التعريف بالمصحف - عن مصحف دار الغد العربى
nermeen 10-10-2009 GTM 2 @ 11:32منقول من "القرآن الكريم بالرسم العثمانى" - طبعة دار الغد العربى . حيث تحتوى تلك الطبعة بعد القرآن على دعاء ختم القرآن الذى ذكرناه آنفا فى هذه المدونة ، وأيضا على "التعريف بالمصحف" وهو ما سنعرضه اليوم هنا .
تعريف بهذا المصحف الشريف
كُتب هذا المصحف وضُبط على ما يوافق رواية حفص ابن سليمان الأسَديّ الكُوفيّ لقراءة عاصم بن أبي النَّجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأُبَي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأُخِذَ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها سيدنا عثمان بن عفَّان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة، والمصحف الذي جعله لأهل المدينة، والمصحف الذي اختص به نفسه، وعن المصاحف المنتسخة منها. مع مراعاة رواية حفص على حسب ما رواه الشيخان أبو عمرو الداني وأبو داود سليمان بن نجاح مع ترجيح الثاني عند الاختلاف والعمدة فى بيان كل ذلك على ما حققه الأستاذ الشريشى فى منظومته "مورد الظمآن" .وأُخِذَت طريقةُ ضبطه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد في كتاب "الطراز على ضبط الخراز" للإمام التَّنَسِيّ مع إبدال علامات الأندلسيّين والمغاربة بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة .واتُّبِعَتْ في عد آياته طريقة الكوفيين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمِيِّ عن علي بن أبي طالب على حسب ما ورد في كتاب "ناظمة الزُّهر" للإمام الشاطبيّ، وكتاب أبى القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافى و كتاب تحقيق البيان للأستاذ الشيخ محمد المتولى شيخ القراء بالديار المصرية سابقاً ، وآي القرءان على طريقتهم 6236 آية.
وأُخِذَ بيانُ أوائل أجزائه الثلاثين وأحزابه الستين وأرباعها من كتاب "غيث النفع" للعلامة السَّفَاقُسِيِّ و"ناظمة الزهر" للإمام الشاطبيِّ وشرحها. و "تحقيق البيان" للشيخ محمد المتولي، و"إرشاد القراء والكاتبين"، لأبي عيد رضوان المخلِّلاتي.
وأُخِذَ بيان مكّيّه ومدنيّه من الكتب المذكورة و "كتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي" و"كتب القراءات والتفسير" على خلاف في بعضها.
وأُخِذَ بيان وقوفه وعلاماتها مما قرره الأستاذ محمد بن على الحسينى شيخ المقارئ المصرية سابقاً على حسب ما اقتضته المعانى التى ترشد إليها أقوال أئمة التفسير .وأُخِذَ بيان السجدات ومواضعها من كتب الفقه فى المذاهب الأربعة.وأُخِذَ بيانُ السكتات الواجبة عند حفص من "الشاطبية وشرحها" والتلقي من أفواه المشايخ.
اصطلاحات الضبط
- وضع الصِّفر المستدير فوق حرفِ عِلَّة يدل على زيادة ذلك الحرف فلا يُنْطقُ به في الوصل ولا في الوقف، نحو: قالوا . يتلوا صحفاً . لأاذبحنه . وثموداً فما أبقى . إنا أعتدنا للكافرين سلسلاً. أولئك.
- ووضع الصِّفر المستطيل القائم فوق ألِف بعدها متحرّك يدلُّ على زيادتها وصلا لا وقفا، نحو: أنا خير منه . لكنا هو الله ربى. وتظنون بالله الظنونا. هنالك كانت قواريرا قواريرا من فضة . وأهملت الألف التي بعدها ساكن، نحو: أنا النذير. من وضع الصفر المستطيل فوقها وإن كان حكمها مثل التي بعدها متحرك في أنها تسقط وصلا وتثبت وقفا لعدم توهم ثبوتها وصلا.
- ووضع رأس خاء صغيرة (بدون نقطة) فوق أي حرف يدُلُّ على سكون ذلك الحرف وعلى أنه مُظْهَر بحيث يقْرَعه اللسانُ، نحو: من خير. وينأون عنه . بعبده . قد سمع. فقد ضل.
- وتعرية الحرف من علامة السكون مع تشديد الحرفِ التالي يدُلُّ على إدغام الأوَّل في الثاني إدغامًا كاملا، نحو: أجيبت دعوتكما . يلهث ذلك . وقالت طائفة .
- وتعريته مع عدم تشديد التالي يدُلُّ على إخفاء الأول عند الثاني فلا هو مظهر حتى يقرعه اللسان ولا هو مُدْغَم حتى يقلب من جنس تاليه نحو . من تحتها . من ثمرة . إن ربهم بهم. أو إدغامه فيه إدغاماً ناقصاً نحو : من يقول . من وال فرطتم . بسطت.
- ووضع ميم صغيرة بدل الحركة الثانية من المنوّن أو فوقَ النون الساكنة بدَلَ السكون مع عدم تشديد الباء التالية يدُلُّ على قلب التنوين أو النون ميمًا، نحو: عليم بذات الصدور . جزاء بما كانوا . كرام بررة . من بعد . منبثاً.
- وتركيب الحركتين: (ضمتين أو فتحتين أو كسرتين) هكذا ً ٍ ٌ : يدُلُّ على إظهار التنوين، نحو: سميعٌ عليم . ولا شراباً إلا. ولكل قوم هادٍ .
- وتتابُعُهما هكذا ً ٍ ٌ مع تشديد التالي يدُلُّ على الإدغام الكامل نحو: خشبٌ مسندة ٌ . غفوراً رحيماً . وجوهٌ يومئذٍ ناعمة ٌ.
- وتتابعهما مع عدم التشديد يدُلُّ على الإخفاء نحو: شهاب ثاقب. سراعاً ذلك. بأيدى سفرة كرام. أو الإدغام الناقص، نحو: وجوه يومئذ . رحيم ودود . فتركيب الحركتين بمنـزلة وضع السكون على الحرف. وتتابعهما بمنـزلة تَعْريته عنه.
- والحروفُ الصغيرة تدل على أعيان الحروف المتروكة في المصاحف العُثْمانية مع وجوب النطق بها، نحو: ذلك الكتاب . أنت وليى فى الدنيا . إن وليى الله . إلى الحواريين . إيلافهم رحلة الشتاء . وكذلك ننجى المؤمنين.
وكان علماء الضبط يلحقون هذه الأحرف حمراء بقدر حروف الكتابة الأصلية ولكن تعَسَّر ذلك في المطابع فاكتفي بتصغيرها في الدلالة على المقصود.
- وإذا كان الحرف المتروك له بدلٌ في الكتابة الأصلية عُوِّل في النطق على الحرف الملْحَق لا على البدل، نحو: الصلوة . كمشكوة . الربوا. والله يقبض ويبصط . فى الخلق بصطة . فإن وضعت السين تحت الصاد دلَّ على أن النطق بالصاد أشهر نحو: المصيطرون .
- ووضع هذه العلامة (~) فوق الحرف يدل على لزوم مدّه مدّا زائدا على المدّ الأصلي الطبيعي، نحو: الم . الطامة . قروء . سئ بهم . شفعاؤا . تأويله . إلا الله . لا يستحى أن يضرب. بما أنزل. على تفصيل يعلم من فنّ التجويد.
- والدائرة المحلاة التي في جوفها رقم تدل بهيئتها على انتهاء الآية وبرقمها على عدد تلك الآية في السورة، نحو: إنا أعطيناك الكوثر () فصل لربك وانحر () إن شانئك هو الأبتر () . ولا يجوز وضعها قبل الآية البتة فلذلك لا توجد في أوائل السُّوَر، وتُوجد دائما في أواخرها.
وتدل هذه العلامة (دائرة مفرغة كالسكون) على ابتداء ربع الحزب . وإذا كان أول الربع أول سورة فلا توضع.
- ووضعُ خطٍّ أُفقيٍّ فوق كلمة يدل على مُوجب السَّجدة. ووضع هذه العلامة (دائرة سوداء مصمتة) بعد كلمة يدل على موضع السجدة نحو: ولله يسجد ما فى السماوات وما فى الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون () يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون () .
- ووضع النقطـة الخالية الوسط الـمُعَيَّنة الشكل تحت الراء في قوله تعالى: بسم الله مجريها . يدل على إمالة الفتحة إلى الكسرة، وإمالة الألف إلى الياء. وكان النُّقَّاط يضعونها دائرة حمراء فلما تعسر ذلك في المطابع عُدِل إلى الشكل الـمُعَيَّن.
- ووضعُ النقطة المذكورة فوق آخر الميم قُبَيْل النون المشدّدة من قوله تعالى: مالك لا تأمنا على يوسف . يَدُل على الإشمام (وهو ضم الشفتين) كمن يريد النطق بضمة إشارة إلى أن الحركة المحذوفة ضمة (من غير أن يظهر لذلك أثر في النطق).
- ووضـع نقطة مدوّرة مسدودة الوسط فوق الهمزة الثانية من قوله تعالى: ءاعجمى وعربى . يدل على تسهيلها بينَ بينَ أي بين الهمزة والألف.
علامات الوقف
(يستعاض فى الرسم الإملائى العادى عنها بعلامات الترقيم)
مـ : علامة الوقف اللازم، نحو: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله .
لا : علامة الوقف الممنوع، نحو: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة .
ج : علامة الوقف الجائز جوازا مستوى الطَّرفين، نحو: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم.
صلى : علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أوْلَى، نحو: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير.
قلى : علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أوْلَى، نحو: قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم .
(ثلاث نقاط فوق بعضها البعض كنقط الشين أو الثاء تتكرر مرتين): علامة تعانق الوقف بحيث إذا وُقِف على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر، نحو: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين .
****
وجوب إتباع رسم مصحف الإمام عثمان بن عفان
اعلم أن رسم القرآن الكريم سنة متبعة باتفاق الأئمة الأربعة ..وإن خفى ذلك على بعض الناس فى البلاد المشرقية لعدم اعتنائهم غالبا بتدريس علوم رسم القرآن حتى وقع التساهل فى طبع المصاحف هناك على الرسم الإملائى..وهى مخالفة فى كثير لرسم المصحف العثمانى الذى يجب إتباعه إجماعا لكونه أمرا توقيفيا ؛ إذ أنه كتب كله فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم لكنه غير مجموع فى مصحف واحد مرتب.إذ كان القرآن ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم حسب الوقائع والحوادث التى تقع فى عهد التشريع فتنزل الآيات مبينة حكم الله تعالى فيها،وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب يسجلون ما يبلغهم به النبى صلى الله عليه وسلم أولا بأول ويرشدهم على موضع المكتوب من سورته فيقول: ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة، وضعوا هذه الآية فى الموضع الذى يذكر فيه كذا وكذا، وكانوا يكتبونه فى العسف وهو جريد النخل واللخاف وهى الحجارة الرقاق ، والرقاع من جلد أو ورق وقطع الجلد وعظام الأكتاف.
وكان ذلك موزعا فى بيوت الصحابة لم يجمع فى مكان واحد وممن اشتهر بكتابة القرآن فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ..أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبى بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم من عظماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
لم لم يجمع القرآن فى مصحف واحد؟
(فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم )
قال السيوطى فى ذلك :إنما لم يجمع القرآن فى مصحف واحد فى عهده صلى الله عليه وسلم لما كان يتوقعه من نزول قرآن ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته صلى الله عليه وسلم ألهم الله الخلفاء الراشدين جمعه وترتيبه على الذى ترونه فى المصحف الشريف ..وذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فى قوله تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.
والإستدلال بسنية كتابته وكونها توقيفية ثابت من مجرد كتبه كله فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو كان إذ ذاك غير مجموع ومرتب فى مجلد واحد مسمى بالمصحف كما هو عليه الحال الآن .
وقد سئل مالك رضى الله عنه عمن استكتب مصحفا هل يكتبه على ما أحدثه الناس من الرسم الإملائى فقال: لا أرى ذلك بل على الكتبة الأولى يعنى الحالة التى كتب عليها القرآن بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والخلاصة : أن القرآن كله كان مكتوبا فى العهد النبوى ولم يكن مجموعا فى مصحف واحد ولا مرتب السور بل كان موزعا فى العسب والرقاع وغيرها .هذا ومن وجهة أخرى كان محفوظا فى صدور الصحابة ولكنهم كانوا متفاوتين فى مقدار المحفوظ منه. فمنهم من كان يحفظه كله ومنهم من كان يحفظ أكثره ومنهم من كان يحفظ بعضه .
وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل مرتين عام وفاته. ثم قام بأمر الناس بعده أبو بكر الصديق رضى الله عنه فحدث فى عهده ما حمله على جمع القرآن فى مصحف واحد .
وقد قام بهذا الجمع زيد بن ثابت :جمعه ورتبه ووضعه عند أبى بكر . وقد راعى فى كتابة الصحف أن تكون مشتملة على ما ثبتت قرآنيته متواترا واستقر فى العرضة الأخيرة ، ولم تنسخ تلاوته وأن تكون مرتبة الآيات والسور جميعا . وتم جمعه على هذا النحو ووضع فى بيت أبى بكر ثم وضع عند عمر بن الخطاب إلى أن توفى أيضا ثم وضع عند حفصة بنت عمر بن الخطاب .
وظل الأمر هكذا : إلى أن تولى عثمان بن عفان الخلافة . وفى السنة الثانية أو الثالثة من الخلافة .. كانت غزوة أرمينية وأذربيجان . واجتمع أهل الشام والعراق .وكان من بينهم القراء للقرآن فكان هذا يقرأ وذاك يسمع . ووقع الخلاف بين القراء فى وجوه القراءة وكان كل منهم يتهم الآخر بالخطأ والتحريف فى كتاب الله وأنه على الصواب دون غيره فأدرك عثمان مغبة هذا الخلاف بين المسلمين . فرأى بحصافة عقله وثاقب فكره وأد هذه الفتنة والقضاء عليها . بوضع حد لهذا الاختلاف بجمع القرآن ونسخه فى مصاحف توزع على أمصار الإسلام تكون مرجعا للناس عند الاختلاف وإحراق ما عداها وبذلك تجتمع الأمة ويزول الخلاف .
منهج عثمان فى كتابة المصاحف
اختار عثمان بن عفان للقيام بهذه المهمة أربعة من كبار الصحابة وهم : زيد بن ثابت .. وعبد الله بن الزبير .. وسعيد بن العاص .. وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام . وكانوا لا يكتبون شيئا إلا بعد أن يعرض على الصحابة جميعا ويتحققوا أنه قرآن واستقر فى العرضة الخيرة وقد كتبوا مصاحف متعددة :اختلف العلماء فى عددها واصح الأقوال أنها ستة : البصرى والكوفى والشامى والمكى والمدنى العام والمدنى الخاص وهو الذى اختص به نفسه عثمان بن بن عفان وهو الذى يسمى بالمصحف الإمام .
ولما كانت روايات القرآن وقراءاته متعددة وسبب هذا التعدد تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن حسب نزوله عليه مطابقا للهجات العرب المتعددة ونزوله عليه هكذا تيسيرا وتسهيلا وتحقيقا لقوله تعالى {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وقوله صلى الله عليه وسلم : "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه" . ولما كان الحال هكذا :اشتملت المصاحف التى كتبها عثمان على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة ومتضمنة لما ثبت من القراءات المتواترة فى العرضة الأخيرة إذ أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل فكانت محتملة للأحرف السبعة ليس معنى هذا أن كل مصحف منها مشتمل على جميع الأحرف المذكورة بل مجموعها مشتملة على الأحرف السبعة .
النقط والشكل
لقد وقعت المصاحف التى بعث بها عثمان إلى الأمصار موقع القبول والرضى من قلوب المسلمين. ونسخوا على ضوئها مصاحف متعددة وجميعها كانت خالية من النقط والشكل واستمرت هكذا حقبة من الزمان .حتى انتشرت الفتوحات الإسلامية واختلط اللسان العربى باللسان الأعجمى . وكانت الأعاجم يعسر عليهم النطق بكلمات القرآن حيث إنها كانت بلا نقط ولا شكل : الأمر الذى جعل الأمراء والولاة يفكرون فى وسائل تكفل صيانة القرآن من اللحن والتحريف .
وقد كان المخترع الأول لنقط الإعراب( أبا الأسود الدؤلى ) .وذلك بتكليف من زياد بن أبيه بذلك وقد تردد أبو الأسود فى ذلك لأمر ما ولكنه رجع عن هذا التردد بعد ما سمع رجلا يقرأ قوله تعالى { أن الله برئ من المشركين ورسوله } بسورة التوبة بجر اللام من رسوله .وهى فى الأصل مضمومة ..فقال : معاذ الله أن يتبرأ الله من رسوله . فبدأ بإعراب القرآن بوضع نقط يخالف مداد المصحف إذ جعل للفتحة نقطة فوق الحرف وللضمة نقطة إلى جانب الحرف وللكسرة نقطة أسفل الحرف . وجعل للمنون فى كل ذلك نقطتين متجاورتين ثم أدخل على هذا النوع من النقط الإعرابى تحسينات وتفننوا فيه . وأدخلوا عليه من التعديل ما جعله على هذه الصورة التى نراها الآن .
وأما نقط الإعجام الذى يميز الحروف المتماثلة رسما من بعضها مثل : ب،ت،ث،ج،ح،خ وهكذا : فإن أرجح الآراء فى أن الواضع له : نصر بن عاصم و يحيى بن يعمر . وذلك صيانة للقرآن من الخطأ الذى تفشى على ألسنة الكثيرين الداخلين فى الإسلام . فخيف على القرآن أن تمتد إليه أخطاء المخطئين فى النطق العربى . الأمر الذى حمل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أن يعمل جاهدا على إزالة هذا العبث . فأمر الحجاج بن يوسف وكان واليا على العراق أن يزيل أسباب هذا التحريف عن القرآن . فكلف الحجاج اثنين من علماء المسلمين الذين لهم قدم راسخة فى فنون العربية وأسرارها بوضع علامات تميز الحروف من بعضها فوضعا النقط المسمى بنقط الإعجام .وفى ذلك ضمان لسلامة القرآن من التحريف والتغير . وكان لون هذا النقط يماثل لون المصحف ليتميز عن نقط أبى الأسود الدؤلى المغاير لرسم المصحف وعليه فإن النقط الأول المسمى بنقط الإعراب كان المخترع له أبا الأسود الدؤلى . والنقط الثانى المسمى بنقط الإعجام كان الواضع له نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وفى العصر العباسى : ظهر الخليل بن أحمد البصرى فأخذ نقط أبى الأسود الدؤلى وجعل يطور فيه إذ جعل الضمة واو صغيرة تكتب فوق الحرف والفتحة ألفا صغيرة مبطوحة فوق الحرف والكسرة ياء صغيرة تكتب تحت الحرف ثم وضع للشدة علامة رأس الشين وللسكون علامة رأس الخاء وعلامة للمد وعلامة للروم والإشمام .وقد زاد على هذه العلامات من التحسين ما جعلها على حالتها التى نراها الآن عليها.
ولقد كان لهذا العمل الجليل أحسن الأثر وأجله فى حفظ كتاب الله تعالى وحقا إذ يقول {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.
تقسيم المصحف وتجزئته
على ضوء ما سبق عرفنا أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل ثم تم نقطها وشكلها على نحو ما بينا وأيضا : فإنها كانت غير مقسمة إلى أجزاء أو أحزاب أو أرباع . إذ كان كتاب المصاحف فى الصدر الأول يضعون ثلاث نقط عند آخر كل فاصلة من فواصل الآيات إيذانا بانقضاء الآية كما كانوا يضعون لفظ خمس عند انقضاء خمس آيات ولفظ عشر عند انتهاء عشر آيات . وهكذا يعيدون لفظ خمس وعشر مع تكرار هذا العدد من الآيات فى كل سورة حتى نهاية السورة يؤخذ هذا من قول قتادة : بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا . كما كان بعضهم يضع اسم السورة ويذكر كونها مكية أو مدنية إلى أن قامت طائفة من العلماء فقسمت القرآن ثلاثين قسما وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء ثم قسموا الجزء إلى حزبين وقسموا الحزب إلى أربعة أقسام كل قسم منها يسمى ربعا .
ولا شك أن هذا العمل فيه من التشويق والترغيب للقارئ فى الاستزادة كلما علم أنه ختم ربعا دفعه إلى قراءة الربع الثانى وهكذا حتى يتم جزءا إلى آخره .
ومصحفنا هذا الذى توخينا فى تصميمه كل دقة وإحكام فى طريقة طبعه وعرضه . كتب على ما يوافق رواية أبى عمر حفص بن سليمان الكوفى بن المغيرة الأسدى الكوفى الغاضرى البزاز .. ولد سنة تسعين من الهجرة . وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءة عاصم . قال ابن معين الرواية الصحيحة التى رويت من قراءة عاصم هى رواية حفص وقد أشار إلى هذا المعنى الشاطبى إذ يقول : وحفص وبالإتقان كان مفضلا . مات سنة مائة وثمانين من الهجرة .عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ، ولا يزيغ فيُستعتب ، ولا يعوج فيقوم ، ولا تنقضى عجائبه ، ولا يخلق من كثرة الرد ، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته ، كل حرف عشر حسنات. أما إنى لا أقول "الم" حرف ولكن ألف حرف وميم حرف ولام حرف.
والله نسأل أن يتقبل منا هذا العمل خالصا لوجهه الكريم فإنه أكرم مسئول وخير مأمول.
****
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى هدانا لهذا .. وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ..
إلهى .. يا واهب الهدى .. أحمدك ربى أن هديتنى إلى إعلاء كلمتك بجهد العارف بقدرتك وأشكرك ربى إذ وفقتنى إلى طبع هذا المصحف الشريف الذى شاءت إرادتك ربى أن يكون منفرداً بخطه الحديث وتشكيله السهل الواضح ، وقد ألحقت بآخره نبذة لتاريخه من يوم أن نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وكان له كتاب قاموا بجمعه وكتابته .. وما كانت عليه الكتابة وقتها ، وكيف بدئ تشكيله لتسهل قراءته والنطق به سليماً والمراحل التى مر بها إلى عهدنا هذا كما ألحقت بآخره فهرسا شاملا للسور وأوائل الأجزاء والأحزاب والسجدات .
وقد قام بكتابته ورسمه بعون الله تعالى الفقير إلى ربه المهندس / عبد المتعال محمد إبراهيم .. والله أسأل أن ينفعنا والمسلمين بكتابه الكريم .. ويجعله نورا يسعى بين أيدينا يوم الحساب .
حمدان خلف جعفر
مؤسس دار الغد العربى
1409 هـ 1988 م

Wapher
del.icio.us











