيل تصميمه على فرض المنهج العقلي وقع في خطيئة فرض الرأي على المسلمين بالقهر ، وكانت قضية خلق القرآن الكريم مثال واضح على ذلك ، لأن قضية خلق القرآن ليست من ضرورات الدين ، ولكن المأمون فرضها وأخذ الناس بالشدة عليها وعذب علماء أهل السنة وأبرزهم الإمام أحمد بن حنبل ، الذي عذبه المأمون ثم المعتصم ثم الواثق ، ثم انفرجت الأزمة بوصول المتوكل العباسي للحكم بعد الواثق فانتصر للسنة ضد أهل الرأي ، وانقلب الحال إلى العكس ، فطارد شيوخ المعتزلة وقتلهم ، وفرض عدم الحديث في الكلام والفلسفة ، ثم ساد خمول فكري طويل لم ينقشع أبدا وحتى سقوط الخلافة العباسية نفسها تحت جحافل التتار ، ويجد الباحث أن الخلافة العباسية لم تقدم مشروعا فكريا حضاريا متكاملا طوال عهدها ، والفترة الوحيدة فيها لم تتعد العقد من الزمان أثناء خلافة المأمون وبعض من فترة حكم المعتصم ، وتلوثت تلك الفترة بفرض الرأي الواحد الذي كان هو السمة الغالبة عليها ، فقد قتلت من الكتاب والمفكرين المعارضين لها في الرأي أبرزهم عبد الله بن المقفع بسبب كتابه "رسالة الصحابة " والتي كتب فيها حق الراعي وحق الرعية ، وكذلك الجعد بن درهم تم إعدامه يوم عيد الأضحى لأنه أعلن رأيا خاصا به في قضية الصفات الإلهية ، فكفروه ثم قتلوه ، هذا وقد تمزقت الدولة العباسية إلى دويلات فضاعت الوحدة المنشودة والتي قامت على أساسها الخلافات السابقة عليها واللاحقة بها ، ولذا لا يمكن الحديث عن الخلافة العباسية ومن قبلها الأموية بطبيعة الحال كنموذج للأمة المعاصرة تستلهم منها فكرها وسمات حضارتها المنشودة ، أما ثاني النماذج الإسلامية وهي الدولة الإسلامية في الأندلس فقد كانت نموذجا حضاريا بارعا في التسامح الديني والتفاعل مع أصحاب الديانات المختلفة خاصة اليهودية والمسيحية كما وصلت الدولة لآفاق رحبة من التقدم العلمي الحقيقي ، والتفاعل بين العقل والنقل ، وبين الروح والمادة ، وكانت جامعات قرطبة وأشبيلية وغرناطة قبلة أهل أوروبا أجمعين ، ولكن النموذج الأندلسي قدم صورة بائسة لوحدة الأمة ، فقد كان المفروض أن يكون التقدم العلمي عامل وحدة ، ولكن حدث العكس فقد تمزقت الدولة الواحدة إلى دويلات ، أو إلى دول طوائف ، وصارت كل دولة تقدم التنازلات على الأرض للقشتاليين من أجل دعمهم ضد أخوتهم في العقيدة واللغة ، وعندما وحّد يوسف بن تاشفين الدولة من جديد بعد انتصاره في موقعة الزلاقة الشهيرة عام 479هـ ، قام بالحد من التقدم العلمي ، وفرض الرأي الواحد ، ومنع الحديث في الفلسفة والرأي ، فتم إحراق كتب المفكرين ، أشهرهم الوليد بن رشد الذي أحرقت كتبه ثم أغلق باب التفكير ، فكانت النتيجة المنطقية سقوط الدولة برمتها وتفريغ الأندلس كله من الوجود الإسلامي بعد سقوط آخر غرناطة آخر دول الأندلس عام 1492 ، ولذا فإن النموذج الأندلسي لا يصلح لتقديمه كنموذج حضاري للأمة لتستلهم منه حضارتها ومشروعها للتواصل الفكري.

النموذج الفاطمي والفاطمية الجديدة

يبقى النموذج الفاطمي الذي لو بحثنا فيما يميز الفاطميون عن غيرهم من الخلافات الإسلامية لوجدنا للدولة الفاطمية محاسن جمة ولو أنها لم تنفرد بها وحدها بل شاركتها فيها كثير من الدول ، ولكن قلما تجدها مجتمعة في دولة واحدة على امتداد فترة حكمها ، وتوحدت الدولة طوال تاريخهم ، ولم تتفرق مثلما حدث لدولة الأندلس ، وقامت الدولة الفاطمية بفتح المجال للكفاءات من شتى المذاهب والديانات لتبوء أعلى المناصب السياسية طالما فيه تحقيق للمصالح العليا للدولة وكدفاعهم عن ثغور الإسلام ، كما نصروا أهل أفريقيا والشام ضد الروم ، وكاحترام العلم والعلماء وإطلاق العنان لهم بدون قيود بل وحتى دعمهم والإغداق عليهم وكتقلد المرأة المناصب السياسية والدينية كالسيدة الحرة أو لعبها دوراً هاما في صنع القرار كست الملك أخت الحاكم بأمر الله وأسماء بنت شهاب زوجة علي الصليحي ، كما كان للمرأة مجالس لتلقي العلم والتعليم ، وكالبدء من حيث ما انتهى أسلافهم فحكموا مصر بمساعدة الكوادر الإخشيدية فلم تقم دولتهم على تصفية سلفهم ولا نبش قبورهم ومسح هويتهم والعودة إلى نقطة الصفر ، ولم يتهموا مسلما بأنه أشد خطراً من اليهود والنصارى حتى لو كان معاديا لهم ، إذ أنهم احتووا كل الديانات ، وتتجلى روعة هذا الموقف حين استعان الأمويون في الأندلس بالروم على الفاطميين في المغرب فسأل المعز لدين الله مستشاريه فقالوا نهادن الروم ونقاتل الأمويون فقال : معاذ الله! ما كنت بادئا إلا بمن بدأ الله عز وجل به، قال تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ فهم أقرب إلينا .

فهذه خصال قد يكون شاركهم فيها غيرهم ، إلا أن الميزة التي لم تتوفر في سواهم هي التسامح والحرية الدينية والعدل ، ومن هنا تأتي الدعوة للفاطمية الجديدة .. ملامح الفاطمية الجديدة إن ملامح الدعوة الفاطمية الجديدة مستقاة من ملامح ونموذج الدولة الفاطمية ، ومن ثم نرى أن نقرأ قراءة سريعة في النموذج الفاطمي ، والذي نريد تحقيقه على الواقع المعاصر ، لأن الدعوة الجديدة تقوم على ثلاثة أسس التسامح مع العدل والعلم مع القوة العسكرية التي تنشأ عن العلم والمعرفة والتسامح أيضا ... التسامح والحرية الدينية يرى الكثيرون أن النهضة الغربية يجب أن أنخذ بها ، لأنهم يحترمون حقوق الإنسان ولكنهم في الغرب لا يحترمون سوى حقوقهم أما حقوق غيرهم فلا يقيمون لها وزنا ، وعندما يتحدث بوش عن الشيعة والسنة فإنه لا يريد الحق ، ولكن في الدعوة الفاطمية الجديدة نجد فيها كل علامات التسامح ، بحيث لم يصل أحد لمثلهم في ذلك حتى في العصر الحديث ، ونذكر شيئا عن تسامحهم وعدلهم لكل المذاهب والديانات ، في عام 362هـ رأى السنيون في مصر أن الشيعة يحتفلون بعيد الغدير فأرادوا الاحتفال بعيد لهم نكاية في الشيعة ، فقالوا إن 26 من ذي الحجة هو يوم دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غار ثور مع أبي بكر الصديق فاتخذوه عيداً وبالغوا في إظهار الزينات ونصب القباب فوجدوا متسع من الحرية خولتهم القيام بذلك ، ونفس الوضع بالنسبة للأقباط كانوا يحتفلون بكل أعيادهم كالنيروز وما سواه وتوج الحاكم بأمر الله الدعوة بحرية العبادة بسجل تضمن المبدأ الليبرالي الحر القائل : (لكل مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى ربه معاده، وعنده كتابه وعليه حسابه) وجعل المالكية يدرسون مذهبهم بدار الحكمة ، وعين في رئاسة القضاء بمصر وبلاد الخلافة سنياً ، وهو أبن أبي العوام ، الذي أستمر في القضاء من سنة 405هـ إلى سنة 411هـ. وحينما قال الناس: "أنه ليس على مذهبك"، قال : "هو ثقة مأمون مصري عارف بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يصلح لهذا الأمر غيره " وكذلك اشتهر عصره بتولي القضاء من قبل مالكية وشافعية. ومنع سب أعداء مذهبه ولم يعامل أعدائه بالمثل الذين كانوا يسبون علياً من على منابرهم، لاسيما العباسيون في العراق ، والأمويون في الأندلس ، فحينما جاء المعز لمصر، لم يلعن لاعنيه، وإنما كتب على سائر الأماكن بمدن مصر (خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام) ، بل حتى المذاهب المتفرقة داخل الأديان الأخرى غير الإسلام قد وجدت لها فسحة ، فقد حدثت خصومة في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله بين مذهب "القرائين " ومذهب "الربانيين"، وهما أهم الفرق اليهودية الباقية حتى الآن ، وبينهما حرب عنيفة وتكفير، وكان سبب هذه الخصومة أن المشرف اليهودي على قصابي اليهود كان من طائفة الربانيين ، وللقرائين في شئون الذبائح مذهب يختلف عن مذهب الربانيين ، فمن ذلك أنهم يحرمون ذبح أنثى الحيوان في أثناء حملها بينما يجيز ذلك الربانيون ، فحدث احتكاك عنيف بين الطائفتين ، وطلب القراءون أن يسمح لهم بحوانيت خاصة للحوم الأنعام والطيور تخضع لتفتيشهم هم ولا تخضع لتفتيش محتسب الربانيين ، وأن يسمح لهم بفتح حوانيتهم في أعياد الربانيين التي لا يعترفون هم بمواقيتها حيث كل فرقة لها تقويمها الخاص ، وقد استجاب الخليفة الظاهر لمطالب القرائين وأصدر مرسوما في 11 من جمادى الأولى سنة 415هـ 1024 ميلادية هذا نصه :

" من تتبع عاداتكم ، واستمراركم في تقاليدكم التي أخذتموها عن دياناتكم بدون عائق يقوم من طائفة ضد الأخرى أو قيام معاملة خشنة بينكما، فهذا يدعوا إلى السماح لكل طائفة بأن تعيش وتعبد كما تهوى ، مع تمكين كل طائفة في بيع أو شراء ما تشتهي، وأن تحتفل بعيدها كما تريد ومتى ترغب بكامل حريتها ومطلق أرادتها ، وأحذر الطائفتين من التدخل أو إحداث شغب أو مضايقة بعضهما ، أن الأمان مكفول لكم جميعا ، وعليكم عدم تمكين شرير بينكم من الإتيان بشيء ممنوع ، وعليكم تجنب المناقشات التي تؤدي إلى سوء العاقبة ، وعليكم المحافظة على ذلك ، والعقوبة ستحل بكل فرد يتجاوز حدوده ويأتي بأعمال محرمة ، فمثل هذا الشخص سيعاقب عقوبة شديدة وسيكون مثالا لغيره حتى لا يحتذيه أحد ، كذلك يحرم التدخل في شئون طائفة القرائين في معابدهم الخاصة بهم وحدهم ".


"وهذا الأمر صادر من أمير المؤمنين ، فعليكم العمل على تنفيذه واحترامه، وعلى أمير الجيوش –ساعده الله- أن يساعد على تنفيذه، وعلى رؤساء الأقاليم العناية العادلة بالطائفتين، وعلى الحكام إصدار الأوامر الخاصة بوجوب العناية والمحافظة على أفراد الطائفتين والعمل على عدم اضطهادهم".

"وليحترم هذا الأمر بواسطة الذين كتب لهم أن شاء الله"

"حرر في يوم الأربعاء 11 جمادى الأول عام 415 هجرية".

ومن هذا تظهر السماحة في معاملة أهل الديانات الأخرى وتذليل الفرص لأتباعها في مزاولة عباداتهم وأداء شعائرهم ، وهذه أظهر سمة من سمات الكمال للدين الإسلامي القويم.

ونتيجة لهذا المناخ أستقطب العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين كانوا يقتلون بتهمة الزندقة والإلحاد في بقية الأقطار بعدما وجدوا فضاء الحرية ماداً يديه إليهم بالقبول والترحاب . لقد تعامل الخلفاء الفاطميون مع أهل الذمة من اليهود والنصارى بتسامح شديد لم يعهدوه مع الولاة الذين امتصوا دماءهم وأثروا على حسابهم ؛ صحيح أنه وجد في بعض الفترات تضييقا على المسيحيين ، ولكن ذلك كان رد فعل على التعصب الصليبي ضد المسلمين في آسيا الوسطى ، ولكنها دوما فترات بسيطة ، ولذا فإن التحول المصري الكبير للإسلام جاء في العصر الفاطمي ، مع العلم بأن الخلفاء الفاطميين كانوا يحتفلون مع المسيحيين بأعيادهم وحتى الأعياد المصرية الفرعونية احتفل بها الفاطميين دون حرج أو غضاضة أو شبهة تحيز ضد الناس ، واحتل المسيحيون واليهود مساحة هائلة في قلب الثقافة المصرية الفاطمية ، وكان منهم الوزراء والكتاب ورجال الصناعة ، وقد شهد بذلك المنصفون من مؤرخي الغرب ، وحتى الذين يختلفون مع الفاطميين لا ينكر تلك الحرية العلمية والدينية التي شاعت في جنبات الدولة وما زالت ممتدة في مصر في العصر الراهن ، ولنا أن نقول إن العصر الفاطمي كان عصر المعارف والتسامح والاعتدال الديني والمذهبي. وقال ابن تغري بردي عن فترة الحاكم بأمر الله : فلما كان في رجب انحلت الأسعار ، وقرئ سجل جاء فيه : (يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون ، وصلاة الخميس للذي جاءهم فيها يصلون ، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون ، يخمس في التكبير على الجنائز المخمسون ولا يمنع من التربيع عليها المربعون ، يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ولا يؤذي من بها لا يؤذنون بحي على خير العمل ، لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف والحالف منهم بما حلف لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده). تلك الوثيقة الرائعة التي أصدرها الحاكم تدل على وعيه وحرصه على وحدة المسلمين ، لم يمنع ولم يسرف في المنع ، كما أمر أن لا يُقَبَّل أحد له الأرض ولا يُقَبِّل ركابه ولا يده عند السلام عليه في المواكب ، فإنّ الانحناء إلى الأرض لمخلوق من صنيع الروم ، وأن لا يزاد على قولهم السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ولا يُصلى أحد عليه في مكاتبة ولا مخاطبة ويقتصر في مكاتبته على سلام الله وتحياته ونوامي بركاته على أمير المؤمنين ويدعي له بما يتفق من الدعاء لا غير ، فلم يقل الخطباء يوم الجمع سوى (اللهمّ صلّ على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى اللهمّ وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين اللهم اجعل أفضل سلامك على عبدك وخليفتك ) ، كما مُنع من ضرب الطبول والأبواق حول القصر فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق ، وكثرت إنعامات الحاكم ، فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في إمضائها فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة الحمد للّه كما هو أهله ‏:‏)) أصبحتُ لا أرجو ولا أتقي إلاّ إلهي وله الفضل ، جدي نبي وإمامي أبي ودينيَ الإخلاصُ والعدل ، المال مال الله عز وجل ، والخلق عباد اللّه ونحن أمناؤه في الأرض ، أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام )) ، وركب الحاكم يوم عيد الفطر إلى المصلي بغير زينة ولا جنائب ولا أبهة سوى عشرة أفراس تقاد بسروج ولجم محلاة بفضة بيضاء خفيفة وبنود ساذجة ومظلة بيضاء بغير ذهب عليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته ولم يفرش المنبر ومُنع الناس من سَب السلف وضرب في ذلك وشهر وصلى صلاة عيد النحر كما صلى صلاة عيد الفطر من غير أبهة ونحر عنه عبد الرحيم إلياس بن أحمد بن المهديّ ، وأكثر الحاكم من الركوب إلى الصحراء بحذاء في رجله وفوطة على رأسه ، وعبد الرحيم يتولى النظر في أمور الدولة كلها وأفرط الحاكم في العطاء وردّ ما كان أخذ من الضياع والأملاك إلى أربابها .. وأبطل عدّة مكوس وقتل الكلاب كلها وأكثر من الركوب في الليل ومنع النساء من المشي في الطرقات فلم تر امرأة في طريق البتة وأُغلقت حماماتهنّ ومنع الأساكفة من على خفافهنّ وتعطلت حوانيتهم واشتدّت الإشاعة بوقوع السيف في الناس فتهاربوا وغُلفت الأسواق فلم يبع شيء‏.‏ أي أنه في ظلال الحكم الفاطمي عرفت الشعوب حرية العقيدة وحرية الإعراب عن هذه العقيدة ، فعندما نزل أبو عبدالله صاحب عبيد الله وداعيته أرض المغرب وسيطر عليها باسم الفاطميين ، أراده أخوه أبو العباس أن ينفى عن القيروان من يخالف مذهبه ، فقال له أبو عبد الله: (إن دولتنا دوله حجه وبيان ، وليست دوله قهر واستطالة ، فاترك الناس على مذاهبهم). ولما امتدت هذه الدولة واصله إلى مصر، وأنشأت الجامع الأزهر مقرا لدعوتها ، دعت المذاهب الإسلامية كلها إلى أن تتولى تدريس مبادئها في الجامع الأزهر ، فكان للمالكية خمس عشره حلقه ، وللشافعية مثلها ولأصحاب أبى حنيفة ثلاث حلقات. ثم أصبحت القاهرة ملجأ للعلماء والمفكرين يفرون إليها من الاضطهاد والفقر. هذا القاضي أبو الفضل محمد بن احمد بن عيسى البغدادي إمام الشافعية يفد إلى مصر الفاطمية فيملى من مذهبه فيها ما شاء أن يملى ، ويظل كذلك حتى يموت سنه 441هـ ، وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم الفلسطينى (518هـ) يفد كذلك بين العلماء الوافدين ، وأبو الحجاج يوسف الميورقى (523 هـ) ومجلى بن جيع المخزومى ( 550هـ) والقاضي أبو الحسن الموصلي الخلعى (448هـ) وعبد اللّه بن رفاعة السعدي (561هـ) والقاضي القضاعى ، هؤلاء الخمسة ممن وفد إلى مصر وولى القضاء للفاطميين بالرغم من أنهم كانوا شافعيي المذهب. ولقد حرصنا على أن نختار واحدا من كل فتره لنبين أن الأمر قد استمر ولم ينقطع، ومن فقهاء المالكية لجأ إلى مصر الفاطمية أمثال محمد بن سليمان المعروف بأبي بكر النعال، الذي كانت إليه إمامه المالكية واليه كانت الرحلة بمصر، وكانت حلقته في الأزهر الفاطمي تدور على سبعه عشر عمود لكثره الطلاب الذين كانوا يقصدونه ، وهناك قصه الفقيه المالكي عبد الوهاب بن على ، الذي وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم ير في المالكية افقه منه ، هذا العالم تضيق به دنيا الإسلام فيكاد يموت من الجوع في بغداد ويتطلع إلى البلد الذي يحفظ عليه رمقه ويقيه بؤس العيش فلا يجد إلا مصر الفاطمية ، فما أن يصل إلى مصر حتى تتلقاه الدولة بالترحاب ، وتغدق عليه المال ، وتأمره بالانصراف إلى عمله ، ولكن الأمر لا يطول به فيمرض بالفالج ، فيقول: لا اله إلا اللّه عندما عشنا متنا(422هـ). وعبد الجليل مخلوف الصقلى (499هـ) وأبو بكر الطرطوشى محمد بن الوليد الأندلسى نزيل الإسكندرية (هـ525) وغيرهم. وابن النقاش - وكان فاضلا في صناعه الطب – رحل إلى الشام من بغداد، أقام بدمشق مده ولم يحصل له بها ما يقوم بكفايته، وسمع بالديار المصرية إنعام الخلفاء فيها وكرمهم وإحسانهم إلى من يقصدهم ولا سيما أرباب العلم والفضل ، فتوجه إلى مصر ، فوهبت له الأموال وأقام فيها مكرما وبلغ الأمر إلى أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي الذي هاجم الشيعة بعامه والفاطميين بخاصة ، والذي شحن كتبه بالتحامل عليهم والطعن فيهم ، لم يجد آخر الأمر إلا مصر الفاطمية بلدا يؤويه ويشجعه على مواصله البحث والدرس. وتناسى الفاطميون تعصب الغزالي واعتداءه عليهم ولم يذكروا إلا انه عالم ، وحق العالم عليهم حق كبير، وتجاهلوا ما نالهم منه في كتبه (القسطاس) و(المنقذ من الضلال) و(المستظهر) وغيرها ، فأحلّوه في دولتهم على الرحب والسعه ، وألف بعض كتبه ككتاب (مشكاة الأنوار) في رعايتهم وبين ظهرانيهم. ومع هذا التسامح الفاطمي انتسر العدل ولم تحدث أي ثورة اجتماعية خلالها .

العلم والمعرفة

للتدليل على ما وصلت إليه الدولة الفاطمية نقرأ بعضا مما قاله عنها بعض العلماء ، لنعرف لأي مدى وصلت الحضارة الإسلامية في ظل الفاطميين ، يقول الدكتور عبد المنعم الماجد : . . ويرجع الفضل إلى الفاطميين في خلق أهمية مركز مصر الدولي للتجارة ، إذ أنهم عرفوا مزايا الموقع الجغرافي لمصر في مفترق القارات لتربط بين عالمين ، ولكي يسهل الفاطميون نقل التجارة بين الشرق والغرب ، فتحوا القنال بين النيل والبحر الأحمر وهو ما عرف في عهد المستنصر بالخليج الحاكمي نسبة إلى الحاكم بأمر الله . . وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو عندما مر بمصر في تلك الفترة : أن المصريين كانوا في حالة حسنة جدا . وأنه رأى أموالا يملكها بعض المصريين لو ذكرها أو وصفها لما صدقه أحد ، فهي لا تقع تحت تحديد أو حصر ، وهي للنصارى والمسلمين على السواء . . وذكر أيضا : وقد رأيت الأمن والعدل فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع : الأول بالدشت أيام نشكرخان ، والثاني بالديلم أيام أمير الأمراء جستان بن إبراهيم والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين والرابع بطبس أيام الأمير أبي الحسن بن محمد فلم أسمع على كثرة ما سافرت بهذه الجهات عن الأمن ولم أره . لقد أصحبت مصر لأول مرة في التاريخ مركز الحكم والتوجيه ، وتحولت القاهرة إلى عاصمة للعالم الإسلامي كما أصحبت منارة العلم وقبلة المتعلمين وذلك بفضل الفاطميين الشيعة ، وكانت الدولة الفاطمية تمتد من أقصى المحيط الأطلسي إلى الفرات وبلغت دعوتها إلى أقصى انتشارها ووصل غناها إلى الذروة ، وهكذا كان حال الدولة الفاطمية حين تسلمها المستنصر بالله الخليفة الثامن من خلفاء الفاطميين . . وقال أيضا : كانت الحكومة تقوم بكسوة موظفيها في الصيف والشتاء وكسوة العامة من الفقراء والمحتاجين . . وكانت المواكب المترفة غاية الترف التي كانت تخرج في شوارع القاهرة في المناسبات الدينية كعيد الفطر والأضحى وبداية رمضان وكذلك في عيد ميلاد الخليفة هذه المواكب تشير في دلالة واضحة إلى حالة الرخاء والسعة التي كانت تعيشها في تلك الفترة . . وجميع أفراد الشعب كانوا يتأنقون لهذه المواكب فيلبسون أغلى الملابس وأروعها والتي كانت تصنع في دور الطرز المصرية وهي أماكن لصناعة الملابس أغلبها مذهبة يشملها زى مصري عام ذو أكمام واسعة . . وقد بلغت الناس غاية التأنق في عهد الظاهر . . وكان الخليفة العزيز يقول : أحب أن أرى النعم عند كل الناس ظاهرة ، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار وأن يكون ذلك كله من عندي.

ويروي المؤرخون الكثير عن عدل المستنصر ورحمته بالناس فقد كان يعطي الدواء لمن يطلبه المجان ويخالط الناس ويسمع شكواهم وقد أحبته الرعية حبا شديدا . كما يُروى أن النفقة على قافلة الحج في عهد المستنصر بلغت مائتي ألف دينار ولم تبلغ هذه النفقة مثل ذلك في دولة من الدول حيث كانت تشمل ثمن الطيب والشمع والحماية والصدقة وأجرة الجمال ومعونة خدم القافلة ومن يسير معها من العسكر الذين بلغت نفقاتهم في عهد المستنصر ستين ألف دينار زيادة على مرتباتهم أو ألف دينار في اليوم . . وقد أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395 ه‍ ، وزودها بالكتب من كل نوع في العلوم والآداب والعقائد وكان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار ، فكانت أشبه بجامعة تتكون من عدة كليات .. وكانت خزانة الكتب في زمن المستنصر لا نظير لها في جميع بلاد الإسلام وهي تتكون من أربعين خزانة فيها أكثر من مائتي ألف كتاب وعدد كبير من الكتاب والنساخ . . وبلغ عدد المساجد في مصر آنذاك ستة وثلاثون ألف مسجد في جميع المدن والقرى ولكل مسجد يقع في حدود الدولة من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها الخليفة المستنصر من زيت وحصير وسجاجيد للصلاة ورواتب للقوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم.


واعتاد خلفاء الفاطميين أن يقيموا في قصورهم الولائم الفاخرة في الأعياد لعامة الناس حيث تقدم لهم الفطرة ، وهي حلوى من دقيق وفستق ولوز وبندق وتمر وزبيب وعسل ، وهي تنشر كالجبل الشاهق على مائدة طويلة بالإيوان الكبير . . وفي عيد الأضحى كان الخليفة ينحر بنفسه الأضاحي إيذانا منه ببدء النحر ، وكانت تنحر في فترة العيد ما يزيد على الألف رأس توزع لحومها على الموظفين وطلبة العلم والقائمين بشئون الجوامع . . إن الدولة الفاطمية التي استقرت بمصر كانت أوفرها بين الدول بهاء وأبقاها أثرا ، وما زال الجامع الأزهر غرس الدولة الفاطمية اليانع يقوم منذ ألف عام أثرا خالدا ورمزا باهرا لهذا العصر الزاهر وهذه الدولة المستنيرة العادلة . وربما كان العصر الفاطمي بين عصور مصر الإسلامية الغابرة أجودها من هذه الناحية بالدرس والتمحيص وأحفلها بالمواقف الشائقة وأكثرها سحرا وفتنة وأبعثها إلى التأمل والعطف ، وفي أيام هذه الدولة أخذت أنوار الحضارة الإسلامية تنبثق من هذه المدينة الزاهية على أرجاء الأرض وأخذ الفن المصري الإسلامي يتألق في جميع نواحيه ، وفي رعاية هذه الدولة وثبت العمارة الإسلامية وثبة قوية حتى قاربت الكمال ، لأن خلفاءها تباروا في إنشاء وتأسيس المساجد الكبرى والحصون والقصور والمناظر والحدائق والبساتين ، وفي هذا العصر الزاهي انتشر الزخرف في واجهات المساجد وانتعش التصوير ونبغ المصورون وترقت ودقت صناعة الجص والأخشاب . . وكانت أيامهم كلها أعيادا بما ابتكروه من حفلات جمعت بين جلالة الملك وطرب الشعب وبهجته . . من الميزات التي تميزت بها الدولة الفاطمية صبغتها المذهبية العميقة مع تسامحها مع المخالفين لها في المذهب أو الدين ، كما كانت تمتاز بطرافة نظمها السياسية وقد كانت الدولة الفاطمية مبتكرة مجددة في كثير من قواعد الحكم والإدارة ، وفي كثير من الرسوم والنظم، وكانت هذه الرسوم والنظم فوق طرافتها الدستورية تطبعها نفس الصبغة الباذخة ، التي تطبع الدولة الفاطمية وسائر مظاهرها. كانت الخلافة الفاطمية خلافة مذهبية (شيعية إسماعيلية ) شعارها الإمامة الدينية ، وكان لهذه الصفة المذهبية أثرها في صوغ كثير من النظم والرسوم التي اختصت بها ، وقد نشأت الدولة الفاطمية في قفار المغرب ، دولة عسكرية ساذجة تظللها الصبغة الدينية ، فلما اتسع ملكها وعظم سلطانها بافتتاح مصر والشام ، شعرت بالحاجة إلى التوسع في النظم السياسية والإدارية، التي يقوم عليها هذا الملك الباذخ ، ولم تكتف بالاعتماد على الخطط العسكرية والدينية والمدنية المعروفة ، بل عمدت إلى الابتكار في تنظيم الأصول والخطط الدستورية، وفقا لحاجاتها وغاياتها السياسية والمذهبية. وليس من المبالغة القول إن ديوان الإنشاء كان أعظم الدواوين قاطبة في إدارة الحكم الفاطمية ، وكانت مهمته من أخطر وأدق المهام ، ففي دولة كالدولة الفاطمية ، لها صبغة مذهبية خاصة ، كانت السجلات أو المراسيم تصاغ في أساليب عالية ، وكان بث الدعوة المذهبية وعرضها خلال المكاتبات السياسية، يتطلب أرقى وأبلغ الصيغ البيانية0 أما الخطط الدينية فكانت تشمل عدة وظائف خطيرة ، أعظمها وأجلها قدرا منصب قاضي القضاة، ومنصب الدعاة ، وكان قاضي القضاة أعظم زعيم ديني في الدولة ، وإليه مرجع الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والحدود، والنظر في شؤون السّكة (دار الضرب) ، وشؤون المساجد وأئمتها وسائر المتصرفين فيها ، وكان اختصاصه يشمل مصر والشام والمغرب والحرمين ، ومركزه العام بالقاهرة. أما عن المتون الشرعية التي كانت مرجعا للقضاء في العصر الفاطمي ، فقد كانت تتضمن أساسا متون الفقه الشيعي أوفقه الأمامية الإسماعيلية ، وذلك سواء في العبادات أو المعاملات أو الحدود ، وكان العلامة الفقيه الشيعي الكبير النعمان بن محمد القيرواني قاضي المعز لدين الله هو أول من وضع متونا منفصلة في أحكام الفقه الإسماعيلي ، لبثت طوال العصر الفاطمي هي المرجع الأول للقضاء. من جهة أخرى اتسمت الخلافة الفاطمية على الصعيد الديني بسياسة ثابتة ، اتسمت بجانب من المرونة ، تمثلت في استمالة أهل السنة والجماعة ، وتمكينهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ، وكانت المذاهب السنية المعروفة ، الشافعي ومالك وأحمد (بخلاف أبي حنيفة) ظاهرة الشعائر في مملكتهم ، وكان مذهب مالك بالأخص ذائعا ، ومن سأل الحكم به أجيب إلى طلبه. وقد أنشئت في الخلافة الفاطمية لأول مرة هيئة رسمية خاصة للنظر في شؤون العلوية والمنتسبين إلى آل البيت ، وعرفت هذه الهيئة يومئذ بـ (نقابة الطالبيين) ، وكان يتولى النظر عليها واحد من أكبر شيوخهم وأجلهم قدرا، يسهر على صحة الأنساب وإثباتها ورعاية شؤونهم ورعاية مصالحهم ، وفيما بعد عرفت هذه الهيئة باسم (نقابة الأشراف). ولقد تركزت الأعياد الدينية الرسمية في عهد الدولة الفاطمية بجملة أعياد خاصة بها شرعت لغايات دينية وسياسية ، أما الأعياد العامة فهي رأس السنة الهجرية ، وليلة المولد النبوي الكريم ، وليلة أول رجب وليلة نصفه ، وليلة أول شعبان وليلة نصفه ، وغرة رمضان ويوم الفطر ويوم النحر أو عيد الأضحى ، وأما الأعياد المذهبية فهي الاحتفال بمولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ومولد ولديه الحسن والحسين، ومولد زوجته السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي (ص)، وهي التي ينتسب إليها الخلفاء الفاطميون، ويوم عاشوراء أو عاشر المحرم ، أي اليوم الذي يصادف فيه مقتل الإمام الحسين في الطف بكربلاء سنة 61 هـ ، هذا إلى جانب أعياد مصرية قديمة ، كعيد فتح الخليج ، ويوم النوروز، وعيد الشهيد ، و كانت الخلافة الفاطمية ترمي بترتيب هذه الرسوم والمناسبات إلى غايتين : الأولى أن تثبت هيبتها الدينية بما تسيغه من الخطورة والخشوع على بعض المظاهر والرسوم المذهبية ، والثانية أن تغمر الناس بفيض من الحفلات والمآدب والمواكب الباهرة، وأن تنثر عليها ما استطاعت من دواعي البهجة والمرح ، وذلك لكي تكسب ولاء الناس وعرفانهم وتأييدهم لها.


مظاهر النهضة الحضارية والفكرية شهد عصر الفاطميين العديد من مظاهر العمران والنهضة الحضارية التي شملت الكثير من العلوم والفنون والآداب ، وكان من أبرز الآثار المعمارية التي أنشأها العزيز قصر اللؤلؤة الذي شيده على النيل ، كما اهتم كذلك بالقصر الشرقي الكبير الذي أسسه جوهر القائد، والذي يعد من أعظم عمائر الفاطميين ، وقد أضاف إليه العزيز قاعة الذهب والإيوان الكبير، كما بدأ العزيز في بناء مسجده الضخم خارج السور الشرقي للقاهرة، ولكنه توفي قبل أن يتمه، فأكمله ابنه الحاكم. وكانت القاهرة طوال العصر الفاطمي هي مركز الدعوة الإسماعيلية في العالم الإسلامي، وقد تركزت هذه الدعوة في بداية الدعوة الإسماعيلية في الأزهر، وشهدت بداية خلافة العزيز بالله أولى حلقات الدراسة في الجامع الأزهر، حيث جلس القاضي "علي بن النعمان" في سنة (365هـ/ 975م) ليملي مختصرا في الفقه على جمع كبير من العلماء والكبراء. كما شهدت الفنون المتطورة ازدهارا كبيرا في العصر الفاطمي، حتى بلغت أقصى درجات الجودة والإتقان، ومن ذلك صناعة الخزف والمصنوعات الزجاجية، وخاصة في عهد الخليفة العزيز بالله. وشهدت مصر كذلك في عهده استقرارا ملحوظا ونهضة اقتصادية ورواجا تجاريا ، فضلا عن النهضة العمرانية العظيمة وإنشاء العديد من المساجد والأربطة والمدارس، والاهتمام بالحدائق والبساتين وتشييد القصور الأنيقة والمباني الفخمة؛ وهو ما يعكس حياة الترف والرفاهية التي اتسم بها عهد العزيز

حركة النهضة الفكرية والعلمية في ظل الفاطميين

قامت الدولة الفاطمية بمصر والحركة العقلية المصرية تشكل طورا من أطوار قوتها ، ذلك أن الدولة الإخشيدية التي استخلص الفاطميون منها تراث مصر، كانت نصيرة للعلوم والآداب ، وفي ظلها ازدهرت الحركة الفكرية والأدبية ، ونبغ عدة من المفكرين والكتاب الممتازين ، مثل ابن يونس المحدث والمؤرخ، والفقيه أبو بكر الحداد، وأبو عمر الكندي المؤرخ، والأديبين الشاعرين أبو جعفر النحاس وأبو القاسم بن طباطبا الحسيني، والحسن بن زولاق الفقيه والمؤرخ. ولما قامت الدولة الفاطمية بمصر ما لبثت الحركة العقلية أن لقيت ملاذها في قيام الجامعة الفاطمية الكبرى ، التي تمثلت بـ (الجامع الأزهر) الذي أقيم في البداية ليكون مسجد الدولة الجديدة و منبرها الرسمي ، ثم أنشئت فيه منذ عهد العزيز بالله تلك الحلقات الدراسية التي استحالت فيما بعد إلى جامعة حقة ، وكانت الدولة الفاطمية تعني منذ قيامها بناحية معينة من الدراسات الدينية هي الناحية المذهبية ، وأنشئت (جامعة دار الحكمة) الشهيرة في عهد الحاكم بأمر الله. وأيضا أنشئ منصب داعي الدعاة ليشرف على بث الدعوة على يد نوابه ونقبائه ، وتولي تدريس الأصول الشيعية وفقه آل البيت منذ البداية جماعة من الفقهاء الممتازين ، وفي مقدمتهم ابن النعمان ، وأولى الحاكم الفاطمي الحركة العقلية شيئا أو جانبا من رعايته ، فأجزل النفقة لجامعة دار الحكمة كما هو بالنسبة للجامع الأزهر، وزودها بخزائن الكتب الجليلة، وعقد مجالس المناظرة للعلماء والأدباء ، وغمرهم بصلاته ، وقرب إليه عدة من أقطاب المفكرين و الأدباء ، أمثال الكاتب والمؤرخ الكبير محمد بن القاسم بن عاصم شاعر الحاكم و جليسه ، وأبي الحسن علي بن محمد الشابشتي الكاتب صاحب الديارات ، وقد ومن أشهر الأطباء بن أحمد سعيد التميمي طبيب العزيز بالله، وأبو الفتح منصور بن مقشر النصراني ، ثم طبيب ولده الحاكم من بعده. وازدهرت الحركة الفكرية المصرية نوعا ما خلال النصف الأول من القرن الخامس، بيد إنها ضعفت في أواخر هذا القرن في عهد المستنصر بالله، وكانت هذه الفترة غاصة بالمحن والأحداث والفتن الداخلية والخارجية، فلم تلق الحركة الأدبية كثيرا من الرعاية أو التعضيد، بيد إنها عادت في أوائل القرن السادس فانتعشت ، واستمرت على انتعاشا وقوتها حتى نهاية الدولة الفاطمية سنة 567هـ / 1172م. وفي الفترة الأخيرة من عصر الدولة الفاطمية ، ازدهرت حركة الكتابة في مجال النثر من حيث براعته وروعة أسلوبه وافتنانه ، وتعاقب فيها من ديوان الإنشاء عدة من أئمة البيان الرائع، الذين جعلوا من رسائلهم الحلافية والديوانية نماذج من الفصاحة الباهرة ، وكان من هؤلاء أبو الفتوح الدمياطي شيخ القاضي الفاضل وابن الخلال. ومن ابرز الفلاسفة الكثيرين الذين تأثروا بالعقائد الشيعية عامة والفاطمية خاصة أحمد حميد الدين الكرماني فيلسوف الدعوة وحجتها في العراق وصاحب الكتب الفلسفية الفاطمية مثل كتاب راحة العقل وكتاب المصابيح وكتاب الأقوال الذهبية وغيرها ، وكذلك المؤيد في الدين وغيره. ولعل أشهر عالم رياضي شهدته مصر الفاطمية هو الفيلسوف أبو علي محمد بن الحسن الهيثم الذي تضاهي مرتبته العلمية مرتبة اينشتاين في العصر الحديث. لقد تفرد الفاطميون بإنشاء دور الكتب الكبرى في الإسلام وبلغت تلك الدور حداً عجيباً ، واجتمع فيها من أمهات الكتب ومصادر العلوم المختلفة ، ومن مآثر الفاطميين التي لا يزال المسلمون يستفيدون منها حتى اليوم جامع الأزهر، و قد شرع القائد الفاطمي جوهر في بناء الأزهر بأمر من المعز عندما شرع في بناء مدينة القاهرة يوم السبت لست بقين من حمادي الأولى سنة 359هـ، و تم بناؤه في التاسع من رمضان سنة 361هـ، ثم جدد فيه العزيز بالله و الحاكم بأمر الله ثم جدده المستنصر بالله والحافظ لدين الله ، وكان هذا المسجد محل رعاية الخلفاء الفاطميين و عنايتهم فلم يقصروا في تجديده والزيادة فيه ، ووقفوا لمؤذنيه وخدمته وسائل نظافته وإنارته وفرشه ما هو مذكور في كتب التاريخ. لقد انتشرت الثقافة الإسلامية العلمية في عصر الفاطميين انتشارا هائلا بسبب تشجيع الخلفاء والأمراء لرجال العلم والأدب ، واتساع أفق الفكر الإسلامي بارتحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، فراجت الثقافة ونشطت الحركة الفكرية وزخر بلاط الدولة بالعلماء والشعراء والأدباء وغيرهم ، يضاف إلى ذلك ظهور كثير من الفرق التي اتخذت من الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق مآربها السياسية والدينية، مثال ذلك ما خلفه دعاة الإسماعيلية وعلماؤهم من الجدل والنقاش الذي قام بينهم وبين العلماء السنيين ، ومع غير المسلمين ، ولعل أشهر ما تركه هؤلاء الدعاة رسائل إخوان الصفا ، وهي الرسائل الشهيرة والتي تعتبر من الوثائق الإسلامية المعدودة في كيفية التعامل مع الدين بمنطق العلم والإيمان جميعا ، ويطول البحث لو تحدثنا على تلك الرسائل التي تحتاج لأبحاث خاصة .

دار الحكمة

من بين المراكز الثقافية التي ذاع صيتها في العصر وهي الدار التي مكنت المسلمين وغير المسلمين من التواصل العلمي الذي يسمح بالحوار مع الآخر من خلال العلم ، كانت الدار نقطة الانطلاق الكبرى في المشروع الفاطمي بعد الأزهر الشريف ، أنشأها الحاكم بأمر الله بالقاهرة بعـد نحو أربعين عاما من قيام الدولة الفاطمية في مصر، وقـد افتتحت هـذه المؤسسة رسميا فـي العاشر مـن جمادى الآخر عام 395هـ/ مارس 1005م، وسميت بدار الحكمة، وقد تقلبت بها الأحوال حتى صفاها صلاح الدين الأيوبي عندما أسقط الدولة الفاطمية وأقام الدولة الأيوبية.

أقسام دار الحكمة

كانت دار الحكمة مقسمة إلى عدة أقسام واسعة ، فثمة قسم للفقهاء ، وقسم لقراء القرآن الكريم، وقسم للفلكيين، وقسم لأصحاب النحو واللغة، وقسم للأطباء ، إلى جانب عدة قاعات للمحاضرات والمناقشات والمناظرات، وكـان الحاكم بأمر الله يحضر كثيرا من المناظرات في الدار.


وقـد رصد الحاكم بأمر الله للإنفاق عليها وعلى أساتذتها وموظفيها أموالا ضخمة، وأبيح الحضور إلى دار الحكمة لجميع الراغبين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم لتلقي الدروس، أو القـراءة والنسخ فـي مكتبتها، كما خصها الحاكم بجزء من ريع أملاكه التي وقفها على بعض مساجد القاهرة.

المكتبة

حوت مكتبة دار الحكمة على أعداد كبيرة جدا من الكتب ، حتى إنها وصلت في بعض التقديرات إلى مليوني وستمائة ألف مجلد ، من بينها(6500) مخطوطة في الرياضيات و(1800) مخطوطـة فـي الفلسفة ، وكان فيها نسخ متعددة من العمل الواحد وعلى سبيل المثـال كـان هنـاك (1200) نسخة من تاريخ الطبري وأكثر من ثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي من بينها نسخة بخط الخليل نفسه ، وهكذا.

ولسرعة تزويد المكتبة بالكتب نقل إليها الحاكم بأمر الله مجموعات كبيرة من خزائن مكتبة القصر في سائر العلوم والآداب ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك.


وقـد رتب الحاكم للمقيمين بالمكتبة (الباحثين) أيا كان مجال اهتمامهم وأيا كانت جنسياتهم مكافـأة شهرية عرفت بالجوائز السنية ، تدفع لهم من خزانة بيت مال المسلمين وليس من مال الوقف.

جهاد الفاطميين بعد أن استقرت الجولة وشهدت التسامح والحرية الدينية وانطلقت في العلم ، قامت بجهاد الروم ، وقد تميز الجهاد الفاطمي بميزتين أساسيتين هما : العلم والاكتفاء الذاتي ، ويضاف إلى ذلك عنصر آخر ، وهو الاعتماد على كل أبناء الدولة في الجهاد وإعطائهم الفرصة للجهاد ، أي التنوع داخل الدولة على أساس المواطنة ، والحقيقة أن الدولة الفاطمية تأكدت أن الدولة الحضارية لا تقوم إلا على مشروع متماسك وهذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا بالاكتفاء الذاتي الاقتصادي والاستقلال السياسي ، ثم العلم بكافة أشكاله ، ثم تأسيس جيش قوي متميز غير طائفي على الإطلاق يحمي الدولة والشعب والإنجازات ، وهذه هي أسس أي حضارة في أي مكان وزمان. إن الملامح العامة للمشروع الجهادي الفاطمي المعاصر يمكن وضع أسسه ومنطلقاته العامة من المشروع الحضاري العام للدولة ، وهو العلم والمعرفة على المستويين العسكري وغير العسكري ، والاقتصاد الذاتي ، والتنوع الديني والمذهبي أو بمعنى عصري حقوق المواطنة ..

الأزهر الشريف ومشروع التواصل

لا تذكر الدولة الفاطمية ، إلا ويذكر معه الأزهر الشريف الذي يعتبر أكبر مرجعية دينية في العالم الإسلامي لأنه يمثل كل المذاهب الإسلامية التي يدين بها المسلمون ؛ حتى أن أهل مصر الذين كانوا يعتبرون شافعية المذهب لا يرتبطون بالإمام الشافعي فقط ؛ بل إن القوانين الإسلامية التشريعية تأخذ من كل المذاهب الفقهية ؛ كما أن الجامعة الأزهرية تدرس المذاهب الأخرى غير السنية مثل الشيعة الإمامة والزيدية والإباضية ؛ وهذا اتجاه محمود انعكست آثاره على كل خريجي الأزهر الشريف فلم نسمع يوما عن متطرف أو أمير لجماعة إرهابية من خريجي المدرسة الأزهرية العريقة ؛ كما أن وسطية الإسلام انتشرت مع خريجيه في سائر البلاد الإسلامية ؛ فلم يتورط الأزهر الشريف في التقوقع داخل مذهب واحد ، وظل الأزهر الشريف وحتى اليوم يمثل التيار المعتدل في الإسلام ، كما لو أنه يستمد روحيته ونبراسه من مؤسسيه الفاطميين ، والحديث عن دور الأزهر العلمي الديني أو الديني الجهادي وشيوخه من أول الشيخ محمد الخراشي وللآن يحتاج لمؤلفات كبرى ، فالأزهر قاد التنوير وحافظ على التراث في وقت واحد ، وجاهد علماؤه التتار والصليبيين والفرنسيين والإنجليز ، وكان الأزهر دوما عونا لكل حركات الجهاد في العالم الإسلامي بأسره شرقه وغربه منذ تأسيسه وحتى اليوم الذي يقوم بواجبه تجاه الأمة ، فهو الداعي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، وهي الفكرة التي أوحت للفاطميين ببنائه ، فكان الأزهر مشروعا للتواصل الإسلامي ، ونقتصر في الدراسة عن الدور الفاطمي في بناء الأزهر وبداياته العظيمة التي قام بها علماؤه. واستمر الأزهر في تقدمه أيام الدولة الفاطمية ، واتسعت حلقاته ، وتنوعت دراسته، وزاد عدد طلابه حتى تجاوز الألف، وشمل النساء فكانت هناك مجالس تعقد للنساء يحضرن فيه لسماع دروس العلم.. واجتذب الأزهر عددا كبيرا من العلماء للتدريس فيه. وتسارع الناس إلى الدخول في الدعوة فقدموا من سائر النواحي والضياع فكان للرجال يوم الأحد والنساء يوم الأربعاء للأشراف وذوي الحاجة يوم الثلاثاء ، وتزاحم الناس على الدخول في الدعوة فمات عدة من الرجال والنساء. . ولم تواجه جماهير السنة في مصر أية ضغوط من قبل الدولة الفاطمية لإجبارها على التخلي عن مذهبها كما أشاع خصوم الفاطميين . وإنما الجماهير هي التي زحفت طواعية نحو دعوة آل البيت حتى تحول أنصار مذهب السنة إلى أقلية ، كما أن الجامع الأزهر ترك لأهل السنة جامع الفسطاط لا يشاركوهم فيه ، يقوم علماء المذهب الشافعي أو المالكي أو غيرهما من تدريس أصول فقههما ، هذا بالإضافة لحقهم في التدريس في رواق من أروقة الأزهر الشريف ، رغم أن الأزهر بنى خصيصا من أجل نشر المذهب الإسماعيلي ، ولكن بالحسنى ومع ذلك دخل المصريون في الدعوة الإسماعيلية ، وذلك يخالف المقولة المترددة دوما بأن أهل مصر لم ينضموا للمذهب الإسماعيلي وأن الفاطميين أغرقوهم في الاحتفالات الباذخة من أجل صرف الناس عن حقيقة مذهبهم ، وهذا نوع من الافتراء على الحق والحقيقة ، لأن أهل مصر خاصة يشعرون بالانتماء لأهل البيت حتى قبل وصول الفاطميين إليهم، والحق الذي سوف نراه هو أن الأيوبيين عندما قرروا إعادة مصر للخلافة العباسية السنيّة أقاموا المجازر للمصريين وللأمراء الفاطميين والعلماء ، ثم أذاعوا المقولة السابقة ، ولقد استكر الأزهر حتى اليوم يؤدي دوره بنغس التسامح الذي نعتمد عليه في الفاطمية الجديدة.

خاتمة الدراسة ... دروس للنهضة ومشروع للتواصل

لا ندعي الكمال والعصمة للخلافة الفاطمية والخلفاء الفاطميين ، ولكنها دولة نموذجية بمقاييس الدول في عصرها وفي العصور التالية عليها ، بها سيئات ولكنها سيئات هينة إذا قيست بالمجازر والإرهاب الذي أقامته دول أخرى تقولت على الدولة الفاطمية ، فلقد أدركت الدولة الفاطمية منذ تأسيسها أن الإرهاب يصدر عن الشعور بالظلم ، والاضطهاد السياسي والديني ، وعندما يحدث ذلك الظلم يجد الإرهاب لنفسه مرتعا ، تماما عندما شعر بعض المحرومين في الدولة العباسية فقاموا بثورات أهلكوا فيها الحرث والنسل ، مثلما فعل القرامطة والزط ، وهو أيضا ما حدث بعد سقوط الدولة الفاطمية أثناء حكم الأيوبيين والمماليك والعثمانيين ، حيث شهدت تلك الدول ثورات وتمردات بسبب الظلم الاجتماعي الذي شملهم ، ولكن ذلك لم يحدث أوان الحكم الفاطمي ، حيث أدرك الخلفاء الفاطميون منذ البداية أن الإسلام دين عالمي ، والأمة الإسلاميّة مظهر لعالمية الإسلام ، وأدركت أيضا أن تركيز الخلافات المذهبية وترتيب الآثار عليها يلغيان عالمية الإسلام ويحولانه إلى دوائر منحازة لا تتمتع بأي عمومية ولا تستطيع أن تنشئ خطاباً عالمياً ، وبالتالي قامت الدولة الفاطمية بالسعي الدائم للحد من الفتن المذهبية والتي كانت شائعة في الدولة العباسية ، وعندما أسست الأزهر الشريف ليكون لسان حال الدعوة الإسلامية ، فإنها تركت مسجد الفسطاط لأهل السنة ليكون لسان حالهم ، أي أن الفاطميين علموا أن عمومية الإسلام وعالمية الأمة الإسلاميّة تتوقفان على التخلي عن كل ما يؤدي إلى التحزب والتشرذم والفتن ، كما أدرك الخلفاء الفاطميون بأن وجود الأمة الإسلاميّة ووحدتها حقيقة عقائدية وتشريعية وتاريخية ، ولا مجال للمراء في ذلك على الإطلاق ، وأن كون هذه الوحدة تنتظم المسلمين في جميع تنوعاتهم العرقية واللغوية والمذهبية أمر يجب الاعتراف به ، وترتيب آثاره في جميع علاقات المسلمين في مجال المصالح فيما بينهم وفي مواجهة الغير، فتجاوز الخلفاء الفاطميون الوقائع التاريخية التي أدت إلى نشوء انقسامات سياسية تلابست مع الاختلاف في الرؤية العلمية أو الرؤية الفكرية في مجال التشريع ، وإن كان في مجال الأدلة أو في مجال الاستنباط ، واعتمدت أسلوبا يراعي وحدة الأمة في تثقيف عامة الناس بهذه الوقائع التاريخية وبتفاعلاتها السياسة ، ويتجنب ما يؤدي إلى القطيعة ، ذلك أن التحزب ينقل تفاعلاتها إلى حاضر الأمة وواقعها الراهن ، ويتسبب في القطيعة بين مجموعات الأمة، وهو ما حرصت الدولة الفاطمية على تجنب الوقوع فيه ، بل قدمت تضحيات كثيرة مادية ومعنوية لتفاديه حفاظاً على وحدة الأمة وسلامة كيانها ، وهو ما حدث عندما ترك الفاطميون الشعوب التي تشكل الإمبراطورية الفاطمية أحرارا في ممارسة شعائرهم وتدريس مذاهبهم ، حتى أتى الفقهاء والمفكرون من شتى أنحاء العالم الإسلامي لكي يدرسوا مذاهبهم وفكرهم الذي لم يجدوا له مكانا إلا في الدولة الفاطمية ، كما ذكرنا في أول الدراسة ، ومن ثم لابد من الاستفادة من النموذج الفاطمي ، فيجب ملاحظة الواقع المعاش ، فانه لا يمكن بناء الوحدة بإحياء خلافات الماضي ، بل نبني الوحدة بالتركيز على حاجات الحاضر ، وعلى المسلمات والثوابت في العقيدة والشريعة الإسلاميّة ، التي تجعل من المسلمين أمة واحدة ، ومن جهة أخرى لابد من إعادة الاعتبار على مستوى المجتمعات والحكومات الإسلاميّة إلى حكم شرعي إسلامي تنظيمي أساسي هو تولي المسلمين بعضهم بعضاً ، قبل أن ينساق هذا المجتمع أو ذاك ، أو هذه الدولة أو تلك إلى تحالفات مع قوى أجنبية غير مسلمة تؤدي إلى وقوف بعض المسلمين ضد بعضهم الآخر نتيجة لتعدد الولاءات والأحلاف مع الأجانب ، وهذا المبدأ نص عليه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالنهي عن تولي غير المسلمين بما يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين ، والى إيجاد الشقاق والخلاف بين المسلمين ، ولا يمكن أن يبرر ذلك أي سبب أو أية ذريعة يتذرع بها هذا المجتمع أو ذاك أو هذه الدولة أو تلك. فالبحث الموضوعي المجرد من قبل علماء ومفكري وباحثي كل مذهب وكل طائفة لعقائد ومنهج فقه كل طائفة أخرى ، سيكشف للجميع على أن المساحات المشتركة واسعة جداً، وأما الخلافات فيمكن الوصول في كثير منها إلى نقاط وفاق ، وأما ما لا يمكن الوصول فيه إلى نقاط وفاق فتترك لكل جهة ولكل مذهب ، وتكون من خصوصياته ومميزاته ، ولا تجعل ذريعة لاعتبارها أساساً للخلاف والنزاع وإفساد العلاقات الإسلاميّة ، ومن هنا فإن التنوع المذهبي الذي اعتبر عامل انقسام هو واقع قائم ضمن الوحدة ، ولا يجوز على الإطلاق الاسترسال مع هذا التنوع أو هذا الاختلاف ، لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بوحدة الأمة باعتبارها وحدة عقائدية وتشريعية ، وإذا كان يراد بحث وقائع التنوع والاختلاف فلنبحث عن الدوائر العلمية الضيقة والمتخصصة ، ولا تجعل مادة للحديث اليومي أو الموسمي. ومن الأمور الأساسية التي يجب أن تلحظ في قضية الوحدة والتقريب بين المذاهب أن هذه الأبحاث الفقهية في الشريعة والتنوعات الكلامية في تفريعات العقيدة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي وبين جميع الشعوب الإسلاميّة ، ومن النادر أن يكون هناك مجتمع إسلامي خال من أي تنوع مذهبي لأن التمذهب ظاهرة طبيعية في داخل الإسلام ، ولا يمكن أبداً فرض مذهب معين على الناس بقرار سياسي ، فلقد حدث كثيراً أن حاول بعض الحكام القيام بشيء من ذلك ولم يفلحوا ، بل انتهى بكوارث ، كما حدث أن قامت محاولات كثيرة لفرض اتجاه مذهبي محدد وإلغاء المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى، كما لاحظنا ذلك في العهد العباسي ، قام العباسيون بمحاولة إلغاء المذاهب الأخرى غير مذهبهم وفشلوا ، كما فعل الأيوبيون فحاولوا نفس المحاولات ضد الفاطميين ، وقد خلفت هذه المحاولات في الذاكرة العامة لأتباع هذا المذهب أو ذاك ذكريات أليمة كونت موقفاً نفسياً وجدانياً يتنافى مع ما تقضي به عقيدة الوحدة من تصور بالأخوة والانتماء وكون المسلمين «بعضهم مع بعض» وبعضهم أولياء بعض». إذن ، علينا أن نتجه هذا الاتجاه الذي أصّله الفاطميون وتناساه من جاء بعدهم مثلما فعل من كان قبلهم ، فقد حصروا الاتفاق بين المذاهب السنية الأربعة ، حيث نجد غالباً أن الاعتراف المتبادل بين هذه المذاهب هو السمة العامة الظاهرة في معظم أنحاء العالم الإسلامي ، ولكننا لا نزال نواجه صعوبات في هذا الحقل بين هذا المذهب أو ذاك من هذه المذاهب ، أو بين جميع هذه المذاهب والمذهب الشيعي الإمامي الاثنى عشري أو المذهب الزيدي ، أو المذهب الاباضي ، وبين كل مذهب من هذه المذاهب والمذاهب الأخرى ، هذه النقطة هي ما يجب أن يُستهدف الوصول إلى حل للإشكال بشأنها ، والى أن يتم الاعتراف المتبادل المبني على التفهم العلمي والوعي الحقيقي ، لأن كل واحد من هذه المذاهب يستحق على المذاهب الأخرى الاعتراف بإسلامه ، وهو ما أدركته الدولة الفاطمية من قبل عندما أيقنت أن مزج كل الناس في عقيدة واحدة أو مذهب واحد ضرب من المستحيل ، كما أيقنت أن الاعتراف بالآخر مقدمه للوحدة السياسية ، كما أيقن الخلفاء الفاطميون أن أي محاولة لإلغاء الآخر تكون هي المقدمة الحقيقية في وجود الإرهاب ، كما أنه أدركت أن الجهل من أسباب الإرهاب أيضا ، فعملت على نشر العلم الديني والفلسفي والعقلي والطبيعي ، فتفتحت أذهان الشباب في أرجاء الدولة ، هذا مع زوال الفروق الطبقية ، بالإضافة للقوة العسكرية التي منعت الأعداء من التفكير في غزو البلاد الإسلامية ، فشعر الناس بأنهم أسرة واحدة تعيش تحت قيادة عادلة ، ولا توجد الهزائم المتتالية التي تشعر الشباب بالغبن والظلم والهزيمة ، وأدركت الدولة الفاطمية منذ البداية أن الاعتراف بالآخر المسلم يجب أن يسبق الاعتراف بالآخر غير المسلم ، حيث تقوم الوحدة على أساس وعي حقيقة الوحدة أو العمل من أجل التقريب ، وتارة تقوم على أساس الطلب إلى الآخر أن يلغي نفسه أو يهذب نفسه ، وتارة تقوم على أساس الاعتراف بالآخر ، فالدعوة إلى إلغاء الذات ليست في الحقيقة دعوة إلى الوحدة ، ولن تتحقق هذه الوحدة على الإطلاق ، ولن يتحقق أي تقارب ، المهم هو الاعتراف بالآخر ، والاعتراف بخصوصيته والاعتراف بإسلامه ، نفس المنهج الذي تم في التقريب بين المذاهب المنتمية إلى الخط الأشعري ، ما يسمى المذاهب السنية يجب أن يسود فيما بين هذه المذاهب وبين المذاهب الإسلاميّة غير الأشعرية. هذا الهدف هو أحد الأهداف الكبرى التي حققتها الدولة الفاطمية عندما لم تجد أي تناقض بين الدعوة إلى الدعوة الإسماعيلية ، وبين حرية الآخرين ليس في تأدية الشعائر ، بل في الدعوة إلى ما تراه صوابا من وجهة نظرها ، وهو ما يجب أن ينصب عليها اهتمام المعنيين بالاجتماع الإسلامي العام. فلا بأس إذن من الرجوع للمنهج الفاطمي في الاعتراف بالآخر عموما ، والتقريب بين المسلمين من خلاله ، وهو الدور الذي تم التأسيس عليه ، وهو الدور الذي ما زال يضطلع به الأزهر الشريف ، لقد كانت الدولة الفاطمية دولة علم وتدين وتسامح وأفراح متواصلة مباحة ، فهي بمقاييس عصرها دولة نموذج ، وهي بمقاييس عصرنا دولة تعتقد التعددية سياسيا ودينيا ، كانت بحق تمتلك مشروعا للنهضة ومشروعا للتواصل الفكري والعلمي والديني ، ولنا أن نأخذ منها تلك الدروس النهضوية وذاك المشروع التواصلي ، وذلك بدلا من استيراد النماذج من هنا وهناك ، وبسبب هذا الاستيراد نفقد الكثير من مناعتنا ووحدتنا.

Wapher | del.icio.us