حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


الأساس الشرعى والدستورى لقرار حظر النقاب

nermeen 21-10-2009 GTM 2 @ 12:03

عودة إلى الحديث حول الزى الأسود الكئيب المخيف الظلامى الوهابى البدعى غير الإسلامى ولا الإنسانى.

 

من جريدة القاهرة

20 أكتوبر 2009

الأساس الشرعى والدستورى لقرار حظر النقاب فى معاهد التعليم

المحكمة الدستورية : قرار منع النقاب فى المدارس لا يخالف المادة الثانية من الدستور ولا ينال من حرية العقيدة .. بل هو اجتهاد مقبول شرعاً .

- دعوى قضائية يقيمها والد طالبتين منقبتين أمام محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية يطلب فيها إلغاء قرار وزير التربية والتعليم بمنع دخولهما المدرسة بسبب مخالفتهما لقرار تنظيم الزى المدرسى وارتدائهما النقاب .

- الدعوى تستند إلى أن الدستور ينص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ويكفل الحرية الشخصية.

- محكمة القضاء الإدارى توقف تنفيذ القرار وتحيل الأوراق إلى المحكمة الدستورية للفصل فى دستورية قرار الوزير بتنظيم الزى المدرسى.

- الوزير يصدر قراراً تكميلياً يجيز ارتداء الحجاب إذا وافق على ذلك ولى الأمر.

 

*****

 

مبادئ هامة يرسيها حكم المحكمة الدستورية :

- نص المادة الثانية من الدستور يتعلق بالأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالاتها .. وليس بالأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها فهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان .

- شريعة الله جوهرها الحق والعدل .. وانغلاقها على نفسها ليس مطلوباً ولا مقبولاً .. وهى لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء .. فى شأن من شئونها قدسية تحول دون مراجعتها ولا يجوز اعتبارها شرعاً ثابتاً .

 

*****

 

هوامش حول عاصفة النقاب :

بدأت عاصفة النقاب بالتصريحات التى أدلى بها فضيلة الإمام محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر فى الأسبوع الأسبق وقال فيها إن النقاب عادة وليس عبادة ، وأنه لا يجوز لطالبة فى المرحلة الابتدائية من التعليم الأزهرى ، أن ترتدى النقاب أثناء حصة دراسية ، لا يشاركها فيها سوى فتيات من عمرها ، وتتولى التدريس لهم امرأة ، وتواكب ذلك مع إعلان وزير التعليم العالى د. هانى هلال ، أنه لن يسمح للطالبات المنقبات المغتربات بالالتحاق بالمدن الجامعية ، حرصا على الطالبات أنفسهن ، بعد أن اكتشف خلال العام الماضى ، أن عدداً من الشبان ، يتنكرون فى زى المنقبات ، ويتسللون إلى المدن الجامعية.

وكما هى العادة فى مثل هذه المعارك ، فقد تحولت قضية النقاب من خبر صحفى إلى حوار عام ، شغل معظم البرامج التلفزيونية الحوارية ، فى القنوات التلفزيونية الفضائية والأرضية ، المحلية والعربية. وكما هى العادة كذلك فقد ركز البعض اهتمامهم ، حول الطريقة التى تعامل بها فضيلة الإمام مع الطالبة أكثر من اهتمامهم بالقضية نفسها ، وأتاح البعض الآخر منها ، للاتجاه الفقهى الوهابى السلفى الظلامى ،  الذى يعتبر النقاب فريضة دينية ، بينما أجمع التيار الغالب من رجال الدين على أنه ليس فريضة ، ولكن مجرد عادة لا أصل لها فى الإسلام فهى بدعة محرمة.

فى حين ذهب بعض الوهابيين المستترين وراء حقوق الإنسان التى يرونها طاغوتا يكفرون به ، ذهبوا إلى أن ارتداء النقاب هو جزء من الحرية الشخصية التى يكفلها الدستور ، واعترضوا على قرار وزير التعليم العالى وقرار فضيلة الإمام الأكبر.

وسط هذا الضجيج ، لم ينتبه كثيرون بالقدر الكافى إلى أن مسألة النقاب ، سبق أن طرحت عام 1996 ، حين أصدر وزير التربية والتعليم آنذاك د. حسين كامل بهاء الدين ، قراراً بتنظيم الزى المدرسى فى مدارس التعليم العام ، كان موضوعاً للتقاضى (لم تكن قنوات الوهابية قد ظهرت ولا حسان والحوينى ويعقوب لعنهم الله وكانت مصر لا تزال بخير المتطرفون والمتطرفات والمنقبات والمحجبات والمخمرات فيها قلة منبوذة لا يقلدها أحد من الشعب الواعى ليس كالآن) ، حيث منعت إحدى المدارس الثانوية طالبتين منقبتين من دخول المدرسة بالنقاب ، فلجأ والدهما إلى محكمة القضاء الإدارى (دائما تجد هؤلاء المتطرفون بلطجية وبتوع مشاكل) ، والتى أوقفت تنفيذ القرار ، وأحالت الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا ، التى أقرت حق الوزير فى تنظيم الزى ، طالما كان زيا محتشما يحافظ على الآداب العامة .. وذهبت حيثيات الحكم إلى أن لولى الأمر أن يشرع استلهاما للمصالح المعتبرة التى تناسب مقاصد الشريعة وأن هيئة ثياب المرأة لا تضبطها نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها وحق الاجتهاد فيها مفتوح فى إطار النصوص القرآنية.

ولأهمية حيثيات هذا الحكم ، ننشر نصها الكامل ، فى إطار حرص "القاهرة" الدائم على نشر الوثائق الفكرية المهمة ، التى تتعلق بالحريات وخاصة حريات الإبداع الأدبى والفنى ، والحريات الشخصية .

وتتطرق حيثيات الحكم لعدد من القضايا المهمة من بينها تفسير المادة الثانية من الدستور ، التى تقضى بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ، وقد أكدت المحكمة أن "مبادئ" الشريعة ، هى الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة ، وكما فسرت النص الوارد بالدستور ، حول حرية العقيدة وأقرت مبدأ بالغ الأهمية وهو أن "حرية العقيدة تعنى ألا يحمل شخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها .. أو على التنصل من عقيدة دخل فيها .. أو الإعلان عنها ، بل تتسامح فيما بينها ويكون احترامها متبادلا".

ما يلفت النظر هو أن حكم المحكمة الدستورية قاطع فى تأييد حق سلطات الدولة المدنية ، فى منع النقاب ، سواء فى المدارس أو الجامعات أو المصالح الحكومية ، أو غيرها من المؤسسات ، التى قد تنشأ فيها ضرورات لحماية المصالح العامة للآخرين .. ومع ذلك فقد طبقت مؤسسات الدولة الحكم بمرونة ، ولأسباب تتعلق فيما يبدو بالملاءمات الاجتماعية والسياسية ، فى حين يرى معظم رجال الدين أن من حق هذه السلطات ، أن تأمر بحظره ..

وهذا هو النص الكامل لحيثيات الحكم .. ننشره من باب تعميق الحوار الدائر حول القضية ، التى يعتبر بعض الكتاب الإسلاميين أن الجدل حولها هو من دلائل الخيبات .. وأنها قضية تافهة وهو ما نوافقهم عليه ، بصرف النظر عن المسئول عن هذه الخيبات والتفاهات .

والله من وراء القصد .

صلاح عيسى .  

 

*****

 

باسم الشعب المحكمة الدستورية العليا


بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996 الموافق 30 ذو الحجة 1416 هـ . برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين. وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين . وحضور السيد/ حمدى أنور صابر أمين السر.

أصدرت الحكم الآتى فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 8 لسنة 17 قضائية "دستورية". المحالة من محكمة القضاء الإدارى بالحكم الصادر عنها فى الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية. المقامة من السيد / محمود سامى محمد على واصل بصفته وليا طبيعيا على ابنتيه مريم وهاجر . ضد:

1- السيد/ وزير التعليم .

2- السيد/ مدير مديرية التعليم بالإسكندرية .

3- السيدة/ مديرة مدرسة إيزيس الثانوية بنات بالسيوف.

الإجراءات

ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية، بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 ، وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى. وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها. ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم . المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة  . حيث إن الوقائع - حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن السيد/ "محمود سامى على واصل" كان قد أقام أمام محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية - وبصفته وليا طبيعيا على ابنتيه مريم وهاجر - الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية ضد وزير التعليم، طالبا فيها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبى الصادر بالامتناع عن قبول ابنتيه هاتين بإحدى المدارس الثانوية  وقال شرحا لدعواه، إنه كان قد توجه بهما إلى مدرسة إيزيس الثانوية للبنات بالسيوف، إلا أنه فوجئ بطردهما منها تأسيسا على صدور قرار من وزير التعليم يمنع الطالبة المنقبة من دخولها بالمخالفة لحكم المادتين 2، 41 من الدستور التى تنص أولاهما: على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى لكل تشريعاتها، وتكفل ثانيتهما: صون الحرية الشخصية وتحول دون المساس بها .


وقد قضت محكمة القضاء الإدارى - وأثناء نظرها الشق العاجل من الدعوى-

أولا: بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه فيما تضمنه من منع ابنتى المدعى من دخول مدرستهما منقبتين، وألزمت الإدارة المصروفات وأمرت بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلان .

ثانيا: إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 والمفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994  وأقامت محكمة القضاء الإدارى قضاءها على أن القرار المطعون فيه، قد صدر استنادا إلى قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 الصادر فى 17/8/1994 متضمنا تحديد هيئة الزى المدرسي من حيث لونه وشكله ومكوناته، ومفسرا بمقتضى قراره رقم 208 لسنة 1994، وإن الفصل فيما إذا كان هذان القراران - وقد انطويا على قواعد عامة مجردة- يخلان بحرية العقيدة التى كفل الدستور أصلها بنص المادة 46، مما يدخل فى ولاية المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، لتكون كلمتها فى شأن اتفاقهما أو تعارضهما مع الدستور، قولا فصلاً، مما يقتضى إحالة الأوراق إليها- وعملا بالبند أ من المادة 29 من قانونها - وذلك للفصل فى دستورية هذين القرارين  .

قرار تنظيم الزى المدرسى

وحيث إن البين من قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المشار إليه، أنه نص فى مادته الأولى على أن يلتزم تلاميذ وتلميذات المدارس الرسمية والخاصة، بارتداء زى موحد وفقا للمواصفات الآتية :

أولا : الحلقة الابتدائية "بنين وبنات"مريلة تيل لجميع التلاميذ باللون الذى تختاره المديرية التعليمية - يمكن ارتداء بنطلون فى فصل الشتاء يكون موحدا ومناسبا طبقا لما تحدده المديرية التعليمية  ويجوز استبدال المريلة بقميص وجونلة بطول مناسب بالنسبة للبنات،وقميص وبنطلون بالنسبة للبنين مع ارتداء بلوفر أو جاكت فى فصل الشتاء وفق ما تقرره المديرية التعليمية  - حذاء مدرسى وجورب مناسب بلون الزى المختار .

ثانيا : الحلقة الإعدادية :

1 - التلاميذ : بنطلون طويل - قميص بلون مناسب - فى فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية .

2 - التلميذات : بلوزة بيضاء - مريلة من قماش تيل ( دريل ) بحمالات باللون الذى تختاره المديرية التعليمية - فى فصل الشتاء يمكن أن يكون قماش المريلة صوفا، ويمكن كذلك أن ترتدى التلميذة بلوفر أو جاكت بلون المريلة  ويجوز استبدال المريلة بقميص طويل بطول مناسب - حذاء مدرسى وجورب بلون مناسب للزى المختار  يمكن بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر أن ترتدى التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذى تختاره المديرية التعليمية.

ثالثا : المرحلة الثانوية وما فى مستواها :

1 - التلاميذ : بنطلون طويل - قميص بلون مناسب - فى فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية .

2- التلميذات : بلوزة بيضاء - جونلة تيل بطول مناسب بلون تحدده المديرية التعليمية - فى فصل الشتاء يمكن أن تكون المريلة صوفا، كما يمكن أن ترتدى التلميذة بلوفرا أو جاكيتا بلون المريلة - يمكن بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر، أن ترتدى التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذى تختاره المديرية التعليمية - حذاء مدرسى وجورب بلون مناسب للزى المختار . وتكفل المادتان الثانية والثالثة من هذا القرار، إعلان الزى المدرسى المقرر على تلاميذ كل مدرسة وتلميذاتها فى مكان ظاهر قبل بدء العام الدراسى بشهرين على الأقل، ولا يجوز لمن يخالف حكم المادة الأولى من هذا القرار من تلاميذها أو تلميذاتها دخول مدرستهم أو الانتظام فيها وبمراعاة أن يكون زيهم مناسبا فى كل الأحوال سواء فى مظهره أو أسلوب ارتدائه .

وحيث إن وزير التعليم أصدر بعد القرار الأول - وإزاء ما التبس بمعناه من غموض - قرارا ثانيا مفسرا للقرار السابق ومحددا فحواه ، ومن ثم نص القرار اللاحق - وهو القرار رقم 208 لسنة 1994- على أن يقصد بالعبارات التالية - فى تطبيق أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994 - المعانى المبينة قرين كل منها .


أولا : بالنسبة إلى تلميذات المرحلتين الإعدادية والثانوية :

1 - بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر : أن يكون ولى الأمر على علم باختيار التلميذة لارتداء غطاء الشعر، وإن اختيارها لذلك وليد رغبتها دون ضغط أو إجبار من شخص أو جهة غير ولى الأمر، وعلى ذلك لا تمنع التلميذة من دخول مدرستها إذا كانت ترتدى غطاء للشعر، وإنما يحل لها الدخول، على أن يتم التحقق من علم ولى الأمر .

2 - غطاء الشعر : الغطاء الذى تختاره التلميذة برغبتها بما لا يحجب وجهها  ولا يعتد بأية نماذج أو رسوم توضيحية تعبر عن غطاء الشعر بما يناقض ذلك .

ثانيا : بالنسبة للتلميذات فى جميع مراحل التعليم الثلاث : أن يكون الزى مناسبا فى مظهره وأسلوب ارتدائه : المحافظة فى الزى بما يرعى الاحتشام، وبما يتفق مع تعاليم وأخلاق مجتمعهن وكل زى يخرج على هذا الاحتشام، يكون مخالفا للزى المدرسى ، ولا يسمح للتلميذة التى ترتديه بدخول مدرستها  .

حدود المادة الثانية

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية - بعد تعديلها فى سنة 1980 - من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، إنما يتمخض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه فى تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل - ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المطعون عليهما – فلا يجوز لنص تشريعى، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً  .

ومن غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها  وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها  ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصيلة التى تفرض متطلباتها دوماً بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكاراً لما علم من الدين بالضرورة  ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعا فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال . وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويرا لقواعد عملية تكون فى مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التى تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها  فالآراء الاجتهادية فى المسائل المختلف عليها ليس لها فى ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالى اعتبارها شرعا ثابتا متقرراً لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والتبصر فى دين الله تعالى، وإنكارا لحقيقة أن الخطأ محتمل فى كل اجتهاد بل إن من الصحابة من تردد فى الفتيا تهيبا  ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا  وتلك هى الشريعة الإسلامية فى أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها - وفيما لا نص عليه - بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التى ينافيها أن يتقيد ولى الأمر فى شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها  .

مصالح العباد وسلطة ولى الأمر


وحيث إن من المقرر -على ضوء ما تقدم- أن لولى الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما فى ذلك أن المصالح المعتبرة، هى تلك التى تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهى بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد - مضمونا ونطاقا - على ضوء أوضاعها المتغيرة  يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيراً ما قرروا أحكاما متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه، تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعى على اعتبارها أو إلغائها .

وحيث إن الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوما لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار الحقوق التى كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها  ولا يجوز بالتالى أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبرراً .

وحيث إن البين من المطاعن التى نسبتها محكمة الموضوع إلى القرار المطعون فيه، وكذلك تلك التى طرحها الطاعن عليها باعتباره والد الطالبتين اللتين طردتا من مدرستهما لتنقبهما، أنها لا تتعلق بأزياء البنين من طلبة المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية وما فى مستواها من ناحية هيئتها ومكوناتها، ولكنها تتناول أصلا ما تقرر لطالباتها من أزياء سواء فى مظهرها أو مواصفاتها أو أسلوبهن فى ارتدائها، وكذلك ملامح وخصائص خُمِْرهن، لتنحصر المناعى الدستورية فى هذا النطاق لا تتعداه  وحيث إن القرار المطعون فيه، قد قرر لكل فتاة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها، هيئة محددة لزيها تكفل فى أوصافها الكلية، مناسبتها لها، ولا يكون موضعها من بدنها كاشفا عما ينبغى ستره منها، بل يكون أسلوبها فى ارتدائها كافلا احتشامها، ملتزما تقاليد وأخلاق مجتمعها  .

حدود زى المرأة وحيث إن الشريعة الإسلامية - فى تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية - لا تقرر إلا جوهر الأحكام التى تكفل بها للعقيدة إطارا يحميها، ولأفعال المكلفين ما يكون ملتئما مع مصالحهم المعتبرة، فلا يبغونها عوجا، ولا يحيدون أبدا عن الطريق إلى ربهم تعالى، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم، وأدعى لتقواهم  وفى هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها فى القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال إظهارها محاسنها إغواءً لغيرها، أو بإبدائها ما يكون خافيا من زينتها  وليس لها شرعا أن تطلق إرادتها فى اختيارها لزيها، ولا أن تقيم اختيارها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عونا لها على القيام بمسئوليتها فى مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن هيئة ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها، لتكون من المسائل الاختلافية التى لا ينغلق الاجتهاد فيها، بل يظل مفتوحا فى إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى "وليضرين بخمرهن على جيوبهن" "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" "يدنين عليهن من جلابيبهن" "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التى لا تبديل فيها، بل يكون لولى الأمر السلطة الكاملة التى يشرع بها الأحكام العملية فى نطاقها، تحديدا لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائدا فى مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحا من عاداتهم وأعرافهم التى لا يصادم مفهومها نصا قطعيا، بل يكون مضمونها متغيرا بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعى، ليكون لباس المرأة تعبيراً عن عقيدتها .

وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم فى مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها، وإن آل إلى تباين الآراء فى شأن لباس المرأة، وما ينبغى ستره من بدنها، إلا أن الشريعة الإسلامية -فى جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها- تتوخى من ضبطها لثيابها، أن تعلى قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلا إليها، ليكون سلوكها رفيعا لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها في الحرج إذا اعتبر بدنها كله عورة مع حاجتها إلى تلقى العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التى تختلط فيها بالآخرين، وليس متصورا بالتالى أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الإقتضاء، أن تكون شبحا مكسوا بالسواد أو بغيره، بل يتعين أن يكون لباسها شرعا قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها فى الحياة، فلا يكون محدداً لجمال صورتها، ولا حائلا دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التى تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازنا بين الأمرين، ومُحَدَّدا على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفا صحيحين  ولا يجوز بالتالى أن يكون لباسها ، مجاوزا حد الاعتدال، ولا احتجابا لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافا، ولا إسدالا لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالا بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقا لقوله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" واقترانا بقوله جل شأنه بأن "يدنين عليهن من جلابيبهن" فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا ما لا يعد عورة، وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء "ابتلاء بإبدائهما" على حد قول الحنفية،ودون أن يضربن بأرجلهن "ليعلم ما يخفين من زينتهن".


وقد دعا الله تعالى الناس جميعا أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعنى أن التزامها حد الاعتدال، يقتضى ألا تصفها ثيابها ولا تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تنقبها مطلوبا منها شرعا طلبا جازما، ولا سترها لزينتها شكلا مجردا من المضمون، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئا عن عفافها، ميسرا لإسهامها المشروع فيما يعينها على شئون حياتها، ويكون نائيا بها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافا، وينال من قدرها ومكانتها .

حدود التحريم

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوما بنص قطعى، وإلا ظل محمولا على أصل الحل؛ وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعا أن يكون احتجابا كاملا، متخذا نقابا محيطا بها منسدلا عليها لاُ يظِْهر منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلا مقبولا، ولا معلوما من الدين بالضرورة، ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعا من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها .

وما ارتآه البعض من أن كل شئ من المرأة عورة حتى ظفرها، مردود بأن مالكا وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل فى رواية عنه، والمشهور عند الشافعية، لا يرون ذلك  والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة المحيض، يقتضيها أن يكون ثوبها ساترا لبدنها عدا وجهها وكفيها  .

قرار الوزير شرعى


وحيث إن استقراء الأحكام التى جرى بها القرار المطعون فيه، يدل على أن لكل طالبة أن تتخذ خماراً تختاره برغبتها، ولا يكون ساترا لوجهها، على أن يشهد ولى أمرها بأن اتخاذها الخمار غطاء لرأسها، ليس ناجما عن تدخل آخرين فى شئونها بل وليد إرادتها الحرة، وهى شهادة يمكن أن يقدمها بعد انتظامها فى دراستها  كذلك دل هذا القرار، على أن زيها ينبغى أن يكون مناسبا مظهرا وطرازا - لا بمقاييسها الشخصية - ولكن بما يرعى احتشامها، ويكون موافقا لتقاليد وأخلاق مجتمعها ولا يجوز أن يكون أسلوبها - فى مجال ارتدائها لزيها - دالا على فحشها  ولا يناقض القرار المطعون فيه - فى كل ما تقدم - نص المادة الثانية من الدستور، ذلك أن لولى الأمر - فى المسائل الخلافية - حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التى لا ينافيها أن ينظم ولى الأمر - فى دائرة بذاتها - لباس الفتاة، فلا يكون كاشفاً عن عورتها أو ساقيها، ولا واشياً ببدنها، أو منبئاً عما لا يجوز إظهاره من ملامحها، أو نافياً لحيائها، وهو ما توخاه هذا القرار، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها، بأن يكون زيها مناسباً حائلاً دون تبذلها، ناهياً عن عريها أو إظهار مفاتنها، بل إن أسلوبها فى ارتداء زيها يتعين فوق هذا، أن يكون ملائماً لقيمها الدينية التى تندمج بالضرورة فى أخلاق مجتمعها وتقاليده .

كذلك فإن خمارها وفقاً لهذا القرار، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان مترامياً إلى صدرها ونحرها، فلا يكفى أن تلقيه من وراء ظهرها  .

حرية العقيدة

وحيث إن النعى على القرار المطعون فيه، مخالفته لحرية العقيدة التى نص عليها الدستور فى المادة 46، مردود بأن هذه الحرية - فى أصلها - تعنى ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها، ويكون احترامها متبادلاً  .

ولا يجوز كذلك فى المفهوم الحق لحرية العقيدة، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضراراً بغيرها، ولا أن تيسر الدولة -سرا أو علانية- الانضمام إلى عقيدة ترعاها، إرهاقا لآخرين من الدخول فى سواها، ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقابا لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض  كذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين فى جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، مكفولتان وهو ما يعنى تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولاهما باعتبارها انتقالاً بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها فى الوجدان، إلى التعبير عن محتواها عملاً ليكون تطبيقها حياً، فلا تكمن فى الصدور، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها، توكيدا لبعض المصالح العليا التى ترتبط بها، وبوجه خاص ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم  .

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يقوض أسسها أو يعطل شعائر ممارستها و لا يناهض جوهر الدين فى الأصول الكلية التى يقوم عليها، بل يعتبر اجتهادا مقبولا شرعا لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة - فى دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التى حددها - بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى بعوراتها، فإن هذا القرار يدخل فى دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتئاتا على حرية العقيدة .

وحيث إن ما ينعاه المدعى من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة أن قوامها الاستقلال الذاتى لكل فرد بالمسائل التى تكون أكثر اتصالاً بمصيره وتأثيراً فى أوضاع الحياة التى اختار أنماطها، لتكتمل لشخصيته ملامحها، مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التى يرتديها، يبلور إرادة الاختيار التى تمثل نطاقاً للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها، إلا أن إرادة الاختيار هذه، ينبغى قصر مجال عملها على ما يكون لصيقاً بالشخصية، مرتبطاً بذاتية الإنسان فى دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية فى أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، كالحق فى اختيار الزوج وتكوين الأسرة، وأن يتخذ الشخص ولداً، ولا يجوز بالتالى بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر فى دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلاً فيها، ضبطا لشئون هؤلاء الذين يقعون فى محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية وطالباتها، وهو ما يعنى أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع "فى دائرة بذاتها" قيودا على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص "فى موقعهم من هذه الدائرة" لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون فى مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحدا، متجانسا ولائقا، دالا عليهم ومُعَرفا بهم، وميسرا صوراً من التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهبا لآخرين يقتحمونها غيلة وعدوانا، ليلتبس الأمر فى شأن من ينتمون إليها حقا وصدقا .

وحيث إن التعليم وإن كان حقا مكفولاً من الدولة، إلا أن التعليم كله - وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور- خاضع لإشرافها، وعليها بالتالى أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالباتها مبررا من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التى توخاها وارتبط بها، وهو ما تحقق فى واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التى حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التى نص عليها، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالباتها من القيود، بل جعل رداءهم محتشماً موحداً وملائماً، فلا يندمجون فى غيرهم، أو يختلطون بمن سواهم ، بل يكون زيهم فى معاهد هذه المراحل، معرفا بهم دالاً عليهم، كافلا صحتهم النفسية والعقلية، وبما لا يخل بقيمهم الدينية، فلا يتفرقون بدداً.

وحيث إن القرار المطعون فيه لا يناقض أحكام الدستور من أوجه أخرى . فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى.

صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره، أما المستشار عبد الرحمن نصير الذى سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة الحكم، فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار محمد عبد القادر عبد الله .


 

 

*****

 

انتهت حيثيات الحكم وفيما يلى مقال مفيد

منع النقاب هل هو ضرورة أمنية ومجتمعية؟


19/10/2009

فتحية العسال : لا نعرف من خلف الستارة السوداء!

خالد منتصر: النقاب ليس فريضة شرعية ومنعه فريضة أمنية.

سعيد عبد الحافظ : النقاب يجسد صراع بين التيار العلماني وبين تيار التشدد والرجعية.

تحقيق: مادلين نادر

نستمع أحيانًا إلى حوار بين إحدى المنقبات وفتاة أخرى داخل وسائل المواصلات أو في العمل، نجد المنقبة تحاول جاهدة إقناع زميلاتها بارتداء النقاب، ولكن مبرراتهن تثير الدهشة فالتشبيه الأساسي الذي تلجأ إليه المنقبات لإقناع الفتيات أو السيدات هو أننا إذا أردنا شراء قطعة حلوى فهل ستشتري المغطاة أم غير المغطاة؟ وهن لا يدرون أن هذه الأمثلة التي يستخدمونها إنما تسيء لكينونتهن كامرأة، فهن يعتبرن أنفسهن مجرد قطعة حلوى "جسد" فقط ليس أكثر..! مع ذلك عندما أستمع لمثل هذه المجادلات فإني أفكر في مصر التي أطلقت أول صيحة لتحرير المرأة من قيود التخلف والعزلة قبل مائة عام كيف يصل بها الحال إلى ذلك المستوى الفكري؟ ...

وبالرغم من صدور قرارات مؤخرًا بمنع ارتداء النقاب في عدة جهات إلا أنه لا تزال هناك تساؤلات عديدة على رأسها: إلى أي مدى يمكن التمسك بمبدأ "الحرية الشخصية" للمرأة في ارتداء النقاب، إذا تعارضت مع مصلحة العمل أو الدراسة وتسببت في اختراقات أمنية ونظامية؟ ...

تحدثنا إلى بعض الحقوقيين والنشطاء في التنمية المجتمعية حول هذه القضية لنتعرف على آرائهم ...

فتحية العسال "رئيسة الاتحاد النسائي التقدمي بحزب التجمع ورئيسة جمعية الكاتبات المصريات" تقول : نحن ننادي دائمًا بأن تكون هناك حرية شخصية لكل إنسان بما في ذلك اختياره الملابس التي يرتديها والمظهر الذي يرتضيه، ولكن بالنسبة لمسألة النقاب فالأمر مختلف، ويكفي أنني أشعر بأن هناك دائمًا حاجز بيني وبين المنقبة لأن التواصل بين الأشخاص يعني أن أرى وجه وشخص من أتحدث إليه، كيف يحدث ذلك مع المنقبات؟! الشيء الآخر أنني أجهل من هي الشخصية التي أتعامل معها، فمثلاً إذا كنت بإحدى وسائل المواصلات وجلست بجواري منقبة فأنا لا أعرف حقيقتها إذا كانت امرأة أم رجل، وأصبح متوجسة منها طوال الوقت. أنا لا أستطيع أن التحدث مع منقبة إلا إذا كشفت وجهها أمامي قبل بداية الحوار ...

وتستطرد العسال قائلة : أعتقد أن ارتداء النقاب يضر بمجتمعنا، فلم يكن في تاريخنا من قبل مثل هذا التشدد المُبالغ فيه. وأود أن أوجه تساؤل لكل من يروج لارتداء هذا الزي: إذا كانت السيدات اللواتي يذهبن للحج يذهبن ووجوههن مكشوفة فلماذا كل هذا الجدل؟ فمن وجهه نظري الشخصية أن النقاب ليس له أي علاقة بالدين ...هناك جانب آخر أنا لا أوافق عليه هو أن المرأة لجأت لهذا الزي حتى تخفي نفسها عن الرجال، فهل أصبح الرجال في مجتمعنا بهذه الأفكار والتصرفات السلبية، فهذا الزي يُعبر عن عدم الثقة في الرجال باعتبارهم يضرون دائمًا بالنساء. إننى أحترم الرجل المصري ولا أتصور أنني أتنقب حتى لا يراني، فأي فكر هذا؟ وأي رجل أيضًا الذي نتحدث عنه؟! فمن المفترض أن أخرج للمجتمع مكشوفة الوجه ولكن بتصرفات مسئولة وسليمة ...

وتعجبت فتحية العسال من حديث بعض السيدات اللواتي يتحدثن عن قناعتهن الشخصية في ارتداء النقاب وأنهن مقتنعات من داخلهن وليس مفروضًا عليهن قالت: أنا أتعجب من هذا الكلام، حيث أنني أجد أحيانًا بعض البنات الصغيرات اللواتي لم تتعدى أعمارهن العشر سنوات وهم يرتدون نقابًا، فمن المفترض إذا كان بالفعل هذا الزي يعبر عن اختيار وحرية شخصية ألا نجبر بناتنا عليه وننتظر حتى يقررن بأنفسهن في المستقبل إذا كنَّ يردن ارتداء مثل هذا الزي أم لا ...

أنا أرفض النقاب .. ومن تريد ارتدائه هي حرة في ذلك، ولكني لا أثق في ما يحدث خلف الستارة السوداء، وأكبر دليل على ذلك العديد من الجرائم التي ارتكبت في الفترة الأخيرة تحت ستار النقاب ...

وأضافت : بلدنا في الفترة الحالية تتعرض لأزمات شديدة فهناك مشكلات تتعلق بالتعليم والنظافة، بالإضافة إلى زيادة معدلات الفساد وغيرها من المشكلات التي نواجهها، فهناك صراعات واقتصاد متدهور هذه الأمور بالأولى أن نناقشها ونحاول أن نجد الحلول بدلاً من أن نجعل النقاب قضية من لا شيء. كذلك لدينا قضايا مجتمعية ومشكلات لم تحسم بشكل واضح بالرغم من المجهودات التي تُبذل لأجلها مثل قضية ختان الإناث، فمن المفترض أن نهتم بالتوعية لتغيير فكر المجتمع تجاه مثل هذه القضايا بدلاً من التعتيم عليها ...

من جانبها أكدت هالة عبد القادر "رئيسة جمعية تنمية المرأة والمجتمع والناشطة الحقوقية" أن هذه القضية شائكة وملتبسة بعض الشيء، حيث يرتبط جزء منها بالحريات الشخصية للمرأة فيما يتعلق بالزي الذي ترتديه، وقالت: أنا مع من لا تريد أن تتحجب ولا أنكر عليها حقها، وأنا أيضًا أفعل نفس الشيء مع المنقبة، فالأصل في الأشياء الإباحة طالما لا يضر ذلك بالآخرين . وبالنسبة لمن يقولوا أن النقاب يضر بالأمن القومي فليست كل الجرائم التي ارتكبت مؤخرًا قام بها من يريدون سواء كانوا من النساء أو من الرجال . ولكني في نفس الوقت لا أنكر حق المؤسسات والأماكن المختلفة أن تتحرى من شخصية المنقبة قبل دخولها لأي مكان، وإذا امتنعت تمنع من الدخول فهذه احتياطات أمنية مطلوبة. فيجب أن يكون هناك دائمًا إجراءات احترازية للحد من التستر خلف هذا الزي في أي مكان وبهذا فنحن لا نحد من حرية أي شخص. أما إذا كان مثل هذا الزي يمنع أو يعيق المرأة من أداء عملها على أكمل وجه ويتعارض مع طبيعة مهنتها، فمن حق جهة العمل أن تمنع دخولهن بالنقاب وأن تكون هناك توضع شروط واضحة ومحددة تمنع المنقبات من العمل في هذا المجال ...

أكدت المستشارة تهاني الجبالي "قاضية بالمحكمة الدستورية العليا" أن الجدل الواسع حول النقاب يدل على استهداف صريح للوسطية المصرية من خلال الإرهاب المعنوى الذي تقوم به بعض التجمعات السلفية المتشددة بالرغم من آراء رجال الدين وعلماء الأزهر الذين تناولوا الموقف الشرعي من قضية النقاب وقالوا أنه عادة وليس عبادة. كما أن القضاء قد حسم هذا الأمر منذ سنوات في حكمها الشهير الصادر بجلسة 18 مايو لسنه 1996 في الدعوى المحالة من محكمة القضاء الإداري رقم 21 لسنة 49 قضائية والمقيدة دستوريًا برقم 8 لسنة 17، وأكدت في حيثيات حكمها وضع قيود على ارتداء النقاب بعد أن نزعت عنه صفة الشرعي خاصة إذا ما تعارض مع مصلحة اجتماعية، وهو ما كان يجب أن يكون وفقًا للحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية مانعًا من العودة لمناقشته أو إعادة طرحه. لكن شيء غير مفهوم في علاقة مؤسساتنا الوطنية ببعضها البعض عطل بشكل ضمني نفاذ هذا الحكم بحيثياته في مواجهه سلطات الدولة وأفرادها التي تملك تحريك دعوى التنازع أمام المحكمة الدستورية لإزالة أي عائق أمام نفاذ حكمها السابق ذكره، وهو اختصاصها الأصيل طبقًا للدستور وتملك وفقًا لسلطاتها إبطال وإزالة هذا العائق سواء كان تشريعيًا أو حكمًا قضائيًا أو قرارًا تنفيذيًا يتعارض مع ما حكمت به احترامًا للمسئولية الدستورية لمؤسسات الدولة ...

أما سعيد عبد الحافظ "مدير مؤسسة ملتقى الحوار لحقوق الإنسان" فيقول : أعتقد أن قضية النقاب بسيطة جدًا ولا تحتاج لمثل هذا الجدل الفقهي من جهة، والحقوقي والقانوني من جهة أخرى، حيث إن النقاب في جوهره يرتبط بحرية الشخص وقناعته الشخصية في ارتداء ما يشاء، ولما كان الفرد جزء لا يتجزأ من المجتمع فإن حق المجتمع على الأفراد يخضع لمنظومته التشريعية والقانونية واللائحية حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى، فالنقاب في الشارع المصري بطبيعة الحال لا يثير جدل ولكن إذا كانت هذه السيدة تريد الالتحاق بمؤسسة ما للعمل أو العلم فعليها أن تخضع لقانون هذه المؤسسة أيًا كانت. فمن حق الجامعة كمؤسسة أن تنظم قواعد الدخول والخروج إليها، بل إن من حق المحاضر نفسه أو أستاذ الجامعة أن يكون له قانونه الخاص داخل المحاضرة ...

إن الجدل المُثار حاليًا - يؤكد عبد الحافظ- هو في جوهره صراع بين تيار مدني وعلماني، وتيار ديني متشدد يرى في النقاب أحد أهم مظاهر خطابه الديني والتنظيمي لأن هذا التيار المتشدد يتعامل مع المنقبات على أنهن أعضاء في تنظيمه السياسي، وهو بالأساس يدافع عن وجوده السياسي في الشارع المصري. ولا يجب الدخول في هذا الجدل السياسي والفقهي وتبسيط الأمور للعامة بأن الحرية الشخصية مقدمة على كافة حقوق الإنسان ولكنها لا تنفصل أبدًا عن حق المجتمع ومؤسساته والخضوع لقانون المجتمع ...

د. خالد منتصر تحدث إلينا عن رفضه للنقاب وأسباب ذلك فقال : أدعو كل شخص مهموم بهذا الوطن أن يقرأ حيثيات ومنطوق هذا الحكم الذي صدر في ١٨ مايو ١٩٩٦ من المحكمة الدستورية العليا، الذي رفض دعوى ولي أمر طالبة منقبة ضد وزير التربية والتعليم آنذاك "د. حسين كامل بهاء الدين" والتي كانت قد مُنعت من دخول المدرسة، وحيثيات الرفض بها عبارات وجمل لا بد من قراءتها باهتمام لأنها تحسم اللغط والجدل الدائر حول تفسيرات البعض للمادة الثانية من الدستور، الخاصة بمبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر تشريع، وإقحام الأعراف الاجتماعية والأزياء والطعام وكل ما هو خلافي يخضع للتطور. أنا لا أتصور أن تتغير الحياة بكل مظاهرها، ونطلب من المرأة أن تكون شبحًا مكسوًا بالسواد أو بغيره. فالوجه هو الأساس في التواصل مع الآخرين، وكشف الوجه أعون على اتصالها بالناس وأكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها وأدعى لرفع الحرج عنها ...

وقدم د. منتصر نماذج لحالات يتم فيها ارتكاب جرائم عن طريق النقاب منها حادث طبيبة سوهاج التي قُتلت في عيادتها على يد رجل يرتدي النقاب ولاذ بالفرار، ومن قبلها كان النقاب بطل تفجيرات عبد المنعم رياض والسيدة عائشة، وأيضًا بطل مسلسل خيانة زوجة الصيدلي في محافظة الغربية مع عشيقها، الذي كان يدخل إلى غرفة نومها بالنقاب تحت سمع وبصر الزوج المخدوع، الذي أقنعته الزوجة بأن العشيق مجرد سيدة فاضلة تلقي عليها دروسًا دينية ولا تنكشف على رجال غرباء! وغيرها من الحكايات والقصص التي تقودنا إلى طريق واحد عنوانه: "النقاب ليس فريضة شرعية ومنعه فريضة أمنية"، وقد كتبت مقالاً نُشر بجريدة المصري اليوم بهذا العنوان خلصت فيه إلى أن من تريد النقاب فلتجلس في بيتها لا تخالط المجتمع، لأن الاختلاط بالمجتمع أولى بديهياته معرفة وكشف الهوية لسهولة الرقابة الاجتماعية ...

يرد د. منتصر على من يقول أين هي حقوق الإنسان من القرارات الصادرة مؤخرًا؟ ويقول : لو جاز القول بأن مظهر الشخص وملابسه التي يرتديها تبلور إرادة الاختيار التى تمثل نطاقًا للحرية الفردية إلا أن إرادة الاختيار هذه ينبغي قصر عملها على ما يكون لصيقًا بالشخصية، مرتبطًا بذاتية الإنسان في دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية في أدق توجهاتها، كالحق في اختيار الزوج وتكوين الأسرة، ولا يجوز بالتالي بسطها إلى تنظيم تضر بالصالح العام ...

Wapher | del.icio.us