فيلم مملكة السماء ملئ بالمغالطات
nermeen 29-10-2009 GTM 2 @ 16:44شتان بين هذا الفيلم الذى يسمونه أيضا مملكة الجنة والمدبلج والذى أذيع على قناة MBC ، وبين المسلسل السوري العظيم صلاح الدين الأيوبي .. الفيلم مسموم ردئ .. أما المسلسل فملحمة مخلصة صادقة وعالية الجودة.
من موقع عرب تايمز
مملكة السماء
بقلم : د. زهير نفاع
كاتب وباحث فلسطيني
في عطلة نهاية الأسبوع، ذهبنا إلى وسط المدينة نتابع نهائي ويمبلدون، وفي وسط المباراة بدأت الأمطار بالهطول بشكل غير طبيعي! هكذا دون مقدمات كأنك فتحت مضخة ماء على المنطقة فوق رؤوس الناس الجالسين في الساحة الرئيسية لمدينة بليموث. وقام الناس من هذا الهطول القوي المفاجئ، كل إلى ناحيته، وسرنا تحت المظلات التي كانت تتطاير هنا وهناك من قوة المطر والرياح التي ظهرت كالإعصار! وذهبنا إلى البيت الذي لا يبعد كثيرا عن المكان.
وصلنا البيت وأكملنا المباراة التي انتهت بفوز السويسري على خصمه الأمريكي الذي كنا نعاديه بطريقة التعصب فهذه هي النتيجة الطبيعية لما فعله بنا بوش ولسياساته الفوضوية في المنطقة. حقيقة، لا أدري كيف لزعيم دولة عظمى وتعتبر نفسها ويعتبرها الغير على رأس الهرم العالمي في الحضارة والتقدم والإنجاز العلمي والثقافي، كيف له أن لا يدرك سوء أعماله ونتائجها التي ستنعكس لسنوات طويلة على الشعب الأمريكي وشعوب العالم أجمع! كيف له أن لا يدرك أن من شر أعماله سيتولد كره وبغض حقيقيين وسينزرع في النفوس وينمو ويطرح ثماره ويأتي أكله شاء من شاء ورضي من رضي وأبى من أبى، فهناك الكثير من الأمور التي تفرض نفسها كنتائج منطقية للأمور وليست نتائج ترسمها الشخصيات السياسية والقيادات ضاربة بالعلم والثقافة والناس والأحاسيس والمشاعر عرض الحائط !
أليس هذا الموقف السلبي من شخص ذلك الأمريكي هو نتيجة محتومة خلقتها سياسات بوش وعنترياته فوق رقابنا ثمان سنوات طويلة كأنها عمر كامل! ولا أدري هذه المشاعر كم ستدوم. ولكنها حتما ستدوم وتبقى مدة أكثر مما يتوقع هو وأمثاله من المتسكعين فوق مصائر الشعوب ورغبات الأمم! بعد انتهاء المباراة كانت الأمطار لما تزل تتساقط فتغسل الأرض والذنوب، وما علق بها من أوسخة وجراثيم وميكروبات، فنحن في موسم أنفلونزا الخنازير.
ومن هنا خطر في بالي كيف أن قدرته تعالى تغسلنا هنا، من كل هذا، بينما في بلداننا نبقى طوال شهور نعاني من الجفاف والحر والغبار وفي بعض منها من الرمال والطوز والرطوبة مما قد تساعد على نمو هذه الميكروبات والجراثيم واحتضانها وتكاثرها!! مما يحيلها إلى وحوش كاسرة مفترسة تخيفنا من فتكها ونحس بالرعب من ذكرها.. بينما هي هنا لا تسمع عنها إلا في بعض وسائل الإعلام التي لا يصل الناس خارج أوطاننا كثيرا إليها، كالمحطات الإخبارية التي تشبه تلك التي في بلداننا والتي تعنى بهزيمة طالبان وفتك العدو الصهيوني القذر بأبناء فلسطين خاصة أولئك في القطاع في أيامنا هذه، وكم معتقل في سجون السلطة، وماذا فعلت السلطات الايرانية بالمتظاهرين( مع تضخيم الحروف عند لفظ الكلمة، ليبينوا للمواطن العادي ضخامة الحدث وعظمته، إذ ليس لديهم ولدى الوكالات ما يؤيد وجهة نظرهم، وبالتالي لا بد من البلاغة في الإلقاء لعلها تسد ثغرة ما!!) ويتفننون في مونتاج الخبر فترى إن كان لديك قدرة الإنسان العادي الذي بلغ الثانية عشرة، ترى نفس الشخص الذي يضرب بهراوة تتكرر صورته خمس أو ست مرات من زوايا مختلفة فتحس أحيانا بالشفقة عليه مما يجري، ولكنه يفاجئك بنفض ملابسه والوقوف وكأن شيئا لم يحدث فتظن والله أن المشهد كله مفبرك ولا يزيد عن كونه تمثيلية مدفوعة الأجر!! ومما تعنى به أيضا أخبار أنفلونزا الخنازير، فتقدم لك خبر دخول بعض القادمين لقضاء أجازاتهم من خارج الوطن، واكتشاف بعض حالات الإصابة بالفيروس بينهم، مما لوث عقول المشاهدين وأصبحوا يحسبون ألف حساب لرؤية هؤلاء الزوار أو استقبالهم، وأصبح عليهم أن يراجعوا بعض المستشفيات المتخصصة للكشف عن الفيروس وعن احتمالات حمله معهم أو مع أحد أفراد العائلة...فلا بد من صرف بعض مئات من الدنانير من أجل هذه الغاية... وكل هذا يصب في جيوب بعض المتنفذين في بلداننا والتي تصب بالتالي في كروشهم، لا أشبعها الله ولا كفاها لا الطعام ولا الخير!!
فكرنا سوية ماذا نفعل؟ فقررنا أن نحضر فيلم. بحثنا في مكتبة البيت عن فيلم يرضي رغبة المجموعة ونقضي به وقتا دون ملل ولعله يحوي شيئا من الفائدة تعود علينا بإضافة شيء من الثقافة أو المعلومة إلينا! قبيل أيام كنت أشاهد على شاشة التلفاز برنامجا وثائقيا عن الحرب الصليبية وعن القائد صلاح الدين الأيوبي، وكان وثائقيا عظيما وبصورة إنتاج ضخم تعب عليه كثيرا من أجل تحقيقه وإخراجه إلى الشاشة. لم يكن كاملا ولكن ليس به ما يدعوك إلى التوقف عن المشاهدة أو شتم القناة أو المخرج، فقد بذلوا جهدا كبيرا لتحقيق العمل وتوصيل المعلومة إلى ذهن المشاهد من مختلف الأجناس والملل والديانات! من أجل ذلك وقعت عيوننا على فيلم درامي عن نفس الموضوع، فقلنا لنشاهده ونرى. وبدأ الفيلم في بلد أوروبي، حيث يقوم بعض الأشخاص من اللوردات والفرسان وأصحاب الأرض والمتنفذين بفكرة الذهاب إلى أرض فلسطين، إلى قلبها الطاهر، إلى القدس الشريف، فيعيشون هناك في أرضهم المقدسة ويكفرون عن كل ما اقترفوه من شرور وخطايا خلال أعمارهم وسنوات عيشهم بتأديتهم فريضة الحج إلى القدس.
وعند وصولهم إلى هناك نرى قلاعهم وحصونهم الكبيرة والقوية والتي يعمل فيها في الزراعة والسقي والخدمة عامة الناس مسيحيين ويهود ومسلمين. وكان المسلمون يعيشون حياتهم بصورة صورها المخرج على أنها حياة عادية ومرضية من طريقة لعب الأطفال والبهجة والسرور بين العمال في الفلاحة وحفر الآبار وفي أداء الصلاة جماعة، هكذا وكأننا في بلد عربي مسلم لديه ما لديه من الحريات والرفاه فلا شيء يزعجه أو ينكد عليه عيشه. ولا يتسع المقام هنا إلى سرد حكاية الفيلم. ولكن المفاجأة كانت في الدخول إلى قصة البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي! لم تكن لي مفاجأة بل مفاجآت.. بدأت بالشخصية المعطاة لها الدور فقد كانت لممثل سوري معروف، وهناك دور رئيسي آخر أعطي لممثل مصري معروف أيضا ولا أريد ذكر الأسماء حتى لا يكسبا شهرة من ذلك فهما لا يستحقانها أبدا (يقصد غسان مسعود من سوريا ، وخالد النبوي من مصر) . فلا أدري كيف قبلا بالدور والاشتراك بالفيلم الذي يحمل من المغالطات ما لم يحمله فيلم مشهور آخر في العصر الحالي! فذلك الصلاح الدين لم يكن به من الصلاح شيئا. لم يكن لديه إلا تلك الأعداد من الجنود والمقاتلين والتي تقدر بمئتي ألف مقاتل ولكنها تماما ككثرة العدد في أيامنا هذه فهي ليست إلا غثاء السيل ولم تخف الأعداء ولم تثنهم عن عزمهم وشدة بأسهم ومقاتلتهم لهم بعزيمة وشجاعة واستبسال!!!
فقد كان البطل الصليبي وحده يقاتل العشرات منهم ويصدهم هكذا كمن يبيد بيتا من النمل.. وأكثر ما حرقني من الداخل وأضحكني كالمخمورين تلك المعركة على أسوار القدس والتي كان الصليبيون يسكبون الزيت الحار على الجنود المسلمين فيبيدونهم بالمئات وكانت راجماتهم- المنجنيق- تتهاوى تماما كقطع الدومينو فيسقط الأول على الثاني والثاني على الثالث والثالث على الرابع... وهكذا.. لم أر في حياتي مثيلا لهذه المعركة حتى في السينما المصرية في الفترة التي كانت تتحفنا بالبطل الذي يستطيع أن يحقق الخوارق والمعجزات! وهذا المخرج البطل هو أحد الحاصلين على الأوسكار .. ولا أدري لماذا لم يمت قبل أن يحقق فيلمه هذا" Kingdom of Heaven" حفاظا على سمعة الأوسكار الذي أخذه من قبل، إلا إن كانت جوائز الأوسكار هي لعبة أيضا كما يحصل في المهرجانات العربية فتوزع الجوائز وفق معايير المتنفذين وأصحاب القرار وليس وفق معايير القياس والتحكيم الصحيح! وأنا أعرف أن هذا يحصل في الأوسكار أيضا!! في هذا الفيلم الضخم بالإنتاج والفلوس المصروفة والحشود والإمكانيات، والهزيل في الدراسات والبحوث وحفظ الدرس؛ فان كانت فلسطين بذلك الجدب وذلك الجفاف والتصحر فما الذي أتى بهم إليها، ولماذا كل تلك السيطرة على الأراضي ومحاولات الزراعة والتخضير التي لم تؤتي أكلها من بداية الفيلم إلى نهايته.. دخلوها صحراء قاحلة وتركوها قاحلة جدباء جافة، بل محروقة ومهدمة مدينتها المقدسة أيضا، على يد صلاح الدين الذي تمكن من دخولها وفتح طريقا للعدو منها إلى البحر لمغادرة البلاد!!
لم أشاهد في الفيلم صورة واحدة تصور شيئا من عظمة شيء من الاسلام أو صلاح الدين... خاصة وأن عليك أن تبحث لمبرر للفعل الدرامي الذي تقوم به، إلا في لقطة لا تتجاوز ثوان معدودة لصلاح الدين بالمدينة المقدسة وقد أتته الكاميرا نزولا إليه من صورة للهلال فوق مسجد لثوان قليلة أيضا!! هذا الصلاح الدين غير مقنع حتى لأعدائه، فقد قالوا عنه في الوثائقي ، أنه أكثر شخصية إسلامية لها أثرها في التاريخ الإسلامي بعد الرسول العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى عند الغرب، هو صلاح الدين الأيوبي. فلم أجد في الفيلم ما يبرر هذه الحقيقة في الوثائقي، فهو شخصية عادية غير مقنعة مطلقا وليس لديه من شيء إلا كثرة العدد! ويبقى السؤال: عندما نشارك في حدث كبير ألا يخطر في بالنا شيئا ولو كبصيص نور من بين ركام السنين عن الأمة التي إليها ننتمي أو الدين الذي به نحيى؟! هل يكون همنا كله متجها ناحية الشهرة بوجهيها النقود والخبر على الوكالات أننا شاركنا في فيلم أجنبي! قبحها الله: تلك النقود وذلك الخبر، إن كنت لن تستطع النظر لصورتك في المرآة مرة أخرى!
هل تذكر يا حضرة البطل أنها مدينة القدس تلك التي بنوها في الصحراء في مكان ما من المغرب العربي للتصوير. هل تذكر أن في القدس على مقربة من كنيسة القيامة المقدسة شيئا اسمه المسجد الأقصى... ولا يمكن للعين البشرية أن تتجاوزه بتلك البساطة التي صورها لنا المخرج. وهل تذكر أن أكثر ما أثّر في الغرب المسيحي من شخصية صلاح الدين هو تسامحه معهم حتى باتت تلك الشخصية مكملة لشخصية الخليفة الفاروق الذي رفض الصلاة في القيامة خوفا عليها من المسلمين من بعده..فكانت تلك قمة التسامح التي جاء بعدها ذلك الصلاح ليكملها فبقي أولئك المسيحيون في المدينة المقدسة فلا ضير عليهم من شيء، بل أن جزءا كبيرا منهم أشهر إسلامه بسبب ما رأى من ذلك الجيش القوي المنتصر الشجاع و..... المتسامح... وليس ذلك الحارق المدمر!! هل تذكر هذا أيها الممثل البطل؟! أم أنك ما زلت تعد ما حصلت عليه من أجر بالدولار بعد أن حولته إلى الليرة السورية والجنيه المصري ... ولكني أعرف أنك قد أبقيته في بنك غربي فأمثالك مع احترامي وتقديري لا تعز عليهم سوريا، فهي ليست إلا مكانا للعيش إن لم يكن هناك من غيرها!! فمن لم تعز عليه عروبته وإسلامه، من لم تعز عليه قدسه وفلسطينه، من لم تعز عليه أكبر وأعظم قضايا الأمة والعصر، لا تعز عليه سوريا ولا مصر !

Wapher
del.icio.us











