حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


حقائق الثورة المخملية التي لم تتبلور في إيران

nermeen 04-07-2009 GTM 2 @ 16:15


من جريدة القدس العربى

حقائق 'الثورة المخملية' التي لم تتبلور في إيران


د. سعيد الشهابي

01/07/2009

برغم هدوء الساحة السياسية نسبيا في طهران، فما تزال أصداء الرياح التي عصفت بها تتردد في كافة أنحاء العالم، وتهدد بالمزيد من السحب والأعاصير. ويمكن القول أن ثمة انقساما حادا حدث في المواقف الخارجية غير مسبوق إلا في حالات قليلة من بينها العدوان الاسرائيلي على غزة في مطلع العام، والعدوان على لبنان قبل ثلاثة أعوام. ولذلك فمن غير المنطقي التقليل من الآثار المدمرة لمثل هذه الاحتقانات فيما لو تكررت. ومن غير المنطقي أيضا الاعتقاد بعدم إمكان حدوثها مستقبلا ما لم يتم التعاطي بموضوعية مع أسبابها. وربما الأمر الأهم إدراك أن أسباب هذه الاحتقانات ليس محصورا بالإشكال الانتخابي ونتائجه التي ربما فاجأت الكثيرين. أيا كانت المماحكات المقبلة في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية الايرانية التاسعة، فثمة حقائق تمخضت عن المنازلات السياسية والفكرية والإعلامية التي أعقبت إعلان نتائج تلك الانتخابات. بعض هذه الحقائق جديد تمخض عن التطورات الأخيرة، وبعضها قديم يعود بجذوره إلى الأيام الأولى للثورة الإسلامية في إيران. وهي تتراوح ما بين الداخلي والخارجي، بين الإقليمي والدولي.


الحقيقة الأولى أن الانتخابات الرئاسية التاسعة كانت أقل مفاجأة من سابقتها، لدى من يعرف توازنات الساحة الايرانية وديناميكيتها السياسية'والأيديولوجية. فالانتخابات الثامنة التي أجريت في 2005، جاءت بأحمدي نجاد إلى الرئاسة بينما لم يتوقع أحد ذلك إلا بعد الجولة الأولى. فقبل انعقاد تلك الجولة كان الرهان ينصب على كل من هاشمي رفسنجاني ومصطفى معين، ولم يكن اسم نجاد يتردد إلا كمرشح متطفل على الرئاسة بدون أن يحظى بأدنى شروط الفوز. فجاء نجاحه آنذاك مفاجأة حقيقية للكثيرين، حتى الذين يعرفون إيران عن كثب. أما في الانتخابات'الأخيرة فكانت المؤشرات تفيد، على أقل تقدير، أن كلا من أحمدي نجاد ومير حسين موسوي، يتنافسان رأساً برأس، وعندما أعلن عن فوز نجاد لم يكن في ذلك مفاجأة كبرى إلا من حيث نسبة الفوز.


الحقيقة الثانية أن هناك استباقا لنتائج الانتخابات بدون وجود مؤشرات ترجح بشكل قاطع أيا من المرشحين، وكان واضحا منذ البداية أن شعبية السيد موسوي محصورة بالعاصمة طهران، بينما كان نجاد المرشح المفضل لدى أغلب الناخبين خارج العاصمة. استباق النتائج أسس للشعور بوجود تلاعب في صناديق الاقتراع. فما كان ينبغي للمهندس موسوي وزوجته القول بأن عدم فوزه يعني أن الانتخابات مزورة. هذا الربط التلازمي بين فوز المرشح ونزاهة الانتخابات غير منطقي. وكما جاء في بيان وزارة الداخلية الذي ردت فيه على اتهاماته، فان الانتخابات 'نزيهة' لو فاز هذا المرشح و'مزورة' لو فاز غيره. انه منطق لا يستقيم مع الالتزام بالمعايير العلمية في الاستشهاد والاستدلال.


الحقيقة الثالثة: أنه برغم الحديث المتكرر عن 'التزوير' و'التلاعب' لم يطرح حتى الآن طبيعة تلك المفارقات الانتخابية: فهل حدثت بتزوير أوراق الناخبين؟ أم بزيادة أعدادهم؟ أم باستبدال أوراق التصويت بغيرها؟ لم يتطرق رافضو النتائج لتوضيح هذه المعاني أو تقديم الدليل على وجود تزوير منهجي. واكتفى معارضو نجاد برفع شعار التزوير قبل تقديم الاعتراضات بشكل رسمي. وبدلا من الاحتكام إلى القضاء أو الجهات المعنية مثل مجلسي الخبراء وصيانة الدستور، ترك الأمر للشارع الذي كان يتعرض لتحريض متواصل من قبل أطراف غير مرئية تهدف لغايات أخرى. وقد ردت وزارة الداخلية على الطعون المقدمة لها من أكثر من طرف، وطالبت المعترضين بتقديم أدلة فعلية على حدوث التزوير. وأقر مجلس صيانة الدستور إعادة فرز عينة عشوائية تمثل عشرة بالمائة من صناديق الاقتراع، وجاءت نتائج إعادة الفرز مؤيدة للنتائج التي أعلن عنها. ورفضت المطالبة بإعادة الانتخابات بناء على الشكوك والظنون لأن ذلك أمر لا يمكن لنظام أو حكومة القبول به إطلاقا.


الحقيقة الرابعة أن ما أعقب الانتخابات من احتجاجات وصل بعضها إلى حد الاعتداء على الممتلكات العامة أمر مرفوض في وجود أساليب احتجاج أكثر تحضرا وأقل استفزازا وتخريبا. وهناك قناعة تزداد رسوخا بمرور الوقت بان هناك أيادي أجنبية ساهمت في تحريك الشارع الإيراني، على أمل تكرار تجربة التظاهرات التي أسقطت حكم محمد مصدق في 1953، والتي حدثت بدفع من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية. فالاحتجاج أمر مقبول ولا يحق لنظام حكم منعه أو حرمان المواطنين منه، ولكن بشرط أن يكون احتجاجا سلميا ضمن القانون، وليس ضد النظام في جوهره. وتجدر الإشارة إلى أن الإيرانيين يتحسسون كثيرا من التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية. وقد ساهمت التصريحات الأوروبية بشكل خاص في إضعاف الفريق المعارض، لأنها أوحت بوجود تناغم في الطروحات يهدف لإضعاف النظام الإسلامي وليس إصلاحه. ويأتي في هذا السياق تصريحات زعماء فرنسا وبريطانيا على وجه الخصوص، وسعيهما لإصدار قرار عن مجموعة الدول الثماني حول ذلك. بينما حال الرفض الروسي دون صدور هذا البيان. أما تعهد أعضاء بمجلس الشيوخ الأمريكي بدعم رافضي نتائج الانتخابات الايرانية فهو خطوة من شأنها أن تزيد الوضع تعقيدا. وجاء إعلان السناتور الجمهوري، جون ماكين، بالتصدي لمشروع قانون بهذا الشأن في شهر آب /أغسطس المقبل ليحدث ردة فعل عكسية في طهران. وإذا استطاع ماكين وشركاؤه زيادة الموازنة المرصودة للإذاعات المدعومة من الكونغرس الأمريكي والموجهة ضد إيران، فسوف يكون ذلك بمثابة 'قبلة الموت' للطرف الإصلاحي المعارض. ويدرك السيد حسين موسوي، وهو الذي عاصر التدخلات الأمريكية في بلاده عندما كان رئيسا للوزراء، خطر ذلك على مشروعه السياسي وفرص نجاحه أو نجاح احد من جناحه في أية انتخابات مقبلة.


الحقيقة الخامسة أن هناك حالة استقطاب غير مسبوقة على الصعيد الإقليمي والدولي. فبينما يشكك الكثيرون في مقولة التزوير ويشعرون بانتماء خاص لأطروحات احمدي نجاد في التصدي للهيمنة الغربية ورفض المقولات الغربية حول فلسطين و'إسرائيل' فثمة حالة جماهيرية كشفت حالة استقطاب واسعة في الرأي العام'العربي يدعم إيران ككيان سياسي يعبر عن الوجود الإسلامي المستقل والمتصدي للأطماع الغربية في المنطقة، خصوصا في ما يتعلق بفلسطين التي ترزح تحت الاحتلال الصهيوني. ويلاحظ في هذا الجانب تناغم الحملات الإعلامية من قبل بعض الوسائل الإعلامية العربية مع تصريحات مسؤولي الكيان الاسرائيلي خصوصا نتنياهو الذي دعا الغرب للتصدي لإيران. وقد تكرر الانقسام في المواقف السياسية والإعلامية تجاه إيران بالنمط الذي حدث إبان اجتياح غزة وحرب تموز (يوليو) 2006. وتشعر إيران بالامتعاض بشكل خاص من المواقف والسياسات السعودية التي تعتبر المحرك الرئيسي لآلة التشويش والتمهيد للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي وتمرير السياسات الأمريكية والغربية. وثمة ربط بين ما حدث في لبنان من دعم لجناح 14 آذار ضد المعارضة، والتصعيد الأمني في العراق، واستهداف النظام السياسي في إيران، للتدليل على وجود مخططات واسعة لمواجهة المشروع السياسي الإسلامي في المنطقة وتحجيم القوى المناوئة للهيمنة الغربية. حالة الاستقطاب هذه من شأنها أن تنعكس على العلاقات الإقليمية في المستقبل المنظور، ولا يستبعد نشوب حرب باردة بين محوري 'الاعتدال' و'التشدد'. ومع أن إيران ليست معروفة بردود فعل متشنجة في مثل هذه القضايا، إلا أنها لن تستطيع عزل نفسها عن هذا السجال غير الصحي حول التحالفات السياسية في المنطقة.


الحقيقة السادسة: إن الخلاف الذي ظهر إلى السطح بين تيارين في إيران ليس جديدا بل يضرب بجذوره إلى الأيام الأولى للثورة. فقد كان للشيخ هاشمي رفسنجاني مواقفه وآراؤه المختلفة عن آية الله السيد علي خامنئي. وكان ثمة خلاف في المواقف بين الأخير ورئيس وزرائه ، مير حسين موسوي، ولكن تلك الاختلافات بقيت تحت السيطرة ولم تظهر بقوة إلى العلن. فالإيرانيون معروفون بالقدرة على التعايش ضمن الاختلاف ما لم يخرج عن الحدود المعقولة، وما لم يرتبط بمبدأ سياسي فاصل. وقد ساهمت الاتهامات التي وجهها أحمدي نجاد قبيل انتخابه لرفسنجاني في تأجيج الوضع، ولكن يبدو أن الطبقة العليا من الزعماء الإيرانيين استطاعوا احتواء ذلك. وثمة مسألة أخرى وهي أن الإيرانيين اعتادوا التصويت للرؤساء فترتين متتاليتين لكي يبقوا في المنصب الرئاسي ثمانية أعوام لا يستطيعون بعدها الترشح لدورة ثالثة. فكل الرؤساء الإيرانيين أعيد انتخابهم بعد'الفترة الأولى، بمن فيهم السيد علي خامنئي والشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد محمد خاتمي. وكان متوقعا فوز نجاد برغم الدعاية المضادة التي يرى البعض أنها ساهمت في رفع شعبيته. وقد استطاع النظام التعايش مع السيد محمد خاتمي، الذي يعتبر رمز الإصلاحيين، بينما فشل الغرب في تقوية موقعه، فأثار قضية المشروع النووي في عهده، ولم يتحمس لمشروع 'حوار الحضارات' الذي طرحه، واخترع جورج بوش 'محور الشر' ليضم العراق وإيران وكوريا الشمالية. فهل أن السيد موسوي سيكون أوفر حظا في كسب ود الغربيين أو تعاونهم؟ ومن المفارقات أيضا أن الأمريكيين إنما بدأوا إشاراتهم للحوار مع إيران في عهد الرئيس نجاد الذي يعتبرونه متطرفا، ولم يفعلوا ذلك مع خاتمي. فما هي معايير الرئاسة الصالحة في نظرهم؟


الحقيقة السابعة: إن الغربيين، من وجهة نظر الإيرانيين، تدخلوا بشكل سافر في تأجيج الوضع، وما يزالون حتى الآن يسخرون وسائل إعلامهم لتضخيم ما يسمونه 'الأزمة الايرانية'، الأمر الذي يثير حفيظة المسؤولين في طهران. هؤلاء الغربيون هم أنفسهم الذين أقروا إلغاء التجربة الانتخابية في الجزائر في 1992 عندما اتضح أن الإسلاميين فازوا بأغلبية المقاعد البرلمانية فيها. ونجم عن ذلك حرب أهلية أسست لظاهرة الإرهاب التي يدعي الغربيون اليوم محاربتها. وقتل فيها أكثر من 150 ألفا من الجزائريين على مدى عشر سنوات. هذه الحكومات الغربية لم تكن وفية للمشروع الديمقراطي، بل وقفت مع إلغائه ودعمت العسكر الجزائريين عندما قرروا إلغاء الممارسة الديمقراطية. هذه الازدواجية في الخطاب والمواقف السياسية لا يفيد الغربيين في شيء ولا يمكن أن يفضي إلى استقرار المنطقة أو أمنها. وهذه الانتقائية هي التي دفعت هؤلاء الغربيين للتصدي لحكومة حماس المنتخبة، والتعامل مع الرئيس الفلسطيني الذي تجاوز فترته الانتخابية. إنها هي المسؤولة عن صمت هؤلاء على أنظمة الحكم الديكتاتورية في المنطقة، تلك النظم التي يبقى الرئيس أو الملك فيها على الكرسي حتى الموت. وهي المسؤولة أيضا عن التصدي لحكم مصدق الوطني، وإسقاط حكومة سلفادور الليندي المنتخبة في تشيلي في 1973 بدعم من الـ(سي آي إيه).


الحقيقة الثامنة: إن مستقبل العلاقات الداخلية في العالم الإسلامي مرشحة للتداعي برغم جهود المخلصين من أبناء الأمة لمنع الاستقطاب الديني أو المذهبي أو العرقي. فما تزال هذه الأداة الأكثر فاعلية في تفريق صف المسلمين وإضعاف إرادتهم في التغيير والتطور. وفي ضوء التجربة الايرانية، فالمتوقع زيادة التدخل في الشأن الإيراني وتكريس التشاحن المذهبي، ومضاعفة الدعم العسكري والاقتصادي للكيان الاسرائيلي. الأمة إذن مقبلة على حقبة لن تقل اضطرابا عما مضى، بل ربما تفوقها كثيرا. من هنا يجدر بالمخلصين من العلماء والمفكرين العمل المتواصل لرص الصفوف ومنع التراشقات السياسية أو الطائفية لقطع الطريق على مشروع التمزيق والتبعية. مشكلة إيران إصرارها على الاستقلال والمعاملة بالمثل. فلم تتردد في طرد اثنين من الدبلوماسيين بالسفارة البريطانية في طهران، الأمر الذي حدا بلندن لطرد دبلوماسيين إيرانيين. ربما تكون هذه خطوة على طريق التسخين في المواجهة السياسية، ولكن الأمر المهم إدراك مدى ما يمكن أن تصل إليه حالة التشاحن والاستقطاب بين إيران والخارج. مطلوب من الإيرانيين عدد من الأمور: أولها تعميق روح التفاهم بين رموزها بالشكل الذي يمنع تكرار ما حدث. ثانيها تكريس مبدأ الشفافية في الداخل والخارج، والتحقيق في كل الملابسات المثيرة للغط على الصعيد الداخلي بما في ذلك ما حدث خلال التظاهرات، ثالثها: السير الحثيث لاحتواء حالة الاستقطاب الفكري والأيديولوجي التي تتصاعد بشكل مضطرد منذ سنوات، رابعها: المراجعة الشاملة لمسيرة الثورة على مدى ثلاثين عاما، لإعادة صياغة الأولويات، خصوصا السجال بين مقولة 'إيران أولا' التي يرفعها الإصلاحيون، واستحقاقات الانتماء الإسلامي سياسيا وأيديولوجيا. الأمر المؤكد أن إيران كانت وستظل قضية ساخنة ولن تبرد أبدا طالما أصرت على الاستمرار في طريق الاستقلال والتعامل من موقع الندية مع الآخرين. وعلى الغرب أن يدرك انه ما لم يتخل عن الازدواجية في التعامل، ويخلص لشعاراته الديمقراطية ويبتعد'عن أساليب التنميط والاستكبار في التعامل مع العالمين العربي والإسلامي، فسوف يظل بعبعا يخيف الآخرين، ويجعل مناوئيه مثل أحمدي نجاد، نماذج للاستقلال والوطنية ومناهضة الاستعمار، بأشكاله القديمة والحديثة.

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Wapher | del.icio.us