حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


عبد الناصر فى روايات نجيب محفوظ

nermeen 05-10-2009 GTM 2 @ 13:32

عبثا يحاول يوسف القعيد الذود والذب عن نجيب محفوظ فى تهجمه المغرض والمنافق ضد عبد الناصر ، وقد كان محفوظ وتوفيق الحكيم من أوائل معاول الهدم الساداتية والمباركية ضد الفترة الناصرية ، فترة زعيم الثورة الذى اتهموه بكل التهم وجردوه من كل الإنجازات ونسبوا الثورة والإنجازات لمحمد نجيب ولفاروق المقبور تارة أخرى ، وللسادات المقبور وخلفه أيضا . عبثا يحاول يوسف القعيد تجميل الوجه القبيح لنجيب محفوظ الذى لم تحتفي وزارة الثقافة والنظام حتى اليوم بسواه بل وتبالغ فى الاحتفاء به دون غيره كما لو كان الأديب الأوحد ، كأن لسان حالهم يقول : نجيب وبس والباقي خس . تماما كالقنوات المصرية والسعودية واللبنانية التى لا تذيع الصلوات فى رمضان وغير رمضان ، المفروضة والتراويح والعيد إلخ ، إلا من المسجد الحرام بمكة أو المسجد النبوي بالمدينة المنورة ، كأن لا مساجد ولا مسلمين إلا هناك ، وكأن الأقصى لا يستحق نفس القداسة والمكانة ، وإن لكل مسجد حرم وحرمة وقداسة ولكن الوهابيين وأتباع السعودية فى هذه القنوات لا يفقهون ولا يعقلون . وكأن إذاعة الصلوات من الأزهر والأقمر والأقصى وعمرو بن العاص والسيدة زينب والحسين والسيدة نفيسة والسيدة سكينة والسيدة عائشة النبوية والسيدة فاطمة النبوية ومساجد شارع المعز لدين الله الفاطمي ، غير جائزة وحرام. ومساجد فلسطين الأثرية العريقة السليبة في عكا وطبريا وبيسان إلخ .. ومساجد سوريا والعراق ومساجد تركيا. فكذلك كأن عبد الرحمن الشرقاوى والعقاد وطه حسين وجرجى زيدان وعبد الحليم عبد الله وفتحي غانم والسباعي ويوسف إدريس إلخ لا يبلغون مقام السيد نجيب محفوظ . نجيب محفوظ وأنيس منصور وغيرهما من أبواق ومنافقي وسدنة النظام الساداتي المباركى السعودى الوهابى المتأمرك المتصهين الرأسمالي ، فى كافة المجالات ، تمكنوا من تشويه سيرة عبد الناصر وتضليل شباب كثيرين من الجيل الجديد وحتى القديم ، لولا هجوم محفوظ على عبد الناصر ، ولولا إلحاد محفوظ ، ولولا نزعته الفرعونية المعادية للعروبة وللوحدة العربية ، ولولا احتفاء محفوظ بتجار المخدرات ومتعاطيها وبالمومسات والبلطجية الذين يسميهم فتوات ، ولولا احتفاء محفوظ باليهود ما كان لينال جائزة نوبل ولا كان ليراها بعينه ولا يشم رائحتها.

من جريدة العربى


عبد الناصر في روايات نجيب محفوظ


بقلم : يوسف القعيد

كيف خرج عبد الناصر من بين أبطال نجيب محفوظ؟ وماذا قالوا عنه؟ سواء في حياته بدون ذكر اسمه أو بعد استشهاده باسمه ورسمه؟ وقع في يدي كتاب الباحث والأديب مصطفي بيومي: جمال عبد الناصر في عيون الأدب العربي، وبالذات الفصل الأول منه عن جمال عبد الناصر في العالم المحفوظي. بعد إعادة القراءة. سألت نفسي: هل أقدم كتابة على كتابة؟! قولا على قول؟! هل أعرض ما جاء في الفصل؟! أم أتركه كما كتبه صاحبه، ويبقي لي دوري: هذا التقديم وانتقاء العناوين الفرعية وصياغة المانشتتات.


واخترت الحل الثاني. علي أنه لابد من التنبيه إلي محاذير قبل قراءة الفصل:


1- أن نجيب محفوظ روائي وليس كاتبا سياسيا، يعبر عن نفسه بالكتابة الروائية.


2- أن الروائي غير مسئول عن الآراء التي تقولها شخصيات نصه الروائي. لأن هذه الآراء قد تكون متناقضة مع رأيه هو شخصياً. (وقد تكون متوافقة مع رأيه يا قعيد وإلا فلماذا يكتبها إلا لتؤثر في وعي الناس ويتخذون منها قدوة وأسوة ؟!)


3- أن نجيب محفوظ الإنسان عندما وصل إلي يوليو كان آتيا من تجربة وفدية. أو لنقل ليبرالية، شكلت وجدانه السياسي والفكري. وجعلت أية إضافة أخري لا يمكن أن تزيح الأساس الأول.


4- صاحب هذه الرسالة يختمها بقوله: إن رؤية محفوظة الوفدية جعلته مشتتا بين الإعجاب بجمال عبد الناصر ورفضه.


5- ليس الهدف محاكمة نجيب محفوظ، ولكن فقط الإيضاح والتذكير، ووضع النقاط على الحروف.


6- يبقي جزء افتراضي، ماذا لو استمر نجيب محفوظ في كتابة الرواية حتي الآن، وبعد كل التطورات التي شهدها الوطن العربي مؤخراً؟ هل كان سيعيد النظر فيما قاله أبطاله عن جمال عبد الناصر؟


والآن: إلي الدراسة نفسها.


لا تتسع الروايات التي أصدرها نجيب محفوظ في فترة حكم جمال عبد الناصر للحديث الإيجابي أو السلبي عنه بشكل مباشر، ولكن الأمر لا يعدم بعض الإشارات غير المباشرة التي تتأثر في ثنايا هذه الأعمال الروائية.


من ذلك ما تجده في "ثرثرة فوق النيل" التي صدرت طبعتها الأولى سنة 1966. إن المخدر الذي يهيم به أنيس زكي لا يحول دون انطلاقه في تداعيات غير خافية الارتباط بالواقع الذي يهرب منه. ولأن المباشرة مستحيلة، فإن كلمات الأديب الحكيم المصري القيم "ايبو - ور" تصلح قناعا لمخاطبة العصر الحديث وزعيمه:

أيها الحكيم القديم "ايبو ور" أقدم بعصرك الذي اضمحل فيه كل شئ إلا الشعر وأسمعنا الغناء حدثني ماذا قلت لفرعون أقبل الحكيم "ايبور - ور" وهو ينشد:


إن ندماءك كذبوا عليك هذه سنوات حرب وبلاء


قلت: أسمعني مزيدا أيها الحكيم!


فأنشد: ما هذا الذي حدث في مصر إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه إن من كان لا يمتلك أضحي الآن من الأثرياء، يا ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت، قلت ماذا قلت أيضاً أيها الحكيم "ايبو - ور"؟ فقال: لديك الحكمة والبصيرة والعدالة، ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد، انظر كيف تمتهن أوامرك وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة.


الندماء الكاذبون، والتغير الاجتماعي بما يصاحبه من خلل، والإقرار بأن الزعيم - الفرعون لديه "الحكمة والبصيرة والعدالة" ولكنه يترك الفساد "ينهش" البلاد!


وفي "ميرامار" التي تمتلئ بنقد ساخر لثورة يوليو من القوي المحسوبة على اليمين - حسني علام وطلبة مرزوق - ويظهر فيها ممثل تنظيم الثورة - سرحان البحيري - كنموذج للانتهازية والسقوط، تبدو الطبقات الشعبية ممثلة في "زهرة" مؤمنة بالثورة ومغرمة بزعيمها . إن اسم جمال عبد الناصر لا يذكر بشكل مباشر، ولكن الإشارة واضحة لا تحتاج إلى تأويل. فإذ يسأل حسني علام:


- وأنت يا زهرة.. تحبين الثورة؟


ترد المرأة اليونانية نيابة عنها:


- أوه.. أنظر إلى الصورة المعلقة في حجرتها !


ولابد أن تكون الصورة لعبد الناصر!


إن غياب جمال عبد الناصر عن روايات نجيب محفوظ التي صدرت في حياة الزعيم لا يعني أنها روايات بعيدة عن السياسة، ففيها موقف نقدي واضح من سلبيات ثورة يوليو، وهو ما يتجسد بوضوح في روايتي "ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار"، كما يبدو الانعكاس المدوي لهزيمة يونيه 1967 في مجموعة "تحت المظلة" التي يشير نجيب إلى أن قصصها قد كتبت بين شهري أكتوبر وديسمبر 1967.


ولكن الأمر يزداد وضوحا بعد رحيل جمال عبد الناصر. وربما كانت "الكرنك" التي صدرت طبعتها الأولى سنة 1974، هي بداية اتخاذ موقف نقدي صريح من الحقبة الناصرية بالتركيز علي قضية التعذيب وتجاوزات الأجهزة الأمنية وفي مقدمتها جهاز المخابرات الذي يرمز لرئيسه صلاح نصر من خلال شخصية خالد صفوان، وموقف نجيب الواضح في هذه الرواية لا يحول دون حجبه لاسم عبد الناصر الذي لا يذكر صراحة!


ومن اللافت للنظر كذلك أن "الكرنك" هي الرواية الوحيدة التي يحرص نجيب علي تذييلها بتاريخ كتابتها "ديسمبر 1971" علي الرغم من أنها لم تنشر في ذلك التاريخ، وربما كان الهدف من ذلك التاريخ أن ينأى الكاتب الكبير بنفسه عن الحملة الشرسة - غير الموضوعية في معظمها - التي استهدفت جمال عبد الناصر والثورة في تاريخ "نشر" وليس "كتابة" الرواية! أو على الأقل يحاول إيهام القراء بأنه عنها ناءٍ.


الباقي من الزمن ساعة


ولكن استخلاص موقف نجيب النهائي عبر هذه الأعمال يبدو ضربا من إسقاط موقف الباحث علي الإبداع أكثر منه استخلاصا لموقف موجود فعلياً.


يمتد الإطار الزمني لرواية "الباقي من الزمن ساعة" منذ 1936 إلي نهاية السبعينيات.

وينقسم موقع جمال عبد الناصر فيها إلي ثلاث مراحل: الأولى هي الغياب الكامل منذ بداية الرواية حتي قيام ثورة 23 يوليو، والثانية منذ قيام الثورة حتى وفاة جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، أما الثالثة فبعد وفاته حتي نهاية الرواية.


من المنطقي أنه لا وجود لجمال عبد الناصر في المرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية فتبدو زعامة عبد الناصر طاغية ومسيطرة على الجميع باستثناء ممثل الإخوان المسلمين محمد حامد برهان .إن أجيالا ثلاثة تؤيد عبد الناصر بلا حدود: الجيل القديم ممثلاً في سنية المهدي، والجيل الوسيط ممثلاً في ابنتها منيرة، والجيل الجديد ممثلاً في أحفاد سنية.


بعد تأميم قناة السويس اقتنعت سنية المهدي - رغم مأساة ابنها محمد - بأن زعيما جديداً يتخذ موضعه في لوحة الزعماء الذين أحبتهم كما أحبهم زوجها الراحل.


وبرغم ما تستشعره من قلق قبيل حرب يونيو 1967، فإنها تقول بشئ من الثقة: ولكن الرئيس يعرف ما يصنع.
أما منيرة فكانت مثل ابنيها ناصرية لحماً ودماً، وكانت سعيدة بذلك.


وتربى الأحفاد - منذ البدء - في أحضان الناصرية، ودخلوا المدرسة الابتدائية وهم يتغنون بالزعامة والنصر. سبحوا في بحيرة ناصرية صافية متطلعين لصورته الشامخة بانبهار وحب. ذلك البطل الذي بدأ به تاريخ مصر في أعقاب جاهلية ترامي ظلالها آلاف السنين.


ولقد فاقت فرحتهم بالتليفزيون كل تصور. فقد جاءهم إلى مجلسهم بنجومهم المحبوبين، والعالم كله، فضلا عن زعيمهم المقدس الذي عاشرهم ليلة بعد أخرى.


إنهم يؤمنون بالزعيم وبأي كلمة ينطق بها ولا شئ قبل ذلك أو بعده..


وإذا كان هذا هو حالهم كـ "جيل" فإن الأمر لا يختلف بالنسبة لهم كـ "أفراد".


سهام - في مراهقتها - تتابع أحاديث السياسة بفتور، وتستاء لأقل إشارة تسيء إلي الزعيم.


وبسبب ثراء رشاد، فإنه يحلم بحياة الأعيان. ولكن صده عن حلمه قول الزعيم: "من لا يعمل لا يأكل"، وهو زعيم قادر، وفي وسعه أن يحرم الأعيان الكسالى من لقمة العيش.


ولم يكن صديق الأحفاد عزيز صفوت ضد الناصرية، ولكن لم يكن ناصريا بالدرجة التي يرضى عنها شفيق أو سهام.


ولكنه يقول قبيل حرب 1967: نحن أقوى قوة في الشرق الأوسط، والرئيس لا شك يعرف لقدمه قبل الخطو موضعها.


المختلف الوحيد هو الإخواني محمد حامد برهان المحامي المنتمي إلي الإخوان المسلمين. لقد بدأ محمد متحمساً للثورة لأنه آمن بأن الحركة "إخوانية" بل لقد دعا إلي بعث النشاط من جديد في شعبة حلوان.


وإذا بأزمة تعترض سبيل الثورة، وصراع عنيف يقوم بين رئيسها الأول ورئيسها الثاني، وبين شد كادت تصفى به الثورة وجذب رجعت به إلي قواعدها انفض طوفان لتصفية الإخوان! وبدلا من أن يجد محمد نفسه علي رأس مؤسسة أو وزارة ألقي به في أعماق سجن رهيب. وبالرغم من أنه لم تثبت عليه تهمة إلا أنه قضى في الاعتقال عامين، وخرج منه بعين واحدة وساق عرجاء.


ويخرج محمد من السجن معاديا للثورة وزعيمها بلا هوادة. فهو لا يستطيع أن يتذوق مغامرة تأميم قناة السويس بفمه المليء بالمرارة.


وتضاعف الاستياء وهو يشاهد حماس شفيق وسهام وتغنيهما بالزعيم علي مسمع منه، وهو لا يملك إزاءهما أية مراجعة، حرصا علي سلامتهما، وسلامته أيضا أن يرددا أقواله في المدرسة فيحدث ما لا تحمد عقباه من أجل ذلك أخفى عنهما سر عوره وعرجه، وراح يغمغم: نحن في زمن القهر والصمت.


وبرغم هذا القهر والصمت، فإنه يجد في حماية العلاقة الأسرية ما يتيح له أن يجاهر بعدائه أمام زوج شقيقته المستفيد من الثورة ومدعي الانتماء إليها، فهو يعلق علي حرب اليمن قال: أصبحنا أوصياء علي ثورات العالم!


وتستمر سخريته من "نزهة" اليمن فيقول: أسمعت ما يقال عن أغنية أم كلثوم "أسيبك للزمن"؟ يقال إن الأصل هو "أسيبك لليمن"!" نفسه - 69".


ولكن جبهتا التأييد اللا محدود والرفض الكامل تتعرضان لتغيير واضح في أعقاب الهزيمة.


يحل الصمت علي جيل الأحفاد. كأن الأمر لم يعد يعنيهم، أو أن "ناصريتهم" غرقت في مستنقع من الحيرة تخبطوا في الظلام صامتين".


وسرعان ما تنفجر مظاهرات الطلبة كأول مجد داخلي يواجه الزعيم من أخلص أبناء قبيلته، تردد الهتاف بسقوطه، وتطايرت في الجو السخريات المسجوعة.


أما منيرة فهي تحتفظ بناصريتها بعد الهزيمة، ملبية نداء العاطفة في ذلك أكثر من العقل، ورافضة التخلي عن عبد الناصر في سوء حظه قائلة: ما هو إلا ضحية للاستعمار العالمي!".


ويبدو محمد متوافقاً ومستمراً في عدائه فتعليقاً علي ما يقوله جيل الأحفاد تبريراً لمظاهرات يونيه 1967 التي تمسكت بعبد الناصر ورفضت قراره بالتنحي، يقول:


- وهل يطمع العدو فيمن هو خير منه؟


وصمت لحظات ثم واصل:


- أعترف لكم لي بأنني سررت أيضا لبقائه، من أجلي، يجب أن يبقي علي رأس الخراب الذي تسبب فيه، ليعاني معنا، وليتحمل مسئولية إصلاحه، هذا خير من الهرب إلي الخارج والتمتع بحياة أصحاب الملايين!.


ويلخص محمد رأيه في حرب الاستنزاف: إنه يضحي كل يوم بأرواح بريئة ليداري بها عاره!.


وحتى موت جمال عبد الناصر لا يغير الموقف: شعر بأن وزنه يخف وأن نسائم الأمان تهفو إلي وجدانه. وسرعان ما اجتاحه ارتياح عميق، وملأه حبور قوي لا حيلة له فيه فأخفاه خلف جفنيه المسدلين. وتمادي به الحبور فاستغفر الله في سره وخاف أن يفلت منه الزمام فيغشى عليه".


وبموت جمال عبد الناصر تبدأ مرحلة ثالثة، إن ناصرية منيرة وأمين تنتبه في انزعاج علي همسات تتردد أحيانا بالنقد لعصر الزعيم الراحل، وتقول منيرة علي مسمع من أمين:


يا لها من وقاحة!.


فقال أمين بامتعاض:


لا عجب فنحن نسير في طريق جديد!.


وتقول منيرة عن السادات: صدقوني إنه لن يقنع بتصفية السلبيات الماضية ولكنه سيلحق بها الإيجابيات أيضا.


وهي تنسب نصر أكتوبر لعبد الناصر: لكنه جمال الذي خلق هذا الجيش وجهزه!.


وتنفجر حملة من النقد القاسي لعبد الناصر وعهده، وهي حملة تثير حيرة الأحفاد. يستوي في ذلك من أقام على ناصريته مثل أمين أو من وافقه مثل سهام، أو من رفض كل شيء مثل علي، أو من آوى إلى عقيدة جديدة مثل شفيق.


ألم يعبدوه بالأمس؟.


ألم يكن القائد والزعيم والمعلم والملهم؟.


أي نفاق وأي خسة وأي جبن!


جيل يستحق التصفية..


من نصدق؟!.


أتصدق ما يقال الآن؟!.


ليس بلدا ولكنه مرحاض عمومي!.


ويتوافق هذا "الطريق الجديد" بشتائمه للناصرية مع توجهات محمد حامد برهان الذي يفصح عن سعادته بالانقضاض علي العهد الناصري: ليعلم من لم يعلم، ولينتبه من فقد وعيه!.


وإذ تتساءل منيرة: هل ننسي القضاء علي النظام الملكي؟


يوم قتل الزعيم


يختلف الأمر في رواية يوم قتل الزعيم التي تتعرض للفترة الأخيرة من حكم السادات وليس لعهود متباينة كما في الرواية السابقة، وتخلو الرواية من النماذج الإخوانية الموغلة في عدائها المتعصب لعبد الناصر مفسحة المجال لأسرة مصرية متوسطة تتكون من ثلاثة أجيال.


بغياب عبد الناصر وقسوة ما بعده، يتكاثر الباكون عليه والحالمون بأيامه، ولعل قهوة "ريش" الشهيرة أفضل تعبير عن هذه الظاهرة كما يقول علوان: هنا معبد تقدم به القرابين إلى البطل الراحل الذي أصبح رمزا للآمال الضائعة آمال الفقراء، والمعزولين.


ويبدو الانحياز سافرا لعبد الناصر ففي الاحتفال الأخير الذي انتهي باغتيال السادات، يقول أحد مرتادي القهوة: الرئيس الراحل في هزيمته أعظم من هذا في نصره.


وإذا كان هذا هو موقف الرأي العام كما يرصده نجيب محفوظ، فإن أجيال الأسرة تعبر عن موقف مماثل علي خلاف السائد في "الباقي من الزمن ساعة" التي يصول فيها المحامي الإخواني ويجول هجوما علي عبد الناصر دفاعا عن السادات.


ربما كان الجد محتشمي زايد - مثل نجيب محفوظ وسنية المهدي - هو الأكثر بحثا عن الموضوعية، إنه يأخذ علي حفيده تمسكه بعبادة البطل الراحل والبطولة المهزومة: ألم تحملك الأحداث علي الإيمان بالوطن والديمقراطية؟ وما معني التمسك ببطل مهزوم راحل؟!


ويتحول الأمر إلى ما يشبه الإدانة: إن قاموسك لا يحوي إلا بطلا شهيدا واحدا. قضيت فترة متلقيا مسحورا، وتقضي الأخرى متحسرا حائرا..


جمال عبد الناصر بالنسبة لمحتشمي زايد ليس إلا جزءا من التاريخ: لماذا يتدفق الماضي في روحي كشلال وبقوة بركان ثائر. هتافات الثورة تدوي من جديد، الاستقلال التام أو الموت الزؤام، الشعب فوق الملك. أزيز النار المشتعلة في القاهرة. عظمة الراحل وهزيمته، عظمة خليفته ونكسته.


إن أكثر من ستين سنة تفصل بين ثورة 1919 التي ينتمي إليها ويتشبث بها وحادث المنصة، وهي سنون كافية لترده إلى الاعتدال فلا يرى سنوات عبد الناصر إلا جزءا من التاريخ وليس التاريخ كله!


الجيل الوسيط يكاد يختفي من الحياة والرواية معاً! إنهم باهتون لاهثون غارقون في السعي وراء لقمة العيش والاستمرار في الدوامة التي لا تنتهي، ولذلك فإنهم بلا رأي. وتنعكس الحياة الباهتة علي الوجود الفني لهذا الجيل. فالرواية موزعة بين الجد الذي تبدأ الرواية به وتنتهي، وبين الحفيد وحبيبته، أما فواز محتشمي وهناء فيوشكان علي الاختفاء.


الجيل الشاب ممثلا في عدوان فواز محتشمي تهاوي مثله الأعلى عبد الناصر في 5 يونيو وكما تقول رندة عنه: وضحية أيضا لـ 5 يونيو واختفاء البطل المنهزم. حائر لا موقف له.


إنه الحنين إلى عبد الناصر وليس "الحب"! فرندة لا تعفي البطل الراحل من أمراض جيلها: زمن شعارات مقزز. حتي الراحل البطل لم يعف عن ترديد الشعارات. وبين الشعار والحقيقة هوة سقطنا فيها ضائعين. لقد انتهى جمال عبد الناصر في أعقاب الهزيمة، فهو كما يقول محتشمي زايد شهيد 5 يونيو.


قشتمر


في "قشتمر" يقدم نجيب محفوظ شهادة جيل 1919 - الذي ينتمي إليه الروائي الكبير - عن جمال عبد الناصر - إنها شهادة "جيل" برؤية "فرد" وهذا الفرد - الراوي يحرص أن يكون - بلغة نجيب نفسه في الصفحة الأولى من الرواية - "خارج الموضوع".


بعد "خروج" الراوي يبقي من شلة "قشتمر" أربعة، ثلاثة منهم يعادون جمال عبد الناصر بدرجات متفاوتة ولأسباب متباينة يبدأ عداء صادق صفوان للثورة وزعيمها مبكرا، ولأسباب اقتصادية واضحة، لست من الإقطاعيين ولكنني من ذوي الأملاك، وقد يأتي دورنا، ألا ترون أن الثورة عدد سافر للناجحين؟!


وبعد هزيمة يونيو "يتنفس" صادق بارتياح: خجل أن يعلن ارتياحه، وربما لم يخل ارتياحه من كدر، ولكن فضحته عيناه، و"فلتات" من تعليقاته، وترديده للنكت المنتشرة كالجراد.


وسرعان ما يتخلص صادق من حرجه، فهو يقول لأصدقائه ساخرا.


- أسد علي وفي الحروب نعامة!


وبصفة عامة لم يعد يخشى "الفك المفترس" بعد أن نزعت الحرب أنيابه.


و"الفك المفترس" هو الاسم "الحركي" لعبد الناصر عند خصومه في الرواية!


ولا يخفي صادق فرحه على الرغم من تدينه لموت جمال: هذا خبر أمتع من شهر العسل.


أما إسماعيل قدري فيعادي ثورة يوليو وجمال عبد الناصر من منطلق وفديته التي لم يتنكر لها قط، وهو يقول بصراحة، كان يجب أن يجعلوا من الوفد قاعدة لهم!


وفي أعقاب هزيمة 1967 يغضب إسماعيل غضبة مجللة بالحزن العميق لما نزل بوطنه الجريح، وراح يردد بانفعال شديد:


- لابد من رد اللطمة بمثلها علي الأقل.


ثم يتساءل في حق:


كيف لم يتلاش نظام الحكم حتي الآن؟! لو أن هذا الرجل عميل مأجور ما استطاع أن يفعل بنا أكثر مما فعل.


ولا يغير موت عبد الناصر من موقف إسماعيل قدري المتشدد تجاهه: هرب في الوقت المناسب تاركا الطوفان لمن يخلفه.


برغم لا مبالاة حمادة الحلواني، فإن خياله لم يبرأ من الفك المفترس.


وبعد هزيمة يونيو يتراوح حمادة - كعادته - بين المتناقضات، ليلة ينوح راثيا لحال الوطن، ويتألم غاية الألم للكرامة التي تمرغت في التراب، وليلة يسبق صادق إلى الشماتة والهزل فيقول: ألم يقل انه علمنا العزة والكرامة؟ اشبعوا عزة وكرامة!


وهو لا يجد في موت عبد الناصر إلا مناسبة للسخرية: موته يعتبر من أمجد أعماله.


الوحيد المتحمس لعبد الناصر والثورة هو الشاعر طاهر عبيد: صدقوني إن مصر لم تعتل هذه الذروة منذ عصورها المجيدة كما أنها لم تشهد طيلة تاريخها مثل هذا الرجل المعجزة، وإنه لعظيم من يستطيع منكم أن يعلو فوق خسائره الذاتية ليلحق بركب التاريخ في مسيرته الشامخة.


وكان منطقيا أن يكون طاهر أكثر المصدومين بعد الهزيمة، كأنما جن جنونا أو مات موتا. ويتنهد هامسا: ليتني مت قبل ذلك.


وتترك الهزيمة بصماتها علي حبه لعبد الناصر، فإذ يسأله صادق صفوان: هل كفرت بالبطل؟


يصمت مليا ثم يقول: أعتقد أنه يموت الآن وأنا أموت معه. نفسه.


قد يقول أحيانا قابضا علي أي خيط من الأمل:


- ها هو يطهر الثورة من سلبياتها ويعيد بناء الجيش..


ولكنه لا يرد علي تعليق إسماعيل الساخر: سيزيف يصعد الجبل من جديد.


ألم يعد يرد علي السخرية بعد أن انكسرت نفسه وانهزمت كبرياؤه.


لم يعد يرد علي السخرية بعد انهيار الحلم! وكان لابد لطاهر عبيد أن يدفع ثمن حبه وحلمه بعد موت الزعيم. لقد وجد نفسه تحت حكم الزعيم الثاني في عالم غريب كريه لا يحتمل، وأساء به الظن منذ أول ساعة وعده عميلا لجميع القوي الرجعية في الداخل والخارج.


وهو يتلقى نصر أكتوبر بفتور غريب، وراح يرجع جذوره إلى البطل الراحل . إنه "الوحيد" في شلتنا الذي عبد الرجل في حياته وقدس ذكراه بعد مماته.


إنه "الوحيد" أمام العرش


ربما كانت محاولة نجيب محفوظ في حواراته مع رجال مصر، من مينا حتى أنور السادات، هي أكثر محاولاته موضوعية في تقديم وتقييم التاريخ المصري، وهي أكثر محاولاته مباشرة أيضا !


في محاكمة جمال عبد الناصر تتبدى الموضوعية الوثائقية في تقديم عبد الناصر لنفسه: أنتمي إلي قرية بني مر من أعمال أسيوط، ونشأت في أسرة فقيرة من أبناء الشعب فكابدت مرارة العيش، وشظفه، وتخرجت في الكلية الحربية عام 1938، واشتركت في حرب فلسطين، وحوصرت مع من حوصر في الفالوجا، وقد هالتني الهزيمة، وهالتني أكثر جذورها الممتدة في أعماق الوطن، فخطر لي أن أنقل المعركة إلي الداخل حيث يكمن أعداء البلاد الحقيقيون، وأنشأت في حذر وسرية تنظيم الضباط الأحرار، ورصدت الأحداث انتظارا للحظة المناسبة للانقضاض علي النظام القائم، وقد حققت هدفي في 23 يوليو 1952، ثم تتابعت إنجازات الثورة مثل إلغاء النظام الملكي، واستكمال استقلال البلاد بالجلاء التام، والقضاء علي الإقطاع بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتمصير الاقتصاد، والتخطيط لإصلاح شامل في الزراعة والصناعة يستهدف خير الشعب وتذويب الفروق الطبقية، وبنينا السد العالي وأنشأنا القطاع العام متجهين نحو طريق الاشتراكية، وكونا جيشا حديثا قويا، ونشرنا الدعوة للوحدة العربية، وساندنا كل ثورة عربية أو إفريقية، وأممنا قناة السويس فكنا منارة وقدوة للعالم الثالث كله في نضاله ضد الاستعمار الخارجي والاستغلال الداخلي، وحظي الشعب الكادح في عهدي بعزة وقوة لم يعرفهما من قبل، ولأول مرة يشق طريقه إلي المجالس التشريعية والجامعات ويشعر بأن الأرض أرضه والوطن وطنه، وقد تربصت بي قوي الاستعمار حتي أنزلت بي هزيمة منكرة في 5 يونيو 1967 فزلزلت العمل العظيم من جذوره وقضت علي بما يشبه الموت قبل موافاة الأجل بثلاثة أعوام، وقد عشت مصريا عربيا مخلصا ومت مصريا عربيا شهيدا.


بنهاية شهادة عبد الناصر تقترب موضوعية نجيب محفوظ من نهايتها، ويبدأ الهجوم علي ألسنة المادحين!. إن أول المعقبين هو الملك رمسيس الثاني الذي يبدو "ظاهر" كلامه مدحا و "باطنه" أقرب إلي الذم! يقول الملك: دعني أعرب لك عن عظيم حبي وإعجابي، وما حبي لك إلا امتداد لحبي لذاتي، فما أكثر أوجه الشبه التي تجمع بيننا، كلانا يشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز حدوده، وكلانا جعل من هزيمته نصرا فاق كل نصر، وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة فأغار علي أعمال الآخرين ممن سبقوه.


أي "مدح" في تحويل الهزيمة إلي نصر، أو في "السطو" علي أعمال الآخرين؟!.


وسرعان ما ينهال الهجوم بلا هوادة. يقول الملك مينا: ولكن اهتمامك بالوحدة العربية فاق اهتمامك بالوحدة المصرية. فحتى اسم مصر الخالد شطبته بجرة قلم، واضطررت العديد من أبناء مصر إلى الهجرة التي لم يمارسوها إلا في فترات القهر العابرة!.


ويرد عبد الناصر بإجابة هزيلة غير مقنعة يختمها بقوله: الحق أن تاريخ مصر الحقيقي بدأ مع 23 يوليو 1952. وبعد العبارة تثور همهمة يعقبها صمت. ثم يبدأ مدح يشبه الذم علي لسان أبنوم: لا مأخذ لي عليك إلا إصرارك علي أن تكون ثورتك بيضاء علي حين يجب أن تجري الدماء فيها أنهارا!!.


ويعود النقد القاسي المباشر علي لسان تحتمس الثالث: علي الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبت قدرة فائقة في كثير من المجالات إلا العسكرية، بل إنك لم تكن قائدا ذا شأن بأي حال من الأحوال!.


ويشن سعد زغلول حملة هجومية قاسية: لقد حاولت أن تمحو اسمي من الوجود كما محوت اسم مصر، وقلت عني إنني اعتليت الموجة الثورية عام 1919.


وبعد "درس" في معني الزعامة ومفهومها، يعود سعد ليتهمه بالاستبداد.


ويلتقط مصطفي النحاس كلمات سعد مواصلا الهجوم الذي يركز علي إهدار الديمقراطية وإغفال الحرية وحقوق الإنسان وعدم الاستفادة من تجربة محمد علي: وماذا كانت النتيجة؟.. دوي وجلجلة وأساطير فارغة تقوم علي تل من الخرائب.


ويأتي حكم المحكمة معبرا عن مزيج من الإعجاب والرفض الذي يسيطر علي نجيب محفوظ: لو كانت محكمتنا هي صاحبة الكلمة الأخيرة عليك لاقتضانا العدل تأملا وعناء طويلين، فقليلون ممن قدموا لبلادهم مثلما قدمت من خدمات وقليلون ممن أنزلوا بها مثلما أنزلت من إساءات.


رأيت فيما يري النائم


في قصة "رأيت فيما يري النائم" يتحاور مديح عبد الناصر مع هجائه علي لسان أبي الفتح الإسكندري! إنه يخطب في الحلم الثامن مادحا بلا حدود: ثورة مباركة تنسخ حياة فاسدة، وزعيم مبارك يشهر سيفه في وجه ملك فاسد.


وبسقوط محمد نجيب يتحول المديح كله إلي جمال عبد الناصر: محق الله الزيف والضلال، اختفى مدعي الزعامة، واستوى علي العرش الزعيم الحق، الشاب المكافح، والمناضل، والمعلم والرائد، ومتبني ثورات العالم.


وبموت عبد الناصر تتغير الكلمات: دعوا البكاء للنساء، مصر باقية لا تموت، وآن لنا أن ننطق بالحق، ما كان عهده إلا عهد التعذيب والإفلاس والهزائم، أفيقوا من الحزن والسحر معا، وابدءوا الحياة من جديد.


لا ينطبق نموذج أبي الفتح علي نجيب بطبيعة الحال، ولكن رؤيته الوفدية هي التي تجعله مشتتا دائما بين الإعجاب بجمال عبد الناصر ورفضه الإعجاب بالأعمال العظيمة والرفض للنهايات الحزينة وإهدار تاريخ ما قبل ثورة 23 يوليو معا.

Wapher | del.icio.us