حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


نرفع القبعة تحية لكوريا الشمالية

nermeen 30-06-2009 GTM 2 @ 12:21


من جريدة القدس العربى

نرفع القبعة تحية لكوريا الشمالية

30/06/2009

نرفع القبعة تحية لكوريا الشمالية بعد أن أجرت تجربتها النووية متحدية الصلف الأمريكي وازدواجية المعايير التي تمارسها القوى المتنفذة في مجلس الأمن وفي الإتحاد الأوروبي حيال السلاح النووي، حيث تتجاهل هذه القوى كلياً امتلاك الكيان الصهيوني لأكثر من 200 رأس نووي، وتغض النظر عن امتلاك دول أخرى لهذا السلاح لأسباب تتصل بالتحالفات السياسية والعسكرية.


ولم تأبه بيونغ يانغ لقرار مجلس الأمن الجديد رقم (1718) الذي يشدد العقوبات الدولية التي سبق أن فرضت عليها إثر التجربة النووية التي أجرتها عام 2006، وكانت قد لجأت إلى التصعيد بعد أن تيقنت أن الإدارة الأمريكية توظف مفاوضات اللجنة السداسية لتحقيق هدف رئيسي ألا وهو أضعاف الحكم الشيوعي ومحاصرته بشتى الوسائل، عبر تجريده من أوراق القوة ممثلة ببرنامجه النووي بشقيه السلمي والعسكري، ومنعه من إنتاج وتصدير الصواريخ الباليستية التي تشكل مصدراً أساسياً من مصادر دخله القومي، وذلك توطئة للإنقضاض عليه في مرحلة لاحقة.


وكانت كوريا الشمالية قد كشفت هذا المخطط قبل عام 2006 عندما تنكرت الإدارة الأمريكية للإتفاق معها في إطار مساومة مؤداها ' أن تفتح كوريا منشآتها النووية أمام مفتشي لجنة الطاقة الذرية، وان تتوقف عن عمليات تخصيب اليورانيوم في مفاعل يونغبيون كمقدمة لتفكيكه، مقابل أن تقوم الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيون بتزويد كوريا الشمالية بمفاعل يعمل بالماء الخفيف، وملايين الأطنان من النفط والمواد الغذائية ومستلزمات البنية التحتية، ففي حين التزمت كوريا الشمالية بهذا الإتفاق وفتحت منشآتها أمام المفتشين، لم تلتزم الإدارة الأمريكية بأي من بنوده.


ها هي كوريا الشمالية تواجه التصعيد بتصعيد مضاد، فبعد الحملة السياسية والإعلامية الشرسة التى شنت ضدها بعد التفجير النووي الثاني، وبعد طرح الموضوع على مجلس الأمن بناء على طلب اليابان من أجل استصدار قرار جديد لتشديد العقوبات ضدها، أجرت على مدار الأيام الماضية تجارب لإطلاق صواريخ قصيرة المدى باتجاه البحر الأصفر.


ويبدو أن كوريا الشمالية بهذه الخطوات الجريئة، أرادت أن تقلب معادلة التفاوض مع الإدارة الأمريكية واللجنة السداسية رأساً على عقب، بمعنى أن تفاوض على أرضية امتلاكها الكامل للبرنامج النووي العسكري، الأمر الذي يعني إعادة المفاوضات إلى خانة البداية بهدف تحقيق ما يلي :


أولاً : أن يعترف المجتمع الدولي بالأمر الواقع الراهن في أن كوريا الشمالية دولة نووية أسوة بالهند وباكستان والكيان الصهيوني وغيرها.


ثانياً : أن تحصل على ضمانات من مجلس الأمن، ومن اللجنة السداسية التي تفاوض بشأن البرنامج النووي، بعدم اللجوء إلى فرض الحصار عليها مستقبلاً، وإلغاء العقوبات المفروضة عليها، وتقديم دعم نفطي ومستلزمات تتعلق بالبنية التحتية الكورية الشمالية.


ثالثاً : أن تعلن الإدارة الأمريكية إلغاء تصنيف كوريا الشمالية 'من قائمة الدول المارقة أو الراعية للإرهاب' من أجل تشجيع المستثمرين للإستثمار لاحقاً في كوريا الشمالية، لا سيما وأن تقارير تشير إلى أن بيونغ يانغ بصدد الإستفادة من تجربة كوبا في جلب استثمارات خارجية تحت إِشراف الدولة أو بالتشارك معها لتجاوز حالة الحصار.


رابعاً : أن تعترف الإدارة الأمريكية وحلفائها، بحق كوريا الشمالية في الولوج إلى عالم الفضاء، وبحقها في إطلاق أقمار صناعية خاصة بها.


رابعاً: الحصول على تعويضات مجزية بعشرات المليارات من اليابان التي استعمرت كوريا فترة طويلة من الزمن، وقتلت من الكوريين ما يزيد عن (3) ملايين كوري. لكن مقابل تحقيق هذه الأهداف، ماذا بوسع بيونغ يانغ أن تقدم في المساومة القادمة أو المفترضة ؟ يتوقع المراقبون أن تحصر بيونغ تنازلاتها للإدارة الأمريكية وحلفائها بما يلي:


أولاً : التعهد بعدم الإعتداء على كوريا الجنوبية، وإبرام معاهدة معها، كبديل لإتفاق الهدنة لعام 1953 الذي لم ينه عملياً حالة الحرب بين البلدين.


ثانياً : السماح لصيادي الأسماك في كوريا الجنوبية بممارسة الصيد في الحدود البحرية الفاصلة بينهما، بعد أن تعترف بيونغ يانغ بهذه الحدود.


ثالثاً : التعهد بعدم نقل التكنولوجيا النووية وتكنولوجيا تصنيع الصواريخ الباليستية إلى الخارج، دون التنازل عن حقها في بيع هذه الصواريخ.


رابعاً : التعهد بعدم تهديد اليابان عبر إطلاق صواريخ طويلة المدى فوق أجوائها، وعدم إطلاق صواريخ عابرة للقارات عبر المحيط الهادي.


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : على ماذا تعتمد بيونغ يانغ في تحديها للإدارة الأمريكية وحلفائها ؟ في التقدير الموضوعي أن بيونغ يانغ لم تقدم على هذه الخطوات الجريئة من فراغ، بل أن لديها ما يمكنها من إدارة الصراع خدمة لتحقيق أهدافها كلها أو بعضها، وفي هذه السياق يمكن الإشارة إلى ما يلي :


أولاً : لديها قدرات عسكرية هائلة تجعل أمريكا تعزف عن إمكانية اللجوء للحل العسكري معها، حيث اعترف مسؤول عسكري أمريكي بأن لدى كوريا الشمالية كثافة مرعبة لإطلاق النار بإتجاه القوات الأمريكية المتواجدة في محيطها، وبإتجاه جيرانها، في حين اندلاع حربي معها، حيث يقدر عدد القتلى المحتملين في أية مواجهة محتملة بمائة ألف قتيل.


ثانيا : إن الصواريخ الكورية الشمالية العابرة للقارات يمكن أن تضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وسبق لمسؤول في اللجنة العسكرية العليا في كوريا الشمالية، أن صرح في خضم التهديدات المتبادلة مع الإدارة الأمريكية قبل أكثر من ثلاثة أعوام بأن بوسع الصواريخ الكورية الشمالية أن تضرب مدنا أمريكية مثل سان فرانسيسكو، والوصول حتى ألاسكا في أقصى شمال الولايات المتحدة.


ثالثاً : إن كوريا الشمالية تقرأ المعادلة الدولية جدا، وتعرف حجم التناقض في المصالح بين الصين وروسيا من جهة وبين الولايات المتحدة والغرب عموما من جهة أخرى، وتدرك جيدا في ضوء هذا التناقض بأنه رغم وقوف روسيا والصين سابقا في مجلس الأمن مع الولايات المتحدة في فرض العقوبات عليها، إلا أنهما لن يقفا إلى جانب الولايات المتحدة في أية حرب محتملة ضدها، ناهيك أن الصين وروسيا لم تلتزما عملياً بالعقوبات التي تم فرضها عليها إثر التفجير النووي عام 2006.


رابعا ً : إن الصين رغم موقفها الرافض للتجارب النووية الكورية الشمالية، لا تزال تعتبر نفسها حليفاً للنظام الكوري الشمالي على الأرضية الشيوعية، رغم اختلاف التطبيق منذ أن سارت الصين على نهج الإنفتاح الذي اختطه الزعيم الصيني دينغ هيسينغ بياو في سبعينات القرن الماضي بعد وفاة ماو تسي تونغ، يضاف إلى ذلك العامل الديموغرافي حيث يوجد في إحدى المقاطعات الصينية المجاورة لكوريا الشمالية (10) ملايين صيني من أصل كوري شمالي.


خامساً: رغم الحصار المفروض على كوريا الشمالية، ورغم قلة الموارد، ورغم الظروف المناخية القاسية التي تسببت مراراً وتكراراً في تدمير المحاصيل الزراعية، إلا أن بيونغ يانغ لا تزال قادرة على الصمود وعلى تدبر أمورها، والإعتماد على نفسها جراء تمثل الشعب والنظام في كوريا الشمالية لفكرة لا تقل أهمية عن العقيدة الشيوعية، ألا وهي فكرة 'زوتشه' التي تقدس الإعتماد على الذات.


عليان عليان


elayyan_e@yahoo.com

Wapher | del.icio.us