حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


مقالات قيمة من جريدة القدس العربى 42

nermeen 29-10-2009 GTM 2 @ 12:35

عندما قصفت إسرائيل إيران بالغواصات النووية


زهير أندراوس

19/10/2009

في الوقت الذي مزق فيه، العقيد معمر القذافي ميثاق المنظمة الدولية، وعندما كان الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، يخطط برفقة عددٍ من المحيطين به لتأجيل النقاش في تقرير غولدستون، وفي الفترة نفسها التي كان الرئيس المصري حسني مبارك يستجدي الأمريكيين بالموافقة على توريث نجله جمال، والكف عن تهديده بتعيين الجنرال عمر سليمان، وزير المخابرات مكانه، في هذا الوقت بالذات، أي في الثلاثين من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، وبدون ضجيج ولكن مع كمية هائلة من الخبث، أكدّ ناطق عسكري إسرائيلي لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) أنّ غواصتين من طراز دولفين سلّمتا مؤخراً إلى البحرية الإسرائيلية. وقال هذا الناطق: تسلمنا غواصتين من نوع دولفين مصنوعتين في أحواض السفن الألمانية، وأصبحت إسرائيل تملك بذلك خمسا من هذه الغواصات المتطورة من طراز (يو 212) التي يبلغ شعاع عملها 4500 كيلومتر، في نفس السياق قالت وسائل الإعلام الأجنبية إنّ هذه الغواصات قادرة على إطلاق صواريخ برأس نووي، علاوة على ذلك، ذكرت وسائل الإعلام العبرية أنّ واحدة من هذه الغواصات الإسرائيلية تتمركز بشكلٍ دائمٍ في الخليج العربي، قبالة السواحل الإيرانية، والثانية في المتوسط والثالثة قبالة سواحل الدولة العبرية. وكانت الإذاعة العامة الإسرائيلية ذكرت مطلع تموز (يوليو) أنّ غواصة إسرائيلية من طراز دولفين عادت إلى المتوسط عبر قناة السويس التي عبرتها في الآونة الأخيرة لإجراء مناورات في البحر الأحمر، وزادت أنّ عبور مثل هذه الغواصة لقناة السويس الذي لا سابق له يجب أن يفهم كرسالة موجّهة إلى إيران.


وفي نفس السياق، كشفت مصادر أمنية إسرائيلية وصفت بأنّها رفيعة المستوى، الثلاثاء من الأسبوع الماضي، النقاب عن أنّه للمرة الأولى في تاريخ الدولة العبرية يتم تعاوناً أسمته بالتاريخي في البحر الأبيض المتوسط، والذي يتمثل في مشاركة قوات من الجيش الإسرائيلي في فعاليات حلف شمال الأطلسي (الناتو). وزادت أنّ هذا التعاون يأتي بالتزامن مع تدهور العلاقات مع تركيا، على خلفية قيام الأخيرة بإلغاء المناورات التي كانت مقررة على أراضيها بمشاركة سلاح الجو الإسرائيلي والأمريكي، علاوة على ذلك، أشارت المصادر عينها إلى أنّ سفينة تابعة لسلاح البحرية الإسرائيلية سوف تنضم إلى القوة البحرية التابعة لحلف شمال الأطلسي لملاحقة النشاطات 'الإرهابية' البحرية في المنطقة، وشددت المصادر على أنّه بعد جهود استمرت أكثر من سنتين، وافقت قيادة حلف شمال الأطلسي الأسبوع الماضي، على انضمام سلاح البحرية الإسرائيلي إلى القوة التابعة للناتو، فيما وصفته بأنه تعاون مكشوف للمرة الأولى بين الجيش الإسرائيلي والناتو.


علاوة على ما ذُكر أعلاه أكدّ وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، خلال زيارته للدولة العبرية على أنّ هناك توافقاً إسرائيلياً أمريكياً على أن تسلح إيران النووي يهدد استقرار المنطقة برمتها ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل وجميع دول الشرق الأوسط.(27.07.09). أما وزير الحرب الإسرائيلي، الذي أفلت مؤخراً من الاعتقال في لندن بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ترتقي إلى جرائم ضدّ الإنسانية، فقد صرح أنّه في حال قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمهاجمة الدولة العبرية، فإنّ الأخيرة سترد بهجوم عسكري كاسح، وسيؤدي هذا الهجوم إلى إعادة إيران آلاف السنين إلى الوراء، كما قال إنّ الهجوم الذي ستشنه إسرائيل على إيران سيكون قاضياً، بحيث لن يبقى في إيران أشخاص لإحصاء عدد القتلى والجرحى.


ولكن بعيد استلام الدولة العبرية الغواصتين من ألمانيا، لوحظ أنّ وزير الأمن باراك غيّر لهجته وخرج عن الإجماع الصهيوني الإسرائيلي القائل إنّ إيران تُشكّل خطراً وجودياً على إسرائيل، وبات يقول إنّ الجمهورية الإسلامية غير قادرة على محو إسرائيل، وهي بالتالي لا تشكل خطراً وجودياً عليها. وغنيٌ عن القول إنّ ألمانيا، عندما قررت تزويد إسرائيل بهذه الغواصات، التي حسب المصادر الإسرائيلية، بإمكانها أن تحمل رؤوساً نووية، كانت على علم بأنّ هذا التزويد سيزيد قوة إسرائيل العسكرية وستكون قادرةً على توجيه الضربة الثانية، ويرى دارسو العلاقات الدولية أنّ النظام ثنائي القطبية الذي ساد في الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة لم يشهد حرباً عالميةً، كحال التجارب السابقة، فقط بسبب حيازة المعسكرين لأسلحة الدمار الشامل وتحديداً لوصول كل معسكر إلى مستوى القدرة على استيعاب أي هجوم يقع عليه والرد بهجوم ساحق يلحق بالمبادر بالهجوم خسائر اكبر ما يمكن أن تكون قد أحدثته ضربته الأولى، وهو ما عُرف باسم القدرة على توجيه الضربة الثانية.


وبما أنّ العلاقات الدولية محكومة بموازين القوى، فإنّ إسرائيل بامتلاكها هذه الغواصات، أحدثت تغييراً إستراتيجياً كبيراً في المنطقة، وعندما نقول الإستراتيجية نقصد بذلك ما عرّفها القائد الإستراتيجي الألماني كارل فون كلاوتز بأنّها فن استخدام المعارك كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب، وعرّفها القائد البروسي، هيلموت فون مولتكه، بأنّها إجراء الملائمة العملية للوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد للوصول إلى الهدف المطلوب، بينما عرّفها الجنرال البريطاني من أصل فرنسي، ليدل هارت بأنّها فن توزيع واستخدام مختلف الوسائط العسكرية لتحقيق هدف السياسة، أما الجنرال بالت فقد عرفها بأنّها فن تعبئة وتوجيه موارد الأمّة أو مجموعة من الأمم، بما فيها القوات المسلحة لدعم وحماية مصالحها من أعدائها الفعليين أو المحتملين في حين يُعرّفها ا الجنرال الفرنسي أندريه بوفر، وهو من أبرز المفكرين الذين خرجوا بالإستراتيجية عن مفهومها العسكري البحت، بأنّها فن حوار الإرادات تستخدم القوة لحل خلافاتها، ويمكن تعريف المصطلح بأنّ الإستراتيجية هي خطط أو طرق توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد اعتماداً على التكتيكات والإجراءات الأمنية في استخدام المصادر المتوفرة في المدى القصير، أما الإستراتيجية العسكرية فتتناول تخطيط وتنفيذ الحملات، تحركات وتصرف القوات، وخداع العدو. وإذا تعمقنا في تعريفات الإستراتيجية كما ذُكرت أنفاً، فإننّا نصل إلى نتيجة مفادها أنّ الدولة العبرية تجمع التعريفات في كوكبةٍٍ واحدةٍ، وتواصل السير قدماً لتكريس التفوق الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، هذا طبعاً إذا أخذنا بالحسبان أنّ الجيش الإسرائيلي يستطيع التغلب على جميع الجيوش العربية مجتمعةً، خصوصاً وأنّه لا مجال للمقارنة بين سلاح الجو في الدولة العبرية وبين أسلحة الجو في البلدان العربية.


اللافت أو بالأحرى عدم اللافت في الأمر، أنّ تعاظم قوة إسرائيل وتكريسها لتفوقها في كل ما يتعلق بالضربة الثانية مرّ مرور الكرام على الزعماء والملوك والسلاطين والأمراء العرب، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، والأدهى من ذلك، أنّ الغواصات الإسرائيلية التي بإمكانها أن تحمل الرؤوس النووية تمر عبر قناة السويس، وبمعرفةٍ من النظام الحاكم في القاهرة، ولكن الأخطر من هذا وذاك، أنّ الدولة العبرية هي التي تقوم بالإعلان عن مرور الغواصات عبر قناة السويس، التي أممها الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، وتعرض بسبب ذلك للعدوان الثلاثي في العام 1956 من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، تل أبيب تُعلن ومصر تلتزم صمت أهل الكهف. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج أنّ الدول العربية اتخذت من الصمت المعيب والمشين على هذه التطورات المتسارعة، التي تحمل في طياتها أبعاداً خطيرة على الأمن القومي العربي، اتخذت من ذلك إستراتيجية. لا بل أكثر من ذلك، الأنظمة العربية بأغلبيتها العظمى تمكنت من تمرير مخطط خبيث على الشعوب العربية مفاده أنّ التهديد الفارسي، أي الإيراني، هو أخطر بكثير من الإسرائيلي، ومن هنا بات واضحاً أنّه يوجد تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، وإسرائيل والدول العربية لدرء ما يُسمى بالخطر الإيراني. وإذا أضفنا تركيا إلى المعادلة في المنطقة فنصل إلى القول الفصل إنّه في الشرق الأوسط قامت ثلاث قوى إقليمية: إسرائيل، إيران وتركيا، أما العالم العربي فما زال، للأسف الشديد، يغط في سباتٍ عميقٍ للغاية، وهذا الأمر هو نتاج 'الإستراتيجية' العربية غير القائمة أصلاً وفصلاً.

' كاتب من فلسطين

*****


الفرعون الزائف ينتقم لفاروق يونسكو


صباح الفل يا دريم


عماد عبد الرازق

برنامج 'صباح دريم' تقدمه مذيعة اسمها دينا عبد الرحمن، نموذج فريد وعملة نادرة من المذيعات في كل قنوات التلفزيون المصرية. حضور وجاذبية وأداء وتمكن من المادة وأدب وكياسة ولباقة، دون تطاول على الضيوف، أو سوقية، وتلويح واستخدام مفرط للأيدي ولا زعيق أو نعيق. (ولا أدري كيف توظف 'دريم' مذيعة مثل دينا، جنبا إلى جنب المدعو محمد المسلماني، لا حضور ولا طلاقة ولا أسئلة ذكية ولا قدرة على إدارة الحوار مع إيقاع بطيء ممل وأسلوب قاتل في الشرح المدرسي الذي يعامل المشاهدين كمتخلفين عقليا؟). برنامج دينا، الذي يتميز أيضا بديكور بسيط وجذاب وعناصر جمالية مريحة للعين والنفس والقلب من نفس عينة أناقة وبساطة المقدمة، برنامج ممتع ودسم وليس مجرد (طق حنك). تعثرت فيه بالصدفة للمرة الثانية تقريبا ولم أشاهده من البداية، ورغم أنه طويل (ربما أكثر من ساعة) إلا أن دينا تنفرد بتقديمه دون أن يشق لها غبار، على النقيض من برامج مشابهة كذلك الذي ظهر لفترة على الفضائية المصرية تقدمه شلة مذيعين ومذيعات يقفز اسم كل منهم بالصوت والصورة في مقدمة غنائية طويلة.


استضافت دينا الصحافية أمينة خيري في فقرة استعراض الصحف، فشكلتا ثنائيا متناغما تميز بالذكاء والرشاقة والإلمام بالموضوعات في طرح الأسئلة والإجابة عليها، وأضافت أمينة إلى كل ذلك نبرة سخرية محببة في بعض إجاباتها، فتوقفا عند موضوعات وأخبار متنوعة من السياسة إلى الفن والفضائح والصحة وسائر مكونات الطبق الصحافي اليومي. منها مثلا على سبيل التفكه حكاية الآثار المصرية المسروقة التي ظهرت فجأة في متحف اللوفر، وكيف شمر رئيس هيئة الآثار المصرية الملقب بالفرعون الزائف زاهي حواس عن ساعديه وأعلن إلغاء عمل بعثة للمتحف تنقب عن الآثار في مصر المحروسة، وهدد وتوعد، في الوقت ذاته أكد أن إثارة الموضوع في هذا التوقيت بالذات لا علاقة له البتة بفشل فاروق حسني في الفوز بمقعد اليونسكو، وأوشك الرجل أن يحلف بالطلاق أنه لا علاقة له 'بروقة'، الوزير المحظوظ صاحب الحظوة لدى أهل الحكم. وهذا حكايته حكاية رغم أنها انتهت مأساويا على الأقل بالنسبة لهؤلاء المكلومين الحزانى على الوزير، إلا أن أذيالها لا تزال تتلوى هنا وهناك كالحية التي يظل ذنبها لاعبا بعد قطع رأسها. ملابسات الحكاية المضحكة المبكية تقول إن هذه الآثار سرقت من وادي الملوك عام 1980، ولم تظهر في اللوفر إلا عام 2002، ومنذ ذلك التاريخ لم نسمع كلمة اعتراض واحدة من الفرعون الزائف، فلماذا الآن؟ كما تساءلت أمينة خيري بنبرة ساخرة كيف أن المسؤولين في اللوفر تساءلوا بدورهم 'طيب ما كنتم تقولوا لنا إنكم عايزينها'، وهو ما قد يستشف منه أن ديكتاتور هيئة الآثار المصرية لم يسبق له أن أثار الموضوع مع أهل اللوفر من قبل. فلماذا الآن مرة ثانية. ثم إن المتحف أجاب بأن القرار بإعادة الآثار لا يعود لإدارة المتحف بل للجنة عليا، وها قد وافقت اللجنة على عودة الآثار ويا دار ما دخلك شر. فهل يرفع الفرعون الزائف الحظر عن لجنة اللوفر. لا، ليس قبل أن يشفي صديقه جناب الوزير المغدور يونيسكيا.


خبر آخر توقف البرنامج عنه يقول أن الفنانة بوسي قررت فجأة العودة إلى حياتها الزوجية مع زوجها سابقا الفنان نور الشريف، ونقل مصدر مطلع مقرب من نور عن لسانه أن بوسي طلعت أصيلة بنت أصلاء وأنها هى التي بادرت بالاتصال به لتعلن عودتها إلى العش السعيد. وتساءلت أمينة مرة ثانية: لماذا الآن بالذات وليس قبل شهرين أو سنة؟ هل يمكننا النظر إلى هذه العودة الميلودرامية (والله شغل مسلسلات مصرية حصريا)، بمعزل عن الفضيحة التي تفجرت وزج فيها باسم نور وفنانين آخرين (حمدى الوزير وخالد أبو النجا) حول ما بات يعرف بشبكة سميراميس، الفندق الذي ضبط فيه أعضاء شبكة لممارسة الشذوذ الجنسي.


****

'روز اليوسف': أسباب سقوط الاشتراكية

وثانية المعارك ستكون من جريدة 'روز اليوسف' وفي نفس اليوم. فقد نشرت حديثا للمفكر المصري الماركسي سمير أمين أجراه معه زميلنا خالد بيومي.. ومما قاله ردا على سؤال حول أسباب سقوط المعسكر الشرقي طالما أن الاشتراكية فيها خلاص الإنسان: 'الاشتراكية مرحلة أرقى في تاريخ الإنسانية أمامنا وليس خلفنا. وما رأيناه في القرن العشرين هو موجة أولى وليست أخيرة من محاولات للتقدم وتجاوزت حدود الرأسمالية الطابع. ومنها ثورات قامت باسم الاشتراكية في روسيا والصين. أو تطورت باسم التحرر من الاستعمار مثلما حدث باسم الناصرية في مصر. وفي بلاد أخرى من العالم الثالث. واعتبر أن هذه الخطوات الأولى أنجزت ما أنجزته من تغييرات إيجابية مهمة ولكن كانت لها حدود. ولم تهيئ نفسها لتجاوز تلك الحدود الاشتراكية أو القومية العربية لم تسقط مع سقوط الناصرية وكذلك الاستراتيجية المعادية للاستعمار لم تسقط. وإنما التجارب التاريخية الأولى في هذا الاتجاه. نحن الآن أمام موجة ثانية ومن المحتمل - وليس أكيدا - أن هذه الموجة الثانية سوف تحرز تقدما عما أنجزته في خلال المرحلة الأولى'.


****


عروبة أردوغان


عبد الحليم قنديل

19/10/2009

لعلها باتت ظاهرة ملفتة، وهي أن دولا في الجوار العربي صارت أكثر عروبية من العرب ذاتهم، فإيران ـ غير العربية ـ هي الدولة الوحيدة التي تدعم بالمال والسلاح حركات المقاومة العربية في لبنان وفلسطين، وتركيا ـ غير العربية ـ تدعم الفلسطينيين، وتدعم حركة حماس سياسيا، وتتحدى إسرائيل بصورة لم تعد تجرؤ عليها دولة عربية واحدة.


وربما يكون السبب أن التيار الإسلامي ـ بدرجة أو أخرى ـ هو الذي يحكم الآن في إيران وتركيا، فإيران تعرف نفسها كجمهورية دينية إسلامية، وتتحرك على أساس فكرة الأمة الإسلامية، وإسلامية إيران هي مفتاح 'عروبية' سياستها في الموضوع الفلسطيني بالذات، وفي تركيا تبدو القصة مختلفة إلى حد ملحوظ، فتركيا ـ بالتعريف ـ دولة قومية علمانية، لكن حزبها الحاكم ـ العدالة والتنمية ـ ذي نزعة إسلامية ضمنية، وأتى تاريخيا من موارد التيار الإسلامي، ويحكم دولة ذات ارتباطات تاريخية متصلة بأمريكا وحلف الأطلنطي وإسرائيل ذاتها، وفيها نفوذ مؤثر للمؤسسة العسكرية الكمالية العلمانية، ومع ذلك بدا رجب طيب أردوغان ـ زعيم تركيا ـ عروبيا أكثر من المتزعمين العرب ذواتهم، ونجح في كسب شعبية بين الجماهير العربية ربما تفوق شعبيته في أوساط الجمهور التركي.


وكلنا يذكر ما جرى في المواجهة الشهيرة بين أردوغان وشمعون بيريس في منتدى دافوس، واللغة القاسية الصريحة التي تكلم بها أردوغان عن إسرائيل، واتهامه لها بالوحشية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حرب غزة، وخروجه غاضبا من القاعة، وقتها لم يجرؤ عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية على الخروج مع أردوغان، وسحبه بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة من يده، وظل يواصل الجلسة مع شمعون بيريس، حينها بدا التصرف موحيا، فعمرو موسى صاحب الرطانة العروبية بدا في وضعه الحقيقي المخاتل، بينما بدت ثورة أردوغان دليلا على كرامته الشخصية واعتزازه التركي ودعمه الصادق للفلسطينيين، وإلى حد تعريض علاقة تركيا بإسرائيل لمخاطر غير مسبوقة، ومن وقتها بدأت علاقة تركيا بإسرائيل تمضي في طريق الانحدار والجفاء المتزايد، ورغم أن إسرائيل جربت سياسة ضبط النفس إزاء تركيا، بدا أن رجب طيب أردوغان مصمم على مواصلة الشوط لآخره، وألغى زيارة لوزير خارجيته أحمد داود أوغلو كانت مقررة لإسرائيل، ولسبب معلن هو رفض تل أبيب طلبا من أوغلو بزيارة غزة عبر معبر إيريز، بدا الطلب التركي بزيارة غزة ولقاء حكومة حماس أمرا متعمدا، وكأنه جزء من مخطط مسبق، وحتى ترفض إسرائيل فتلغى زيارة أوغلو لتل أبيب، ثم كان التطور الثالث أكثر جرأة واقتحاما، وهو منع مشاركة إسرائيل في مناورات 'نسر الأناضول' العسكرية ، رغم أن البلدين تربطهما اتفاقية شاملة للتعاون العسكري جرى توقيعها أواخر التسعينيات، وأصيبت إسرائيل بالصدمة، فهذه أول مرة يجرؤ فيها رئيس وزراء تركي على التدخل في شأن عسكري، ثم زادت الصدمة تأثيرا مع إعلان الجيش التركي عن دعمه لقرار أردوغان، واعتباره أن الحكومة هي صاحبة الشأن، والتطور الأخير عميق المغزى، فهو ينذر بتجميد عملي لاتفاقات التعاون العسكري المبرمة بين تل أبيب وأنقرة، ويحرم المقاتلات الإسرائيلية من فرصة استخدام المجال الجوي التركي، خاصة أن أردوغان بدا معارضا بشدة لتوجيه أي ضربة عسكرية لإيران، وسواء قامت بها إسرائيل أو أمريكا، وبلغ في تأييده لمشروع إيران النووي حدا لا يبلغه قادة إيران نفسها، فقد اعتبر أردوغان أن من حق إيران صناعة قنبلة ذرية ما دامت لدى إسرائيل قنابل ذرية.


وتصرفات أردوغان على هذا النحو لا تبدو تلقائية ولا موسمية، ولا صادرة عن سياسي محترف يسعى لكسب شعبية عواطف موقوتة بين الأتراك أو العرب، بل تكشف عن تصميم مبدئي متعمد، واستثمار ضغط الحوادث الطارئة لتفكيك تدريجي لعلاقة تركيا بإسرائيل، فقبل تداعيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، لم تكن لدولة واحدة في العالم الإسلامي علاقات بإسرائيل سوى تركيا وإيران الشاه، ومع ثورة الخميني في توقيت مقارب لسريان معاهدة كامب ديفيد، انتهت علاقات إيران بإسرائيل، وبدأت مسلسلات انهيار النظام العربي الرسمي، واختراق إسرائيل لجدار المقاطعة في العالمين العربي والإسلامي، وعلى نحو بدت معه تركيا ـ بعلاقاتها الأقدم مع إسرائيل ـ في وضع أقل شذوذا، فلم تكن تعطي التفاتا كبيرا لمصالح العالم الإسلامي وقضاياه، ومؤسستها العسكرية ـ قوية النفوذ ـ تحب إسرائيل وتكره المسلمين، ومع وصول حزب رجب طيب أردوغان إلى السلطة، بدا القلق ظاهرا على علاقة إسرائيل بتركيا، ولم ينتظر أردوغان سير الحوادث من حوله، واتبع تكتيكا متميزا لخفض نفوذ الجيش، طور من سعى تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكان هدفه الظاهر هو تسريع انضمام تركيا، لكن الهدف الذي تحقق إلى الآن شيء آخر، وهو استفادة حزب أردوغان من معايير الاتحاد الأوروبي التي جرى التفاوض عليها في محادثات المراجعة المتصلة، واستثمار الضغط الأوروبي لدعم نفوذ الحكومة المدنية، وإبعاد الجيش خطوات عن مركزه القديم المتحكم، وكان لذلك أثره في التطورات التي جرت بعدها، فقد استخدم أردوغان نفوذ حزبه في البرلمان لحرمان أمريكا من استخدام تركيا ـ عضو حلف الأطلنطي ـ كجسر بري لغزو العراق، بينما كانت أراضي الدول العربية ـ غير الأعضاء في حلف الأطلنطي ـ جسرا لغزو العراق بريا، وبدت كرامات الديمقراطية التركية ظاهرة، وهو ما شجع أردوغان أكثر على فتح ملف المحرمات، وعلى رأسها علاقة تركيا بإسرائيل، وفي سياق أكبر من الانفتاح على العالم العربي والإسلامي، وفي ضوء تصور استراتيجي صاغه أحمد داود أوغلو مستشار أردوغان الأول ووزير خارجية تركيا الحالي، وانتهى إلى إقامة تحالف استراتيجي لتركيا مع سورية على حساب إسرائيل، وبعد أن دخلت تركيا في وساطة لاستعادة الجولان أحبطتها إسرائيل، وبدت التفاعلات في ظاهرها أقرب إلى معنى ردود الأفعال التركية، لكن التدقيق فيها يكشف عن تصميم مسبق يستخدم الحوادث لتحرير تركيا من عبء العلاقة المميزة مع إسرائيل، ويصوغ بدلا عنها علاقات متميزة مع العالم العربي، ويستحدث دورا تركيا في عالم عربي كانت أنقرة أعطته ظهرها منذ عقود طويلة، ومنذ إطاحة أتاتورك بخلافة العثمانيين، وهو ما يغرى بتوقع تزايد رقعة الصدام العلني المفتوح بين إسرائيل وتركيا في السنوات المقبلة.


وفي الجملة، تبدو تركيا وكأنها تستعيد هويتها الشرقية بدأب واطراد، تحقيقا لمصالح تركيا التي صارت قوة اقتصادية وصناعية وعسكرية يعتد بها، وعدولا ضمنيا عن طريق الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي بات مغلقا بسبب الأكثرية الساحقة للمسلمين في تركيا، وفتحا لطريق السيادة التركية في المشرق الإسلامي، وفي تفاهم محسوس مع القوة الإيرانية الصاعدة، وفي بيئة توتر متزايد مع نزعة إسرائيل العدوانية، وفي غيبة دور أو مشروع عربي نظامي، وفي فراغ عربي تتقدم لملئه 'عروبة' الدور التركي الجديد بقيادة أردوغان.

Kandel2002@hotmail.com


كاتب مصري

*****

على أبواب لقاء الأزمة بين مصر والجزائر: من يصنع التعصب الرياضي... الجمهور أم الإعلام؟!


محمد منصور

21/10/2009

سألت أحد المعلقين الرياضيين العرب ذات مرة، وكنت أعد فيلماً وثائقياً عن حياته الحافلة، إن كان التعليق الرياضي قد يسيء لمفهوم الروح الرياضية التي يجب أن تسود في الملاعب، ويسهم في شحن الجمهور بالتعصب والكراهية...

فاعتبر المعلق سؤالي أشبه بوضع الجرح على الملح في هذه المهنة... فكثير من المعلقين الرياضيين كانوا يسهمون أثناء أداء عملهم في مثل هذه الآثام من حيث يدرون أو لا يدرون، تاركين العنان لمشاعرهم وانتماءاتهم الضيقة، كي تطل من بين هدير الكلمات، أو شفرات التعبيرات والإيماءات الساخرة من الخصم!


تأملت هذه الفكرة، وأنا أتابع عبر القنوات الفضائية ما يجري اليوم بين وسائل الإعلام المصرية والجزائرية، بسبب معركة التأهل إلى مونديال 2010 في جنوب أفريقيا، والتي سيتنازع عليها الفريقان العربيان في مباراة حاسمة في القاهرة بعد أقل من شهر من الآن... سيكون فيها على الفريق المصري أن يفوز على ضيفه بهدفين نظيفين، أو بأربعة أهداف مقابل واحد كي يتأهل، فيما سيواجه الفريق الجزائري مشكلة أنه يلعب في أرض (خصمه) الرياضي، لا في أرض محايدة على الأقل!


وبسبب هذه المعطيات، تحولت المباراة المرتقبة إلى معركة كسر عظم بكل ما في الكلمة من معنى... ليس على صعيد الاستعدادات والتدريبات، وهذا أمر مشروع بالطبع، بل على صعيد الجمهور وتقاليد التشجيع من جهة، ووسائل الإعلام وما تبثه المحطات التلفزيونية من جهة أخرى، الأمر الذي تسبب بأزمة مسبقة الصنع، لم تكن لتخفي نفسها منذ أعلن فوز الجزائر على رواندا بثلاثة أهداف مقابل واحد، الأمر الذي وضعها في مواجهة الشقيقة مصر، وجعل مهمة هذه الأخيرة عسيرة بعض الشيء!


وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، صدرت الكثير من المواقف الإعلامية التي يرقى بعضها إلى مرتبة الإهانة والسخرية، ورفعت قضايا ضد إعلاميين مصريين اتهموا بالسخرية والإساءة للجزائر ومنتخبها... وتطورت المعركة إلى ساحات شبكة الانترنت، ودخل 'الهاكرز' على الخط ليهاجموا مواقع مصرية، ويعطلوا مواقع جزائرية في عملية فعل ورد فعل متبادلين.


وفي المباراة النهائية لكأس العالم للشباب، التي جمعت البرازيل وغانا في القاهرة... وانتهت بفوز غانا بالكأس، كانت المباراة مسرحاً لهتافات وشعارات محورها اللقاء المرتقب بين مصر والجزائر، حيث جادت قريحة الجمهور المصري الخفيف الظل بالطبع في تأليف أهازيج ساخرة ولا تخلو من عنصرية وتفاخر ضد أشقائهم الجزائريين، كما نقلتها قناة 'العربية' التي كانت قد أجرت في إحدى نشراتها الإخبارية في وقت سابق تقريراً حول الأجواء المشحونة بين البلدين بسبب المباراة القادمة، ظهرت فيه نماذج من الشارعين المصري والجزائري، تقول بضرورة التحلي بالروح الرياضية واحترام قواعد المنافسة وأواصر الأخوة والقربى التي تجمع بين الشعبين العربيين، بل وترجو الإعلاميين في كلا البلدين ألا يصبوا الزيت على النار... وأن يكونوا (محضر خير) فلا يسهموا في تصعيد الأجواء التي لا تحتاج بالطبع لمن يزيدها تصاعداً وتوتراً!


والسؤال الذي يطرح نفسه، من الذي يزيد المعركة اشتعالاً: هل هو الجمهور الذي يسير ويتصرف وفق ما يعرف تجاوزاً بـ (غريزة القطيع)، أم الإعلام الذي يؤثر في هذا الجمهور، ويصدر له رسائل تستقطب مشاعره وتزيد من تحفزها، فتتحول المنافسة في النهاية إلى حالة تناحرية عدوانية، ومظاهر التشجيع وطقوسه إلى حالة شتائم سافرة تعلن التعصب وتستبطن الكراهية؟!


ترى هل قال الجمهور الذي ظهر في التقرير التلفزيوني كلاماً منمقاً يراعي بروتوكولات الظهور في وسائل الإعلام، فأوغل في المثالية والحديث عن روابط الأخوة كي يبدو مترفعاً، فيما المرجل يغلي بمشاعر أخرى، يعبر الإعلاميون عنها فيتهمون بأنهم هم من يصنعون الأزمات وحالات الاحتقان، فيما هم يترجمون ما هو موجود على أرض الواقع؟!


تساؤلات عدة تطرح نفسها عندما نتابع الوجه الإعلامي لهذه المعركة، وكيف تتجلى تفاصيلها الكبيرة والصغيرة في مرآة هذا الإعلام الذي كثيراً ما يفسح المجال للعاملين فيه كي يفصحوا عن ذواتهم على حساب موضوعية الرؤية، لكن بالمقابل ثمة حقيقة لا لبس فيها... وهي أن جزءاً كبيراً من شرائح الجمهور الرياضي العربي، لا تتحلى بالروح الرياضية، ولا تلتزم بضوابط المنافسة، ولعل آخر مثال على ذلك ما حدث في المباراة النهائية لكأس العالم للشباب في مصر بين البرازيل وغانا، حيث توافد على القاهرة آلاف من الجمهور العربي المشجع للبرازيل من دول عربية عديدة... وعندما هزمت البرازيل أمام غانا... تقبل الجمهور البرازيلي الحاضر في الملعب الأمر بروح رياضية شديدة الرقي، بينما عبرت الجماهير العربية عن سخطها وغضبها لخسارة البرازيل بأساليب غير لائقة، فيما علق أحد الإعلاميين الرياضيين على هذه الحالة بأمله بأن يتعلم العرب من البرازيليين هذا الرقي وتلك الأخلاق!!


لقد كان الجمهور العربي في مباراة البرازيل- غانا، ملكياً أكثر من الملك... وقد أعطانا درساً في التعصب للفريق الذي يحب... إلى درجة تجاوزت مشاعر البرازيليين أنفسهم... ومن الطبيعي في هذه الحال أن يتحول اللقاء المرتقب بين مصر والجزائر إلى بوادر أزمة بين البلدين، ما دامت نتيجة المباراة ستحسم حلم التأهل للمونديال... ذلك أننا لم نتعلم بعد أن نكون أسمى من حسابات الفوز والخسارة، ولم نتعلم بعد أن نكون أكبر من الحساسيات القطرية الضيقة، ولم نتعلم أن نتحرر من المشاعر الشوفينية التي تعصف بأهواء شرائح كبيرة منا، فتجعلنا ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا قبلة الإبداع والحضارة، وغيرنا هم الوافدون من خارج التاريخ!


أما الإعلام الرياضي فهو لا يفعل شيئاً في مثل هذه الحالات سوى أنه يترجم كل ما هو موجود على الشاشات وصفحات الجرائد والمجلات... إنه يعبر عن غريزة القطيع، لكن بأسلوبه الخاص... فبينما يقول الجمهور كل ما في قلبه بمباشرة ووضوح... فإن الإعلام يدعي الرصانة ويحاول أن يمرر أهدافه تسللاً... ويحاول أن ينفّس عن مشاعر جمهوره المحتقن بالمناورة والمداورة، كي يحفظ بعضاً من ماء وجهه لا أكثر... ومن المؤسف أن الإعلام الرياضي لا يفعل هذا مضطراً، بل كي يركب الموجة ويغازل مشاعر جمهوره... وبذلك يتحول إلى جزء من غريزة القطيع، بدل أن يكون ناظماً ومهذباً لها... إنه أشبه ما يكون ببرنامج (الاتجاه المعاكس) حيث بهلوانية السعي نحو الإثارة الفارغة والصراخ الزاعق، والبحث عنهما بالسراج والفتيلة كما يقال... على حساب الموضوعية وعمق مناقشة الموضوع والوصول إلى جوهر المشكلة!

(أيام الدم): تمجيد بطولات الأمن السعودي!


عرضت قناة 'العربية' مؤخراً، برنامجاً وثائقياً من إنتاجها بعنوان (أيام الدم) يروي قصة صعود وانهيار تنظيم القاعدة في السعودية على حد تعبيرها... ورغم أن البرنامج الذي بث على مدى ثلاثة أيام، وفي ثلاثة أجزاء... وبدعاية كثيفة وملحاحة، يتمتع بلغة فنية جيدة على صعيد الشكل... إلا أنه من حيث المضمون يبدو وكأنه من إنتاج وزارة الداخلية السعودية برعاية كريمة من سمو الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية... فهو لا يكل ولا يمل بين كل عبارة وأخرى أن يشيد بنجاح أجهزة الأمن السعودية ويقظتها وحدة ذكاء رجالها... وبتوجيهها الضربات القاصمة تلو الأخرى للتنظيم، وباعتبار أن العمل مشغول بصيغة المنتج المنفذ في مصر، فإن إخواننا المصريين قد أغدقوا عبارات الثناء والمجاملة على أجهزة الأمن السعودية - بطريقتهم- وبما يرضي المنتج الأساسي ومن وراءه... وإن أغضبت مجاملاتهم قيم الموضوعية والحياد!


لسنا ضد أن تترجم البرامج الوثائقية أحياناً، بعض المهمات الأمنية والسياسية لمنتجيها...ونحن ندرك بالطبع أن حرية الإعلام نسبية وتتفاوت في هذا المنبر أو ذاك تبعاً لحساسية الموضوع... وهذا ليس في الوطن العربي فقط، بل في العالم... لكن (أيام الدم) ورغم ادعاءات 'العربية' بأنه حقق أصداء واسعة عبر تقرير دعائي خاص بثته في إحدى نشرات الأخبار، بدا عملا ساذجاً، يفتقر إلى العمق في المعالجة والرؤية، وخصوصاً في توصيف فكر القاعدة المتشدد بلا شتائم أو انحياز... وكان من الإنصاف أن يعترف صناع (أيام الدم) أن الفكر الديني الذي كانت تتبناه السعودية هو في الأساس فكر متشدد وتكفيري، يطبق تشدده على عامة الشعب، لكنه يعفي الأمراء السعوديين من المحاسبة، ولذلك لم تشعر الدولة بوطأته إلا حين أنتج تنظيماً يحاربها... كذلك يعاني (أيام الدم) من غياب التوازن في عرض الوقائع، ربما لأنه أراد أن يوصل مقولاته بشكل فج ومباشر... ولو أنه فعل ذلك بهدوء وموضوعية لوصل إلى الهدف ذاته، ولأثر في مشاهديه بمصداقية أكبر من دون أن يتحول إلى فيلم دعائي لتمجيد بطولات الأمن السعودي الخارقة!


ناقد فني من سورية


mansoursham@hotmail.com

*****

مصر تبحث عن البديل لنظام يعذب حتى الموت


د. سعيد الشهابي

21/10/2009

ثمة خشية كبيرة على أن تبقى مصر سائرة على خطى السادات في غياب القيادة السياسية المستقلة، القادرة على اتخاذ قرارات تاريخية تعيد لمصر موقعها الريادي ليس على الصعيد العربي فحسب، بل في الدائرتين الإسلامية والعالمية.


والأمل أن تستعيد مصر عافيتها السياسية وتلحق بركب المدافعين عن الأمة وحقوقها والمتصدين للاحتلال الصهيوني، كما تفعل الدول التي استيقظت من غفلتها في السنوات الأخيرة. ينطلق هذا الأمل بعد أن لاحت بعض ملامح التغير في السياسة التركية تجاه 'إسرائيل' بشكل أغضب الساسة الصهاينة ودفعهم لإطلاق التصريحات التي تعبر عن القلق في تغير حظوظ الكيان الاسرائيلي في المجالات السياسية والاستراتيجية. ويمكن القول أن الحربين الأخيرتين اللتين شنتهما 'إسرائيل' ضد لبنان وغزة ساهمتا كثيرا في تغيير خريطة التوازنات في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فبعد ثلاثة عقود من حدوث أول تغير جوهري في الموقف العربي تجاه الاحتلال، بدأت ملامح مرحلة جديدة لا يستبعد أن تسلب الكيان الاسرائيلي ما اكتسبه من 'شرعية' دولية. الحظوظ الإسرائيلية تصاعدت في العقود الأخيرة وبالتحديد منذ العام 1974 عندما لوح الرئيس السابق، المرحوم ياسر عرفات، من على منبر الأمم المتحدة بغصن الزيتون، وما تلاه من إلغاء مبدأ أقرته الأمم المتحدة سابقا يساوي بين الصهيونية والعنصرية. كان هذان التطوران باكورة الانتصارات السياسية الإسرائيلية. وما هي إلا بضع سنوات حتى سجل الكيان الاسرائيلي اختراقا آخر للكيان العربي، عندما وقعت مصر السادات في 17 سبتمبر/أيلول 1978 اتفاقات كامب ديفيد التي كان مخططوها يحلمون بمرحلة تطبيع سياسي وثقافي بين المحتلين والعرب. ولكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران في غضون بضعة شهور لاحقة ساهم في وقف مسيرة التطبيع، إذ ألغت الثورة العلاقات الدبلوماسية بين نظام الشاه والكيان الاسرائيلي، واستبدلت ذلك بعلاقات مع الفلسطينيين، وفتحت لهم أول سفارة في العالم. وإذا كانت مسيرة الأعوام الثلاثين الأخيرة قد شهدت ارتفاعا وانخفاضا في مسيرة الصراع العربي الاسرائيلي، فان ما تشهده القضية على الأصعدة الثلاثة، المحلي والإقليمي والدولي، يشير إلى احتمال حدوث تغيرات واسعة في هوية الصراع وأبعاده. ويمكن القول أن وجود أرضية محلية تمثلها حركات المقاومة الفلسطينية خصوصا حماس والجهاد الإسلامي، توفر للدول العربية والإسلامية مسوغات سياسية ودبلوماسية وأخلاقية لسياسات رفض الكيان ومقاومته بكافة الوسائل المشروعة.


هذه الحقائق على الأرض والسياسات الإسرائيلية الرعناء ساهمت في إضعاف الموقف الدولي المساند للكيان الاسرائيلي. ففي أوروبا تصاعدت في السنوات الأخيرة 'موجة 'معاداة السامية'. وقالت 'وكالة الحقوق الأساسية' في تقرير لها صدر قبل ستة شهور أن 'تصاعد معاداة السامية في أوروبا يتزامن مع تفاقم التوترات في الشرق الأوسط وان صورة المعادين للسامية كيمينيين متطرفين قد تبدلت'. وذكرت الوكالة التي تتخذ من فيينا مقرا لها والتي جمعت بياناتها من 19 دولة في الاتحاد الأوروبي 'إن تصاعد المشاعر المعادية للسامية والتي تتجسد في حوادث تخريب متعمد للممتلكات أو اعتداءات جسدية هو مثار قلق حقيقي'. وتشعر تل أبيب بالقلق من تصاعد رفض سياساتها في الدول الغربية، وتسعى لبث مقولة أن انتقاد سياساتها تجاه الفلسطينيين يساوي معادة السامية، الأمر الذي يرفضه الكثيرون. وفي الشهور الأخيرة أصبحت 'إسرائيل' أكثر توجسا إزاء تراجع حظوظها من الدعم الدولي لأسباب أربعة: الأول صعود حكومة يمينية متطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو الذي يدير سياسته الخارجية متطرف آخر هو أفيغدور ليبرمان. الثاني: تصاعد الضغوط الدولية على السلطات الصهيونية لوقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية وفقا للالتزامات التي قدمتها 'إسرائيل' بموجب خطة 'خارطة الطريق' للسلام في الشرق الأوسط لعام 2003 'التي تتضمن 'إيقاف بناء المستوطنات وضمان أن توجد دولة فلسطينية لها مقومات البقاء'. وقد فشلت حكومة نتنياهو بالوفاء بهذه الالتزامات. الثالث: حالة الغموض التي تكتنف سياسات الرئيس باراك أوباما وتأرجحها بين الضغط على 'إسرائيل' ومطالبة الفلسطينيين بتقديم المزيد من التنازلات.

ومع أن أوباما يبدو أقل حماسا للمشروع الصهيوني ولكن سياساته حتى الآن لم تطمئن الفلسطينيين، ولم يتخذ خطوات حاسمة لدفع التفاوض بين الطرفين. الرابع: صدور تقرير غولدستون الذي حمل الإسرائيليين مسؤولية ارتكاب جرائم حرب خلال العدوان على غزة، وهو التقرير الذي أثار زوبعة دولية لأنه رفع الستار بشكل رسمي عن تلك الجرائم. وبدت الولايات' المتحدة' وبعض الدول الأوروبية، خصوصا بريطانيا، متأرجحة في الموقف إزاء التقرير الذي تتهمه بالانحياز ضد 'إسرائيل' برغم أن المسؤول عنه يهودي يصف نفسه بأنه 'صهيوني'.


في هذا الخضم، فالمأمول أن تنقلب مصر على تاريخها المعاصر الذي تمثل اتفاقات كامب ديفيد أكثر فصوله سوادا، وتتخذ قرارات تاريخية لتلتحق بالدول الإسلامية الكبرى التي سبقتها لدعم المقاومة ورفض الاحتلال والقطيعة معه. وتمثل إيران أشد حالات القطيعة مع كيان الاحتلال الذي ترفض الاعتراف به وتشكك في مقولاته التاريخية خصوصا الهولوكوست، وتتهم بتمويل المجموعات التي تقاومه. ولكن جبهة التحرر لا تتوقف هنا. وليس مستبعدا أن تتواصل السياسات التركية، في ظل استمرار حكم حزب العدالة والتنمية، في' السياسات التي تتبلور تدريجيا ضد المصالح الإسرائيلية. فتركيا العلمانية كانت تنتهج سياسات مشابهة لسياسات إيران الشاهنشاهية، إذ اعترفت بالكيان الاسرائيلي وأقامت العلاقات الدبلوماسية معه، وتحالفت معه عسكريا. وثمة مؤشرات لتغير هذه السياسة، من بينها إلغاء المناورات العسكرية بين القوات التركية وقوات الناتو و'إسرائيل'. وكانت إسرائيل قد أعلنت أن المناورات الجوية المشتركة التي تنظمها تركيا سنويا بمشاركة الولايات المتحدة وعدد من دول حلف شمال الأطلسي إلى جانب تركيا و'إسرائيل' قد تم تأجيلها إلى اجل غير مسمى بعد رفض تركيا دعوة الأخيرة للمشاركة فيها. المناورات ستجري في موعدها، ولكن بدون مشاركة دولية، حيث ألغيت هذه المشاركة 'بعد مفاوضات أجرتها وزارة الخارجية التركية مع الجهات المعنية.' هذه الخطوة تضاف إلى 'احتجاج' إسرائيلي على بث التلفزيون التركي مسلسلا يصور جنودا إسرائيليين يقتلون أطفالا فلسطينيين أبرياء. وتعتبر الخطوة نتيجة لما يبدو من تغير في السياسة التركية التي أصبحت أكثر تبلورا منذ العدوان الاسرائيلي ضد غزة. ويتناول المسلسل حياة أسرة فلسطينية تعيش في الضفة الغربية. هذا لا يعني أن السياسة التركية بالقطيعة مع الكيان الاسرائيلي قد حسمت تماما، ولكنها مؤشر لنوايا غير معلنة تشير إلى تلاشي حظوة الصهاينة لدى الأتراك. هذه الخطوات تتناقض مع خطوات أخرى اتخذتها حكومة أردوغان في الشهور الأخيرة تتمثل بدور تركي مهد لحوار سوري إسرائيلي. ونقلت صحيفة 'معاريف' الإسرائيلية عن مصدر سياسي رفيع المستوى قوله 'إن رئيس الوزراء التركي يقوم بتحويل تركيا إلى دولة إسلامية متشددة، على غرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية'، لافتاً إلى أن الدولة العبرية تخشى من التقارب الإيراني التركي، وزادت الصحيفة قائلة على لسان مسؤولين سياسيين إسرائيليين، إن الأزمة الحالية خطيرة جداً، ولكنّ تداعياتها ستكون أخطر بكثير، ولفتت إلى 'أنّ أردوغان تنازل عملياً عن هدف بلاده الدخول كعضو في الاتحاد الأوروبي ويقود بلاده إلى محور جديد مع إيران وسورية'.


والسؤال هنا: هل تستطيع مصر أن تفعل ذلك؟ أم أن شيخوخة قياداتها والتزاماتهم تجاه واشنطن وتل أبيب تمنعهم من اتخاذ قرارات شجاعة على غرار الخطوات التركية؟ التطورات الأخيرة على الساحتين الفلسطينية والمصرية لم تظهر وجود مشروع مصري لتغيير المسار. فبرغم العاصفة الأخيرة حول المسجد الأقصى واحتمال تدميره على أيدي السلطات الإسرائيلية أو المتطرفين اليهود، لم تتخذ الحكومة المصرية أي موقف مناوئ بشكل جدي للإسرائيليين. بل عمدت لاعتقال العشرات من جماعة الإخوان المسلمين بسبب مشاركاتهم في مسيرات لدعم المسجد الأقصى وشجب 'إسرائيل'.

وكانت الجماعة قد أعلنت أنها ستمارس الاعتكاف في المساجد تضامنا مع المعتكفين الفلسطينيين الذين اعتكفوا ثمانية أيام في المسجد لمنع اقتحامه من قبل المجموعات الصهيونية التي كانت تخطط لجريمة الهدم في 'عيد الغفران' الذي صادف السادس من هذا الشهر، وهو اليوم الذي أطلق على حرب 73، آخر الحروب التي شاركت مصر فيها ضد 'إسرائيل' والتي أدت إلى انتصار عسكري كان يفترض أن يكون' أساسا لمشروع' تحريري أوسع. وفي غمرة انتفاضة الأقصى، أعلن عن استشهاد يوسف حمدان أبو زهري البالغ من العمر 38'عاما نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرض له في السجون المصرية. 'وكان الشهيد قد اعتقل من قبل السلطات المصرية في الـ 28 من نيسان/ابريل الماضي أثناء دخوله الأراضي المصرية، وقد أخضع وقتها للتحقيق من قبل الأمن المصري بأحد المنازل في مدينة العريش المصرية. وهناك عدد من المعتقلين الفلسطينيين في السجون المصرية من بينهم أيمن نوفل، القيادي بكتائب القسام. جريمة التعذيب هذه فتحت ملف حقوق الإنسان في السجون المصرية على مصراعيه، ودفعت نشطاء حقوق الإنسان في مصر وخارجها للمطالبة بالتحقيق المستقل في الجريمة ومعاقبة مرتكبي جريمة التعذيب. ولكن من غير المتوقع أن تقدم السلطات المصرية على تلك الخطوة خصوصا في غياب الضغوط الدولية الرسمية والشعبية.


الكثير من الساسة والمراقبين يستغرب من الموقف المصري إزاء ما يجري في داخل مصر أم على حدودها. فثمة غياب واضح للدبلوماسية المصرية، يتمثل بغياب الدور القيادي المصري للعمل العربي، ومواجهة التوجهات التحريرية لدى الفصائل الفلسطينية الرافضة للاعتراف بالاحتلال، والتحالف مع المملكة العربية السعودية ضمن محور مشترك يهدف للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي والتصدي للحركات النضالية الفلسطينية والعربية. الرئيس حسني مبارك يجد نفسه في موقف صعب وهو يواجه خيارات صعبة. فهو متشبث بالحكم، ويسعى لتوريثه لنجله. وهو 'ملتزم' بتعهدات وسياسات ومواقف مع واشنطن وتل أبيب، وهو في الوقت نفسه مطالب بالتعاطي مع الواقع الداخلي الذي يزداد تأزما بمرور الوقت. ولذلك لا تبدو المخارج من كل ذلك متيسرة. النظام يؤمن بأمور ثلاثة: أولها انه مستهدف من قبل قطاعات واسعة من الشعب المصري خصوصا انه بلغ مرحلة الشيخوخة وأصبح عاجزا عن تقديم مبادرات الإصلاح السياسي والإداري لبلد يعاني من تفاقم المعضلات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفساد المالي والإداري، ثانيها: إن من ثوابته العلاقات القائمة مع 'إسرائيل' والولايات المتحدة الأمريكية وعدم الخروج عن تلك العلاقات، ثالثها: إن إجراء أية انتخابات حرة بدون قيود أو ضغوط أو هندسة رسمية لها، سوف تسقط النظام كله، وتأتي بآخرين أكثر ارتباطا بالشعب ومشاعره، على غرار ما يحدث في البلدان الأخرى مثل تركيا. لقد أصبح نظام الرئيس حسني مبارك يواجه تحديات داخلية حقيقية وان الحديث عن 'خلايا' أجنبية لتقويض الأمن والاستقرار إنما هو محض خيال. فالمجموعات التي تعتقل بين الحين والآخر ما تلبث أن تحاصر النظام ببراءتها، برغم قوة'أجهزة الأمن المصرية في اختراع المسرحيات وتوجيه الاتهامات المزيفة. ويمكن القول أن مصر لم تشهد في تاريخها المعاصر حالة احتقان داخلية كما هي عليه الآن. فالمعارضة ممتدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتشمل الإسلاميين الذين يمثلون سقفها الأكبر، وهؤلاء جميعا متفقون على حالة الجمود التي تهيمن على نظام الحكم وعجز رموزه عن قيادة مصر، البلد العربي الأكبر، على أساس الدور التاريخي والقيادي المنوط به. ومن ضمن تحركاتهم الأخيرة المؤتمر الصحافي الذي عقد الأسبوع الماضي بمشاركة عدد من ممثلي القوى والأحزاب بينها جماعة الإخوان المسلمين و حزب الغد بزعامة أيمن نور. هؤلاء أكدوا، على لسان الدكتور حسن نافعة، منسق اللجنة التحضيرية للحملة' المناهضة للتوريث 'إن الشعب المصري يعيش أزمة نتيجة ممارسات السلطة والحزب الحاكم التي أفرزت واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مشوها'، مؤكدا 'أن الحملة ليس هدفها إسقاط مشروع التوريث فقط، وليست ضد شخص جمال مبارك؛ ولكنها ضد نظام سياسي بأكمله'. ولذلك فثمة قلق عميق لدى القوى المتحالفة مع نظام الرئيس مبارك إزاء مستقبل هذا النظام، فالأمريكيون والإسرائيليون والسعوديون مشتركون في هذا القلق البالغ، بعد أن أصبح الحكم في مصر قائما على أساس الحكم الفردي البعيد عن قيم الديمقراطية وحكم القانون. فإذا نجح هذا النظام في فرض التوريث لنجل الرئيس فسوف يتحول إلى نظام ملكي مطلق يقضي على ما أنجزته حركة النضال الوطنية طوال القرن الماضي. المعارضة المصرية تتسابق مع الزمن للحفاظ على موقع مصر القيادي من جهة، واستقلال قرارها الخارجي والداخلي من جهة ثانية، وحرية شعبها في اختيار حكومتها ثالثة. وفي خضم هذا الصراع يتساقط الأبرياء في السجون، وقد يعذبون حتى الموت كما حدث للشهيد يوسف أبو زهري، وقبله الطفل محمد محمود النبهاوي، ورمضان سالم جمعة ومصطفى لبيب حمدان وغيرهم.

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

*****

مظفر النواب ...شاعر الرفض والشتيمة السياسية


شاكر فريد حسن

21/10/2009

مظفر النواب صاحب ' وتريات ليلية ' و' سفينة الحزن '، هو شاعر الرفض والاحتجاج والمعارضة والنقد اللاذع، وشاعر الحزن العربي ونكبات العرب ومآسيهم. إنه ظاهرة سياسية فريدة في شعر الثورة العربية المغتربة، طالما بقيت هذه الثورة مجرد إرهاصات وبدايات وأحلام. ولعل غياب هذه الثورة هو سر التمزق الذي ينهش جسد وروح مظفر النواب، الذي ذبحته واغتالت صوته حكومات القمع والاستبداد العربية الممسكة بخناق الشرق.


مظفر النواب ليس شاعراً مرهفاً ثائراً وغاضباً فحسب، بل ناقداً سياسياً قادراً على وضع النقاط على الحروف ورسم خطوط المأساة العربية، شكلاً ومضموناً. فهو يستخدم ويوظف كلماته البذيئة اللاذعة في النقد، تلك الكلمات التي تعكس موقفه الصريح الواضح إزاء أنظمة العهر والذل والعار والتخاذل. كما أنه قاموس لغوي استطاع أن يروض الكلمات حتى تكون مطواعة بين يديه وتبقى رهناً لإشارة من يراعه الذي هو شاهد ألمه وغضبه وثورته وتمرده، وتظل كلماته سلسة شفافة مرنة كالعجين، يضعها بالشكل الذي يريد وكيفما يريد، حتى أن بعض النقاد أخذوا عليه استخدامه وتوظيفه الألفاظ البذيئة وكلمات السبّ والشتم في تهكمه على الزعامات والأنظمة العربية الخنوعة والمتخاذلة، لكن مظفر النواب يرد عليهم قائلاً: ' لا يعقل أن ألجأ الى معجمية الأخلاق وأنا أعيش سمّ المواخير حتى التخمة، كذب لجوئي إلى المفردة المداعبة الهامسة وأنا أعيش جحيم المجزرة! قبيح بي وأنا أعيش هذا الذل العربي الحاكم، ألا ( ترقى ) مفرداتي إلى هذا الدرك اللغوي وخيانة لجوئي للصمت في وجه العهر والقمع، رغم أن ( العثة في بلد العسكر تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته تقرر صنف المولود ) فعلى قدر الوجع تكون الصرخة، وعلى قدر التردي يكون التردي، ونحن نعيش البذاءة ممارسة بآلاف الأشكال، نعيش القهر، وبالألوان على شاشات الفضائيات ... نعيش العهر الصامت أو الصمت العاهر على أحدث طراز، فأي لغة تريدون؟ أعلي ّ أمام شاشات الدم ومشهدية السقوط، أن أتلهى بالبحث عن لطف العبارة لئلا أخدش من يحزنني من الوريد إلى الوريد؟ '.


ومظفر النواب يجسد في قصائده تجربته داخل السجن، فيكتب عن معاناة التعذيب والتشرد والترحال ويعبر عن مشاعر الشوق والحنين إلى وطنه بلد النخيل، العراق...فيقول في وترياته:

في العاشر من نيسان بكيت على باب الأهواز
فخذاي تشقق لحمهما من أمواس الليل
أخذت حشائش برية تكتظ برائحة الشهوة
أغلقت بهن جروحي لكن الناموس تجمع في الفردوس المشدود
كنذر في رجلي
ناديت: إله البر سيكتشفونني
وسأقتل في البر الواسع
والريح على أفق البصرة تذروني
ويد الطين ستمسح عن جبهتي المشتاقة نيران جنوني
في العاشر من نيسان نسيت على أبواب الأهواز عيوني.

ويعبّر مظفر النواب عن اغترابه ووجعه، وينتقد من كان وراء هذا التشرد وهذا الوجع، ويبكي جرحه في كفه، فلا يستطيع أن يعالج الجرح وحده ويتركه ينزف، ويحكي ويحكي ويتمنى:


صار يكفي ...
كل شيء طعمه طعم الفراق
حينما لن يبق وجه الخراب
وجه الناس قد تم الطلاق
حينما ترتفع القامات لحناً أممياً
ثم لا يأتي العراق.


وقصيدته ' سفينة الحزن ' ثقيلة جداً بحزنها، مثقلة بالمرارة .. بغبار الرحيل .. بأتربة المنافي.. بآمال وهموم الوطن وجراح الأمة، لكن الربان مظفر النواب يظل حريصاً على ألا تغرق السفينة في البحر مهما تلاطمت الأمواج ... فلا يتوه عن الدرب ولا يضيع البوصلة:


أيها الجند بوصلة لا تشير إلى القدس
مشبوهة..
حطموها على قحف أصحابها.


و' سفينة الحزن ' ثورية تحريضية تفضح صمت النفط وتعرّي سكوت الأمراء، و ملأى بالحزن، وفي الوقت نفسه ملأى بالثقة الكبيرة بالجماهير والأمة.


إن أكثر ما يشغل مظفر النواب في شعره هو قضية الأمة العربية .. الوحدة والثورة العربية للعمال والفلاحين وفقراء الشعب . ويتجلى إيمانه بالثورة في صعود متواز مع النزعة والروح القومية والعروبية والطبقية لقصائده، هذه الروح التي تؤكد أن تجدد الأمة العربية يقوم على أساس التجديد في الدور القيادي للطبقة الثورية المسحوقة والكادحة ووصولها إلى مواقع السلطة، بحيث انه الضرورة الفاعلة الوحيدة التي تقود إلى ملكوت الحرية التي ينشدها النواب.


ومظفر النواب صاحب النبرة الحادة التي تتميز بالشتيمة السياسية ' صافعة الأنظمة العربية بالأحذية ' يعرّي حالة التفاهة السياسية والتخاذل العربي والبؤس الفكري والحضاري للحكام العرب.. فيقول:

الآن أعرّيكم
في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم
فرحي
تعالوا نتحداكم قدام الصحراء العربية
كي تحكم فينا
أعترف الآن أمام الصحراء
يأتي مبتذل وبذيء وحزين كهزيمتكم
يا شرفاء مهزومين!!
ويا حكاماً مهزومين!!
ويا جمهوراً مهزوماً! ما أوسخنا!
ونكابر!!! ما أوسخنا! لا استثني أحداً
هل تعترفون؟


ثم ينتقل من حالة النقد إلى حالة الاستنهاض والثورة وشن الهجوم المعاكس:


ألا ينهض المعدمون الصعاليك، قد أوغل الأغنياء
لقد منعوا دفن طفل من اللاجئين لئلا
تدنس مقبرة بغريب عن الشام .


وأخيراً، مظفر النواب شاعر سياسي وطني وثوري رافض، غير متصالح مع الواقع، يعاني المرارة والألم، ويحمل الهموم العربية الكبرى، وهو بركان هادر متفجر على الوضع الشائن وغاضب على الأحوال العربية الرديئة والواقع العفن المخذول. إنه صاحب الشعر الصادق الذي تصل كلماته إلى شغاف القلوب فيعود صداها رجعاً في فؤاد وعقل القارئ، فلا يشبع ولا يكتفي بقراءتها. وقصائده مترعة بالوجع والحنين والغربة والحزن المؤرق والغضب الثوري اللاهب والمتمرد على الواقع العربي الذي يتسم بالضعف والانحطاط والهرولة الاختيارية .

*****

الإستراتيجية العسكرية للدولة والحوثيين في حرب صعدة الحالية


أحمد صالح الفقيه

22/10/2009

يخوض الحوثيون حرب عصابات ضد السلطة في محافظة صعدة. وهي حرب غير متكافئة بالنسبية للطرفين المتحاربين. فالحوثيون يواجهون كامل الآلة العسكرية النظامية للدولة بمكوناتها الجوية والبرية بينما تواجه الدولة حرب عصابات ليس لها عنوان محدد ولا تستطيع منازلتها في معركة محددة الملامح حيث تجد أن عليها ملاحقتهم في رؤوس الجبال والتلال والهضاب، ثم إضاعة ذخائرها في قصف غير مجد على الجبال والآكام. وقد تمكن الحوثيون من إلحاق خسائر فادحة بالسلطة في الأرواح والمعدات طبقا للصور التي يبثها الحوثيون من خلال الفضائيات ومواقع الانترنت حول العالم.

وقد كان تمكن الحوثيين من السيطرة على أكثر من ستين موقعا تتمركز فيها القوات المسلحة للسلطة، طبقا لبياناتهم التي لم ينفها المصدر الحكومي، إنجازا عسكريا مدهشا، خاصة وأن الحرب لم يمض عليها سوى فترة قصيرة جدا. ومن الجهة المقابلة ارتكبت القيادة العسكرية الحكومية خطأ جسيما سبق أن ارتكبته قبلها القوات المصرية في اليمن، إذ عمدت إلى نشر قواتها على عدد كبير من الهضاب والمرتفعات المستحكمة ويؤدي ذلك إلى:


1.تعدد الأهداف أمام مقاتلي حرب العصابات، الذين يمارسون القنص والغزوات السريعة، ويعرضها إلى الحصار من قبل مجاميع متعددة من مقاتليهم ويسهل قلة عدد المدافعين في مواقع الجيش اكتساحها.


2.تشكل كثرة المواقع عبئا لوجيستيا كبيرا على المؤخرة التي يجب عليها إيصال الإمدادات إلى كل موقع.


وكانت القوات المصرية في اليمن قد تخلت عن هذا الأسلوب في أواخر الحرب واتجهت إلى ما سمي بإستراتيجية النفس الطويل، حيث يتم تجميع جميع القوات في حصن واحد وتتحرك منه القوات للقيام بهجمات سريعة على القوات المناوئة ومن جهة أخرى يحتوي الحصن على قوة نارية كبيرة قادرة على إحباط أي محاولة هجومية عليه.


إستراتيجية الحوثيين العسكرية (الحصار والقضم):


أولا: الطبوغرافيا


لإيضاح إستراتيجية الحوثيين لابد أن نبدأ أولا بتقديم صورة عن الطبيعة الطبوغرافية لمحافظة صعدة.


تقع محافظة صعدة في أقصى الركن الشمالي الغربي للجمهورية اليمنية، وتحدها من الشمال والغرب المملكة العربية السعودية. ويبلغ طول حدود المحافظة مع السعودية حوالي 160 كيلومترا في الجهة الشمالية وحوالي 140 كيلومترا من الجهة الغربية وهي تتاخم محافظتين سعوديتين من الأراضي اليمنية التي استولت السعودية عليها، وهي نجران من الشمال وجيزان من الغرب. وتحد المحافظة من الجنوب محافظتا عمران وحجة على التوالي، بينما تحتضن محافظة الجوف الواسعة المساحة محافظة صعدة من جهتي الشرق والجنوب أيضا.


الطرق:


يتعرج طريق صنعاء / صعدة البالغ طوله 245 كم حتى يبلغ حرف سفيان، التي استولى عليها الحوثيون، في أقصى شمال محافظة عمران. ومن هناك يسير مستقيما ليقسم محافظة صعدة إلى قسمين حيث يتصل بطريق أخرى تصل صعدة بالمنفذ الحدودي علب أو علبين كما يسمى أيضا وذلك في أقصى شمال الجمهورية والمحافظة معا.


والمنطقة الواقعة إلى الغرب من هذه الطريق، في المحافظة، جبلية وعرة بالكامل تقريبا ماعدا بعض المناطق المنبسطة التي تمر عبرها الطريق ذاتها، وتبلغ الجبال ارتفاعات شاهقة كجبل براش الذي يبلغ ارتفاعه 2330مترا وجبل النوعة في ساقين 2810 مترا وجبال خظارين وبنى عوير والعر وحيدان وكلها غربي مدينة صعدة ثم جبال رازح وشدا وأسود 2890 مترا وجبل قبة وجبل مرع وجميعها واقعة إلى الشمال الغربي من مدينة صعدة، وتتميز هذه المنطقة الغربية بميزة أخرى إلى جانب وعورتها، وهي أنها تضم معظم سكان محافظة صعدة، ذلك أن نواحي منبه ورازح وساقين وحيدان، وهي الأكثر قرى وسكانا، تقع كلها في هذا الجزء، إضافة إلى نواحي شدا والظاهر وتجمعات سكانية كبيرة مثل مدينة ضحيان ومجز.


ثانيا: الإستراتيجية العسكرية:


ولا بد وأنه عند هذا الحد قد اتضحت ملامح الإستراتيجية العسكرية للحوثيين، والقائمة على الاستيلاء على مداخل الطرق المؤدية إلى المحافظة والاستماتة في التمسك بها، لمنع التعزيزات من الوصول إلى القوات الحكومية الموجودة في المحافظة،إضافة إلى قيامهم بتلغيم الطرق المؤدية إلى كل موقع ومن ثم التعامل معه بعد عزله وقطع طرق إمداده، ومواصلاته.


وهو ما مكنهم من إرغام تشكيلات كبيرة من حجم لواء على الاستسلام كما حدث للواء 105 على سبيل المثال. والاستيلاء على الموقع المتقدم لمؤخرة القوات وشؤونها الإدارية في الملاحيط.


وقد نجحت إستراتيجيتهم أيما نجاح ومكنتهم من الاستيلاء على مواقع الاتصالات العسكرية كما حدث في الجبل الأحمر. وتم الاستيلاء على كثير من المواقع العسكرية عن طريق الحصار والمطاولة حتى نفاد المؤن والذخائر.


والخلاصة يمكن القول أن جميع قوات المنطقة الشمالية الغربية وتعزيزاتها المتمركزة في محافظة صعدة قد تم تضييق الخناق عليها تماما من قبل الحوثيين، في حين يتم قضمها وتصفيتها على مهل مع الاستيلاء على معداتها وتجهيزاتها.
وإذا لم تتمكن القوات الحكومية من فتح الطرق إلى صعدة فإن سقوط كامل قواتها مسألة وقت ليس إلا.


الإستراتيجية العسكرية للقوات الحكومية (ضرب البنية التحتية)


على الرغم من الطبيعة الهجومية الظاهرية لعمليات القوات الحكومية إلا أن الإستراتيجية العسكرية الباهرة والمتفوقة للحوثيين قد وضعت الجيش في وضع الدفاع ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من القوات المحاصرة في محافظة صعدة.


وكانت العمليات العسكرية الحكومية عند بداية هذه الجولة من الحرب قد اعتمدت على القصف الجوي والقصف الصاروخي والمدفعي البعيد المدى. وهو قصف استهدف من الناحية الاستراتيجية هدفين أساسيين هما:


أولا: تجمعات الحوثيين المتحصنة في المنزالة والملاحيط والممسكة بالطريق القادمة من حرض إلى المحافظة، ثم تجمعاتهم المتمركزة في حرف سفيان والممسكة بالطريق القادمة من صنعاء وعمران إلى المحافظة. وذلك بغرض فتح الطريق وإيصال التعزيزات والمؤن والذخائر إلى القوات الحكومية المتمركزة في شتى المواقع في محافظة صعدة. ولعل ذلك كان أهم دوافع الجولة الحالية من الحرب إذ أن سيطرة الحوثيين على الطرق المؤدية إلى المحافظة وقدرتهم على حصار المواقع العسكرية كانت أمرا واقعا قبل فترة طويلة من اندلاع الجولة الحالية من الحرب، واقرب مثال كان حصارهم للكتيبة التي كانت بقيادة العقيد الشهاري..


ثانيا: معرفة القيادة بأن القوات التي تخوض حرب العصابات تحتاج إلى البنية التحتية السكانية التي تعمل ضمنها لأنها طبقا لمبدأ حرب العصابات الشهير الماء الذي تعيش فيه سمكة المقاتلين. ولذلك فقد استهدفت القوات الحكومية بالقصف تجمعات المدنيين في مدنهم وقراهم بغرض تهجيرهم وإجبارهم على مغادرة مناطق القتال حتى تحرم الحوثيين من الوسط الاجتماعي المدني الذي يقدم لهم الدعم اللوجستي والذي هو بمثابة الماء الذي تعيش فيه السمكة.


وقد نجحت الدولة في تحقيق جزء من الهدف الثاني فقط ولم تمكن حتى الآن من تحقيق الهدف الأول وهو فتح الطرق المؤدية إلى المحافظة، بسبب التحصين الجيد للحوثيين في المرتفعات الحاكمة للطرق. أما الهدف الثاني فقد تمكنت السلطة من تهجير مائة وثمانين ألف مواطن حتى الآن، طبقا لتقديرات منظمات الإغاثة العالمية والمحلية، التي لا تفتأ تعرب عن القلق الشديد على أحوالهم بعد نزوحهم من مناطق سكناهم ، وهو ما يمثل 38' من إجمالي عدد سكان المحافظة البالغ طبقا لآخر الإحصاءات السكانية حوالي سبعمائة ألف مواطن. ولم يكن من الممكن لهذا القصف العشوائي المتعمد للمدن والقرى إلا أن ينجح في تهجير المواطنين بعد أن تم تدمير معظم مدن ضحيان وحرف سفيان ومجر وصعدة القديمة وغيرها، وكذا العديد من القرى التي يسيطر الحوثيون على الجبال المحيطة بها. ولكن إستراتيجية التهجير هذه سلاح ذو حدين فقد تفشل وقد ترتد على فاعلها وذلك للأسباب التالية:


أولا: محافظة صعدة تتاخم محافظات عدة لا يمكن السيطرة على حدودها مع صعدة ومن ثم فإن الإمدادات تتسرب بسهولة نسبية إلى المحافظة، إضافة إلى أن المحافظة تتاخم محافظات سعودية يتعاطف سكانها مذهبيا مع الحوثيين.


ثانيا: أن الضحايا من المدنيين قد يكونون سببا لانضمام الرجال من أسرهم إلى الحوثيين الأمر الذي يؤدي إلى تقوية الحوثيين وتعزيز صفوفهم بدلا من إضعافها .


ثالثا: أن الفظائع التي تمارس بحق المدنيين تعرض المسؤولين عنها في الدولة إلى المساءلة طال الوقت أو قصر. كما أنها تؤدي إلى تأليب الرأي العام المحلي والدولي على القيادة.


العجائب والغرائب:


'الأرض المحروقة' هو الاسم الذي أطلقته اللجنة الأمنية العليا، على الجولة الحالية من هجومها على الحوثيين في صعدة.


وقد ظل تعبير الأرض المحروقة دائما تهمة يوجهها من تتم مهاجمته ضد المهاجم، على اعتبار أن إستراتيجية الأرض المحروقة تستهدف كل أشكال الحياة من بشر وحيوانات ونباتات، وكذلك المدن والقرى التي تتم مهاجمتها بالقصف العشوائي للمدنيين، وهو الأمر المحرم والمجرم بموجب القانون الدولي الإنساني. وفي العادة تنفي قيادة القوات المهاجمة هذه التهمة حتى لا تتهم بارتكاب جرائم حرب كبرى وجرائم ضد الإنسانية.


إلا أن قيام القيادة بإطلاق هذه التسمية على عمليتها الحربية الحالية ضد الحوثيين في صعدة وحرف سفيان، هو اعتراف صريح مسبق عن النية المبيتة لتدمير كل أشكال الحياة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون على الأقل، وهم في الواقع يسيطرون على معظم إنحاء محافظة صعدة وعلى حرف سفيان في محافظة عمران.


وربما يكون سبب هذا الإعلان عن النوايا بالتسمية هو إما الجهل بخطورة إعلان النية هذا على المواقف القانونية والسياسية والدبلوماسية للدولة أمام الرأي العام المحلي والدولي، أو أنه ناتج عن اطمئنان مفرط إلى حصانة المسؤولين عن إستراتيجية وحملة الأرض المحروقة من كل مساءلة، وهو أمل مستحيل في عالم اليوم، إذ أنه حتى قادة إسرائيل، على الرغم من امتدادات إسرائيل الأخطبوطية وهيمنتها العالمية، يتعرضون إلى اليوم إلى بوادر مساءلات متعددة نتيجة ممارساتهم العسكرية، ولدرجة أن العديد من كبار الضباط المسؤولين من الإسرائيليين يمتنعون عن زيارة عواصم عديدة في العالم خشية إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة على جرائم الحرب التي اتهموا بارتكابها.


إنه الجهل إذن والمقترن بعنجهية طالما ساقت الكثيرين إلى نهايات مأساوية.

' كاتب من اليمن

*****

أستاذ هيكل: فعل ندامة تأخر


كمال خلف الطويل

22/10/2009

استوقفتني في مقابلتك الأخيرة على الجزيرة عبارة تحسرت فيها على دورك بترجيح كفة فتح عند عبد الناصر بعد هزيمة حزيران/يونيو. لو كان لك اشتباه بما انتهت إليه لاحقا..


والحق أن تلك مسألة تستحق التأمل واستخلاص العبر.. وبعلم أن المفاضلة كانت وقتها بين جورج حبش مؤيدا بسامي شرف وأمين هويدي وبين ياسر عرفات مؤيدا بهيكل. لنفهم دواعيك في تشرين الأول/أكتوبر 67 أرى:


1) أنك اعتبرت أحمد الشقيري خارج الزمان والمكان بسبب تشدده في موضوعة الحل السلمي.


2) أنك اعتبرت حركة القوميين العرب خارجة على النص بسابقة تمردها على عبد الناصر في جنوب اليمن مطلع 66 ولاحقة تنظيمها حزبا سريا اخترق الاتحاد الاشتراكي خريف 66.


3) أنك اعتبرت أن فتح هي أول من انطلق لحمل السلاح في أعقاب الهزيمة وأنها الأكبر عددا بين نظيراتها حينها وبالتالي فالأكثر تهيؤا للاعتماد عليها في وقت يحتاج فيه عبد الناصر إلى مشاغلة العدو المستمرة على ارض فلسطين فيما هو يتأهب لمعركة إزالة آثار العدوان.


4) أنك اعتبرت أن انتماء نواة فتح للإخوان المسلمين ليس عائقا سيما وهم خارجون من الجماعة وسبق وحاولوا التقرب من عبد الناصر وصدوا باستمرار. المتأمل تلك العناصر الأربعة يخلص إلى ما يلي:


1) أن الشقيري كان ما زال صالحا لقيادة الحركة الفلسطينية وبجدارة سيما وان تصلبه يفيد في تصليب المفاوض المصري في مباحثات التسوية.


2) أن فتح لم تكن أهم الحركات عقب الهزيمة بل بزتها قوات التحرير الشعبية ـ تنظيما وفعلا ـ وهي الذراع الفدائية لجيش التحرير الفلسطيني المؤتمر بالشقيري.


3) أنه بمقدار ما كان حبش غير جدير بالقيادة سيما مع تشنجات الفكرية اثر الهزيمة مباشرة فان عرفات كان اقل جدارة. 'منحة' نشأت في الكويت أساسا وفي قطر والسعودية أيضا وبالتالي فان المخابرات البريطانية النافذة في الخليج سمحت لها بالعمل ـ وكذلك السعودية ـ لا لشيء إلا لأنها مخاصمة لعبد الناصر عدوهم الرئيسي والمميت. لا يعني ذلك أن مؤسسيها يفتقدون الوطنية.. لا بالقطع لكنهم خلطة من إخوان وتحريريين وبعثيين. 'معظمهم' معلمو مدارس ويحملون أفكارا فيها من الطوباوية والخيال أكثر مما فيها من النضالية الجادة. بالمقابل فالشقيري وإطاراته ـ مع بعض التعديل ـ كانت تتحلى بالجدية والمسؤولية والأمانة النضالية والثبات على الثوابت.


إذن.. ما هو السبب الحقيقي الذي رجح عندك كفة عرفات وجعل عبد الناصر يبلع القصة..


هي في رأيي مراعاة فيصل آل سعود.. كان يستعيذ من كابوس الشقيري ولعله سيصاب بالصفراء مع الإتيان بحبش لذا ففتح ـ بما تعج به من إخوان وتحريريين سابقين ـ كفيلة بإراحة أعصابه وبتوريطه بتمويلهم فيما مصر تقدم السلاح والتدريب والخبرة لهم.


كانت نصيحتك خاطئة بالمطلق وكان اقتناع عبد الناصر بها خاطئا بالكامل (وهو الذي أعلن في نيسان/ابريل 68 إنابة فيصل في ملف تحرير الخليج!) إذ أن مهادنة فيصل بأكثر من التوقف عن الحملات الإعلامية ضده وبعد سحب القوات المصرية من اليمن كان مدماك علو كعبه بعد وفاة عبد الناصر وافتتاحه للحقبة السعودية اخطر الصفحات المقززة في تاريخ العرب المعاصر.


ومع ذلك فأنت بقيت واحدا من أربعة يكرههم آل سعود من الأعماق والى يوم الدين: السراج وسامي شرف وعلي صبري. ننتظر حديثك عن حرب أكتوبر.. بصراحة ولحينها سأتفاعل مع 'طلاسم 67' لأحاجج بأنه لم تكن هناك من طلاسم.


****

أمة بدون قادة وقادة بدون أمة


إسماعيل القاسمي الحسني

23/10/2009

أعتقد جازما بأن القارئ العربي قد أصيب بالتخمة من التحاليل السياسية للوضع العربي المترهل، وله العذر في ذلك وقد باتت المعلومات والتقارير تدخل بيته عبر الفضائيات دون استئذان، إذن فلن أذهب في هذا الاتجاه، بل أقف عند رؤية بعض القادة السياسيين للشعوب العربية، والتي تطفو على السطح كلما تعرضت الأمة لهزة عنيفة، أو استوقفت عند منعرج تاريخي، عنوان هذه الرؤية اتهام الشعوب بعدم التمييز بين الواقع والأحلام، ولا بين الممكن والمستحيل، وبوصف أكثر جرأة ووضوحا هي شعوب تنساق إلى الخطاب العاطفي وتفتقر إلى العقل والمنطق والحكمة، هذا ما يعلنه كتاب أولئكم القادة والناطقون الرسميون لأنظمتهم، بل وفي بعض التصريحات هم أنفسهم يتبنون هذا الطرح.


تواجه الشعوب العربية هذا الحكم (الاتهام) كلما عبرت عن دعمها الأصيل لقوى مقاومة الاحتلال، وحجة القادة العقلانيين، كما يحلو وصفهم لدى كتابهم، في مصر والسعودية تحديدا، أنه لا طاقة للأمة بمقارعة العدو الإسرائيلي بمفرده ناهيك وهو مدعوم بالقوى العظمى، واستجابة الشعوب لنداء المقاومة دليل على عدم قدرة تمييزها للواقع وقراءته بشكل عقلاني، ويعبر عن عاطفيتها وسذاجتها، تستغلهما قوى المقاومة، في مغامرة تنتهي قطعا بنتائج عكسية وخيمة.


لنتفق على أن هذا الطرح صحيح، ولنسحبه إلى الوراء قليلا، حيث وقعت أحداث عايشها أصحاب هذا المنطق أنفسهم، وربما كان لأحدهم مساهمة ميدانية في صناعة جزء منها، على أي حال كان وضع مصر والعالم العربي يوم قرر جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس؟ وعلى أي حال كان العدو ؟ دون الدخول في التفاصيل، هم أنفسهم يشهدون بأن وضع الأولين كان أكثر ضعفا وهشاشة وتشرذما، بل المغرب العربي كان لازال تحت الاحتلال، وأما العدو فكان أكثر قوة وبطشا وبأسا، طبعا مع الأخذ بالاعتبار غياب الصين واليابان وجنوب إفريقيا، إذن هل كانت خطوة الرئيس المصري بتلكم المعطيات الواقعية، مغامرة غير محسوبة العواقب، محركها الرئيسي عاطفة ساذجة! ماذا لو كان منطق هؤلاء له الغلبة حينها والأحداث أثبتت عدوان إسرائيل سنة 67 يعني قبل انتهاء الامتياز بعام، إلى ماذا كان سيؤول الوضع اليوم؟


وبعد هزيمة 67 النكراء، والتي أتت على البنية العسكرية المصرية، بشكل كاد أن يكون كليا، وتيقنت القيادة المصرية حينذاك بأن العدو الإسرائيلي كان مدعوما بالقوى العظمى، موازاة مع أوضاع العالم العربي التي كانت أكثر ضعفا منها عن اليوم، فبمنطق هؤلاء كان على القيادة المصرية أن تسلم للواقع وتفكر بموضوعية، لا أن تذهب مقدرات الشعب في حرب استنزاف عبثية حسب رؤيتهم الحديثة، والحال أنهم شهدوا بأنفسهم أن حرب الاستنزاف كانت مقدمة لحرب أكتوبر، التي سطر فيها الشعب المصري أروع آيات القوة إذ أسقط أسطورة خط بارليف واستعاد أراضيه، بل كان بمقدوره أن يذهب بعيدا لولا أن أوقف زحفه القرار السياسي. هذا ليس خيالا بل واقعا عاشه هؤلاء، ولم تكن مصر قوى عظمى ولا دول العالم العربي كانت أحسن حالا منها اليوم. لو ساد منطق هؤلاء أيامها ما مصير سيناء وقناة السويس ومصر؟.


مثل أخير عايشه هؤلاء، إنه مثل الجزائر، 130 عاما تحت الاحتلال الفرنسي، ثلث السكان من المستوطنين، باختصار شديد كان وضع الشعب الجزائري كما تشهد بذلك الصور والأفلام والوثائق، لا يختلف سوءا مما عليه شعب فلسطين أو لبنان، على جميع الأصعدة، غير أن هناك مجموعة من الشباب في العقد الثالث من العمر، قررت أن تعلن ثورة تحريرية وتلقي بها إلى الشعب، ماذا كانت النتيجة؟ طبعا التحرير، ماذا لو كانت الغلبة ساعتها لأصحاب هذه الواقعية، وقيل لا قبل لكم بالدولة العظمى فرنسا ومن ورائها الحلف الأطلسي وأنتم الحفاة العراة الأميون! واعتمد الشباب هذه الحكمة البالغة، ماذا تكون النتيجة!؟.


لا زاوية تغيرت من مثلث هذه المعادلة إلا زاوية واحدة، لا زال العدو قويا متفوقا على حال عدائه وسعيه لاستعباد الشعوب ونهب ثرواتها، وفي المقابل مازالت الشعوب العربية والإسلامية ، المتهمة بالغوغائية وعدم القدرة على التمييز، مستعدة بل أكثر استعدادا للبذل والعطاء والتضحية، والحال أن ميزان القوى يميل إلى صالحها أكثر من أي وقت مضى، الزاوية الوحيدة التي انقلبت في هذه المعادلة رأسا على عقب هي زاوية القادة، الذين استفردوا بالقرار بمنطق القوة لا بقوة المنطق، وننتهي بالنتيجة إلى أن الواقع والوقائع أثبتت وهم عليها شهود، بأن الأمة متى أراد قادتها الذهاب إلى النصر لن تخذلهم ، بل ستذهل البشرية بطاقاتها وقدراتها، غير أن القاعدة الواقعية التي ليس لأحد أن يغيرها ، أن الأمة لن ترحل والعدو كذلك لن يتبدل ، وأما القادة فقطعا ميتون، لو أن الحكام (الواقعيين) لم يعيشوا تلكم الوقائع ، لالتمست لهم العذر فيما يعرضونه من منطق بزعمهم موضوعي وعقلاني، غير أنهم عايشوا تفاصيلها ووقفوا على واقع نتائج ما يصفونه اليوم مغامرات، وهي التي لم تكن أقل من تحرير الأرض ونيل استقلال الشعوب، وفي المحصلة إن الأمة حية وقوية ولكنها دون قادة مؤهلين أخلاقيا وعقائديا وعلميا.


يقابل هذا الواقع المر واقع آخر دون مزايدات ولا مهاترات، من العبط السياسي وصف رجب طيب أردوغان بالغوغائي والشعبوي وما إلى ذلك، وقد أثبتت على أرض الواقع سياسته الداخلية والخارجية نجاحه في التطور المذهل لتركيا يتجاوز بكل المقاييس وعلى جميع الأصعدة مصر والسعودية، بما لم يعد في حاجة للدلالة عليه، غير أنه لا يعترف مطلقا بما يدعيه بعضنا بالسياسة الواقعية والموضوعية، كما أنه من السفه بل والتخلف وصف محمود أحمدي نجاد باللاعقلانية واللاموضوعية، والحال أن إيران وهو على رأسها يخطب ودها الكبار، وهمه ليس استجداء حفنة من المال من الولايات المتحدة، أو طلب حمايتها من عدو مفترض، بل مناقشة الملف النووي، وانتزاعه هذا الحق التكنولوجي والطاقوي بقوة ذاتية، ولا داعي كذلك هنا لتبيان تجاوز إيران في كافة المجالات كلتا الدولتين اللتين يزعم قادتهما الواقعية.


لعل في هذا القدر ما يكفي لتقرير النتيجة الآتيــــة: لقد أثبتت الأمة قدرتها على التحدي والانتصار في ظــروف كانت فيها أكثر ضعفا، هذا واقع لا ينازعها شأنه إلا مكابر، ولهذا لو قادتها إرادة سياسية مستقلة حرة، لأثبتت ذلك اليوم وغدا كما أثبتته بالأمس القريب.


لا أعتقد مطلقا أن يشترط ذكاء حاد وقاعدة معرفية عريضة وعميقة، للتمييز بين من جعل دولته تحقق أعلى معدل نمو اقتصادي من بين نظرائها في الدول الأوروبية خلال السبع سنوات الأخيرة، ومن دولته تعيش من ريع البترول لا غير، أو المساعدات الأمريكية؛ بين من يطمح هذا العام ليصل حجم صادراته إلى 500 مليار دولار، ومن لا يتجاوز في أحسن الأحوال 20 مليارا؛ ولا بين من أسس مصانع عسكرية تنتج بوارج وطائرات وصواريخ موازاة مع المفاعلات النووية، ومن يفاخر بالمنتجعات السياحية؛ ولا بين من دور مؤسسته العسكرية دعم الشعوب المحتلة من أجل الحرية، ومن مهمة جيشه رصد الخراف والمواد الغذائية لمنعها من دخول قطاع غزة؛ ولا بين من حمل بواخره بالمواد الغذائية والطبية استجابة لدينه ونداءات منظمات حقوق الإنسان ، وبين من منع دخولها بل حتى رسوها استجابة بحد زعمه لمعاهدات مع العدو، وألف بين وبين. من لا يمكنه التمييز بين الحالتين إلا المدعي ذاته، أو ممن رفع عنه القلم.


ختاما أقول: ماذا لو أن الأمة الإسلامية، ملكت قيادتها لأحد من أمثال نجاد وأردوغان، ألا تكون النتيجة الواقعية والموضوعية، هي الرقي بها إلى مصاف الأمم المحترمة المهيبة الجانب ؟ لا أشك إطلاقا في ذلك، ولكنهم قادة يفتقدون مع الأسف الشديد إلى أمة.

' فلاح جزائري

****

ابتزاز إعلامي إسرائيلي يتوحش


عبد الباري عطوان

24/10/2009

الضغوط التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية على نظيرتها التركية لحذف مشاهد من مسلسل تلفزيوني تعرضه قناة مستقلة، يصور جنودا إسرائيليين يطلقون النار على أطفال فلسطينيين، لا تعكس تدخلا سافرا ووقحا في شؤون دولة مسلمة ذات سيادة فقط، وإنما أيضا محاولة فرض الرقابة الإسرائيلية على الدول الإسلامية، بعد أن نجحت في فرضها على معظم الدول العربية، للأسف الشديد.


المسلسل التركي 'الانفصال' موضع الأزمة، بين الحكومتين التركية والإسرائيلية، لم يكذب، ولم يقدم أي معلومات مفبركة مثل تلك التي تبثها الدعايات الإسرائيلية التاريخية المضللة منذ اغتصاب فلسطين عام 1948، وإنما قال الحقيقة، وبشكل مخفف، وبناءً على وثائق مصورة.


نعم الجنود الإسرائيليون قتلوا ويقتلون، وسيقتلون الأطفال الفلسطينيين بدم بارد، دون إنسانية أو ذرة من الشفقة والرأفة. ولا نبالغ إذا قلنا أن بعضهم يتعمد قتل المدنيين، وقرأنا فتاوى صادرة عن حاخامات في الجيش الاسرائيلي تطالب بالقتل وتحرّض عليه أثناء العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة.


الصورة لا تكذب، والعالم بأسره شاهد جثامين أطفال رضع أحرقتها قنابل الفوسفور الإسرائيلية، مثلما شاهدوا الجنود الإسرائيليين يقتلون الطفل محمد الدرة، رغم توسلات والده. ولا ننسى أطفال شهيد حماس صلاح حجازي وأسرته، وأطفال الشهيد نزار رّيان الذين أبيدوا بالصواريخ الإسرائيلية، أو عائلة العثامنة في بيت حانون، وشهداء مجزرة شاطئ غزة من عائلة الطفلة هدى غالية، والقائمة تطول.


الإسرائيليون وأنصارهم شوهوا صورتنا كعرب على مدى الستين عاما الماضية، في عشرات الأفلام الهوليوودية، وهناك دراسات موثقة في هذا الخصوص. والغالبية الساحقة من هذه الأفلام بنيت على أكاذيب ولتحقيق أهداف سياسية، ولم نستطع حذف مشهد واحد، بسبب سيف حرية التعبير الذي ظل مشهرا في وجوهنا.


' ' '


حالة السعار الإسرائيلية الحالية التي تحاول طمس الحقائق، والاستمرار في عمليات تضليل الرأي العام العالمي، يجب أن نتصدى لها، ونحشد كل المؤسسات الإنسانية والخيرية معنا في هذه المهمة السامية والمقدسة. فالعالم بات اليوم قرية صغيرة بسبب تقدم وسائل الاتصال الجماهيري، وتفوق الإعلام الالكتروني البديل على وسائل الإعلام التقليدية المسيطر عليها صهيونيا.


الحملة الإسرائيلية فشلت في إسكات صوت الصحافي السويدي بوستروم الذي فضح سرقة الإسرائيليين لأعضاء الشهداء الفلسطينيين وبيعها عالميا، رغم كل وسائل الإرهاب الإعلامي والرسمي التي مورست في هذا الصدد، لان الحكومة السويدية رفضت الرضوخ للابتزاز الاسرائيلي، وكذلك الصحافي السويدي الشجاع الذي تصلّب في موقفه، ورفض أن يتزحزح مليمترا واحدا عن مقالته المدعومة بالوثائق والحقائق المصورة.


الإسرائيليون مارسوا عمليات الابتزاز والترهيب بنجاح كبير في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، معتمدين على لوبي يهودي فاعل ومؤثر، ومستغلين عقدة الذنب الغربية الناجمة عن 'الهولوكوست'، فحاربوا كل ناشر، أو كاتب، أو مؤلف، أو برنامج تلفزيوني أو فيلم وثائقي يفنّد ادعاءاتهم الكاذبة حول كيفية اغتصاب فلسطين (أرض بلا شعب) وإلصاق تهمة الإرهاب بالعرب. ولكن هذا الابتزاز بدأ يفقد مفعوله، ولو بشكل تدريجي، ليس لأن العالم بات أكثر وعيا، وإنما لأن المجازر الإسرائيلية تزايدت بشكل مرعب، وبصورة بات من الصعب إخفاؤها.


' ' '


يستطيع الإسرائيليون فرض الرقابة العسكرية على برقيات الصحافيين الأجانب العاملين في الأراضي المحتلة، وحذف كل ما يريدون حذفه منها، ويستطيعون أيضاً منع هؤلاء من الدخول إلى قطاع غزة لتغطية العدوان الاسرائيلي الذي استهدفه، وحصرهم في تلة تبعد كيلومترين عن ميدان المعارك، لمنع وصول صور وأخبار المجازر البشعة وأشلاء الأطفال بصواريخ الدبابات والطائرات، ولكنهم لا يستطيعون، ولا يجب أن يتمكنوا، من منع وصول صور جثامين الأطفال وقد اخترقتها رصاصات الجنود الإسرائيليين في الصدر والقلب والرأس، ومن مكان قريب.


تقرير القاضي اليهودي ريتشارد غولدستون المكون من خمسمائة صفحة ونيف وثّق جميع هذه الجرائم، من خلال شهادات حيّة، ومقابلات مباشرة، ومئات الآلاف من الشرائط التلفزيونية المصورة.


السلطات التركية التي تصدت للمجازر الإسرائيلية في قطاع غزة في شخص السيد رجب طيب أردوغان، رئيس وزرائها، يجب أن لا ترضخ لهذا الابتزاز الاسرائيلي البشع، وان لا تتدخل في المسلسل التلفزيوني بحذف بعض المشاهد، لأنها تمثل دولة ديمقراطية، وحكومتها منتخبة من الشعب، والدستور يؤكد على حرية التعبير. ففي كل مرة كان العرب يعترضون على بعض المقالات المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، كان الجواب التقليدي الدائم هو أن الحكومات لا تستطيع أن تتدخل، فهذه الصحف مستقلة، والقانون يحترم حرية التعبير.


' ' '


إسرائيل أرهبت صحيفة سعودية وأجبرتها على الاعتذار لمقال حول كعكة عيد الفصح المصنوعة من دماء الأطفال، وأجبرت صحفا مصرية على سحب رسوم كارتونية 'مسيئة' للإسرائيليين، وأوقفت مسلسلات تلفزيونية عربية للغرض نفسه، وتدخلت من خلال العصا الأمريكية الغليظة لتعديل مناهج دراسية، بل ومنع ترديد بعض الآيات القرآنية، والدعاء ضد الإسرائيليين في المساجد وخطب أيام الجمعة، وأغلقت مركز الشيخ زايد للدراسات والبحوث في أبو ظبي وتدخلت لمنع ظهور شخصيات عربية في أجهزة إعلام غربية، وحاربت الراحل ادوارد سعيد في معظم المحافل الأكاديمية.


الزمن يتغير، وإسرائيل باتت مكروهة، محتقرة، منبوذة، في مختلف أنحاء العالم، ولذلك يجب أن يخرج العرب، مسؤولين وإعلاميين، من حالة الخوف التي يعيشونها جراء سطوة الترهيب الإسرائيلية، والتصدي لهذا الهجوم الاسرائيلي الإعلامي المضاد وهذه السياسة بقوة الحجة والمنطق والمعلومة.


إسرائيل تحتل الآن المرتبة السادسة والتسعين على سلم الحريات التعبيرية، حسب منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية. وبات يتقدم عليها لبنان والكويت بأكثر من ثلاثين نقطة، والفضل في ذلك يعود إلى انتصار دماء أطفال غزة وشهدائها الأبرياء.

****

مناورات النجم الساطع تزيد من فقدان مصر هيبتها

24/10/2009

لقد سبب الانقسام والتشرذم العربي إلى انحطاط سياسي شوه مواطنة وهوية ووطنية غالبية الدول العربية في أيامنا هذه، كما أفرز هذا الانقسام أسراً عربية مزيفة دخيلة حاكمة ورؤساء سخروا أنفسهم وثروات شعوبهم لشيطان الرجل الأبيض والصهيونية، حولوا أوطانهم إلى عمق وامتداد استراتيجي ومحطات ترانزيت وجسور تدعم السياسة التوسعية للعديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.


التنافس بين دول الولاء العربية لا يدور حول محاور النهضة والتطور العلمي، بل يدور حول من هو الذي يستطيع أن يقمع شعبه أكثر ومن يستطيع أن يتنازل ويقدم خدمات للدول الغربية المذكورة.


مثلاً الدول العربية الخالية من وجود قواعد عسكرية أمريكية أو بريطانية على أراضيها مثل مصر، فإنها تعوض ذلك بما هو أكثر خطورةً على الأمن القومي العربي، تعوضه عن طريق التعاون الأمني المفضوح خاصةً مع المخابرات الأمريكية، آخر هذا التعاون هو التصدي المفضوح لسفينة الأسلحة الايرانية من قبل أجهزة الأمن المصرية بالتعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية والأمريكية لمنع وصول هذه الأسلحة إلى رجال المقاومة، وقد اعترفت إسرائيل بهذا التعاون في صحفها وفضائياتها يوم الاثنين الماضي. كما يتم هذا التعاون لمحاربة ظاهرة الأنفاق التي يستخدمها الفلسطينيون في قطاع غزة لتهريب حليب الأطفال والأدوية والمواد الغذائية الأولية.


نظام مبارك لا يكتفي بهذا التواطؤ مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فهو يصر دائماً على أن تكون مصر السباقة في الولاء والطاعة والرضوخ وهذا يزيد من تعريتها وكشف حرمتها وسوأتها، يصر مبارك ومن معه كل سنة على تكرار هذه التعرية عندما يجعل من ضباط وجنود الجيش الأمريكي الذين دمروا العراق وأفغانستان ويدعمون إسرائيل يصبحون أوصياء على الجيش المصري وآمرين له من خلال المناورات المشتركة الشبه سنوية التي تحمل اسم (النجم الساطع).


هذه المناورات تقام على أرض مصر تحت إشراف ومراقبة ضباط إسرائيليين، الجيش المصري يقيم مناورات مع قوات أمريكية فوق أراضٍ مصرية، هذه المناورات ما هي إلا إباحة وتفريط بقدسية وهيبة كل مواطن عربي في مصر وخارج مصر، وتعتبر هتكاً لعرض أرض الكنانة الذي ارتوى بدماء الشهداء في معركة الأهرامات والتل الكبير ومعارك الدلتا ودمياط وأرض سيناء وغيرها، لقد حول نظام مبارك مصر إلى تابع من الناحية السياسية يستطيع تدنيس أراضيها ومياهها وسمائها من يريد.


ما هو المردود الوطني والقومي والعسكري والمعنوي للجيش المصري من هذه المناورات؟ المردود هو قتل معنوية جنوده وتغلغل المخابرات الأمريكية والإسرائيلية داخل صفوفه لشراء ذمم العديد من قادته وتحويلهم إلى أعداء لكل حركة تحرر عربية وفي مقدمتها المقاومة في كل من فلسطين ولبنان والعراق، إبعاد هذا الجيش ومحاصرته حتى ينفصل نهائياً عن الإجماع العسكري العربي، هدف هذه المناورات هو بث ثقافة أمريكية صهيونية بين صفوف الجيش المصري لغسل أدمغتهم بأن إسرائيل التي دمرت مدن القناة وقتلت أطفال مدرسة بحر البقر واغتالت الجنود الأسرى المصريين لم تعد تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، إنما الخطر قادم من إيران وسورية والمقاومة.


الأسلحة الأمريكية التي دنست أرض مصر في هذه المناورات هي الأسلحة ذاتها التي أبادت ما يزيد عن مليون مواطن عراقي ودمرت الحضارة العربية في العراق.


القاصي والداني يعرف أن مهمة الجيش المصري اليوم هي الوقوف وراء بطش النظام واستئثاره في السلطة، كما تقتصر على حماية حدود إسرائيل البرية والبحرية من رجال المقاومة، مهمة الجيش المصري دعم المشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة وحصار قطاع غزة.


ما يطمئننا أنه يوجد لهذا الجيش ثقافته الوطنية الخاصة ومدرسته العسكرية التاريخية، أباء وأجداد هذا الجيش هم من رفض التبعية والخنوع لأعوان الخديوي توفيق خاصةً ناظر الحربية عثمان رفقي الشركسي، سوف يرفض هذا الجيش الوطني الذي أسسه عبد الناصر التبعية للإرادة الأمريكية حتى لو أرادها مبارك وطنطاوي.


إن مناورات النجم الساطع سوف تبقى آفلة في سماء مصر لأن الشعب المصري بريءٌ منها وهي لا تمثل إلا مبارك وزمرته.


تميم منصور

****

مكانة السعودية الإسلامية.. والقضية الفلسطينية


د. حمزة الحسن

26/10/2009

كثير هم من يتساءلون: وأين الموقف العربي من قضية فلسطين اليوم؟ لماذا يستمر حصار غزّة؟ لماذا استطاعت إيران المسلمة اختطاف القضية الفلسطينية ـ بنظرهم ـ ؟ ولماذا الشعور العربي المفرط بالعجز إزاء إسرائيل، في حين أن تجارب المقاومة في لبنان وفلسطين تثبت أن إسرائيل ليست بتلك القوة المتوهّمة، ولا العرب بذلك العجز أو الضعف المتخيّل؟


من نافل القول أن قضية فلسطين أصبحت تمثل لدى أكثر الأنظمة العربية عبئاً، تريد التخلّص منه عبر دعوات التطبيع ومبادرات السلام. بعض الأنظمة بعيدة عن ساحة المواجهة ومنشغلة بذاتها، ولا تبحث عن دور (بطولي) تؤديه على الصعيد الإقليمي، ولا عن (واجب) لا تستطيع التحلّل منه.


بيد أن السعودية مسألة مختلفة، فسياساتها الخارجية مركّبة على مكانتها الإسلامية وما ينتظره العرب والمسلمون منها باعتبارها حاضنة للحرمين الشريفين، ما يفرض عليها التزامات الدفاع عن القضية الفلسطينية وقضايا إسلامية أخرى.

ثم إن شرعية النظام السعودي الداخلية في جزء غير قليل منها، قائمة على مقدار مساهمته في الدفاع عنها، خاصة وأن السعودية تطرح نفسها كقائدة للعالمين العربي والإسلامي، ولا يمكن لأحد أن يتبوّأ موقع القيادة وهو في الصفوف الخلفية. ومع ذلك فمنذ متى كانت الأنظمة العربية تستند على شرعية من شعوبها .. خصوصا السعودية ومصر .. السعودية قامت بحد السيف وغير حكامها اسم البلاد الأصلي واسم الأرض إلى اسم قبيلتهم .. أى يتعاملون مع الأرض كأنها عزبة ملاكي .


بقليل من التحفّظ يمكن القول بأن القضية الفلسطينية وحتى قبل قيام دولة إسرائيل كانت تمثل صداعاً وعبئاً مستمراً للحكام السعوديين. فالقيام بالتزامات احتضان الأماكن المقدسة، وشرعنة الحكم وفق المقاييس القومية والدينية، والتطلّع لقيادة العالم العربي والإسلامي (على قاعدة عروبية أو دينية).. اصطدمت بقناعات ومصالح جعلت السعودية غير قادرة وربما غير راغبة في الإيفاء بالتزاماتها، ما بلور مع الزمن سياسة وضع خطوطها العامة الملك عبد العزيز، وسار عليها الملوك الأبناء إلى اليوم.


لقد رسم الملوك السعوديون محددات لسياستهم الفلسطينية، يمكن وضعها في النقاط التالية:


المحدد الأول ـ أن لا تؤدي السياسة السعودية تجاه فلسطين وبأي حال من الأحوال إلى الاصطدام بحلفاء النظام من القوى العظمى، أو حتى إغضاب تلك القوى، بما ينعكس سلباً على النظام واستقراره السياسي. كانت بريطانيا المحتلة لفلسطين تمثل الحليف الأكبر للسعوديين، الذين لم يكونوا في وارد التفريط بعلاقتهم معها. وقد رفض الملك السعودي مراراً، خاصة في فترة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، التدخل مدافعاً عن المعتقلين أو المحكومين بالإعدام، أو تقديم الدعم المالي أو التسليحي، أو حتى السماح بعبور المتطوعين السعوديين للقتال، بل وحتى توزيع كتب ومنشورات في موسم الحج، تحض المسلمين على الدفاع عن فلسطين قبل أن تبتلع.


واستمر الموقف الســـعودي مع أمريكا ـ التي ورثـــت النفـــوذ البريطاني ـ بحيث لا يتوقـــع اليوم بأن تتخـــذ السعودية سياســـات تؤدي إلى مواجـــهة أو إلى إغضاب الحليف الأمريكي.

قال حاييم وايزمان في مذكراته: ( إنشاء الكيان السعودى هو مشروع بريطانيا الأول... والمشروع الثانى من بعده إنشاء الكيان الصهيونى بواسطته ) ويضيف نقلا عن تشرشل الرئيس الأسبق للحكومة البريطانية, والذى كان له دور أساسي وبارز في قيام الكيان الوهابي السعودى والكيان العنصري الصهيونى : ( في 11/3/1932 قال تشرشل : أريدك أن تعلم يا وايزمان أننى وضعت مشروعا لكم ينفذ بعد نهاية الحرب ( الحرب العالمية الثانية) يبدأ بأن أرى ابن سعود سيدا علي الشرق الأوسط وكبير كبرائه, علي شرط أن يتفق معكم أولا, ومتى قام هذا المشروع, عليكم أن تأخذوا منه ما أمكن وسنساعدكم في ذلك, وعليك كتمان هذا السر, ولكن انقله إلى روزفلت, وليس هناك شئ يستحيل تحقيقه عندما أعمل لأجله أنا, وروزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ) .


هكذا أسس الإنجليز مشروع دولة آل سعود ومكنوهم من جزيرة العرب حيث الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين, كخطوة مرحلية لإقامة الدولة الصهيونية وتمكينها من القدس ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين والأرض التى بارك الله فيها وحولها, لأسباب لا تخفي علي احد, وهى إعاقة قيام الدولة العربية الموحدة كمشروع أساس لإقامة دولة الاسلام العالمية. ولازال الأمر علي حاله بالرغم من المتغيرات الدولية وأهمها تحول مركز القيادة من بريطانيا إلى أمريكا وبروز الأفكار البراجماتية الأنجلوسكسونية التى تحرك السياسة الأمريكية, والتى بدأت تعلم تمام العلم انتهاء مهمة النظام السعودى بعد أن تحققت جميع الأغراض التى أسس لأجلها, وهى تدمير
المشروع
القومى, وتشويه الدين الإسلامى, وإحكام قبضتها علي المنطقة, ولم تعد قادرة علي تحمل استهجان الرأى العام العالمى والمجتمع الدولي المطالب بضرورة تغيير هذا النظام الجاهلي بعد أن تمكنت الصهيونية من فلسطين وأهلها, تفعل بها وبهم ما تشاء دون رقيب أو حسيب, والخطر بات يهدد الحرمين الشريفين والصامت على الحق لا شك أنه شيطان اخرس.


المحدد الثاني ـ أن لا يؤدي الموقف السعودي من فلسطين إلى (تثوير الوضع الداخلي). ولقد تبيّن وتأكد بأن الموقف الشعبي والديني منذ الثلاثينيات الميلادية الماضية، كما تثبت ذلك نصوص الوثائق والنشاطات الشعبية، مختلفاً عن الموقف الرسمي بشكل كبير يصل إلى حدّ التناقض في بعض الأحيان، ما جعل الملوك السعوديين يخشون من تسرّب السخط الفلسطيني إلى الشارع السعودي نفسه. فباختصار فإن الحكام السعوديين يلعبون على الأحبال ، يتخذون سياسة اللعب على الأحبال ، لعبة بهلوانية وسياسة بهلوانية ، يخادعون شعبهم ، ولا يستفزون أمريكا ولا إسرائيل.


لا يريد الحكام السعوديون أن تؤدّي مواقفهم تجاه فلسطين إلى إغضاب الشارع المحلّي، وإضعاف شرعيتهم في الحكم قدر الإمكان. ولما كان التساهل الرسمي تجاه القضية في الخمسينيات والستينيات واضحاً، انطلقت المظاهرات، كما وقعت إضرابات في المنشآت النفطية، وتأسست حركات معارضة كان الدافع الأساسي لها: التخاذل الرسمي عن القضية.لكن كل المظاهرات كان يتم قمعها بشدة وإلى الآن وتصدر الفتاوى الوهابية بتحريمها وتحريم نصرة الناصرية ثم لاحقا حماس وحزب الله.وكانت الحركات الاشتراكية فى الجزيرة العربية محظورة ويتم قمعها واضطهادها بعنف.


بيد أنه لكي يبقى التوازن بين عدم تثوير الداخل، وعدم إغضاب الحلفاء الغربيين، اعتمد الملوك السعوديون، سياسة عدم الإصطدام بالقيادات الفلسطينية المناضلة، لأن ذلك يؤدي إلى خسارة مؤكدة لهم. ومع أنهم عبّروا في مجالسهم الخاصة مراراً عن كرههم لهذه القيادة الفلسطينية أو تلك، إلا أنهم كانوا قادرين على إخفاء الأمر. كان هذا واضحاً في الموقف من الحاج أمين الحسيني، إلى الموقف من ياسر عرفات نفسه. كما حاولوا في الماضي استيعاب بعض القيادات الفلسطينية في صفوف طاقمهم السياسي، إبعاداً لهم عن الشأن الفلسطيني من جهة، وإظهاراً للذات بمظهر المدافع عن فلسطين (أحمد الشقيري مثالاً).


المحدد الثالث ـ أن لا يؤدي الموقف السعودي من فلسطين إلى الإنخراط الفعلي في الحرب مع إسرائيل. وضمن هذا السياق يمكن فهم لماذا تخلّت السعودية عن الجزر المتنازع عليها بين مصر والسعودية (صنافير وتيران) وذلك بعد أن احتلتها إسرائيل في حرب 1967م. ولذات السبب يمكن فهم أسباب اختراق الطائرات الإسرائيلية المتكرر ـ وبشكل يكاد يكون أسبوعياً ـ للأجواء السعودية فوق قاعدة تبوك في أقصى الشمال الغربي من السعودية دون أن ترد الأخيرة عليها أو تعترضها، بل وحتى دون أن تشتكي لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عدا مرة واحدة يتيمة تمت قبل نحو ثلاثة أعوام. ذات القضية تكررت بشأن اختراق المياه البحرية السعودية، وقد حدث مراراً أن وصلت قوارب إسرائيلية للمياه الضحلة السعودية وغرزت فيها، وقام العسكريون السعوديون من القوة البحرية وخفر السواحل أنفسهم بدفعها تجاه المياه العميقة! ذلك كله رغم المطامع والتصريحات الإسرائيلية المتواصلة الطامعة في خيبر والمدينة وغيرها من مناطق نجد والحجاز.

أدلجة القضية خدمة للسياسة

نُظر إلى القضية الفلسطينية منذ بدايات تفجرها باحتلال بريطانيا لفلسطين، على أنها قضية عربية/ إسلامية. وكان الفصل بين العروبة والإسلام، وبين الموقف القومي والموقف الديني غير ممكن، فهما متماهيان. ومن يقرأ الوثائق البريطانية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية في تلك الفترة، يرى ذلك التماهي في المسميات القومية والدينية، وقد كان الأمر كذلك لدى العرب أفراداً وقيادات، حتى أن تلك الوثائق كانت تتحدث عن قيادات فلسطينية دينية مناضلة فتطلق عليها صفة التعصّب القومي.


الملك عبد العزيز رأى قضية فلسطين من خلال الصراع مع بقايا الهاشميين في الأردن بنحو خاص. كان يتميّز غيظاً من أن يكون لأعدائه مكانة تفوق مكانته.


في مرحلة الستينيات الميلادية، ظهر الانشقاق بين العروبة والإسلامية حيث تبنت السعودية إسلاميــــة القضية مقابل قوميتها الذي قال بها عبد الناصر فأصبح بذلك بفتوى الوهابيين السعوديين كافراً!! جاء ذلك على خلفية الصراع السعودي المصري. واستمر الأمر إلى أن توفي عبد الناصر، وأصبحت الكفة راجحة لزعامة السعودية، خاصة بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وطفرة أسعار النفط التي شهدتها ، وانقلاب السادات على الاشتراكية والناصرية ونهجه سياسة الانفتاح ، وتوافد العمالة المصرية الرخيصة لخدمة الغز السعوديين ونعلم ما آخرة خدمة الغز طبعا ، كى يشفى السعوديون منهم غليلهم من محمد على وعبد الناصر.واليوم نرى الغزو السعودي لمصر عبر الزى واللهجة والقنوات والمذهب الوهابي ، والعادات والأطعمة والثياب والمقرئين السعوديين إلخ.


في ظل زعامة الملك فيصل، كانت القضية الفلسطينية إسلامية في بعدها، وتحجّمت النظرة إلى القضية كقضية عربية. .
في عهد الملك فهد (وبدأ بعد مقتل فيصل مباشرة لأن الملك خالد كان ملكاً اسمياً) انتقلت القضـــية الفلسطينية من كونها قضية إسلامية، إلى قضية قومية، وجاء عهد الملك عبد الله ليؤكد هذا المعنى مراراً ويلقيه على مسامع القيادات الدينية والسياسية الفلسطينية. والسبب هو تنامي الدور الإيراني في القضية الفلسطينية. ولكن علينا الانتباه إلى أن القيادات السعودية تتظاهر فقط بحب فلسطين والاهتمام بقضيتها .. تظاهر فقط كتظاهر مصر مبارك بذلك.


في عهد الملك فهد، تردّى الموقف السعودي كثيراً من القضية، وبدا التحلّل منها بصورة متسارعة، خاصة مع خروج مصر عن الإجماع عبر زيارة السادات للقدس عام 1978، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في العام التالي. في البداية تم طرح مشروع في قمتي فاس عامي 1981 و 1982 للسلام مع إسرائيل (مشروع الملك فهد)، رفض في المرة الأولى، ونجح في المرة الثانية، ليشكل أساس المبادرة العربية التي أقرت في مؤتمر بيروت عام 2003.


بغزو الكويت عام 1990م أتيحت للسعودية فرصة الإعلان علناً ولأول مرة نقد القيادة الفلسطينية خاصة ياسر عرفات، وتكريس مقولة: (الفلسطينيون لا يستحقون الدعم) وأننا ـ كسعوديين ـ فعلنا ما علينا، بل وصل البعض إلى الحديث عن العداوة لفلسطين والقضية برمتها. وحين شارك السعوديون في مؤتمر مدريد للسلام، كان المطلوب منهم القيام بدور الممول لأي خطط بديلة تتعلق بالفلسطينيين وتوطينهم، في حال تم توقيع اتفاق. ومع هذا لم يقم السعوديون منذئذ بدعم القضية مالياً إلا في حدود الاضطرار. ببروز دور حماس والقوى المقاومة، شعرت السعودية بأن مشروعها للسلام يتعرض للضغط.. ولما تأكدت بأن لعرفات يد في الانتفاضة الثانية، ولما وجدت أن الموقف الغربي يميل إلى التخلص منه، ساهمت في ذلك وأهملت استغاثاته وهو محاصر في رام الله إلى أن قضى مسموماً - كما قتل مناضلين كثيرين على رأسهم ناجى العلى - دون ردة فعل انتقامية من شعوب عربية وحكام عرب ماتت نخوتهم وبردت دماؤهم وتعفنت رممهم ، مؤملة وصول قوى أكثر اعتدالاً حاولت تصعيدها إعلامياً ولا تزال.


ومع تصاعد الدور الإيرانـــي في غــــياب دور عــــربي فاعل، وفشل عملية السلام (وأوسلو) انقلــــبت الســـعودية على كل قوى الممانعة، حماس وحزب الله وسورية، وأضحت أكثر حماسة للعمل في الاتجاه المعاكس إلى حد التنسيق مع الإسرائيليين استخباراتياً وسياسياً مما تكشف الصحف عن بعض تفاصيله بشكل مستمر.


ملخص القول، هو أن السعوديين يدركون بأن الورقة الفلسطينية فاعلة، وهم يتألمون لأن زهدهم فيها أوقعها في أيدٍ منافسة غير عربية. وبدل التنافس في فعل الخير والمسارعة في إغاثة الفلسطينيين في غزة وغيرها، فإنهم اتخذوا الاتجاه الآخر، الذي يهندس لسياسة تقول بأن إخراج الورقة الفلسطينية من اليد الإيرانية يتطلّب المسارعة في توقيع اتفاق سلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بأي شكل كان.


تكاد لا توجد قضية قدّمت خدمات جليلة للعرب مثل القضية الفلسطينية. لا يعلم كيف سيكون حال العرب لو لم تكن هناك قضية فلسطينية تبقي الحدّ الأدنى من روح المقاومة لثنائي الاستبداد (الدكتاتورية) والاستعمار، والحد الأدنى من الرابطة القومية والدينية، وتنشط الجسد العربي الذي أريد له أن يكون ميتاً معطّلاً. السؤال: إذا كانت القضية بهذا النفع، فلماذا لم يستثمر فيها العرب، أو بعضهم على الأقل؟!


من الإلزام بالتبرع لفلسطين في المدارس منذ الخمسينيات وحتى بداية السبعينيات، إلى منع التبرّع أصلاً.. مرحلة زمنية قطعها السعوديون، لمنع التفاعل الشعبي مع القضية.


ومن تغطية جزء من مشروعية الحكم عبر دعمها، إلى المواجهة الصراح مع أصحابها والمعنيين الأساسيين بها فلسطينيين وسوريين ولبنانيين، مرحلة زمنية خسرت خلالها السعودية قدراً وافراً من نفوذها السياسي الإقليمي والإسلامي، وتضررت بشكل حاد في سمعتها بين شعوب المسلمين، كما خسرت تلك المشروعية المحليّة التي جعلت الكثيرين يتجرأون في الداخل والخارج على وصم النظام بشتى التهم.


السعودية كحكومة، تخسر كثيراً من مكانتها وشرعيتها ونفوذها بسبب تخليها عن القضية الفلسطينية أو الوقوف موقف المتفرج منها، أو الطعن في رموزها والمقاومين فيها. ولن تكون هذه الخسارة مرحلة عابرة، فإن العودة عن السياسة الحالية تتطلب زمناً (للترقيع) فيما لو قررت ذلك، ولا أحسبهم فاعلين.


القضية الفلسطينية لا تموت، وإنما يموت من لا يدعمها.

' باحث سعودي في مركز الدراسات الاستراتيجية / لندن

****

نوبل لمن يتحدث عن السلام لا لمن يصنعه!

26/10/2009

فوز أوباما بنوبل للسلام دفع الجميع إلى التخبط بين الإشادة والتشكيك فقال احد الكتاب الأمريكيين البارزين ((قائلا: 'إنها تمثل رؤى زمرة من السياسيين النرويجيين اليساريين)) بل اشتد الانتقاد لمنح الجائزة لأوباما في تصريحات الرئيس البولندي الأسبق الذي رأى أنه ليس ثمة هناك أي إسهامات حقيقية لأوباما في مجال تحقيق السلام حتى الآن بينما صحيفة' TIMES' البريطانية انتقدت منح جائزة نوبل للرئيس الأمريكي باراك أوباما وقال محررها:إن منح الجائزة ينتقص من قيمة نوبل وعلى البيت الأبيض ينبغي أن يشعر بالحرج. في حين سارع العرب لمباركة أوباما وتثمين فعل القائمين على الجائزة لاختيارهم أوباما عن غير جدارة. في الماضي كان البعض يشكك في مصداقية إعطاء أو وهب جائزة نوبل ومسار لجانها فكان الآخرون يدافعون عنها وعن لجانها منذ زمن ولعل فوز المجرم إسحاق رابين بها كرجل سلام ويداه ملطختان بدماء العرب إحدى دلائل الانحياز وعدم النزاهة و لعل فوز الرئيس أوباما بنوبل للسلام فتح الباب من جديد على مصرعه للبحث في مصداقية الجائزة ولجان تحكيمها والأسئلة بدأت تتراكم والاستفهامات تطرح بل وصل الأمر للتشكيك في مصداقية الجائزة لان مسار وحيثيات منح الجائزة كانت تلفها العديد من الغموض فالرجل فاز بالجائزة في حين أن آخر موعد للترشيح للجائزة كان أسبوعان بعد تولي أوباما الرئاسة وتسعة اشهر أمضى في الرئاسة حين أعلن فوزه بها فكيف رشح أوباما للجائزة والعالم لم يعرف بعد خير أوباما من شره وهل سيسعى للسلام أم سينهج نهج الإنجيلي بوش الصغير أليس هذا الترشيح يضع الجائزة في مأزق حقيقي وأن الترشيح كان سياسيا وليس لقرار فني واختيار نزيه.


جاء في حيثيات منحه الجائزة أن لجنة نوبل النرويجية قررت منح جائزة نوبل للسلام لعام 2009 للرئيس الأمريكي باراك أوباما لجهوده غير العادية وقال نص القرار ((أوجد أوباما مناخا جديدا في السياسة الدولية و التأكيد على الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى وتفضيله الحوار والمفاوضات كأداتين لحل الصراعات الدولية بما في ذلك الصراعات الأكثر تعقيدا وسعت اللجنة النرويجية لنوبل على مدى 108 أعوام لتشجيع هذه السياسة الدولية تحديدا وتلك التوجهات التي يعتبر أوباما الآن المدافع الأبرز عنها في العالم)) والسيد أوباما هو ثالث رئيس أمريكي ينال الجائزة وهو في السلطة بعد ثيودور روزفلت في العام 1906 و وودرو ويلسون في العام 1919. السؤال الآن موجه لجائزة نوبل للسلام كيف عرفت أن السيد بارك أوباما سيكون رجل سلام ولم يمضي في حكمه حين ترشح للجائزة سوى أسبوعين!!!


أم أن الجائزة منحت للنوايا؟ لا أعتقد النوايا لفعل السلام تكفي لنيل الجائزة أو أي جائزة أعتقد يقينا أنها ما منحت إلا بسبب النفاق السياسي الذي يمارسه النظام الغربي بامتياز مع أمريكا ولكن هده المرة جاء مفضوحا جاعلا اللجنة النرويجية المشرفة على الجائزة في موقع المدافع عن سبب اختيارها للسيد أوباما وخاصة أنه لم يحقق أى إنجاز يذكر على صعيد السياسة الخارجية ومما دفع حركة طالبان للقول ((من السخف أن تذهب لأوباما وهو الذي أمر بإرسال نحو 21 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان لتصعيد الحرب)) فإرسال المزيد من الجنود للحرب أظنه لا يدفع نحو السلام .في اعتقادي أن أوباما يستحق الجائزة في حالة سحب قواته من العراق وأفغانستان وإغلاق معتقل غوانتنامو والاعتذار ومحاكمة مجرمي الحرب في العراق وأفغانستان والمساعدة الحقيقية في تحقيق التنمية وتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط ومحاربة الفقر والجوع والمرض بدلا من رمي القمح في البحار عوضا عن إعطاءه للفقراء . فالنوايا وحدها لا تكفي .


فالإسرائيلية آدا يوناث الفائزة بنوبل للكيمياء دعت إلى إطلاق سراح كل المعتقلين الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل فكانت أشجع من أوباما حين طالبت بإطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين في حين جبن أوباما عن حتى الهمس للنتن ياهو عنهم مكتفيا بالحديث عن شاليط الجندي المقاتل الأسير وبيده سلاحا على العكس من 11 ألف أسير فلسطيني من النساء الحوامل والقصر والشيوخ والكهول تغص بهم سجون إسرائيل. أن معايير نوبل قد تعطي الجائزة العام القادم للنتن ياهو أو ليبرمان ولا نستغرب أن تعطى لشارون فللسلام معايير أخرى عند الغرب المنافق فما حدث فضيحة نوايا.


د. جبريل العبيدي

****

ميشيل كيلو: البلاد العربية وسد الثقوب السوداء!

القدس العربي


20/10/2009

يوجد، في كل بلد عربي، ثقوب سوداء تبتلع جهود الشعب وعافيته، وتقوض وظائف الدولة، على ما بين الشعب والدولة من تباين في الدور والموقع، ورغم أن هذه الثقوب السوداء من صنع الحكومات، بدرجة أساسية.

- أول هذه الثقوب السوداء هو الفساد. إنه لا يلتهم فقط عوائد التنمية، إن وجدت، ولا ينتزع اللقمة من أفواه معظم المواطنين، إن حصلوا عليها، بل يقوض كذلك ما قد يبذل من جهود للخروج من التخلف، ويغرق العرب في تأخر يتفاقم دون هوادة، فيجدون أنفسهم في وضع من يركض إلى الخلف ووجه إلى الأمام، فهو يتراجع رغم جهوده، التي تزيده عنتا وإرهاقا. الفساد داء وبيل أصاب بلداننا، فأحبط سعيها إلى الخروج من تأخر مزمن، وردها إلى حال أسوأ من تلك التي حاولت التخلص منها. هذا الداء قسم الأمة إلى أمتين: أمة التخمة وأمة الجوع، أمة الثروة وأمة الحرمان، ولغم بتعاظمه مجتمعاتنا بمشكلات مستعصية غدت مادة متفجرة تهدد وجود بلداننا. وكان متمرد كبير هو 'ماو تسي تونغ' قد قال: لم أثر إلا من أجل على الفساد، الذي يقتل الأمة الصينية ويحكم عليها بالموت السياسي، ولم أقاتل في سبيل نظام شيوعي إلا لاعتقادي أنه أكثر قدرة من غيره على تخليص الصين من الفساد. كان تعداد الأمة الصينية آنذاك خمسمئة مليون إنسان، مع ذلك خشي ماو أن يقضي عليها الفساد. أليس وضعنا شبيها بوضع الصين قبل ثورتها؟. ألا يقضي الفساد علينا ويقوض مجتمعاتنا وينهك دولنا ويجعل كل شيء عندنا قابلا للبيع والشراء: من الذمم والضمائر إلى أرض الوطن؟. وهل هناك حاجة إلى سرد أمثلة عن فساد دمر الذمم فباعت أوطانها، يوجد منها العشرات والمئات في كل بلد عربي؟. وهل ينكر أحد أن كل شيء عندنا صار معروضا للبيع والشراء، وان الفساد قتل القيم والكرامات وأواصر العيش الجميل والعلاقات الإنسانية النبيلة؟. ذات مرة سأل راكب سائق سيارة على الحدود بين بلدين عربيين: إذا كنت مررت بعشرة دولارات كل هذه المهربات، فماذا تستطيع أن تمرر بألف دولار؟. جواب السائق : لواء إسرائيلي مدرع براياته وأعلامه. هذا الجواب قد لا يكون صحيحا بالضرورة، لكنه يعطي فكرة عن رأي المواطن في فساد استشرى في كل مكان وخرب كل شيء تقريبا، وخاصة النفوس، التي لا يبقى بعد خرابها صلاح لشيء، فالنفوس أساس أي تقدم وأية نهضة ومقاومة ووجود. واليوم، ماذا نفعل وقد بلغنا نقطة فاصلة علينا أن نختار فيها، بكل بساطة، بين الفساد والتنمية، وبين قلة من لصوص أثرياء وبين الوطن ؟.هل نختار الفساد، فنواصل تدمير أنفسنا، أم ندير ظهرنا له بصدق ونختار التنمية، والحياة والوطن؟.

ثمة ثقب أسود ثان ولد الفساد وعممه، في السياسة وفي سواها من مناحي حياتنا. إنه السلطة الفردية، التي لم تترك وسيلة إلا ولجأت إليها كي تضعف المجتمع وتصادر حقوق المواطن، بدل أن تقوي نفسها بتقويته، وتوسع مكانتها عبر صيانة وتوسيع حقوقه. بعد قرابة أربعين عام من حكم الفرد، صار من الصعب الدفاع عنه وعن 'إنجازاته'، فليس له من إنجازات غير تلك التي تظهر واضحة في كل ما يعرفه الوطن العربي من ويلات وبلايا. ليس لحكم الفرد إنجازات، إلا إذا اعتبرنا فشل التنمية إنجازا، والعجز طيلة نيف وأربعين عاما عن استرداد أرض العرب المحتلة في فلسطين وسورية ولبنان إنجازا، والخلافات العربية المستعصية إنجازا، وتمزيق الداخل القومي والوطني إنجازا. إن من يراقب حالنا سيجدنا محكومين بواقع ثلاثي المصائب، يعبر عنه تدهور علاقات العرب بعضهم ببعض، وتدهور علاقات الحكم بالداخل الوطني، وتردي الوحدة الوطنية في البلدان العربية ووجود تناقضات ظاهرة أو خفية بين مكوناتها تهددها بأفدح الأخطار. هذه هي إنجازات حكم الفرد، ولأنها لا تعالج بحكم الفرد، فإنها تجعل الإصلاح الديمقراطي مسألة تتخطى السياسة إلى إنقاذ الوطن، المهدد قولا وفعلا بالحكم الفردي ونتائجه الظاهرة في كل زاوية وركن من زوايا وأركان الوطن العربي. إذا كنا نحتاج إلى التخلص من الفساد، ليكون لدينا تنمية تنقذ شعوبنا من الجوع، فإننا نحتاج إلى الإصلاح الديموقراطي كي ننقذ دولنا وشعوبنا من التلاشي.

نصل الآن إلى الثقب الأسود الثالث : إنه العدالة والمساواة، وهما من القيم التي لم نعرفها بصفتها هذه في قديم الأزمان، ولا نعرفها بعد في زماننا، مع أن تبنيها غدا حتميا، وإلا استحال إنقاذ دولنا ونظمنا، نعم نظمنا، التي لطالما تجاهلت العدالة والمساواة وأقامت أوضاعا مناقضة لهما، رأت في قيامها شرط استقرارها، مع أنها في الواقع مصدر تهديد شديد الخطورة لوجودنا كأشخاص وكمجتمعات ودول. يعي المواطن العربي، بحكم تجربته، أهمية العدالة والمساواة، ويعلم أنهما من حقوقه الثابتة، التي لا يجوز له التنازل عنها، وأن حجبهما عنه مخالف لسنن الحكم الرشيد. وإذا كان المواطن صامتا اليوم على ضياعهما، فإنه صوته قد يتعالى في أي وقت للمطالبة بهما: فهما خشبة خلاصه الوحيدة، القادرة على تحريره من بؤس مخيف يرزح تحته. لو سألت أي عابر سبيل عن سبل إصلاح الحياة العربية، لقال دون طول تفكير: إنها لا تقبل الإصلاح بغير أمور ثلاثة هي: التنمية، والحرية، والعدالة والمساواة.

يجب أن نقضي على الفساد، لتنجح التنمية وينجو الشعب من الفقر والجوع. ونحتاج إلى الإصلاح الديمقراطي، لننقذ أوطننا من الانهيار، وإلى العدالة والمساواة لينجو النظام من ردود الفعل على الظلم الذي يوقعه بمواطنيه. ثمة ثقوب سوداء ثلاثة لا يقرها أحد، يمثل كل واحد منها خطرا جديا بالنسبة إلينا: بشرا وأوطاننا وأنظمة حكم، فلا مفر من التخلص منها، كي لا تتفاعل وتتداخل وتتفاقم تقضم عافيتنا، كما هو الحال اليوم ؟!

الثقب الأسود الطبيعي هو خرق لا يكاد يرى بالعين، يستطيع ابتلاع مجرات بكاملها في غمضة عين. أما الثقب الأسود السياسي/الاجتماعي، فهو خرق هائل الحجم، يبتلع الشعب والوطن، ويدخلهما في جوفه الواسع، الذي لا يعرف الشبع. في مواجهة هذه الثقوب السوداء، لا تفيد طريقتنا الشائعة في البكاء والتظلم والندب، ولا يفيد الإيمان بأنها مما يمتحن الله (جل جلاله) به عباده الصالحين. الثقوب السوداء الثلاثة حالة موت، يوقفها تصميم البشر الصادق على جعل حياتهم لائقة بإنسانيتهم، أي: شريفة وحرة وعادلة!.


****

وجود الأمة في الهاوية إنقاذ للسلطة


ميشيل كيلو

27/10/2009

عرجت في المقالة السابقة حول الثقوب السوداء التي تلتهم عافية الأمة العربية وتأخذها إلى فشل بعد فشل على ثقوب سوداء ثلاثة هي الفساد، وحكم الفرد، وغياب العدالة والمساواة من منظومتنا الفكرية ومواقفنا العملية كسلطة وكمواطنين. واستكمل الحديث اليوم عن ثقبين أسودين يلعبان دورا خطيرا في حياتنا العامة والخاصة هما: الاستعصاء الوحدوي الناجم عن سياسات ومصالح قوى تدعم التجزئة العربية وتتعيش عليها وغياب الفكر والسلوك المدنيين من حياتنا العامة والشخصية.


ـ عندما انفك عرب المشرق عن تركيا كانوا يعتقدون أن دولة العرب الواحدة الموحدة هي البديل الحتمي لسلطنة آل عثمان وأنهم سيقيمونها بمجرد أن يتحرروا من حكمها فلا خوف من تقسيم المشرق العربي أو لقيام دول مجزأة فيه بل ذهاب مباشر إلى وحدة العرب التي يعمل لها الشريف حسين وقامت الثورة العربية من أجلها.


صحيح أن مصير الدولة العربية العتيدة لم يكن واضحا وأن مسائل مهمة تتصل بحدودها وولاياتها وحكامها لم تكن قد حسمت بعد إلا أن الإصرار على إقامتها كان كبيرا لذلك آمن القوم أنه سيتكفل بتحقيقها ضمن الحدود والمناطق التي لا مفر من أن تقوم فيها لتحافظ على وحدة المشرق العربي وتضمن استقلاله.


بعد الحرب وطرد العثمانيين اتضح أن هذه التوقعات لم تكن صحيحة وأن هناك اتفاقا بريطانيا / فرنسيا سريا على تقاسم ممتلكات الدولة العثمانية المشرقية اسمه اتفاق سايكس / بيكو قبل القادة السياسيون الأمر يومئذ بعد احتجاج متذمر وقالوا بجواز قيام دول وطنية جزئية تمهد الأرض لقيام الدولة الموحدة مباشرة بعد حصولها على استقلالها الذي لن يتأخر ما دام الوجود البريطاني / الفرنسي في المشرق يأخذ صورة انتداب مؤقت يمارس تحت إشراف هيئة دولية هي عصبة الأمم وليس استعمارا تمارسه دولة واحدة خارج أي إطار قانوني ويمكن أن يستمر لفترة طويلة.


لم تذب الدولة التي ظهرت في الأقاليم المشرقية ونالت استقلالها بعد فترة قصيرة حقا. ولم يقم كيان عربي موحد لأن الدولة لم تكن وطنية بل كانت دولة قطرية لم تعتبر نفسها كيانا انتقاليا إلى الوحدة وعملت كقوة احتجاز لها فسهرت نخبتها الحاكمة على توطيد أركانها وتعزيز طابعها التجزيئي وإضعاف نوازع الوحدة فيها. وكان الشعب خلال مرحلة الانتداب، قد قاتل من أجل الحصول على دولة مستقلة فألف الدولة الجديدة واعتبرتها أغلبيته دولة شرعية ووطنية ما لبثت أن خافت عليها وزادت من تمسكها بها بعد كارثة فلسطين وسقوطها في يد الصهاينة مع أنها أبدت ضعفا فاضحا خلال الصراع كان يجب أن يقنع نخبها السياسية بعجزها عن حماية نفسها وبأنها ليست الأداة المطلوبة لنهضة وتقدم العرب إلا أن ما حدث كان عكس هذا وسارعت النخب إلى التمسك بأهمية الحفاظ على الدولة: الأداة الوحيدة القادرة على الدفاع عن أمة العرب المهددة بأفدح الأخطار.


ميزت في ما سبق من قول بين الدولة الوطنية والدولة القطرية فالأولى دولة شعبية منفتحة على الديمقراطية والوحدة والعدالة الاجتماعية رغم أنها تقوم أول الأمر في قطر واحد. بكلام آخر: إن الطابع الوطني لهذه الدولة يحد من طابعها القطري ويكبحه ويضعفه.


أما الدولة القطرية فهي عكس الدولة الوطنية: دولة غير شعبية أسماها ميشيل عفلق ذات يوم 'دولة التخت (السرير) والمزرعة '، تزداد بمرور الوقت وتوطد أركانها انغلاقا في وجه النزوع الوحدوي وتزمتا حياله وتتحول إلى دولة فئوية. ولعله من غير الضروري القول إن دولة ما بعد الاستقلال السورية التي عرفت حركة شعبية واسعة ومسيسة كانت أكثر دول العرب ميلا إلى الوحدة فليس من قبيل المصادفة أن الحركة الشعبية التي عينت طابع الدولة الوطني تمكنت من تحقيق أول وحدة سياسية خلال ألف عام من التاريخ العربي وأن الدولة الوطنية استجابت للحراك الشعبي واندمجت مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة بعد أن كانت قد أقرت مجموعة كبيرة من القوانين الخاصة بتنمية الحريات العامة والخاصة وبالعدالة الاجتماعية.


مع إسقاط الوحدة تراجع حتى الزوال طابع الدولة العربية الوطني وبرز عوضا عنه طابعها القطري الذي تضخم واتخذ أبعادا خطيرة لعبت دورا كبيرا في فشل نهضة العرب الحديثة الذي كان شاملا طال كل مجال من مجالات وجودهم السياسي والاجتماعي والثقافي والعسكري... الخ. ولعله من أعظم التطورات خطورة أن هذه الدولة ما لبثت أن انقلبت إلى دولة سلطوية أو 'سلطانية' حسب مصطلح إلياس مرقص فالسلطوية هي هنا ذروة القطرية وعلامة انحطاطها الفارقة وهي نفي الشعب ونوازعه الديمقراطية والعدالية والوحدوية فلا عجب أن دفعت بنا إلى هاوية سحيقة لاعتقادها أن وجود الأمة في الهاوية هو سبيل نجاة السلطوية الوحيد.


هل يجوز أن نتعايش مع ثقب القطرية / السلطوية الأسود الذي التهم عافية الأمة وقوض قدرتها وأضعف استقلالها ودولها؟. أعتقد أن مسألة الوحدة العربية النظرية التي لم تعد للأسف الشديد - مطروحة في أيامنا هي مسألة هيكلية لن تقوم لنا قائمة دون إيجاد معادل موضوعي واقعي لها هو وحدة العرب التي قد لا تقوم على أنقاض دولهم خاصة إن كانت دولا وطنية بل تعني تحويل دولهم القطرية والسلطوية إلى دول وطنية تقربهم من الوحدة بقدر ما يتعاظم طابعها الشعبي وواقعها العدالي. فهل هذا مستحيل في الظرف العربي الراهن؟. وهل يجوز أن نيأس من إمكانية تحقيقه، ولو بالتدريج ضد دولة تسلطية / قطرية هي دولة تجزئة متفاقمة وخراب شامل؟.


ـ ثمة ثقب أسود آخر يلتهم عافيتنا هو افتقارنا مؤسسات وأفرادا إلى فكر وسلوك مدني وغرقنا في متاهات الأيديولوجيا والتعصب والشك المتبادل ووضع مصالحنا الخاصة والشخصية فوق مصالح المجتمع والدولة ومواطنينا وجعلها معيار سلوكنا وفكرنا، وميلنا إلى الكذب على أنفسنا وعلى غيرنا ونفاقنا وتأرجحنا بين النقيض والنقيض ونزوعنا إلى حجب الحقيقة عن أعيننا وأعين غيرنا وجبننا وخوفنا وقبول كل واحد منا الانقسام إلى شخصين متناقضين: واحد له وآخر للسلطة والمجتمع يتعايشان فيه رغم ما بينهما من تناقض. نحن لا نؤمن بقواعد ثابتة تنظم فكرنا وسلوكنا وتحدد مواقفنا تنطبق علينا وعلى غيرنا ونريد قواعد تحابينا وأخرى تظلم أو تتجاهل الآخرين ثم لا نتوقف عن الشكوى من ازدواجية معايير الآخرين والدول الكبرى في التعامل معنا. ونحن لا نعتقد أن لغيرنا الحقوق ذاتها التي لنا ولا نتردد عن خداع أي شخص قد يحتاج إلينا أو يكون على تماس معنا ولو كان صديقا أو شقيقا ولا نراعي في سلوكنا ميزان العدالة الذي يلزمنا بالنظر إلى مصالح الآخرين نظرتنا إلى مصالحنا وباحترام أشخاصهم لاقتناعنا أنها معادلة لأشخاصنا.


إن فكرنا وسلوكنا غير المدنيين هما ثقب أسود قاتل يتجلى ضرره أكثر ما يتجلى في علاقات الناس بعضهم مع بعض وعلاقات السلطة مع الشعب التي تقوم على انتهاك القانون والدستور واحتقار الإنسان مع أنه رأس المال الوحيد الذي لا يمكن تعويضه إن ضاع أو تبدد واعتمادها العنف وسيلة رئيسة للتعامل مع رعاياها حتى في أبسط الأشياء وأتفه القضايا.


كثيرة هي ثقوب حياتنا السوداء التي نتعايش بسلام أو رضوخ معها ونظنها ميراثا يجب أن نحافظ عليه. ومع أن قطاعات متزايدة من مواطنينا بدأت تدرك أخطار هذه الثقوب فإن العمل ضدها ما زال جنينيا لاعتقادنا ربما وهذا ثقب أسود آخر أن حلول مشكلاتنا لا تكون مجدية إلا في المجال السياسي وأن جهودنا جميعها يجب أن تكون موجهة نحو هذا المجال الكفيل بتخليصنا من بلايانا بما في ذلك ثقوبنا السوداء مع أن وقائع نصف القرن الماضي تكذب ذلك بشدة وتبين كم هو منفصل الحيز المدني الخاص بالمواطن عن الحيز السياسي الخاص بالسلطة وكم يسهم إصلاح الأول في تمدين الثاني وتحسين سلوكه وبالعكس!

' كاتب وسياسي من سورية

****

ونعم الصحفيين ونعم المثقفين الساكتين عن الكيان الصهيوني وعن سعودة مصر وعن إهانة المصريين بالكيان السعودي ، وعن أمريكا وفظائعها ، وألسنتهم طويلة فقط ضد إخوانهم السودانيين والجزائريين واللبنانيين ، وضد المقاومة الفلسطينية واللبنانية الباسلة (حماس وحزب الله) وضد الشقيقة المسلمة إيران. وما الفرق إذن بين المغضوب عليه مصريا وخليجيا صدام ، والسعداء به مبارك ، وكلاهما يجتاح أراض أشقائه العرب والمسلمين ، ولم يفتحوا أفواههم عند غزو صدام لإيران وإنما تحركت ألسنتهم لما غزا الكويت فقط. كأن إيران ليست مسلمة !


صحافيون مصريون يطالبون الحكومة المصرية بالهجوم العسكري على السودان: لماذا تجديد قضية حلايب .. الآن؟


كمال حسن بخيت

28/10/2009

 

sudan-map.jpg

تصاعدت حدة التصريحات المتبادلة بين السودان ومصر ورفعت ترمومتر الحرارة حول قضية حلايب خلال الأسبوع المنصرم حيث يصر كل طرف على ملكيته للمنطقة المتنازع عليها منذ خمسينات القرن الماضي إلا أن القضية ظلت طوال الحقبة الماضية طي الأدراج ولم تثر إلا لماما، بيد أنها شهدت أعلى درجات حرارتها فى العام 1995 عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا والتي أعقبها تدهور شامل فى العلاقات بين البلدين الشقيقين وكاد أن يفضي إلى حرب شعواء بينهما لولا تدخل بعض الحكماء لاحتواء الخلاف فى مهده...


وقد شهدت تلك الفترة هجوما عنيفا من الإعلام المصري على الحكومة السودانية وأفضى برئيس تحرير 'أخبار اليوم' المصرية وقتها إبراهيم سعدة إلى مطالبة الحكومة المصرية بالتدخل العسكري فى السودان وتجدد ذات الطلب الأسبوع الماضى من الدكتور مصطفى النشردي الأستاذ بجامعة العلوم والتكنولوجيا المصرية فضلا عن مطالبته بضم ولاية البحر الأحمر السودانية للأراضي المصرية ولو بقوة السلاح على خلفيه اعتقاده بان الحدود المصرية تنتهى بمدينتي طوكر وسواكن السودانيتين.


ما أثار القضية وأفضى بها إلى هذا الحد من التداول العنيف مطالبة بعض نواب الولايات الشرقية السودانية بضرورة إجراء التعداد السكاني فى مدينة حلايب فضلا عن ضرورة اعتمادها كدائرة انتخابية فى الانتخابات المقبلة بالإضافة إلى المطالبة الرسمية من قبل مساعد رئيس الجمهورية موسى محمد أحمد بإحالة ملف حلايب لمحكمة التحكيم الدولية.


واقع القضية يشير إلى أن الصراع حولها لم يبدأ الآن وإنما منذ الاستقلال حيث سبق للجيش المصري أن احتل حلايب لعدة أيام فى فبراير 1958 إلا أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر سارع بسحب الجيش المصري من المنطقة بعد تأكده من جدية تهديد رئيس الوزراء السوداني الأسبق عبد الله خليل بأنه (إن لم تسحب القوات المصرية فورا فإنه سيشن هجوما عنيفا عليها فى حلايب وبالتالي إعلان الحرب على مصر).


سبق ذلك رفع السودان لشكوى أو مذكرة ضد الحكومة المصرية لدى الأمم المتحدة في العام 1955 وظلت تجدد كل عام ومنذ ذلك الحين لم تثر القضية إلا في العام 1995 .


والآن وبعد أن ظلت حلايب ضمن حالة المسكوت عنه طوال الفترات الماضية عقب إعلان الحكومتين اتفاق البشير ومبارك على جعلها منطقة تكامل اقتصادي إلا أن هذا الأمر لم يعجب سكان المنطقة الذين يؤكدون سودانيتها ويقولون أنها تمصرت تماما ولم يعد للسودانيين سيطرة عليها فضلا عن اعتبارهم لاتفاق الرئيسين ذرا للرماد فى العيون حيث لا يوجد الآن أى ملمح للتكامل في المنطقة التى تبلغ مساحتها 21 ألف كيلومتر مربع وإن وضعها المستعمر الإنجليزي ضمن الحدود السودانية منذ العام 1902 وظلت على هذا الحال منذ قرن كامل إلى أن اعترضت السلطات المصرية فى العام 1992 على منح السودان حق التنقيب عن البترول فى المياه الإقليمية المقابلة لمثلث حلايب لإحدى الشركات الكندية.


وراهن المنطقة الغنية بالنفط والمعادن الثمينة خاصة الذهب يبين أنها بالكامل صارت تحت السيطرة المصرية منذ تسعينات القرن الماضى في ذات الوقت الذي يصر فيه السودان على ملكيته لها وإعلانه فى العام 2004 عدم تخليه لها.


والقضية برمتها وبرغم الحاجة الماسة لضرورة حسم أمرها من قبل الحكومتين واليوم قبل غدا لكن إثارتها الآن يثير العديد من التساؤلات حول المغزى من نبش القضية فى هذا التوقيت بالتحديد والدوافع الحقيقية وراء ذلك؟


لاسيما وأن البلدين الآن في أمس الحاجة للتكاتف والتعاون المشترك بينهما فى شتى المجالات خاصة فيما يختص بقضايا المياه ومرحلة الاستفتاء على حق المصير وغيرها من القضايا الاستراتيجية التى تستوجب ضرورة جلوس الطرفين وعلى أعلى مستوى لحلحلة كافة الإشكالات والخلافات بينهما اليوم قبل الغد لقفل الطريق أمام أعداء البلدين الساعين للفتنة مما يستدعي إنفاذ الاتفاقات بينهما وبالأخص اتفاق الرئيسين لجعل منطقة حلايب منطقة تكامل اقتصادي وتواصل شعبي واجتماعي بين شعبي وادي النيل وإنزاله على أرض الواقع.

ومن التعليقات:

- بكر محمد - فلسطين / غزة


يا سلام تدخل عسكري مصري وهجوم مسلح على السودان أمال ما بنسمع الكلام هذا على اليهود والأمريكان اللى عمال بيبهدلوا في المسلمين والأقصى وبيقتلوا المصريين على الحدود وفي قناة السويس ليه يعني أخى على أسد وعلى اليهود نعامة أو قل نعجة سيان.

- سامى نبيل - بأسهم بينهم شديد


بأسهم بينهم شديد. يستأسدون على السودان والجزائر وإيران ويستنعجون على أمريكا وإسرائيل والسعودية.

- سارة أحمد - تدخل عسكرى


المثقفين المصريين ينادون بالتدخل العسكرى فى السودان؟؟سبحان الله , أين كان من يدعون أنفسهم بالمثقفين حين كان وزير الخارجية الاسرائيلي يكيل الشتائم لرئيسهم؟؟ولماذا لم ينادوا بالتدخل العسكرى فى إسرائيل؟؟

- سوداني


أكرر وأقول حلايب سودانية .
حلايب سودانية ويسكنها مواطنون سودانيون ولكن الحكومة استغلت المشاكل الحاصلة في السودان وتغولت عليها مستغلة محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا. والخرائط كلها تبين أن مثلث حلايب وشلاتين تابع للسودان.  وهو ضمن ولاية البحر الأحمر السودانية.

****

عندما يبكي الفرات وينتحب دجلة

29/10/2009

لا يمكن اعتبار جريمة اغتيال الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين قضية قد أغلقت ملفاتها لأنها ما زالت واقعة وحية وتتجدد تفاصيلها بشكل يومي ومع كل قطرة دماء عراقية بريئة تغتالها أيدي الطواغيت من أزلام إسرائيل وخدام أجهزة الاستخبارات الساقطة تحت نفوذ الصهيونية والتي تعمدت مع الإصرار وسوء النية إلى إدخال الحزن والغم إلى قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يوم أن سفكت دماء الشهيد في ليلة العيد لتقدم أغلى واهم الخدمات إلى الدولة العبرية التي كانت تعمل ليل نهار على إزاحة حاجز الصد الذي يحول من أمامها إمكانية بسطت راياتها المزينة بالنجمة السداسية فوق خريطة الأمة العربية بأكملها، كان صدام هو المنطقة الوعرة والجبل الشاهق الذي عجزت على أن تقف على قمته فراحت تعمل بجدية على تحريض العالم وتقديم الأكاذيب والأباطيل لتحشد الجهود وتسخر العملاء ليحطمون جدار العزة والكرامة، استشهاد صدام حسين وحل الجيش واشتعال الفتنة بين العراقيين وتمزيق البلد هو يوم الميلاد الحقيقي لإسرائيل التي لولا ظهور الملف النووي الإيراني على السطح لكانت هي الآن الصنم الأكبر الذي تحرق الأنظمة العربية كل القرابين تحت أقدامه لتنال بركاته وعفوه وتنعم بالعيش الآمن في حماه، لقد شاءت إرادة الله أن يكون هناك من يسجل بالصوت والصورة تفاصيل اغتيال صدام حسين حتى يقطع الطريق على المنافقين فلا يخرجون على شاشات الإعلام والجرائد التي فقدت مروءتها وراحت تتشفى في موته ويجدون الفرصة لاتهامه بالضعف والانهيار أمام الموت، لقد ظهرت للدنيا كلها قوته وإيمانه في مواجهة قضاء الله ضاربا أروع الأمثلة على البطولة والثقة في لقاء ربه لينطبق عليه قول الشاعر العربي الصحابي الجليل خبيب بن عدي في يوم الرجيع :

لقد جمّع الأحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وكلهم مبدي العداوة جاهد * علي لأني في وثاق بمضيع

وقد قربوا أبناءهم ونساءهم * وقُربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي * وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

فذا العرش ، صبرني على ما يراد بي * فقد بضعوا لحمي وقد يئس مطمعي

وقد خيروني الكفر والموت دونه * وقد ذرفت عيناي من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت * ولكن حذاري جحيم نار ملفع

ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع

فلست بمبدٍ للعدو تخشعا * ولا جزعا إني إلى الله مرجعي .


لقد مات صدام حسين رجلا وبطلا وشهيدا وله في قلوب الأمة أضرحة ورحمات تستنزل مع كل دعاء في الصلاة، وارتعبت من موته الأحياء المرتعشين فراحوا يبدلون سياساتهم ومواقفهم ومبادئهم وشعاراتهم إلى النقيض، لن ينسى التاريخ العربي لصدام حسين بأنه في اشد لحظات الضيق وتحت معاناة الحصار الاقتصادي الظالم الذي استنزف كل موارد البلد لم يتخل عن دوره وتحمل مسؤوليته ولم يبخل على أبناء فلسطين ومنحهم المكرمة التي تكفيهم شر الفاقة بعد أن قدم آباؤهم أرواحهم كشموع تحترق على درب تحرير فلسطين، في الوقت الذي أدارت فيه الأنظمة العربية وجوهها شطر إسرائيل وراحت تنفق المليارات وتبعثر مقدرات الشعوب لحماية امن عصبة الشر والتقرب بأموال النفط العربي زلفى إلى حكام تل أبيب، ما أنفقته الأنظمة العربية في تحالفها مع القوات التي استعمرت العراق ودمرته كان يكفي لبناء الآلاف من المدارس والجامعات والمستشفيات ومراكز البحث العلمي وإيواء الملايين المشردين على الأرصفة والميادين، لقد رحل صدام ولكنه حي في القلوب، لقد بكى عليه الفرات وانتحب دجلة وحزن النخيل وتغير طعم التمر، ومات الآخرون وهم أحياء ولم يحصدوا غير الهشيم ولسوف يلعنهم التاريخ جزاءا على ما صنعوا في شعوبهم وأوطانهم من جرائم وذل وامتهان.


كنت أنتظر من العراقيين بعد هذا الحادث الجلل وبعد ظهور براءة صدام من تهمة تكديس السلاح النووي والكيماوي أن يتوحدوا على قلب رجل واحد بعيدا عن التحزب الطائفي والانزلاق إلى سراديب وأنفاق التعصب والانتقام وتشريد إخوانهم المستضعفين وإجبارهم على ترك ديارهم وتفريغ البلد من كفاءاته العلمية وفتح المجال أمام قوى الشر لاغتيالهم أو نبذهم في عراء الغربة يستجدون فرصة الحياة الآمنة، تخيلت أن موت صدام حسين وهو البريء سيكون زلزالا يطهر النفوس ويوحد الجهود لإعادة بناء البلد وقطع الطريق أمام من جاءوا على ظهور دبابات المحتلين واستولوا على السلطة وأفسدوا العمل السياسي والاجتماعي، أما الأنظمة فلو كانت لا زالت تعتقد في عروبتها لكانت قد سعت إلى التكفير عن ذنوبها التي اقترفتها بتآمرها مع أعداء الأمة وكانت عملت جاهدة على ترميم الشروخ التي أصابت جدار الثقة بين العراقيين والأنظمة العربية والمؤسسات العربية السياسية والثقافية بدلا من أن يجعلوا من الشعب العراقي وقودا في أتون صراعهم مع الجمهورية الإسلامية الايرانية، على العموم وعلى الرغم من أنني لأكتب الشعر كثيرا إلا أنني أقول لكل الذين يقفون على حافة الهاوية :اشرع يمينك للموت.. ارقص على ارض القبور.. فك شفرات الرجال المتعبين.. اصرخ لا تستكين. امسح لعاب الخوف .. فكل رقاب الأسود تغتالها فخاخ المخنثين.. اشرع يمينك للموت ولا تخف.. فالعمر زهرة وقنبلة والأرض تنبت من صلب الرجال الراحلين الواقفين.. قمرا وسنبلة.


خالد الهواري ـ السويد


el-hawari'maktoob.com

****

الذكاء التجاري والنبي يوسف عليه السلام

29/10/2009

ظهر في العصر الحديث ما يسمي بالذكاء التجاري Business Intelligence أو كما يحلو البعض بتسميته الاستخبارات التجارية. وهي كما قام الكثيرون بتعريفها وهي الحصول على المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب لاتخاذ أفضل القرارات. المعلومات اليوم يتم الحصول عليها من عدة مصادر إلكترونية تكون في الأصل عبارة عن بيانات مجمعة هنا وهناك. يقول الخبراء أن تاريخ الذكاء التجاري يرجع إلى السبعينات من القرن الماضي، عندما بدأت ثورة المعلومات تنتشر ويٌعتمد عليها في تسيير المؤسسات التجارية والحكومية ومن ذلك الوقت تم الإهتمام بكيفية الحصول على المعلومات بالشكل السريع والسلس وفي نفس الوقت ظهرت تكنولوجيا ما يسمي بـمخزن البيانات'Data warehousing وهي تحتوي على البيانات المجمعة من عدة مصادر، وبذلك ازدادت أهمية الذكاء التجاري وبدأت الشركات المعنية بتطوير أدوات خاصة بهذه التكنولوجيا.


حقيقة الأمر إن الذكاء التجاري كان قد وجد منذ قديم الزمان ولكن الفرق اليوم أن المعلومات كان يتم الحصول عليها من الكتب والخرائط وحتى من الكتابة على الحجر وغيرها وكان اعتماد الناس كثيرا على ذكاء المستشارين وقدرتهم على استحضار المعلومات لاتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية. أعتقد أن من أهم الشخصيات التاريخية التي استطاعت أن تحقق أكبر عملية إنقاذ اقتصادي في التاريخ هي شخصية النبي يوسف عليه السلام.لقد استطاع النبي يوسف بما أوتي من العلم والحكمة أن ينقذ شعب مصر من الهلاك المحتوم يقول الله عز وجل (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). صدق الله العظيم.


عندما قام النبي يوسف عليه السلام بتفسير رؤيا الملك، تم تعيينه على خزائن الأرض وذلك لترجمة ما تعلم من الله إلى أرض الواقع حيث أن في ذلك الوقت لم يكن يوجد أي شخص قادر على إدارة خزائن الأرض وإدارة السنوات الأربع عشرة التي مرت بها مصر كيوسف. كان من أهم الأهداف لعبور الأزمة هو تخزين الحنطة، ولكن كيف وكم تحتاج الدولة من المخزون لسبع سنوات؟


فالإجابة على ذلك كانت عند النبي يوسف عليه السلام، لقد قام النبي يوسف عليه السلام بجمع المعلومات التالية: كم عدد السكان في كل مدينة وقرية. كم عدد الحيوانات من بهائم وأغنام وغيرها. ما هو حجم استهلاك الأفراد والحيوانات. كم عدد الأراضي القابلة للزراعة. كم عدد ومساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة الدولة وغير الخاضعة للدولة. كم عدد العمال العاملين في هذه الأراضي. كم عدد الوافدين من الدول أو الأماكن المجاورة. نسبة النمو السكاني.


وغيرها من المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات التي يحتاج لتنفيذ المشروع، فبعد حصوله على المعلومات الدقيقة أتخذ القرارات اللازمة لإنجاح المشروع، فقد بنى عدة مدافن للقمح موزعة حسب التجمعات السكانية في الدولة.طبعاً أثناء القحط لم يقم بتوزيع القمح بشكل عشوائي ولكن بناءً على ما تم حصره وجمعه من معلومات عن المواطنين والقوانين التي سنها في ذلك الوقت. طبعا نجاح المشروع الذي قاده النبي يوسف في ذلك الوقت له عدة أسباب وأهم هذه الأسباب هي إرادة الله، الذي أراد أن يظهر قدرته وقوته من خلال أنبيائه عليهم السلام. و الأسباب الأخرى هي قوة الأيمان التي تحلى بها نبي الله يوسف وثقته بالله وحسن الإدارة التي تعلمها بفضل من الله.


أراد الله من قصة يوسف أن يبين للناس أسباب النجاح والطرق المثلى في بناء دولة اقتصادية من الطراز الأول.بفضل من الله فإن إمكانات العالم اليوم أفضل عما كان عليه في العهود السابقة، ومع ذلك فالعالم اليوم يعيش أزمات اقتصادية من وقت لآخر وفقر مدقع في كثير من الأماكن من العالم. إن مراكز البحوث ومراكز المعلومات في العالم أصبحت توفر المعلومات بشكل دقيق لصانعي القرارات في العالم ولكن العالم في تخبط إلى اليوم. بسبب هذا التخبط فالعالم والدول الإسلامية خاصة مطالبة بالرجوع إلى الثوابت الإنسانية لوجود الإنسان في الأرض وبناء اقتصاديات ومجتمعات تقوم على احترام الإنسان خالية من الأطماع والشهوات التي تدمر الحجر قبل الإنسان، المطلوب أيضاً وضع حلول اقتصادية توفر الأمن الغذائي لجميع الناس بدون استثناء والاستفادة من تاريخ الأزمات ومسبباتها بشكل جدي.


محمد إسماعيل المؤيد اليمن

Wapher | del.icio.us