حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


نص القصائد المذكورة فى مسلسل بالشام أهلى

nermeen 12-08-2008 GTM 2 @ 12:50

 

القصيدة الدمشقية

 

 

هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ

إنّي أحبُّ... وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ

 

أنا الدمشقيُّ.. لو شرحتمُ جسدي

لسـالَ  منهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ

 

و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم

سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا

 

زراعةُ القلبِ.. تشفي بعضَ من عشقوا

وما لقلـبي –إذا أحببـتُ- جـرّاحُ

 

مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني

و للمـآذنِ.. كالأشجارِ.. أرواحُ

 

للياسمـينِ حقـوقٌ في منازلنـا..

وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ

 

طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا

فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ

 

هذا مكانُ "أبي المعتزِّ".. منتظرٌ

ووجهُ "فائزةٍ" حلوٌ و لمـاحُ

 

هنا جذوري.. هنا قلبي... هنا لغـتي

فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟

 

كم من دمشقيةٍ باعـت أسـاورَها

حتّى أغازلها... والشعـرُ مفتـاحُ

 

أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ معتذراً

فهل تسامحُ هيفاءٌ ..ووضّـاحُ؟

 

خمسونَ عاماً.. وأجزائي مبعثرةٌ..

فوقَ المحيطِ.. وما في الأفقِ مصباحُ

 

تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـافَ لها..

وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاحُ

 

أقاتلُ القبحَ في شعري وفي أدبي

حتى يفتّـحَ نوّارٌ... وقـدّاحُ

 

ما للعروبـةِ تبدو مثلَ أرملةٍ؟

أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟

 

والشعرُ.. ماذا سيبقى من أصالتهِ؟

إذا تولاهُ نصَّـابٌ ... ومـدّاحُ؟

 

وكيفَ نكتبُ والأقفالُ في فمنا؟

وكلُّ ثانيـةٍ يأتيـك سـفّاحُ؟

 

حملت شعري على ظهري فأتعبني

ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟

 

 

 ***

 

 

ذئبة



" إلى راقصة شرقية "


.. وداستْ على أذرع الضوء ..
ترفضُ .. ميداءَ عذبهْ
كقافلة العطر .. تطوي المدى
سحبةٍ إثرَ سحبهْ
تلوبُ خلالَ المصابيح
نهراً .. أضاعَ مصبهْ
على شعرها الغجريِّ
يئنُ مساءٌ .. ورهبهْ
وفي ثغرها الكرزي المليء
تُبرعمُ رغبه على نقلة الساق ..
يهمرُ ثلجٌ .. وتخضلُّ تُربهْ
وفي مقلع للرخام ..
هنالكَ ، تنبضُ هضبهْ
إذا انفعلَ اللحنُ .. ثارتْ
شفاهاً .. وصدراً .. وركبهْ
وثدياً .. كزوبعة الفلِّ
يفتح في الريح دربهْ ..
تمدُّ إلى النجم .. ظفراً
غمسياً .. تحاولُ جذبهْ
وقد تنحني مرة في الطريقْ
لتلقط حبَّهْ ..
* * *
إذا انتحرَ اللحنُ .. راحتْ
تئنُّ على الأرض .. ذئبهْ ..

 

 

***

 

 

اكرهها (هرة)

 

اكرهها و اشتهى وصلها

وإنني أحب كرهي لها

أحب هذا المكر في عينها

وزورها إن زورت قولها

اكرهها عين كعين الذئب محتالة

طافت أكاذيب الهوى حولها

قد سكن الجنون أحداقها

وأطفأت ثورتها عقلها

اشك في شكي إذا أقبلت باكية

شارحة ذلها

فان ترفقت بها استكبرت

و جررت ضحكة ذيلها

إن عانقتني كسرت أضلعي

و أفرغت على فمي غلها

يحبها حقدي ويا طالما وددت

إذ طوقتها قتلها

 

 

 

***

 

 

 

 

 

 

 

قصّةُ راشيل شوازنبرغ

(نـزار قبّـاني)

 

أكتُبُ للصغـارْ..

للعرب الصغار حيث يُوجَـدونْ

لهُمْ،

على اختلاف اللـونِ،

والأَعمـارِ،

والعيـونْ

أكتُبُ للذينَ سوف يُولَـدونْ

لهُمْ أنا أكتُـبُ..

للصغـارْ..

لأعينٍ يركُضُ في أحداقها النـهارْ

أكتُبُ باختصـارْ

قَصَّةَ إرهابيّةٍ مُجَنَّـدَهْ

يدعونَها (راشيـلْ)

قضَتْ سنينَ الحرب في زَنْزَانَةٍ منفـرِدَهْ

شيَّدها الألْمَانُ في بـراغْ

كان أبُوها قَذِراً من أقذر اليـهودْ

يزوِّرُ النُقُـودْ

وهي تُديرُ منزلاً للفُحْشِ في بـراغْ

*

وآلتِ الحربُ إلى ختـامْ

وأُعْلِنَ السَـلامْ

ووقَّعَ الكبـارْ

أربعةٌ.. يلقّبونَ نفسَهم كِبَـارْ

صكَّ وجود الأمم المُتّحِـدَهْ

*

... وأبْحَرَتْ من شرق أوروبـا

مع الصبـاحْ...

سفينةٌ تلعنُها الريـاحْ

وجْهَتُها الجنوب

تغصُّ بالجرذان، والطاعونِ، واليـهودْ

كانوا خليطاً من سُقاطة الشعـوبْ

من أرض بولنـدا،

من النمسـا..

من اسـطمبولَ

من بـراغْ..

من آخر الأرضِ، من السـعيرْ

جاؤوا إلى موطننا الصغـيرْ

موطِننا المُسَالِم الصغـيرْ

فلطّخَوا ترابَنـا

وأعدموا نسـاءَنا

ويتَّموا أطفالَنـا

ولا تزالُ الأُمَمُ المتَّحـدهْ

ولم يزل ميثاقُها الخطـيرْ

يبحثُ في حرّية الشعـوبْ

وحقِّ تقرير المصـيرْ

والمُثُلِ المُجـرَّدَهْ

*

فليّذْكُرِ الصِغَـارْ..

العربُ الصغارُ حيث يُوجَـدونْ

من وُلدوا منهُمْ، ومَنْ (سَـيولَدُونْ)

قصةَ إرهابيّةٍ مجنَّـدَهْ

يدعُونَها (راشيـلْ)

حلَّتْ محلَّ أُمِّيَ الممـدَّدَهْ

في أرض بيّارتِنا الخضراء في الجليـلْ

أُمّي أنا الذبيحةُ المُسْـتَشْهَدهْ..

وليذْكُرِ الصغـارْ..

حكايةَ الأرض التي ضيَّعَها الكبـارْ..

والأُمَمُ المتَّحـدهْ..

*

أكتُبُ للصغـارْ

قصَّةَ بئر السبعِ، واللطْرُونِ، والخليـلْ

هل يذكُرُ الليمونُ في الرملـةَ،

في اللـدِّ..

وفي الجليـلْ

أختي التي علَّقَها اليهودُ في الأصيـلْ

من شعرها الطويـلْ

أختي أنا نُـوارْ

أختي أنا الهتيكـةُ الإزرارْ

أختي التي ما زال جرحُها الطليـلْ

ما زال بانتظـارْ

نهارِ ثأرٍ واحـدٍ

نهارِ ثـارْ..

على يد الصغـارْ

جيلٍ فدائيٍّ من الصغـارْ

يعرفُ عن نُوارْ

وشَعْرِها الطويـلْ

وقَبْرِهَا الضائعِ في القفـارْ

أكثرَ مما يعرفُ الكبـارْ..

أكتُبُ للصغـارْ

أكتُبُ عن يافا، وعن مرفئها القـديمْ

عن بقعةٍ غالية الحجـارْ

يُضيءُ بُرْتُقَالُها كَخَيْمة النُجُـومْ

تضمُّ قَبْرَ والـدي..

وإخوتي الصغـارْ

هل تعرفونَ والـدي؟

وإخوتي الصغـارْ؟

إذْ كان في يافا لنا، حديقـةٌ ودارْ..

يلفُّها النعيـمْ..

وكان والدي الرحيـمْ

مزارعاً شيخاً يُحِبُّ الشمسَ والـترابْ

واللهَ، والزيتونَ، والكُـرُومْ

كان يُحِبُّ بيتَـهُ..

وزوجَـهُ..

والشَجَرَ المُثْقَلَ بـالنجومْ..

*

.. وجاءَ أغْرابٌ مع الغيـابْ

من شرقِ أوروبـا..

ومن غياهَب السـجونْ

فأَتْلَفُوا الثمـارْ..

وكسَّروا الغصـونْ

وأشعلوا النيرانَ في بيادر النجـومْ

والخمسةُ الأطفال في وُجُـومْ

والليلُ في وجـومْ..

واشتعلتْ في والدي كرامةُ الـترابْ

فصاح فيهم: اذهبوا إلى الجحيـمْ

لن تسلبوا أرضي يا سُلالَة الكـلابْ!!

*

... وماتَ والدي الرحيـمْ

بطَلْقةٍ سدَّدَها كلبٌ من الكـلابْ

عليه، ماتَ والدي العظيـمْ

في الموطن العظيـمْ

وكَفُّهُ مشدودةٌ شَدّاً إلى الـتُرَابْ

فليذكُرِ الصغـارْ

العربُ الصغارُ حيثُ يوجَـدونْ

مَنْ وُلِدُوا منهُمْ.. ومَنْ سَـيُولَدُونْ

ما قيمةُ الـتُرابْ

لأنَّ في انتظارهمْ معركةَ الـتُرابْ...

 

 

 

 

***

 

 




 جميلة بو حيرد

الاسم: جميلةُ بو حَيرَدْ



رقمُ الزنزانةِ: تِسعُون
في السجن الحربيَّ بوَهران
والعمرُ اثنانِ وعشرُون
عينانِ كقنديلي معبَدْ
والشعرُ العربيُّ الأسوَدْ
كالصيفِ ..
كشلاَّلِ الأحزان
إبريقٌ للماءِ .. وسجَّان
ويدٌ تنضمُّ على القُرآن
وامرأةٌ في ضوء الصبحِ
تسترجع في مثل البوحِ
آياتٍ مُحزنة الأرنان
من سُورةِ (مَريمَ) و(الفتَحِ)
*
الاسمُ: جميلةُ بو حيَردْ
اسمٌ مكتوبٌ باللهَبِ ..
مغموسٌ في جُرح السُحُبِ
في أدَب بلادي. في أدَبي ..
العُمرُ اثنانِ وعشروُن
في الصدر استوطن زوجُ حَمام
والثغرُ الراقدُ غصنُ سَلام
امرأةٌ من قُسطنطينة
لم تعرف شفتاها الزينة
لم تدخُل حجرتَها الأحلام
لم تلعبْ أبداً كالأطفالْ
لم تُغرم في عقدٍ أو شال
لم تعرف كنساءِ فرنسا
أقبيةَ اللذَّةِ في (بيغال)
*
الاسمُ: جميلةُ بو حَيَردْ
أجملُ أغنيةٍ في المغرب
أطولُ نَخلَهْ
لمحتها واحاتُ المغرِب
أجملُ طفلَهْ
أتعبتِ الشمسَ ولم تتعب
يا ربّي . هل تحتَ الكوكَب ؟
يوجدُ إنسانْ
يرضى أن يأكُلَ .. أن يشرَب
من لحم مُجاهِدةٍ تُصلب ..
*
أضواءُ ( الباستيلِ) ضئيلة
وسُعالُ امرأةٍ مُسلُولة ..
أكلتْ من نهديها الأغلال
أكلَ الأنذالْ
( لاكوستُ) وآلافُ الأنذال
من جيش فرنسا المغلوبة
انتصروا الآن على أنثى
أنثى .. كالشمعة مصلوبة
القيد يعضُّ على القَدمَين
وسجائرُ تُطفأ في النهدين
ودمٌ في الأنفِ .. وفي الشفتين
وجراحُ جميلةُ بو حيرد
هيَ والتحريرُ على موعِد
*
مقصلةٌ تنصبُ .. والشرار
يلهونَ بأنثى دون إزار
وجميلةُ بين بنادقِهم
عصفورٌ في وسط الأمطار
الجسدُ الخمريَّ الأسمر
تنفضُهُ لمساتُ التيَّار
وحروقٌ في الثدي الأيسَر
في الحلمةِ ..
في .. في .. يا للعار ..
*
الاسمُ: جميلةُ بو حَيردَ
تاريخٌ: ترويه بلادي
يحفظُهُ بعدي أولادي
تاريخ امرأة من وطني
جلدت مقصلةَ الجلاَّدِ ..
إمرأةٌ دوَّختِ الشمس
جرحت أبعادَ الأبعادِ ..
ثائرةٌ من جبل الأطلَس
يذكرها الليلكُ والنرجس
يذكرُها .. زهرُ الكبَّاد ..
ما أصغرَ( جان داركَ ) فرنسا
في جانب( جان داركَ ) بلادي..


 

 

 

 

 

***

 

 

 

أبى

 

أمات أبوك ؟

ضلال .. أنا لا يموت أبى

ففى البيت منه ..

 روائح رب وذكرى نبى

هنا ركنه .. تلك أشياؤه

تفتق عن ألف غصن صبى

جريدته .. تبغه .. متكأه

كأن أبى , بعد , لم يذهب ..

وصحن الرماد .. و فنجانه

على حاله , بعد لم يُشرب

و نظارتاه .. أيسلو الزجاج عيونا

أشف من المغرب

بقاياه , فى الحجرات الفساح

بقايا النسور على الملعب

أجول الزوايا عليه , فحث

أمر .. أمر على معشب

أشد يديه .. أميل عليه

أصلى على صدره المتعب

أبى .. لم يزل بيننا - والحديث

حديث الكؤوس على المشرب

يسامرنا , فالدوالى الحبالى

توالد من ثغره الطيب

أبى , خبرا كان من جنة

و معنى من الأرحب الأرحب

و عينا أبى ملجأ للنجوم

فهل يذكر الشرق عينى أبى ؟

بذاكرة الصيف من والدى

كروم .. وذاكرة الكوكب ..

أبى .. يا أبى .. إن تاريخ طيب

وراءك يمشى , فلا تعتب

على اسمك نمضى .. فمن طيب

شهى المجانى إلى أطيب

حملتك فى صحو عينى حتى

تهيأ للناس أنى أبى ..

أشيلك حتى بنبرة صوتى

فكيف ذهبت ولا زلت بى ؟

إذا فلة الدار أعطت لدينا

ففى البيت ألف فم مذهب

فتحنا لتموز أبوابنا

ففى الصيف , لابد , يأتى أبى 

 

 

 

 

***

 

 

خبز وحشيش وقمر ..

 

عندما يولد في الشرق القمر ..

فالسطوح البيض تغفو

تحت أكداس الزهر ..

يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر

لملاقاة القمر ..

يحملون الخبز .. والحاكي .. إلى رأس الجبال

ومعدات الخدر ..

ويبيعون .. ويشرون .. خيال

وصور ..

ويموتون .. إذا عاش القمر ..

ما الذي يفعله قرص ضياء ؟

ببلادي ..

ببلاد الأنبياء ..

وبلاد البسطاء ..

ماضغي التبغ وتجار الخدر ..

ما الذي يفعله فينا القمر ؟

فنضيع الكبرياء ..

ونعيش لنستجدي السماء ..

ما الذي عند السماء ؟

لكسالى .. ضعفاء ...

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر ..

ويهزون قبور الأولياء ..

علها ترزقهم رزا .. وأطفالا .. قبور الأولياء

ويمدون السجاجيد الأنيقات الطرر ..

يتسلون بأفيون نسميه قدر ..

وقضاء ..

في بلادي .. في بلاد البسطاء ..

أي ضعف وانحلال ..

يتولانا إذا الضوء تدفق

فالسجاجيد .. وآلاف السلال .

وقداح الشاي .. والأطفال .. تحتل التلال .

في بلادي

حيث يبكي الساذجون ..

ويعيشون على الضوء الذي لا يبصرون

في بلادي

حيث يحيا الناس من دون عيون ..

حيث يبكي الساذجون ..

ويصلون ..

ويزنون ..

ويحيون اتكال ..

منذ أن كانوا يعيشون اتكال ..

وينادون الهلال :

" يا هلال ..

أيها النبع الذي يمطر ماس ..

وحشيشا .. ونعاس ..


أيها الربُّ الرخاميُّ المعلّقْ 


أيها الشيء الذي ليس يصدق ..

دمت للشرق .. لنا

عنقود ماس ..

للملايين التي قد عطلت فيها الحواس "

في ليالي الشرق لما ..

يبلغ البدر تمامه ..

يتعرى الشرق من كل كرامة

ونضال ..

فالملايين التي تركض من غير نعال .

الملايين التي لا تلتقي بالخبز ..

إلا في الخيال .. 

والتي تؤمنُ في أربعِ زوجاتٍ..

وفي يومِ القيامة..

والتي تسكن في الليل بيوتا

من سعال ..

أبدا .. ما عرفت شكل الدواء ..

تتردى جثثا تحت الضياء ..

في بلادي ..

حيث يبكي الأغبياء ..

ويموتون بكاء ..

كلما طالعهم وجه الهلال

ويزيدون بكاء ..

كلما حركهم عود ذليل .. و " ليالي

ذلك الموت الذي ندعوه في الشرق ..

" ليالي " .. وغناء

في بلادي ..

في بلاد البسطاء ..

حيث نجتر التواشيح الطويلة ..

ذلك السل الذي يفتك بالشرق ..

التواشيح الطويلة ..

شرقنا المجتر .. تاريخا

وأحلاما كسولة ..

وخرافات خوالي ..

شرقنا ، الباحث عن كل بطولة ..

في أبي زيد الهلالي

 

 

 

 

 

***

 

 

 

 

خمس رسائل إلى أمي

صباحُ الخيرِ يا حلوة..

صباحُ الخيرِ يا قدّيستي الحلوة

مضى عامانِ يا أمّي

على الولدِ الذي أبحر

برحلتهِ الخرافية

وخبّأَ في حقائبهِ

صباحَ بلادهِ الأخضر

وأنجمَها، وأنهُرها، وكلَّ شقيقها الأحمر

وخبّأ في ملابسهِ

طرابيناً منَ النعناعِ والزعتر

وليلكةً دمشقية..

أنا وحدي..

دخانُ سجائري يضجر

ومنّي مقعدي يضجر

وأحزاني عصافيرٌ..

تفتّشُ –بعدُ- عن بيدر

عرفتُ نساءَ أوروبا..

عرفتُ عواطفَ الإسمنتِ والخشبِ

عرفتُ حضارةَ التعبِ..

وطفتُ الهندَ، طفتُ السندَ، طفتُ العالمَ الأصفر

ولم أعثر..

على امرأةٍ تمشّطُ شعريَ الأشقر

وتحملُ في حقيبتها..

إليَّ عرائسَ السكّر

وتكسوني إذا أعرى

وتنشُلني إذا أعثَر

أيا أمي..

أيا أمي..

أنا الولدُ الذي أبحر

ولا زالت بخاطرهِ

تعيشُ عروسةُ السكّر

فكيفَ.. فكيفَ يا أمي

غدوتُ أباً..

ولم أكبر؟

صباحُ الخيرِ من مدريدَ

ما أخبارها الفلّة؟

بها أوصيكِ يا أمّاهُ..

تلكَ الطفلةُ الطفلة

فقد كانت أحبَّ حبيبةٍ لأبي..

يدلّلها كطفلتهِ

ويدعوها إلى فنجانِ قهوتهِ

ويسقيها..

ويطعمها..

ويغمرها برحمتهِ..

.. وماتَ أبي

ولا زالت تعيشُ بحلمِ عودتهِ

وتبحثُ عنهُ في أرجاءِ غرفتهِ

وتسألُ عن عباءتهِ..

وتسألُ عن جريدتهِ..

وتسألُ –حينَ يأتي الصيفُ-

عن فيروزِ عينيه..

لتنثرَ فوقَ كفّيهِ..

دنانيراً منَ الذهبِ..

سلاماتٌ..

سلاماتٌ..

إلى بيتٍ سقانا الحبَّ والرحمة

إلى أزهاركِ البيضاءِ.. فرحةِ "ساحةِ النجمة"

إلى تختي..

إلى كتبي..

إلى أطفالِ حارتنا..

وحيطانٍ ملأناها..

بفوضى من كتابتنا..

إلى قططٍ كسولاتٍ

تنامُ على مشارقنا

وليلكةٍ معرشةٍ

على شبّاكِ جارتنا

مضى عامانِ.. يا أمي

ووجهُ دمشقَ،

عصفورٌ يخربشُ في جوانحنا

يعضُّ على ستائرنا..

وينقرنا..

برفقٍ من أصابعنا..

مضى عامانِ يا أمي

وليلُ دمشقَ

فلُّ دمشقَ

دورُ دمشقَ

تسكنُ في خواطرنا

مآذنها.. تضيءُ على مراكبنا

كأنَّ مآذنَ الأمويِّ..

قد زُرعت بداخلنا..

كأنَّ مشاتلَ التفاحِ..

تعبقُ في ضمائرنا

كأنَّ الضوءَ، والأحجارَ

جاءت كلّها معنا..

أتى أيلولُ يا أماهُ..

وجاء الحزنُ يحملُ لي هداياهُ

ويتركُ عندَ نافذتي

مدامعهُ وشكواهُ

أتى أيلولُ.. أينَ دمشقُ؟

أينَ أبي وعيناهُ

وأينَ حريرُ نظرتهِ؟

وأينَ عبيرُ قهوتهِ؟

سقى الرحمنُ مثواهُ..

وأينَ رحابُ منزلنا الكبيرِ..

وأين نُعماه؟

وأينَ مدارجُ الشمشيرِ..

تضحكُ في زواياهُ

وأينَ طفولتي فيهِ؟

أجرجرُ ذيلَ قطّتهِ

وآكلُ من عريشتهِ

وأقطفُ من بنفشاهُ

دمشقُ، دمشقُ..

يا شعراً

على حدقاتِ أعيننا كتبناهُ

ويا طفلاً جميلاً..

من ضفائرنا صلبناهُ

جثونا عند ركبتهِ..

وذبنا في محبّتهِ

إلى أن في محبتنا قتلناهُ...
 

 

 

 

 

 

 

بردت قهوتنا

 

انتهت قهوتنا
وانتهت قصتنا
و انتهى الحب الذى كنت أسميه عنيفا
عندما كنت سخيفا ..
و ضعيفا ..
عندما كانت حياتى مسرحا للترهات
عندما ضيعت فى حبك أزهى سنواتى
بردت قهوتنا
بردت
حجرتنا
فلنقل ما عندنا
بوضوح , فلنقل ما عندنا
أنا ما عدت بتاريخك شيئا
أنت ما عدت بتاريخى شيئا
ما الذى غيرنى ؟
لم أعد أبصر فى عينيك ضوءا
ما الذى حررنى ؟
من حكاياك القديمة ..
من قضاياك السقيمة ..
بعد أن كنت أميرة ..
بعد أن صورك الوهم لعينى .. أميرة
بعد أن كانت ملايين النجوم فوق أحداقك تغلى
كالعصافير الصغيرة
ما الذى حركنى ؟
كيف مزقت خيوط الكفن ؟
وتمردت على الشوق الأجير ..
وعلى الليل .. على الطيب .. على جر الحرير
بعد أن كان مصيرى
مرة , يرسم بالشعر القصير
مرة , يرسم بالثغر الصغير
ما الذى أيقظنى ؟

ما الذى أرجع إيمانى إليَّ

و مسافاتى ، وأبعادى ، إليَّ

كيف حطمت إلهى بيدييَّ ؟

بعد أن كاد الصدأ يأكلنى

ما الذى صيرنى ؟؟

لا أرى فى حسنك العادى شيا

ولا أرى فيك ولا فى عينيك شيا

بعد أن كنت لدىَّ

قمة فوق ادعاء الزمن ..

عندما كنتُ غبيا ..


 

 

 

 

 

***

 

 

رسائل لم تكتب لها

مزقيها
..
كتبي الفارغة الجوفاء إن تستلميها..
والعنيني .. والعنيها
كاذبا كنت .. وحبي لك دعوى أدعيها
إنني أكتب للهو.. فلا تعتقدي ما جاء فيها
فأنا - كاتبها المهووس - لا أذكره

ما جاء فيها ..
اقذفيها ..
اقذفي تلك الرسالات .. بسل المهملات
واحذري..
أن تقعي في الشرك المخبوء بين الكلمات
فأنا نفسي لا أدرك معنى كلماتي

فكري تغلي..
ولا بد لطوفان ظنوني من قناة
أرسم الحرف
كما يمشي مريض في سبات
فإذا سودت في الليل تلال الصفحات
فلأن الحرف، هذا الحرف جزء من حياتي
ولأني رحلة سوداء في موج الدواة
أتلفيها
..
وادفني كل رسالاتي بأحشاء الوقود
واحذري أن تخطئي..
أن تقرئي يوما بريدي
فأنا نفسي لا أذكر ما يحوي بريدي!..
وكتاباتي،
وأفكاري،
وزعمي،
ووعودي،

لم تكن شيئا ، فحبي لك جزء من شرودي
فأنا أكتب كالسكران
لا أدري اتجاهي وحدودي
أتلهي بك، بالكلمة ، تمتص وريدي
فحياتي كلها..
شوق إلى حرف جديد
ووجود الحرف من أبسط حاجات وجودي

هل عرفت الآن ما معنى بريدي؟
 


 

 

***

 

 

 

وجودية

كان اسمُها جانينْ..


لقيتُها- أذكرُ- في باريسَ من سنينْ


أذكُرُ في مغارة (التابُو)


وهي فرنسيَّة..


في عينها تبكي سماءُ باريسَ الرماديَّة


وهي وجوديَّة


تعرفُها من خُفهَّا الجميل


من هسَهسَاتِ الحلقِ الطويلْ


كأنه غرغرةُ الضوء بفُسقيَّة..


تعرفُها من قصَّة الشعر الغُلاميَّة..


من خُصلةٍ في الليل مزروعةٍ


وخُصلةٍ.. لله مرميَّة


كان اسمُها جانين..


بنطالُها سحبةُ كبرياءْ


خيمةُ حسنٍ تحتها.. يختبيءُ المساء


وتولدُ النجوم


وخفها المقطَّعُ الصغيرْ


سفينةٌ مجهولةُ المصيرْ


تقول لجاز: ابتديء


أريد أن أطيرْ..


مع العصافير الشتائيَّة..


إلى مسافاتٍ خُرافيَّة


أريد أن أصيرْ


أغنيةً أو جُرح أغنَّية


تمضي بلا اتجاه


تحت المصابيح المسائيَّة


في حارةٍ ضيقةٍ،


في ليل باريسَ الرماديَّة


كان اسمُها جانينْ..


وهي وجوديَّة


تعيشُ في التابو .. وللتابُو


وليلُها جازٌ وسردابُ ..


صندلها المنسوجُ من رعود


يزيدُ من إغرائها


وكيسُها الراقصُ من ورائها..


صديقُها في رحلة الوجود


تقولُ للحنِ: انهمرْ


أريدُ أن أرودْ


جزائراً في الأرض منسيَّة


جزائراً مرسومةً بأدمع الورودْ


ليس لها سورٌ.. ولا بابٌ.. ولا حدودْ


*


كانتْ وجُوديَّة


لأنها إنسانةٌ حيَّة..


تريدُ أن تختارَ ما تراه


تريد أن تمزَّق الحياة..


من حُبَّها الحياةْ..


*


كانت فرنسيَّة


في عينها تبكي سماءُ باريسَ الرماديَّة


كان اسمُها جانينْ..

 


 

 

***

 

 

أيظن؟

 

 

أَيَـظُـنُّ أنِّـي لُعبَـةٌ بيَدَيْـهِ ؟

أنـا لا أفَكِّـرُ بالرّجـوعِ إليـهِ

 

اليومَ عادَ .. كأنَّ شـيئاً لم يكُـنْ

وبراءةُ الأطـفالِ في عَـيْنيْهِ ...

 

ليقـولَ لي : إنِّي رفيقـةُ دربِـهِ

وبأنّني الحـبُّ الوحيـدُ لَدَيْـهِ..

 

حَمَلَ الزّهورَ إليَّ .. كيـفَ أرُدُّهُ

وصِبَايَ مرسـومٌ على شَـفَتَيْهِ ؟

 

ما عدْتُ أذكُرُ، والحرائقُ في دَمي

كيـفَ التجَـأْتُ أنا إلى زَنْدَيْـهِ

 

خبَّأتُ رأسـي عنـدَهُ ... وكأنّني

طفـلٌ أعـادوهُ إلـى أبَوَيْـهِ ..

 

حـتّى فسـاتيني التي أهملتُـها

فَرحَتْ بهِ .. رَقَصَتْ على قَدَمَيْهِ

 

سـامَحتُهُ.. وسـألتُ عن أخبارِهِ

وبكيـتُ سـاعاتٍ على  كَتِفَيْـهِ

 

وبدونِ أن أدري تركتُ له يـدي

لتنامَ كالعصفـورِ بيـنَ يَدَيـْهِ ..

 

ونَسيتُ حقدي كُلَّهُ فـي لَحظَـةٍ

مَن قالَ إنّي قد حَقَـدْتُ عليهِ ؟

 

كَم قُلتُ إنّي غيـرُ عائـدَةٍ لـهُ

ورَجعتُ .. ما أحلى الرّجوعَ إليهِ

 

 

 

 

***

 





حُبلى

 

 

لا تَمْتَقِعْ !

هي كِلْمَةٌ عَجْلى

إنّي لأَشعُرُ أنّني حُبلى ..

وصرختَ كالمسلوعِ بي .. " كَلاّ " ..

سنُمَزِّقُ الطفلا ..

وأخذْتَ تشتِمُني ..

وأردْتَ تطردُني ..

لا شيءَ يُدهِشُني ..

فلقد عرفتُكَ دائماً نَذْلا ..

 

*

 

وبعثتَ بالخَدَّامِ يدفعُني ..

في وحشةِ الدربِ

يا مَنْ زَرَعتَ العارَ في صُلبي

وكسرتَ لي قلبي ..

ليقولَ لي :

" مولايَ ليسَ هُنا .. "

مولاهُ ألفُ هُنا ..

لكنَّهُ جَبُنا ..

لمّا تأكّدَ أنّني حُبلى ..

 

*

 

ماذا ؟ أتبصِقُني

والقيءُ في حَلقي يدمِّرُني

وأصابعُ الغَثَيانِ تخنقُني ..

ووريثُكَ المشؤومُ في بَدَني

والعارُ يسحقُني ..

وحقيقةٌ سوداءُ .. تملؤني

هي أنّني حُبلى ..

 

*

ليراتُكَ الخمسون ..

تُضحكُني ..

لمَن النقودُ .. لِمَنْ ؟

لتُجهِضَني ؟

لتخيطَ لي كَفَني ؟

هذا إذَنْ ثَمَني ؟

ثمنُ الوَفا يا بُؤرَةَ العَفَنِ ..

أنا لم أجِئكَ لِمالِكَ النتِنِ ..

" شكراً .. "

سأُسقِطُ ذلكَ الحَمْلا

أنا لا أريدُ لهُ أباً نَذْلا ..


 

 

 

 

***

 

 

القدس

 

بكيت.. حتى انتهت الدموع

صليت.. حتى ذابت الشموع

ركعت.. حتى ملّني الركوع

سألت عن محمد، فيكِ وعن يسوع

يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء

يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء

 

يا قدسُ، يا منارةَ الشرائع

يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابع

حزينةٌ عيناكِ، يا مدينةَ البتول

يا واحةً ظليلةً مرَّ بها الرسول

حزينةٌ حجارةُ الشوارع

حزينةٌ مآذنُ الجوامع

يا قُدس، يا جميلةً تلتفُّ بالسواد

من يقرعُ الأجراسَ في كنيسةِ القيامة؟

صبيحةَ الآحاد..

من يحملُ الألعابَ للأولاد؟

في ليلةِ الميلاد..

 

يا قدسُ، يا مدينةَ الأحزان

يا دمعةً كبيرةً تجولُ في الأجفان

من يوقفُ العدوان؟

عليكِ، يا لؤلؤةَ الأديان

من يغسل الدماءَ عن حجارةِ الجدران؟

من ينقذُ الإنجيل؟

من ينقذُ القرآن؟

من ينقذُ المسيحَ ممن قتلوا المسيح؟

من ينقذُ الإنسان؟

 

يا قدسُ.. يا مدينتي

يا قدسُ.. يا حبيبتي

غداً.. غداً.. سيزهر الليمون

وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون

وتضحكُ العيون..

وترجعُ الحمائمُ المهاجرة..

إلى السقوفِ الطاهره

ويرجعُ الأطفالُ يلعبون

ويلتقي الآباءُ والبنون

على رباك الزاهرة..

يا بلدي..

يا بلد السلام والزيتون

 

 



***

 



مع جريدة

 

 

أخرجَ من معطفهِ الجريدة..

وعلبةَ الثقابِ

ودون أن يلاحظَ اضطرابي..

ودونما اهتمامِ

تناولَ السكَّرَ من أمامي..

ذوَّب في الفنجانِ قطعتين

ذوَّبني.. ذوَّب قطعتين

وبعدَ لحظتين

ودونَ أن يراني

ويعرفَ الشوقَ الذي اعتراني..

تناولَ المعطفَ من أمامي

وغابَ في الزحامِ

مخلَّفاً وراءه.. الجريدة

وحيدةً

مثلي أنا.. وحيدة


 

 

 

 

 

 

 

 

***

 

 




رسالة جندي في جبهة السويس

 

الرسالة الأولى 29/10/1956

يا والدي!

هذي الحروفُ الثائرة

تأتي إليكَ من السويسْ

تأتي إليكَ من السويسِ الصابرة

إني أراها يا أبي، من خندقي، سفنُ اللصوصْ

محشودةٌ عندَ المضيقْ

هل عادَ قطّاعُ الطريقْ؟

يتسلّقونَ جدارنا..

ويهدّدون بقاءنا..

فبلادُ آبائي حريقْ

إني أراهم، يا أبي، زرقَ العيونْ

سودَ الضمائرِ، يا أبي، زُرقَ العيونْ

قرصانهم، عينٌ من البللورِ، جامدةُ الجفونْ

والجندُ في سطحِ السفينةِ.. يشتمونَ.. ويسكرونْ

فرغتْ براميلُ النبيذِ.. ولا يزالُ الساقطونْ..

يتوعّدونْ

 

الرسالة الثانية 30/10/1956

 

هذي الرسالةُ، يا أبي، من بورسعيدْ

أمرٌ جديدْ..

لكتيبتي الأولى ببدءِ المعركة

هبطَ المظليّونَ خلفَ خطوطنا..

أمرٌ جديدْ..

هبطوا كأرتالِ الجرادِ.. كسربِ غربانٍ مُبيدْ

النصفُ بعدَ الواحدة..

وعليَّ أن أُنهي الرسالة

أنا ذاهبٌ لمهمّتي

لأرُدَّ قطّاعَ الطريقِ.. وسارقي حرّيتي

لكَ.. للجميعِ تحيّتي.

 

الرسالة الثالثة 31/10/1956

 

الآنَ أفنَينا فلولَ الهابطينْ

أبتاهُ، لو شاهدتَهم يتساقطونْ

كثمارِ مشمشةٍ عجوزْ

يتساقطونْ..

يتأرجحونْ

تحتَ المظلاتِ الطعينةِ

مثلَ مشنوقٍ تدلّى في سكونْ

وبنادقُ الشعبِ العظيمِ.. تصيدُهم

زُرقَ العيونْ

لم يبقَ فلاحٌ على محراثهِ.. إلا وجاءْ

لم يبقَ طفلٌ، يا أبي، إلا وجاءْ

لم تبقَ سكّينٌ.. ولا فأسٌ..

ولا حجرٌ على كتفِ الطريقْ..

إلا وجاءْ

ليرُدَّ قطّاعَ الطريقْ

ليخُطَّ حرفاً واحداً..

حرفاً بمعركةِ البقاءْ

 

الرسالة الرابعة 1/11/1956

 

ماتَ الجرادْ

أبتاهُ، ماتتْ كلُّ أسرابِ الجرادْ

لم تبقَ سيّدةٌ، ولا طفلٌ، ولا شيخٌ قعيدْ

في الريفِ، في المدنِ الكبيرةِ، في الصعيدْ

إلا وشاركَ، يا أبي

في حرقِ أسرابِ الجرادْ

في سحقهِ.. في ذبحهِ حتّى الوريدْ

هذي الرسالةُ، يا أبي، من بورسعيدْ

من حيثُ تمتزجُ البطولةُ بالجراحِ وبالحديدْ

من مصنعِ الأبطالِ، أكتبُ يا أبي

من بورسعيدْ..

 

 

 

 

 

***

 

 

 

 

 

أحزان في الأندلس

 

كتبتِ لي يا غالية..

 

كتبتِ تسألينَ عن إسبانية

 

عن طارقٍ، يفتحُ باسم الله دنيا ثانيه..

 

عن عقبة بن نافعٍ

 

يزرع شتلَ نخلةٍ..

 

في قلبِ كلِّ رابية..

 

سألتِ عن أميةٍ..

 

سألتِ عن أميرها معاوية..

 

عن السرايا الزاهية

 

تحملُ من دمشقَ.. في ركابِها

 

حضارةً وعافية..

 



 

لم يبقَ في إسبانية

 

منّا، ومن عصورنا الثمانية

 

غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،

 

بجوف الآنية..

 

وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ

 

ما زال في سوادها ينامُ ليلُ البادية..

 

لم يبقَ من قرطبةٍ

 

سوى دموعُ المئذناتِ الباكية

 

سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليه..

 

لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..

 

قافيةٌ ولا بقايا قافيه..

 



 

لم يبقَ من غرناطةٍ

 

ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراوية

 

وغيرُ "لا غالبَ إلا الله"

 

تلقاك في كلِّ زاوية..

 

لم يبقَ إلا قصرُهم

 

كامرأةٍ من الرخام عارية..

 

تعيشُ –لا زالت- على

 

قصَّةِ حُبٍّ ماضيه..

 



 

مضت قرونٌ خمسةٌ

 

مذ رحلَ "الخليفةُ الصغيرُ" عن إسبانية

 

ولم تزل أحقادنا الصغيرة..

 

كما هيَه..

 

ولم تزل عقليةُ العشيرة

 

في دمنا كما هيه

 

حوارُنا اليوميُّ بالخناجرِ..

 

أفكارُنا أشبهُ بالأظافرِ

 

مَضت قرونٌ خمسةٌ

 

ولا تزال لفظةُ العروبة..

 

كزهرةٍ حزينةٍ في آنية..

 

كطفلةٍ جائعةٍ وعارية

 

نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهية..

 



 

مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غالية

 

كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانية..

 


 

 


 

***

 

 

 




غرناطة

 

 

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا

ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد

 

عينان سوداوان في جحريهما

تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد

 

هل أنت إسبانـية؟ ساءلـتها

قالت: وفي غـرناطة ميلادي

 

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة

في تينـك العينين.. بعد رقاد

 

وأمـية راياتـها  مرفوعـة

وجيـادها موصـولة بجيـاد

 

ما أغرب التاريخ كيف أعادني

لحفيـدة سـمراء من أحفادي

 

وجه دمشـقي رأيت خـلاله

أجفان بلقيس وجيـد سعـاد

 

ورأيت منـزلنا القديم وحجرة

كانـت بها أمي تمد وسـادي

 

واليـاسمينة رصعـت بنجومها

والبركـة الذهبيـة الإنشـاد

 

ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينها

في شعـرك المنساب ..نهر سواد

 

في وجهك العربي، في الثغر الذي

ما زال مختـزناً شمـوس بلادي

 

في طيب "جنات العريف" ومائها

في الفل، في الريحـان، في الكباد

 

سارت معي.. والشعر يلهث خلفها

كسنابـل تركـت بغيـر حصاد

 

يتألـق القـرط الطـويل بجيدها

مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..

 

ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي

وورائي التاريـخ كـوم رمـاد

 

الزخـرفات.. أكاد أسمع نبـضها

والزركشات على السقوف تنادي

 

قالت: هنا "الحمراء" زهو جدودنا

فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي

 

أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازفاً

ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي

 

يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت

أن الـذين عـنتـهم أجـدادي

 

عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها

رجلاً يسمـى "طـارق بن زياد"


 

 

 

***

 

 

 

ماذا أقول له

 

ماذا أقول له لو جاء يسألني

إن كنت أكرهه أو كنت أهواه
ماذا أقول إذا راحت أصابعه
تلملم الليل عن شعري وترعاه
وكيف أسمح أن يدنو بمقعده
وأن تنام على خصري ذراعاه
غداً غداً إذا جاء أعطيه رسائله
ونطعم النار أحلى ما كتبناه
حبيبتي .. هل أنا حقاً حبيبته
وهل أصدق بعد الهجر دعواه
أما انتهت من سنين قصتي معه
ألم تمت كخيوط الشمس ذكراه
أما كسرنا كؤوس الحب من زمن
فكيف نبكي على كأس كسرناه
رباه أشياءه الصغرى تعذبني
فكيف أنجو من الأشياء
هنا جريدته في الركن مهملة
هنا كتاب معاً كنا قرأناه
على المقاعد بعض من سجائره
وفي الزوايا بقايا من بقاياه
مالي أحدق في المرآة أسألها
بأي ثوب من الأثواب ألقاه
أأدعي أنني أصبحت أكرهه
وكيف أكره من في الجفن سكناه
وكيف أهرب منه إنه قدري
هل يملك النهر تغييراً لمجراه
أحبه .. لست أدري ما أحب به
حتى خطاياه ما عادت خطاياه
الحب في الأرض بعض من تخيلنا
لو لم نجده عليها لاخترعناه
ماذا أقول له لو جاء يسألني
إن كنت أهواه ... إني ألف أهواااااه

 

 

 

 

 

***

 




هوامش على دفتر النكسة

كتبت في أعقاب نكسة حزيران (يونيو) 1967

 

 

1

أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة

والكتبَ القديمة

أنعي لكم..

كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..

ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة

أنعي لكم.. أنعي لكم

نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

2

مالحةٌ في فمِنا القصائد

مالحةٌ ضفائرُ النساء

والليلُ، والأستارُ، والمقاعد

مالحةٌ أمامنا الأشياء

3

يا وطني الحزين

حوّلتَني بلحظةٍ

من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين

لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

4

لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا

لا بدَّ أن نخجلَ من أشعارنا

5

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ

لأننا ندخُلها..

بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابة

بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابةْ

لأننا ندخلها..

بمنطقِ الطبلةِ والربابةْ

6

السرُّ في مأساتنا

صراخنا أضخمُ من أصواتنا

وسيفُنا أطولُ من قاماتنا

7

خلاصةُ القضية

توجزُ في عبارة

لقد لبسنا قشرةَ الحضارة

والروحُ جاهلية...

8

بالنّايِ والمزمار..

لا يحدثُ انتصار

9

كلّفَنا ارتجالُنا

خمسينَ ألفَ خيمةٍ جديدة

10

لا تلعنوا السماءْ

إذا تخلّت عنكمُ..

لا تلعنوا الظروفْ

فالله يؤتي النصرَ من يشاءْ

وليس حدّاداً لديكم.. يصنعُ السيوفْ

11

يوجعُني أن أسمعَ الأنباءَ في الصباحْ

يوجعُني.. أن أسمعَ النُّباحْ..

12

ما دخلَ اليهودُ من حدودِنا

وإنما..

تسرّبوا كالنملِ.. من عيوبنا

13

خمسةُ آلافِ سنهْ..

ونحنُ في السردابْ

ذقوننا طويلةٌ

نقودنا مجهولةٌ

عيوننا مرافئُ الذبابْ

يا أصدقائي:

جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ

أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ

يا أصدقائي:

جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..

أن تكتبوا كتابْ

أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ

أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ

فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ

الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ...

14

جلودُنا ميتةُ الإحساسْ

أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ

أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ

هل نحنُ "خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ" ؟...

15

كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري

أن يستحيلَ خنجراً..

من لهبٍ ونارِ..

لكنهُ..

وا خجلةَ الأشرافِ من قريشٍ

وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ

يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري...

16

نركضُ في الشوارعِ

نحملُ تحتَ إبطنا الحبالا..

نمارسُ السَحْلَ بلا تبصُّرٍ

نحطّمُ الزجاجَ والأقفالا..

نمدحُ كالضفادعِ

نشتمُ كالضفادعِ

نجعلُ من أقزامنا أبطالا..

نجعلُ من أشرافنا أنذالا..

نرتجلُ البطولةَ ارتجالا..

نقعدُ في الجوامعِ..

تنابلاً.. كُسالى

نشطرُ الأبياتَ، أو نؤلّفُ الأمثالا..

ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا..

من عندهِ تعالى...

17

لو أحدٌ يمنحني الأمانْ..

لو كنتُ أستطيعُ أن أقابلَ السلطانْ

قلتُ لهُ: يا سيّدي السلطانْ

كلابكَ المفترساتُ مزّقت ردائي

ومخبروكَ دائماً ورائي..

عيونهم ورائي..

أنوفهم ورائي..

أقدامهم ورائي..

كالقدرِ المحتومِ، كالقضاءِ

يستجوبونَ زوجتي

ويكتبونَ عندهم..

أسماءَ أصدقائي..

يا حضرةَ السلطانْ

لأنني اقتربتُ من أسواركَ الصمَّاءِ

لأنني..

حاولتُ أن أكشفَ عن حزني.. وعن بلائي

ضُربتُ بالحذاءِ..

أرغمني جندُكَ أن آكُلَ من حذائي

يا سيّدي..

يا سيّدي السلطانْ

لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ

لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ

ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟

لأنَّ نصفَ شعبنا..

محاصرٌ كالنملِ والجرذانْ..

في داخلِ الجدرانْ..

لو أحدٌ يمنحُني الأمانْ

من عسكرِ السلطانْ..

قُلتُ لهُ: لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ..

لأنكَ انفصلتَ عن قضيةِ الإنسانْ..

18

لو أننا لم ندفنِ الوحدةَ في الترابْ

لو لم نمزّقْ جسمَها الطَّريَّ بالحرابْ

لو بقيتْ في داخلِ العيونِ والأهدابْ

لما استباحتْ لحمَنا الكلابْ..

19

نريدُ جيلاً غاضباً..

نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاقْ

وينكشُ التاريخَ من جذورهِ..

وينكشُ الفكرَ من الأعماقْ

نريدُ جيلاً قادماً..

مختلفَ الملامحْ..

لا يغفرُ الأخطاءَ.. لا يسامحْ..

لا ينحني..

لا يعرفُ النفاقْ..

نريدُ جيلاً..

رائداً..

عملاقْ..

20

يا أيُّها الأطفالْ..

من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ

وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ

ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..

ويقتلُ الخيالْ..

يا أيُها الأطفالُ أنتمْ –بعدُ- طيّبونْ

وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ

لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ

فنحنُ خائبونْ..

ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ

ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ

لا تقرؤوا أخبارَنا

لا تقتفوا آثارنا

لا تقبلوا أفكارنا

فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ

ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ

يا أيها الأطفالْ:

يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ

أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمة

وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمة...

 

 

 

 

 

 

 

***

 

 

 

 

 

أصبح عندي بندقية



أريدُ بندقية..
خاتمُ أمّي بعتهُ
من أجلِ بندقية
محفظتي رهنتُها
من أجلِ بندقية..
اللغةُ التي بها درسنا
الكتبُ التي بها قرأنا..
قصائدُ الشعرِ التي حفظنا
ليست تساوي درهماً..
أمامَ بندقية..
أصبحَ عندي الآنَ بندقية..
إلى فلسطينَ خذوني معكم
إلى ربىً حزينةٍ كوجهِ مجدليّة
إلى القبابِ الخضرِ.. والحجارةِ النبيّة
عشرونَ عاماً.. وأنا
أبحثُ عن أرضٍ وعن هوية
أبحثُ عن بيتي الذي هناك
عن وطني المحاطِ بالأسلاك
أبحثُ عن طفولتي..
وعن رفاقِ حارتي..
عن كتبي.. عن صوري..
عن كلِّ ركنٍ دافئٍ.. وكلِّ مزهريّة..
أصبحَ عندي الآنَ بندقيّة
إلى فلسطينَ خذوني معكم
يا أيّها الرجال..
أريدُ أن أعيشَ أو أموتَ كالرجال
أريدُ.. أن أنبتَ في ترابها
زيتونةً، أو حقلَ برتقال..
أو زهرةً شذيّة
قولوا.. لمن يسألُ عن قضيّتي
بارودتي.. صارت هي القضيّة..
أصبحَ عندي الآنَ بندقيّة..
أصبحتُ في قائمةِ الثوّار
أفترشُ الأشواكَ والغبار
وألبسُ المنيّة..
..................
...................
يا أيّها الثوار..
في القدسِ، في الخليلِ،
في بيسانَ، في الأغوار..
في بيتِ لحمٍ، حيثُ كنتم أيّها الأحرار
تقدموا..
تقدموا..
فقصةُ السلام مسرحيّة..
والعدلُ مسرحيّة..
إلى فلسطينَ طريقٌ واحدٌ
يمرُّ من فوهةِ بندقيّة..


 

 

 

 

 

 

 

 

***

 

 

 

 

 

 

إفادة في محكمة الشعر

ألقيت في مهرجان الشعر التاسع ببغداد فى نيسان عام 1969

 

 

 

 

 

 

 
  مرحباً يا عراقُ ، جئتُ أغنّيكَ وبعـضٌ من الغنـاءِ  بكـاءُ  
  مرحباً، مرحباً.. أتعرفُ  وجهاً حفـرتهُ الأيّـامُ والأنـواءُ؟  
 

أكلَ الحبُّ من حشـاشـةِ قلبي

والبقايا تقاسمتـها  النسـاءُ

 
  كلُّ أحبابي القدامى نسَــوني لا نُوارَ تجيـبُ أو عفـراءُ  
  فالشـفاهُ المـطيّبـاتُ رمـادٌ وخيامُ الهوى رماها الـهواءُ  
  سـكنَ الحزنُ كالعصافيرِ قلبي فالأسى خمرةٌ وقلبي الإنـاءُ  
 

أنا جـرحٌ يمشـي على قدميهِ

وخيـولي قد هدَّها الإعياءُ  
  فجراحُ الحسينِ  بعضُ جراحي وبصدري من الأسى كربلاءُ  
  وأنا الحزنُ من  زمانٍ صديقي وقليـلٌ في عصرنا الأصدقاءُ  
  مرحباً يا عراقُ، كيفَ العباءاتُ وكيفَ المها..  وكيفَ الظباءُ؟  
  مرحباً يا عراقُ ... هل نسيَتني بعدَ طولِ السنينِ سامـرّاءُ؟  
  مرحباً يا جسورُ يا نخلُ يا نهرُ وأهلاً يا عشـبُ... يا أفياءُ  
  كيفَ  أحبابُنا على ضفةِ النهـرِ وكيفَ البسـاطُ والنـدماءُ؟  
  كان عنـدي هـنا أميرةُ حـبٍّ ثم ضاعت أميرتي الحسـناءُ  
  أينَ وجـهٌ في الأعظميّةِ حلـوٌ لو رأتهُ تغارُ منهُ السـماءُ؟  
  إنني السـندباد.ُ.. مزّقهُ البحـرُ و عـينا حـبيبتي المـيناءُ  
  مضغَ الموجُ مركبي ... و جبيني ثقبتهُ العواصـفُ الهـوجاءُ  
  إنَّ في داخلي عصوراً من الحزنِ فهـل لي إلى العـراقِ التجاءُ؟  
  و أنا العاشـقُ الكبيرُ... ولكـن ليس تكفي دفاتـري الزرقـاءُ  
  يا حزيرانُ.ما الذي فعلَ الشعرُ؟ وما الذي أعطـى لنا الشعراءُ؟  
 

الدواويـنُ  في  يدينا طـروحٌ

والتعـابيرُ كـلُّها إنـشاءُ  
  كـلُّ عامٍ نأتي لسـوقِ عُـكاظٍ

وعـلينا العمائمُ الخضـراءُ

 
  ونهـزُّ الرؤوسَ مثل  الدراويشِ ...و بالنار تكتـوي سـيناءُ  
  كـلُّ عامٍ  نأتي ... فهذا جريـرٌ يتغنّـى.. وهـذهِ الخـنساءُ  
  لم نزَل ، لم نزَل نمصمصُ قشراً وفلسطـينُ خضّبتها الـدماءُ  
  يا حزيـرانُ... أنـتَ أكـبرُ منّا وأبٌ أنـتَ مـا لـهُ أبـناءُ  
  لـو مـلكـنا بقيّـةً مـن إبـاءٍ لانتخـينا.. لكـننا جـبناءُ  
  يا عصـورَ المعلّقـاتِ مـلَلنا... ومن الجسـمِ قد يملُّ الرداءُ  
  نصـفُ أشـعارنا نقوشٌ ومـاذا ينفعُ النقشُ حين يهوي البناءُ؟  
  المـقاماتُ لعبةٌ ... والحريـريُّ حشيشٌ.. والغولُ والعـنقاءُ  
  ذبحتنا  الفسـيفسـاءُ عصـوراً والدُّمى والزخارفُ البلـهاءُ  
  نرفـضُ الشعرَ  كيمياءً وسحراً قتلتنا القصيـدةُ الكيـمياءُ  
  نرفـضُ الشعرَ  مسـرحاً ملكياً من كراسيهِ يحرمُ البسـطاءُ  
  نرفـضُ الشعرَ أن يكونَ حصاناً يمتطـيهِ الطـغاةُ والأقـوياءُ  
  نرفـضُ الشعرَ عتمـةً ورموزاً كيف تستطيعُ أن ترى الظلماءُ؟  
  نرفـضُ الشعرَ أرنبـاً خشـبيّاً لا طمـوحَ لـهُ ولا أهـواءُ  
  نرفضُ الشعرَ في قهوةِ الشـعر.. دخـانٌ أيّامـهم.. وارتخـاءُ  
  شعرُنا اليومَ يحفرُ الشمسَ حفراً بيديهِ.. فكلُّ شـيءٍ مُـضاءُ  
  شـعرنا اليومَ هجمةٌ واكتشـافٌ لا خطوطَ كوفيّـةً ، وحِداءُ  
  كلُّ شعـرٍ معاصـرٍ  ليـسَ فيهِ غصبُ العصرِ نملةٌ عـرجاءُ  
  ما هوَ الشعـرُ... إن غدا بهلواناً يتسـلّى برقصـهِ الخُـلفاءُ  
  ما هو الشعرُ... حينَ يصبحُ فأراً كِسـرةُ الخبزِ –هَمُّهُ- والغِذاءُ  
 

و إذا أصـبحَ المفكِّـرُ  بُـوقـاً

يستوي الفكرُ عندها والحذاءُ  
  يُصلبُ الأنبياءُ مـن أجـل رأيٍ فلماذا لا يصلبَ الشعـراءُ؟  
  الفدائيُّ وحـدهُ.. يكتـبُ الشـعرَ و كـلُّ الذي كتبناهُ هـراءُ  
  إنّهُ الكاتـبُ  الحقيقـيُّ للعصـرِ ونـحنُ الحُـجَّابُ والأجـراءُ  
  عنـدما تبـدأُ البنـادقُ بالعـزفِ تمـوتُ القصـائدُ العصـماءُ  
 

مـا لنا ؟ ما لنا نلـومُ حزيـرانَ

و في الإثمِ كـلُّنا شـركاءُ؟  
  من هـم الأبرياءُ ؟ نحنُ جميـعاً حامـلو عارهِ ولا اسـتثناءُ  
  عقلُنا ، فكـرُنا ، هـزالُ  أغانينا رؤانا، أقوالُـنا الجـوفـاءُ  
  نثرُنا، شعرُنا، جرائدُنا الصـفراءُ والحـبرُ والحـروفُ الإمـاءُ  
 

البطــولاتُ موقـفٌ مسـرحيٌّ

ووجـوهُ الممثلـينَ طـلاءُ  
   و فلسـطينُ  بينهـم  كـمـزادٍ كلُّ شـارٍ يزيدُ حين يشـاءُ  
  وحـدويّون! و البـلادُ  شـظايا كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاءُ  
  ماركسـيّونَ! والجماهـيرُ تشقى فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟  
 

قرشـيّونَ! لـو رأتهـم قريـشٌ

لاستجارت من رملِها البيداءُ  
  لا  يمـينٌ يجيـرُنا أو يســارٌ تحتَ حدِّ السكينِ نحنُ سواءُ  
  لو قرأنا التاريخَ ما ضاعتِ القدسُ وضاعت من قبـلها "الحمـراءُ"..  
  يا فلسـطينُ ، لا تزالينَ عطشى وعلى الزيتِ نامتِ الصحـراءُ  
  العباءاتُ.. كـلُّها مـن حـريـرٍ واللـيالي رخيصـةٌ حمـراءُ  
  يا فلسـطينُ، لا تنـادي عـليهم قد تساوى الأمواتُ والأحياءُ  
  قتلَ النفـطُ ما بهم مـن سـجايا ولقد يقتـلُ الثـريَّ الثراءُ  
  يا فلسـطينُ ، لا تنادي قريشـاً فقريشٌ ماتـت بها الخيَـلاءُ  
  لا تنادي الرجالَ من عبدِ  شمسٍ لا تنادي.. لم يبـقَ إلا النساءُ  
  ذروةُ الموتِ أن تموتَ المروءاتُ ويمشـي إلى الـوراءِ الـوراءُ  
  مرَّ عامـانِ والغـزاةُ مقيمـونَ و تاريـخُ أمـتي... أشـلاءُ  
  مـرَّ عامانِ.. والمسـيحُ أسـيرٌ في يديهم.. و مـريمُ العـذراءُ  
  مـرَّ عامـانِ... والمآذنُ تبكـي و النواقيـسُ كلُّها خرسـاءُ  
  أيُّها الراكعونَ في معبدِ الحـرفِ كـفانا الـدوارُ والإغـماءُ  
  مزِّقوا جُبَّـةَ الدراويـشِ عـنكم واخلعوا الصوفَ أيُّها الأتقياءُ  
  اتـركـوا  أولياءَنـا بـسـلامٍ أيُّ أرضٍ أعادها الأولياءُ؟  
  في فمي يا عراقُ.. مـاءٌ كـثيرٌ كيفَ يشكو من كانَ في فيهِ ماءُ؟  
  زعمـوا أنني طـعنتُ بـلادي وأنا الحـبُّ كـلُّهُ والـوفاءُ  
  أيريدونَ أن أمُـصَّ نـزيفـي؟ لا  جـدارٌ أنا و لا  ببـغاءُ!  
  أنـا حريَّتي... فإن سـرقـوها تسقطِ الأرضُ كلُّها والسماءُ  
  ما احترفتُ النِّفاقَ يوماً وشعري مـا اشتـراهُ الملـوكُ والأمراءُ  
  كـلُّ حـرفٍ كتبتهُ كانَ سـيفاً عـربيّاً يشـعُّ منهُ الضـياءُ  
  و قـليـلٌ مِنَ الكـلامِ نَـقِـيٌّ وكـثيرٌ من الكـلامِ بغـاءُ  
  كم أُعـاني مِمَّا كَتَبْـتُ عـذاباً ويعاني في شـرقنا الشـرفاءُ  
  وجعُ الحرفِ رائـعٌ.. أوَ تشـكو للـبسـاتينِ وردةٌ حمـراءُ؟  
  كلُّ من قاتلوا  بحرفٍ شـجاعٍ

ثم ماتـوا.. فإنـهم شهداءُ

 
  لا تعاقب يا ربِّ  من رجموني واعفُ عنهم لأنّـهم جهلاءُ  
  إن حبّي للأرضِ  حـبٌّ بصيرٌ وهواهم عواطـفٌ عمياءُ  
  إن أكُن قد كَوَيْـتُ لحمَ  بلادي فمن الكيِّ قد يجـيءُ الشفاءُ  
  من بحارِ الأسى ، وليلِ اليتامى تطلـعُ الآنَ زهـرةٌ بيضاءُ  
  و يطلُّ الفـداءُ شـمساً عـلينا ما عسانا نكونُ.. لولا الفداءُ  
  من جـراحِ المناضلينَ... وُلدنا ومنَ الجرحِ تولدُ الكـبرياءُ  
  قبلَهُم ، لم يكـن هـناكَ قبـلٌ ابتداءُ التاريخِ من يومِ جاؤوا  
  هبطـوا فـوقَ أرضـنا أنبياءً بعد أن ماتَ عندنا الأنبياءُ  
  أنقذوا ماءَ وجهنا يـومَ  لاحوا فأضاءت وجوهُنا السوداءُ  
  منحـونا إلى الحـياةِ جـوازاً لم تكُـن قبلَهم لنا أسمـاءُ  
  أصـدقاءُ الحروفِ لا  تعذلوني إن تفجّرتُ أيُّها الأصـدقاءُ  
  إنني أخزنُ الرعودَ  بصـدري مثلما يخزنُ الرعودَ الشتاءُ  
  أنا ما جئتُ  كي أكـونَ خطيباً فبلادي أضاعَـها الخُـطباءُ  
 

إنني رافضٌ زماني وعصـري

ومن الـرفضِ تولدُ الأشـياءُ  
  أصدقائي، حكيتُ ما ليسَ يُحكى و شـفيعي... طـفولتي والنـقاءُ  
  إنني قـادمٌ إليكـم ... و قلبـي فـوقَ كـفّي حمامـةٌ بيضـاءُ  
  افهموني... فما أنا غـيرُ طـفلٍ فـوقَ عينيهِ يسـتحمُّ المـساءُ  
  أنا لا أعـرفُ ازدواجيّةَ الفكـرِ فنفسـي.. بحـيرةٌ زرقـاءُ  
 

لبلادي شـعري.. ولسـتُ أبالي

رفضتهُ أم باركتـهُ السـماءُ..

 


 

 

 

***

 




جمال عبد الناصر

1

قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ

قتلناكَ..

ليسَ جديداً علينا

اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ

فكم من رسولٍ قتلنا..

وكم من إمامٍ..

ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ

فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ

وأيامُنا كلُّها كربلاءْ..

 

2

نزلتَ علينا كتاباً جميلاً

ولكننا لا نجيدُ القراءة..

وسافرتَ فينا لأرضِ البراءة

ولكننا.. ما قبلنا الرحيلا..

تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ..

تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ

وتعرى..

وتشقى..

وتعطشُ وحدكْ..

ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ

نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ

ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً

ونتركهم يعلكونَ الهواءْ

 

3

قتلناكَ..

يا جبلَ الكبرياءْ

وآخرَ قنديلِ زيتٍ..

يضيءُ لنا في ليالي الشتاءْ

وآخرَ سيفٍ من القادسية

قتلناكَ نحنُ بكلتا يدينا

وقُلنا المنية

لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟

فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا..

سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتى شبعتْ..

رميناكَ في نارِ عمَّانَ حتى احترقتْ

أريناكَ غدرَ العروبةِ حتى كفرتْ

لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ..

لماذا ظهرتْ؟

فنحنُ شعوبٌ من الجاهلية

ونحنُ التقلّبُ..

نحنُ التذبذبُ..

والباطنية..

نُبايعُ أربابنا في الصباح..

ونأكلُهم حينَ تأتي العشيّةْ..

 

4

قتلناكَ..

 يا حُبّنا وهوانا

وكنتَ الصديقَ، وكنتَ الصدوقَ،

وكنتَ أبانا..

وحينَ غسلنا يدينا.. اكتشفنا

بأنّا قتلنا مُنانا..

وأنَّ دماءكَ فوقَ الوسادةِ..

كانتْ دِمانا

نفضتَ غبارَ الدراويشِ عنّا..

أعدتَ إلينا صِبانا

وسافرتَ فينا إلى المستحيل

وعلمتنا الزهوَ والعنفوانا..

ولكننا

حينَ طالَ المسيرُ علينا

وطالتْ أظافرُنا ولحانا

قتلنا الحصانا..

فتبّتْ يدانا..

فتبّتْ يدانا..

أتينا إليكَ بعاهاتنا..

وأحقادِنا.. وانحرافاتنا..

إلى أن ذبحنكَ ذبحاً

بسيفِ أسانا

فليتكَ في أرضِنا ما ظهرتَ..

وليتكَ كنتَ نبيَّ سِوانا…

 

5

أبا خالدٍ.. يا قصيدةَ شعرٍ..

تقالُ.

فيخضرُّ منها المدادْ..

إلى أينَ؟

يا فارسَ الحُلمِ تمضي..

وما الشوطُ، حينَ يموتُ الجوادْ؟

إلى أينَ؟

كلُّ الأساطيرِ ماتتْ..

بموتكَ.. وانتحرتْ شهرزادْ

وراءَ الجنازةِ.. سارتْ قريشٌ

فهذا هشامٌ..

وهذا زيادْ..

وهذا يريقُ الدموعَ عليكْ

وخنجرهُ، تحتَ ثوبِ الحدادْ

وهذا يجاهدُ في نومهِ..

وفي الصحوِ..

يبكي عليهِ الجهادْ..

وهذا يحاولُ بعدكَ مُلكاً..

وبعدكَ..

كلُّ الملوكِ رمادْ..

وفودُ الخوارجِ.. جاءتْ جميعاً

لتنظمَ فيكَ..

ملاحمَ عشقٍ..

فمن كفَّروكَ..

ومَنْ خوَّنوكَ..

ومَن صلبوكَ ببابِ دمشقْ..

أُنادي عليكَ.. أبا خالدٍ

وأعرفُ أنّي أنادي بوادْ

وأعرفُ أنكَ لن تستجيبَ

وأنَّ الخوارقَ ليستْ تُعاد…


 

 

 

 

 

***

 

 

رسالة إلى جمال عبد الناصر

1

والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ:

عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ..

من أرضِ مصرَ الطيبة

من ليلها المشغولِ بالفيروزِ والجواهرِ

ومن مقاهي سيّدي الحسين، من حدائقِ القناطرِ

ومن تُرعِ النيلِ التي تركتَها..

حزينةَ الضفائرِ..

عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ

من الملايينِ التي قد أدمنتْ هواكْ

من الملايين التي تريدُ أن تراكْ

عندي خطابٌ كلّهُ أشجانْ

لكنّني..

لكنّني يا سيّدي

لا أعرفُ العنوانْ…

 

2

والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ

الزرعُ في الغيطان، والأولادُ في البلدْ

ومولدُ النبيِّ، والمآذنُ الزرقاءُ..

والأجراسُ في يومِ الأحدْ..

وهذهِ القاهرةُ التي غفَتْ..

كزهرةٍ بيضاءَ.. في شعرِ الأبَدْ..

يسلّمونَ كلّهم عليكْ

يقبّلونَ كلّهم يديكْ..

ويسألونَ عنكَ كلَّ قادمٍ إلى البلدْ

متى تعودُ للبلدْ؟…

 

3

حمائمُ الأزهرِ يا حبيبَنا.. تُهدي لكَ السلامْ

مُعدّياتُ النيلِ يا حبيبَنا.. تّهدي لكَ السلامْ..

والقطنُ في الحقولِ، والنخيلُ، والغمامُ..

جميعُها.. جميعُها.. تُهدي لكَ السلامْ..

كرسيُّكَ المهجورُ في منشيّةِ البكريِّ..

يبكي فارسَ الأحلامْ..

والصبرُ لا صبرَ لهُ.. والنومُ لا ينامْ

وساعةُ الجدارِ.. من ذهولِها..

ضيّعتِ الأيّامْ..

يا مَن سكنتَ الوقتَ والأيامْ

عندي خطابٌ عاجلٌ إليكَ..

لكنّني…

لكنّني يا سيّدي.. لا أجدُ الكلامْ

لا أجدُ الكلامْ..

 

4

والدُنا جمالَ عبدَ الناصرْ:

الحزنُ مرسومٌ على الغيومِ، والأشجارِ، والستائرِ

وأنتَ سافرتَ ولم تسافرِ..

فأنتَ في رائحةِ الأرضِ، وفي تفتُّحِ الأزاهرِ..

في صوتِ كلِّ موجةٍ، وصوتِ كلِّ طائرِ

في كتبِ الأطفالِ، في الحروفِ، والدفاترِ

في خضرةِ العيونِ، وارتعاشةِ الأساورِ..

في صدرِ كلِّ مؤمنٍ، وسيفِ كلِّ ثائرِ..

عندي خطابٌ عاجلٌ إليكْ..

لكنّني..

لكنّني يا سيّدي..

تسحقُني مشاعري..

 

5

يا أيُها المعلّمُ الكبيرْ

كم حزنُنا كبيرْ..

كم جرحُنا كبيرْ..

لكنّنا

نقسمُ باللهِ العليِّ القديرْ

أن نحبسَ الدموعَ في الأحداقْ..

ونخنقَ العبرة..

نقسمُ باللهِ العليِّ القديرْ..

أن نحفظَ الميثاقْ..

ونحفظَ الثورة..

وعندما يسألُنا أولادُنا

من أنتمُ؟

في أيِّ عصرٍ عشتمُ..؟

في عصرِ أيِّ مُلهمِ؟

في عصرِ أيِّ ساحرِ؟

نجيبُهم: في عصرِ عبدِ الناصرِ..

الله.. ما أروعها شهادةً

أن يوجدَ الإنسانُ في عصرِ عبدِ الناصرِ..

 

 

***

 

 

 

الهرم الرابع

في ذكرى الزعيم العربي جمال عبد الناصر

 

 

1

السيّدُ نامْ

السيّدُ نام

السيّدُ نامَ كنومِ السيفِ العائدِ من إحدى الغزواتْ

السيّدُ يرقدُ مثلَ الطفلِ الغافي.. في حُضنِ الغاباتْ

السيّدُ نامَ..

وكيفَ أصدِّقُ أنَّ الهرمَ الرابعَ ماتْ؟

القائدُ لم يذهبْ أبداً

بل دخلَ الغرفةَ كي يرتاحْ

وسيصحو حينَ تطلُّ الشمسُ..

كما يصحو عطرُ التفاحْ..

الخبزُ سيأكلهُ معنا..

وسيشربُ قهوتهُ معنا..

ونقولُ لهُ..

ويقولُ لنا..

القائدُ يشعرُ بالإرهاقِ..

فخلّوهُ يغفو ساعاتْ..

 

2

يا مَن تبكونَ على ناصرْ..

السيّدُ كانَ صديقَ الشمس..

فكفّوا عن سكبِ العبراتْ..

السيّد ما زالَ هُنا..

يتمشّى فوقَ جسورِ النيلِ..

ويجلسُ في ظلِّ النخلاتْ..

ويزورُ الجيزةَ عندَ الفجرِ..

ليلثمَ حجرَ الأهراماتْ.

يسألُ عن مصرَ.. ومَن في مصرَ..

ويسقي أزهارَ الشرفاتْ..

ويصلّي الجمعةَ والعيدينِ..

ويقضي للناسِ الحاجاتْ

ما زالَ هُنا عبدُ الناصرْ..

في طميِ النيلِ، وزهرِ القطنِ..

وفي أطواقِ الفلاحاتْ..

في فرحِ الشعبِ..

وحزنِ الشعب..

وفي الأمثالِ وفي الكلماتْ

ما زالَ هُنا عبدُ الناصرْ..

من قالَ الهرمُ الرابعُ ماتْ؟

 

3

يا مَن يتساءلُ: أينَ مضى عبدُ الناصرْ؟

يا مَن يتساءلُ:

هلْ يأتي عبدُ الناصرْ..

السيّدُ موجودٌ فينا..

موجودٌ في أرغفةِ الخُبزِ..

وفي أزهارِ أوانينا..

مرسومٌ فوقَ نجومِ الصيفِ،

وفوقَ رمالِ شواطينا..

موجودٌ في أوراقِ المصحفِ

في صلواتِ مُصلّينا..

موجودٌ في كلماتِ الحبِّ..

وفي أصواتِ مُغنّينا..

موجودٌ في عرقِ العمّالِ..

وفي أسوانَ.. وفي سينا..

مكتوبٌ فوقَ بنادقنا..

مكتوبٌ فوقَ تحدينا..

السيّدُ نامَ.. وإن رجعتْ

أسرابُ الطيرِ.. سيأتينا..

 

***

 

 

 

من مفكرة عاشق دمشقي

 

 

فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا

فيا دمشـقُ... لماذا نبـدأ العتبـا؟

 

حبيبتي أنـتِ... فاستلقي كأغنيـةٍ

على ذراعي، ولا تستوضحي السببا

 

أنتِ النساءُ جميعاً.. ما من امـرأةٍ

أحببتُ بعدك..ِ إلا خلتُها كـذبا

 

يا شامُ، إنَّ جراحي لا ضفافَ لها

فمسّحي عن جبيني الحزنَ والتعبا

 

وأرجعيني إلى أسـوارِ مدرسـتي

وأرجعيني الحبرَ والطبشورَ والكتبا

 

تلكَ الزواريبُ كم كنزٍ طمرتُ بها

وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صـبا

 

وكم رسمتُ على جدرانِها صـوراً

وكم كسرتُ على أدراجـها لُعبا

 

أتيتُ من رحمِ الأحزانِ... يا وطني

أقبّلُ الأرضَ والأبـوابَ والشُّـهبا

 

حبّي هـنا.. وحبيباتي ولـدنَ هـنا

فمـن يعيـدُ ليَ العمرَ الذي ذهبا؟

 

أنا  قبيلـةُ  عشّـاقٍ  بكامـلـها

ومن دموعي سقيتُ البحرَ والسّحُبا

 

فكـلُّ صفصافـةٍ حّولتُها امـرأةً

و كـلُّ مئذنـةٍ رصّـعتُها ذهـبا

 

هـذي البساتـينُ كانت بينَ أمتعتي

لما ارتحلـتُ عـن الفيحـاءِ مغتربا

 

فلا قميصَ من القمصـانِ ألبسـهُ

إلا  وجـدتُ على خيطانـهِ عنبا

 

كـم مبحـرٍ.. وهمومُ البرِّ تسكنهُ

وهاربٍ من قضاءِ الحبِّ ما هـربا

 

يا شـامُ، أيـنَ هما عـينا معاويةٍ

وأيـنَ من زحموا بالمنكـبِ الشُّهبا

 

فلا خيـولُ بني حمـدانَ راقصـةٌ

زُهــواً... ولا المتنبّي مالئٌ حَـلبا

 

وقبـرُ خالدَ في حـمصٍ نلامسـهُ

فـيرجفُ القبـرُ من زوّارهِ غـضبا

 

يا رُبَّ حـيٍّ.. رخامُ القبرِ مسكنـهُ

ورُبَّ ميّتٍ.. على أقدامـهِ انتصـبا

 

يا ابنَ الوليـدِ.. ألا سيـفٌ تؤجّرهُ؟

فكلُّ  أسيافنا قد أصبحـت خشـبا

 

دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي

أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟

 

أدمـت سياطُ حزيرانَ ظهورهم

فأدمنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا

 

وطالعوا كتبَ التاريخِ.. واقتنعوا

متى البنادقُ كانت تسكنُ الكتبا؟

 

سقـوا فلسطـينَ أحلاماً ملوّنةً

وأطعموها سخيفَ القولِ والخطبا

 

وخلّفوا القدسَ فوقَ الوحلِ عاريةً

تبيحُ عـزّةَ نهديها لمـن رغِبـا..

 

هل من فلسطينَ مكتوبٌ يطمئنني

عمّن كتبتُ إليهِ.. وهوَ ما كتبا؟

 

وعن بساتينَ ليمونٍ، وعن حلمٍ

يزدادُ عنّي ابتعاداً.. كلّما اقتربا

 

أيا فلسطينُ.. من يهديكِ زنبقةً؟

ومن يعيدُ لكِ البيتَ الذي خربا؟

 

شردتِ فوقَ رصيفِ الدمعِ باحثةً

عن الحنانِ، ولكن ما وجدتِ أبا..

 

تلفّـتي... تجـدينا في مَـباذلنا..

من يعبدُ الجنسَ، أو من يعبدُ الذهبا

 

فواحـدٌ أعمـتِ النُعمى بصيرتَهُ

فللخنى والغـواني كـلُّ ما وهبا

 

وواحدٌ ببحـارِ النفـطِ مغتسـلٌ

قد ضاقَ بالخيشِ ثوباً فارتدى القصبا

 

وواحـدٌ نرجسـيٌّ في سـريرتهِ

وواحـدٌ من دمِ الأحرارِ قد شربا

 

إن كانَ من  ذبحوا التاريخَ هم نسبي

على العصـورِ.. فإنّي أرفضُ النسبا

 

يا شامُ، يا شامُ، ما في جعبتي طربٌ

أستغفرُ الشـعرَ أن يستجديَ الطربا

 

ماذا سأقرأُ مـن شعري ومن أدبي؟

حوافرُ الخيلِ داسـت عندنا الأدبا

 

وحاصرتنا.. وآذتنـا.. فلا قلـمٌ

قالَ الحقيقةَ إلا اغتيـلَ أو صُـلبا

 

يا من يعاتبُ مذبوحـاً على دمـهِ

ونزفِ شريانهِ، ما أسهـلَ العـتبا

 

من جرّبَ الكيَّ لا ينسـى مواجعهُ

ومن رأى السمَّ لا يشقى كمن شربا

 

حبلُ الفجيعةِ ملتفٌّ عـلى عنقي

من ذا يعاتبُ مشنوقاً إذا اضطربا؟

 

الشعرُ ليـسَ حمامـاتٍ نـطيّرها

نحوَ السماءِ، ولا ناياً.. وريحَ صَبا

 

لكنّهُ غضـبٌ طـالت أظـافـرهُ

ما أجبنَ الشعرَ إن لم يركبِ الغضبا

 

 

 

 

 

***

 

 

 




إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني

 

 


 

1
مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات ..
ومقصوصة ، كجناح أبيك ، هي المفردات
فكيف يغني المغني ؟
وقد ملأ الدمع كل الدواة ..
وماذا سأكتب يا ابني ؟
وموتك ألغى جميع اللغات ..


2
لأي سماء نمد يدينا ؟
ولا أحد في شوارع لندن يبكي علينا ..
يهاجمنا الموت من كل صوب ..
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر ، حين أراك ، علياً
وتذكر ، حين تراني ، الحسين

3
أشيلك ، يا ولدي ، فوق ظهري
كمئذنة كسرت قطعتين ..
وشعرك حقل من القمح تحت المطر ..
ورأسك في راحتي وردة دمشقية .. وبقايا قمر
أواجه موتك وحدي ..
وأجمع كل ثيابك وحدي
وألثم قمصانك العاطرات ..
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان ؟
وسيفي انكسر ..

4
سأخبركم عن أميري الجميل
سأخبركم عن أميري الجميل
عن من كان مثل المرايا نقاء ، ومثل السنابل طولاً ..
ومثل النخيل ..
وكان صديق الخراف الصغيرة ، كان صديق العصافير ،
كان صديق الهديل ..
سأخبركم عن بنفسج عينيه ..
هل تعرفون زجاج الكنائس ؟
هل تعرفون دموع الثريات حين تسيل ..
وهل تعرفون نوافير روما ؟
وحزن المراكب قبل المراحيل
سأخبركم عنه ..
كان كيوسف حسناً .. وكنت أخاف عليه من الذئب ،
كنت أخاف على شعره الذهبي الطويل
.. وأمس أتوا يحملون قميص حبيبي
وقد صبغته دماء الأصيل
فما حيلتي يا قصيدة عمري ؟
إذا كنت أنت جميلاً ..
وحظي قليل ..

5
لماذا الجرائد تغتالي ؟
وتشنقي كل يوم بحبل طويل من الذكريات
أحاول أن لا أصدق موتك ، كل التقارير كذب ،
وكل كلام الأطباء كذب ،
وكل الأكاليل فوق ضريحك كذب ..
وكل المدامع والحشرجات ..
أحاول أن لا أصدق أن الأمير الخرافي توفيق مات ..
وأن الجبين المسافر بين الكواكب مات ..
وأن الذي كان يقطف من شجر الشمس مات ..
وأن الذي كان يخزن ماء البحار بعينيه مات ..
فموتك يا ولدي نكتة .. وقد يصبح الموت أقسى النكات

6
أحاول أن لا أصدق .. ها أنت تعبر جسر الزمالك ،
ها أنت تدخل كالرمح نادي الجزيرة ، تلقي على الأصدقاء التحية ،
تمرق مثل الشعاع السماوي بين السحاب والمطر ..
وها هي شقتك القاهرية ، هذا سريرك ، هذا مكان
جلوسك ، ها هي لوحاتك الرائعات ..
وأنت أمامي بدشداشة القطن ، تصنع شاي الصباح ،
وتسقي الزهور على الشرفات ..
أحاول أن لا أصدق عيني ..
هنا كتب الطب ما زال فيها بقية أنفاسك الطيبات
وها هو ثوب الطبيب المعلق يحلم بالمجد والأمنيات
فيا نخلة العمر .. كيف أصدق أنك ترحل كالأغنيات
وأن شهادتك الجامعية يوماً .. ستصبح صك الوفاة !!

7
أتوفيق ..
لو كان للموت طفل ، لأدرك ما هو موت البنين
ولو كان للموت عقل ..
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
ولو كان للموت قلب .. تردد في ذبح أولادنا الطيبين ..
أتوفيق يا ملكي الملامح .. يا قمري الجبين ..
صديقات بيروت منتظرات ..
رجوعك ، يا سيد العشق والعاشقين ..
فكيف سأكسر أحلامهن ؟
وأغرقهن ببحر الذهول
وماذا أقول لهن ، حبيبات عمرك ، ماذا أقول ؟

8
أتوفيق ..
إن جسور الزمالك ترقب كل صباح خطاك
وإن الحمام الدمشقي يحمل تحت جناحيه دفء هواك
فيا قرة العين .. كيف وجدت الحياة هناك ؟
فهل ستفكر فينا قليلاً ؟
وترجع في آخر الصيف حتى نراك ..
أتوفيق ..
إني جبان أمام رثائك ..
فارحم أباك ..
 


 

 

 

 

 

***

 

 

 

 




ترصيع بالذهب على سيف دمشقي


 

أتراها تحبني ميسون ؟
أم توهمت والنساء ظنون
كم رسول أرسلته لأبيها
ذبحته تحت النقاب العيون
يا ابنة العم.. والهوى أموي
كيف أخفي الهوى , وكيف أبين
كم قتلنا في عشقنا .. وبعثنا
بعد موت .. وما علياء يمين..
ما وقوفي على الديار.. وقلبي
كجبيني، قد طرزته الغضون..
لا ظباء الحمى رددن سلامي
والخلاخيل ما لهن رنين
هل مرايا دمشق تعرف وجهي
من جديد..أم غيرتني السنين؟
يا زمانا في الصالحية سمحا
أين مني الغوى , وأين الفتون؟
يا سريري يا شراشف أمي
يا عصافير.. يا شذا.. يا غصون
يا زواريب حارتي ..خبئيني
بين جفنيك, فالزمان ضنين
واعذريني, إذا بدوت حزينا
إن وجه المحب وجه حزين
*



ها هي الشام بعد فرقة دهر
أنهر سبعة.. وحور عين
النوافير في البيوت كلام
والعناقيد سكر مطحون
والسماء الزرقاء دفتر شعر
والحروف التي عليه .. سنونو..
هل دمشق كما يقولون كانت
حين في الليل ، فكر الياسمين؟
آه يا شام .. كيف أشرح ما بي
وأنا فيك دائما مسكون
سامحيني.. إن لم أكاشفك بالعشق
فأحلى ما في الهوى التضمين
نحن أسرى معا.. وفي قفص الحب
يعاني السجان والمسجون
*

يا دمشق .. التي تقمصت فيها
هل أنا السرو.. أم أنا الشربين ؟
أم أنا الفل في أباريق أمي..
أم أنا العشب..والسحاب الهتون
أم أنا القطة الأثيرة في الدار
تلبي..إذا دعاها الحنين
يا دمشق التي تفشي شذاها
تحت جلدي.. كأنه الزيزفون
سامحيني إذا اضطربت..فإني
لا مقفى حبي.. ولا موزون
وازرعيني تحت الضفائر مشطا
فأريك الغرام كيف يكون....
*

قادم من مدائن الريح وحدي
فاحتضني كالطفل يا قاسيون
احتضني.. ولا تناقش جنوني
ذروة العقل، يا حبيبي، الجنون
احتضني.. خمسين ألفا وألفا
فمع الضم.. لا يجوز السكون..
أهي مجنونة بشوقي إليها..
هذه الشام، أم أنا المجنون
حامل حبها ثلاثين قرنا..
فوق ظهري ، وما هناك معين
كلما جئتها أرد ديوني
للجميلات.. حاصرتني الديون
إن تخلت كل المقادير عني
فبعيني حبيبتي استعين
يا إلهي.. جعلت عشقي بحرا
أحرام على البحار السكون؟
يا الهي.. هل الكتابة جرح
ليس يشفى ، أم مارد ملعون
كم أعاني في الشعر موتا جميلا
وتعاني من الرياح السفين
*

جاء تشرين.. يا حبيبة عمري
أحسن الوقت للهوى تشرين
ولنا موعد على (جبل الشيخ )
كم الثلج دافيء... وحنون
لم أعانقك من زمان طويل
لم أحدثك.. والحديث شجون
لم أغازلك .. والتغزل بعضي
للهوى دينه.. وللسيف دين..
سنوات سبع من الحزن مرت
مات فيها الصفصاف والزيتون
سنوات فيها استقلت من الحب
وجفت على شفاهي اللحون
سنوات سبع .. بها اغتالنا اليأس
وعلم الكلام ... واليانسون
فانقسمنا قبائلا وشعوبا
واستبيح الحمى , وضاع العرين
كيف أهواك حين حول سريري
يتمشى اليهود والطاعون
كيف أهواك .. والحمى مستباح
هل من السهل أن يحب السجين ؟
لا تقولي: نسيت لم انس شيئا
كيف تنسى أهدابهن الجفون ؟
غير أن الهوى يصير ذليلا
كلما ذل للرجال جبين
*

شام.. يا شام.. يا أميرة حبي
كيف ينسى غرامه المجنون؟
أوقدي النار.. فالحديث طويل
وطويل لمن نحن الحنين
وشمس غرناطة أطلت علينا
بعد يأس ، وزغردت ميسلون
جاء تشرين... إن وجهك أحلى
بكثير.. ما سره تشرين؟
كيف صارت سنابل القمح أعلى ..
كيف صارت عيناك بيت السنونو
إن أرض الجولان تشبع عينيك
فما يجري... ولوز..وتين...
كل جرح فيها حديقة ورد
وربيع... ولؤلؤ مكنون
يا دمشق البسي دموعي سوار
وتمني.. فكل صعب يهون
وضعي طرحة العروس لأجلي
إن مهر المناضلات ثمين
رضي الله والرسول عن الشام
فنصر آت.. وفتح مبين...
مزقي يا دمشق خارطة الذل
وقولي للدهر كن فيكون
استردت أيامها بك بدر
واستعادت شبابها حطين
بك عزت قريش بعد هوان
وتلاقت قبائل وبطون..
إن عمرو بن العاص يزحف للشرق
وللغرب يزحف المأمون
كتب الله أن تكوني دمشق
بك يبدأ وينتهي التكوين
لا خيار أن يصبح البحر بحرا
أو يختار صوته الحسون ؟
ذاك عمر السيوف..لا سيف إلا
دائن يا حبيبتي أو مدين ..
هزم الروم بعد سبع عجاف
وتعافى وجداننا المطعون
وقتلنا العنقاء في (جبل الشيخ)
وألقى أضراسه التنين
صدق السيف وعده يا بلادي
فالسياسات كلها أفيون
صدق السيف حاكما وحكيما
وحده السيف يا دمشق اليقين
*

اسحبي الذيل يا قنيطرة المجد
وكحل جفنيك يا حرمون
سبقت ظلها خيول هشام
وأفاقت من نومها السكين
علمينا فقه العروبة يا شام
فأنت البيان والتبيين
علمينا الأفعال ... قد ذبحتنا
أحرف الجر.. والكلام العجين
علمينا قراءة البرق والرعد
فنصف اللغات وحل وطين
علمينا التفكير.. لا نصر يرجى
حينما الشعب كله سردين
إن أقصى ما يغضب الله
فكر دجنوه ... وكاتب عنين..
وطني .. يا قصيدة النار والورد..
تغنت بما صنعت القرون..
إن نهر التاريخ ينبع في الشام
أيلغي التاريخ طرح هجين
نحن عكا.. ونحن كرمل حيفا..
وجبال الجليل... واللطرون..
كل ليمونة ستنجب طفلا
ومحال أن ينتهي الليمون
*

اركبي الشمس , يا دمشق , حصانا
ولك الله .. حافظ وأمين
 


 

***

 

 

 

 

 

 

تصوير

 

 

 

اضطجعي دقيقة واحدة ..

كي أكمل التصوير ..

اضـطجعي مثل كتاب الشعر في السرير

أريد أن أصور الغابات في ألوانها

أريد أن أصور الشامات في اطمئنانها

أريد أن أفاجئ الحلمة في مكانها

والناهد الأحمق ـ يا سيدتي ـ

قبيل أن يطير ..

فساعديني ...

ـ إن تكرمت ـ لكي أصالح الحرير

وساعديني ..

ـ إن تكرمت ـ لكي أفوز في صداقة الكشمير .

لعله يسمح لي برسم هذا الكوكب المثير ..

ولتقبلي تحيتي ..

مقرونة بالحب والتقدير .

 

 

 

 

***

 

 

 

 

 

 

 

 

بلقيس

 




شكرا لكم

شكرا لكم

فحبيبتى قتلت وصار بوسعكم

أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة

وقصيدتى اغتيلت

وهل من أمة فى الأرض

إلا نحن نغتال القصيدة ؟

بلقيس

كانت أجمل الملكات فى تاريخ بابل

بلقيس

كانت أطول النخلات فى ارض العراق

كانت إذا تمشى

ترافقها طواويس

وتتبعها أيائل

*

بلقيس .. يا وجعى

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟

يا نينوى الخضراء

يا غجريتى الشقراء

يا أمواج دجلة

تلبس فى الربيع بساقها

أحلى الخلاخل

*

قتلوك يا بلقيس

أية امة عربية

تلك التى

تغتال أصوات البلابل؟

*

أين السموأل ؟

والمهلهل ؟

والغضاريف الأوائل ؟

فقبائل أكلت قبائل

وثعالب قتلت ثعالب

وعناكب قتلت عناكب

*

قسما بعينيك اللتين إليهما

تأوى ملايين الكواكب

سأقول يا قمرى عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبة عربية ؟

أم مثلنا التاريخ كاذب ؟

*

بلقيس ..

لا تتغيبى عنى

فان الشمس بعدك

لا تضىء على السواحل

*

سأقول فى التحقيق

أن اللص أصبح يرتدى ثوب المقاتل

وأقول فى التحقيق

أن القاتل الموهوب أصبح كالمقاول

*

وأقول أن حكاية الإشعاع أسخف نكتة قالت

فنحن قبيلة بين القبائل

هذا هو التاريخ يا بلقيس

كيف يفرق الإنسان

مابين الحدائق والمزابل

*

بلقيس

أيتها الشمس الشهيدة والقصيدة

والمطهرة النقية

سبأ تفتش عن مليكتها

فردى للجماهير التحية

*

يا أعظم الملكات

يا امرأة تجسد كل أمجاد العصور السومرية

بلقيس

يا عصفورتى الأحلى

ويا أيقونتى الأغلى

ويا دمعا تناثر فوق خد المجدلية

أترى ظلمتك إذ نقلتك

ذات يوم من ضفاف الأعظمية

بيروت تقتل كل يوم واحد منا

وتبحث كل يوم عن ضحية

*

والموت فى فنجان قهوتنا

وفى مفتاح شقتنا

وفى أزهار شرفتنا

وفى ورق الجرائد

والحروف الأبجدية

*

ها نحن يا بلقيس

ندخل مرة أخرى لعصر الجاهلية

ها نحن ندخل فى التوحش

والتخلف والبشاعة والوضاعة

ندخل مرة أخرى .. عصور البربرية

حيث الكتابة رحلة

بين الشظية والشظية

حيث اغتيال فراشة فى حقلها

صار القضية

هل تعرفون حبيبتى بلقيس ؟

فهى أهم ما كتبوه فى كتب الغرام

كانت مزيجا رائعا

بين القطيفة والرخام

كان البنفسج بين عينيها

ينام ولا ينام

بلقيس

يا عطرا بذاكرتى

ويا قبرا يسافر فى الغمام

قتلوك فى بيروت مثل أى غزالة

من بعدما قتلوا الكلام

بلقيس

ليست هذه مرثية

لكن

على العرب السلام

*

بلقيس

مشتاقون ... مشتاقون ... مشتاقون

والبيت الصغير

يسائل عن أميرته المعطرة الذيول

نصغى إلى الأخبار ..والأخبار غامضة

لا تروى فضول

*

بلقيس

مذبوحون حتى العظم

والأولاد لا يدرون ما يجرى

ولا أدرى أنا ماذا أقول ؟

*

هل تقرعين الباب بعد دقائق ؟

هل تخلعين المعطف الشتوى ؟

هل تأتين باسمة

وناضرة

ومشرقة كأزهار الحقول ؟

*

بلقيس

إن زروعك الخضراء

مازالت على الحيطان باكية

ووجهك لم يزل متنقلا

بين المرايا والستائر

حتى سجارتك التى أشعلتها

لم تنطفىء

ودخانها

مازال يرفض أن يسافر

بلقيس

مطعونون .. مطعونون فى الأعماق

والأحداق يسكنها الذهول

بلقيس

كيف أخذت أيامى وأحلامى

وألغيت الحدائق والفصول

*

يا زوجتى

وحبيبتى وقصيدتى وضياء عينى

قد كنت عصفورى الجميل

فكيف هربت يا بلقيس منى ؟

*

بلقيس

هذا موعد الشاى العراقى المعطر

والمعتق كالسلافة

فمن الذى سيوزع الأقداح أيتها الزرافة ؟

ومن الذى نقل الفرات لبيتنا

وورود دجلة والرصافة ؟

*

بلقيس

ان الحزن يثقبنى

وبيروت التى قتلتك لا تدرى جريمتها

وبيروت التى عشقتك

تجهل أنها قتلت عشيقتها

وأطفأت القمر

*

بلقيس

يا بلقيس

يا بلقيس

كل غمامة تبكى عليك

فمن ترى يبكى عليا

بلقيس كيف رحلت صامتة

ولم تضعى يديك على يديى ؟

بلقيس

كيف تركتنا فى الريح

نرتجف مثل أوراق الشجر ؟

وتركتنا نحن الثلاثة ضائعين

كريشة تحت المطر

أتراك ما فكرت بى ؟

وأنا الذى يحتاج حبك مثل زينب وعمر




بلقيس




 




بلقيس

يا كنزا خرافيا

ويا رمحا عراقيا

وغابة خيرزان

يا من تحديت النجوم ترفعا

من أين جئت بكل هذا العنفوان ؟

*

بلقيس

أيتها الصديقة .. والرفيقة

والرقيقة مثل زهرة أقحوان

ضاقت بنا بيروت ضاق البحر

ضاق بنا المكان

بلقيس ما أنت التى تتكررين

فما لبلقيس اثنان

*

بلقيس

تذبحنى التفاصيل الصغيرة فى علاقتنا

وتجلدنى الدقائق والثوانى ...

فلكل دبوس صغير ... قصة

و لكل عقد من عقودك قصتان

*

حتى ملاقط شعرك الذهبى

تغمرنى كعادتها بأمطار الحنان

ويعرش الصوت العراقى الجميل

على الستائر

والمقاعد

والأوانى

*

ومن المرايا تطلعين

من الخواتم تطلعين

ومن القصيدة تطلعين

من الشموع

من الكؤوس

من النبيذ الأرجوانى

*

بلقيس .. بلقيس

لو تدرين ما وجع المكان

فى كل ركن أنت .. حائمة كعصفور

وعالقة كغابة بيلسان

*

فهناك كنت تدخنين

هناك كنت تطالعين

هناك كنت كنخلة تمشطين

وتدخلين على الضيوف

كأنك السيف اليمانى

*

بلقيس

أين زجاجة الغيرلان ؟

والولاعة الزرقاء

أين سيجارة الكنت التى

ما فارقت شفتيك ؟

*

أين الهاشمى مغنيا

فوق القوام المهرجان

*

تتذكر الأمشاط ماضيها

فيكرج دمعها

هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضا تعانى ؟

بلقيس صعب أن أهاجر من دمى

وأنا المحاصر بين السنة اللهيب

وبين السنة الدخان

*

بلقيس أيتها الأميرة

ها أنت تحترقين فى حرب العشيرة والعشيرة

ماذا سأكتب عن رحيل مليكتى ؟

إن الكلام فضيحتى

*

ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا

عن نجمة سقطت

وعن جسد تناثر كالمرايا

ها نحن نسأل يا حبيبة

إن كان هذا القبر قبرك أنت

أم قبر العروبة

بلقيس

يا صفصافة أرخت ضفائرها على

ويا زرافة كبرياء

بلقيس

إن قضاءنا العربى أن يغتالنا عرب

ويأكل لحمنا عرب

ويبقر بطننا عرب

ويفتح قبرنا عرب

فكيف نفر من هذا القضاء ؟

*

فالخنجر العربى .. ليس يقيم فرقا

بين أعناق الرجال

وبين أعناق النساء

بلقيس

إن هم فجروك .. فعندنا

كل الجنائز تبتدى فى كربلاء

وتنتهى فى كربلاء

*

لن اقرأ التاريخ بعد اليوم

إن أصابعى اشتعلت

وأثوابى تغطيها الدماء

هانحن ندخل عصرنا الحجرى

نرجع كل يوم ألف عام للوراء

البحر فى بيروت

بعد رحيل عيناك استقال

والشعر .. يسأل عن قصيدته

التى لم تكمل كلماتها

و لا احد يجيب عن السؤال

*

الحزن يا بلقيس

يعصر مهجتى كالبرتقالة

الآن اعرف مأزق الكلمات

اعرف ورطة اللغة المحالة

وأنا الذى اخترع الرسائل

لست أدرى .. كيف أبتدى الرسالة

*

السيف يدخل لحم خاصرتى

وخاصرة العبارة

كل الحضارة انتى يا بلقيس .. والأنثى حضارة

بلقيس أنت بشارتى الكبرى

فمن سرق البشارة

أنت الكتابة قبلما كانت كتابة

أنت الجزيرة والمنارة

*

بلقيس

يا قمرى الذى طمروه مابين الحجارة

الآن ترتفع الستارة

الآن ترتفع الستارة

*

سأقول فى التحقيق

إنى اعرف الأسماء والأشياء والسجناء

والشهداء والفقراء والمستضعفين

وأقول أنى أعرف السياف قاتل زوجتى

ووجوه كل المخبرين

*

وأقول أن عفافنا عهر

وتقوانا قذارة

وأقول أن نضالنا كذب

وأن لا فرق

مابين السياسة والدعارة

سأقول فى التحقيق

إنى قد عرفت المقاتلين

وأقول

أن زماننا العربى مختص بذبح الياسمين

وبقتل كل الأنبياء

وقتل كل المرسلين .

*

حتى العيون الخضر

يأكلها العرب

حتى الضفائر .. والخواتم

والأساور والمرايا واللعب

حتى النجوم تخاف من وطنى

ولا أدرى السبب

*

حتى الطيور تضمر من وطنى

ولا أدرى السبب

حتى الكواكب .. والمراكب .. والسحب

حتى الدفاتر .. والكتب

وجميع أشياء الجمال

جميعها .. ضد العرب

*

لما تناثر جسمك الضوئى

يا بلقيس

لؤلؤة كريمة

فكرت هل قتل النساء هواية عربية

أم أننا فى الأصل محترفو جريمة ؟

*

بلقيس

يا فرسى الجميلة .. إننى

من كل تاريخى خجول

هذى بلادى يقتلون بها الخيول

من يوم أن نحروك

يا بلقيس

يا أحلى وطن

لا يعرف الإنسان كيف يعيش فى هذا الوطن

لا يعرف الإنسان كيف يموت فى هذا الوطن

*

مازلت ادفع من دمى

أعلى جزء

كى أسعد الدنيا .. ولكن السماء

شاءت بان أبقى وحيدا

مثل أوراق الشتاء

*

هل يولد الشعراء من رحم الشقاء ؟

وهل القصيدة طعنة

فى القلب .. ليس لها شفاء ؟

أم أننى وحدى الذى

عيناه تختصران تاريخ البكاء ؟

*

سأقول فى التحقيق

كيف غزالتى ماتت بسيف أبى لهب

كل اللصوص من الخليج إلى المحيط

يدمرون .. ويحرقون

وينهبون .. ويرتشون

ويعتدون على النساء

كما يريد أبو لهب

*

كل الكلاب موظفون

ويأكلون

ويسكرون

على حساب أبى لهب

لا قمحة فى الأرض

تنبت دون رأى أبى لهب

لا طفل يولد عندنا

إلا و زارت أمه يوما

فراش أبى لهب

لا سجن يفتح

دون رأى أبى لهب

لا رأس يقطع

دون أمر أبى لهب

*

سأقول فى التحقيق

كيف أميرتى اغتصبت

وكيف تقاسموا فيروز عينيها

وخاتم عرسها

وأقول كيف تقاسموا الشعر الذى

يجرى كأنهار الذهب

*

سأقول فى التحقيق

كيف سطوا على آيات مصحفها الشريف

وأضرموا فيه اللهب

سأقول كيف استنزفوا دمها

وكيف استملكوا فمها

فما تركوا به وردا ... ولا تركوا عنب

*

هل موت بلقيس ..

هو النصر الوحيد ..

بكل تاريخ العرب ؟؟

بلقيس

يا معشوقتى حتى الثمالة

الأنبياء الكاذبون

يقرفصون

ويركبون على الشعوب

ولا رسالة ..

*

لو أنهم حملوا إلينا ..

من فلسطين الحزينة ..

نجمة ..

أو برتقالة ..

لو أنهم حملوا إلينا

من شواطىء غزة

حجرا صغيرا

أو محارة ...

*

لو أنهم من ربع قرن حرروا ..

زيتونة ..

أو أرجعوا ليمونة

ومحوا عن التاريخ عاره

*

لشكرت من قتلوك .. يا بلقيس ..

يا معبودتى حتى الثمالة ..

لكنهم .. تركوا فلسطين

ليغتالوا الغزالة !!

*

ماذا يقول الشعر يا بلقيس

فى هذا الزمان ؟

ماذا يقول الشعر ؟

والعالم العربى

مسحوق .. ومقموع ..

ومقطوع اللسان ..

نحن الجريمة فى تفوقها

فما العقد الفريد .... وما الأغانى ؟؟

*

أخذوك أيتها الحبيبة من يدى ..

اخذوا القصيدة من فمى ..

اخذوا الكتابة .. والقراءة

والطفولة والأمانى

*

بلقيس .. يا بلقيس

يا دمعا ينقط فوق أهداب الكمان

علمت من قتلوك أسرار الهوى

لكنهم قبل انتهاء الشوط

قد قتلوا حصانى

*

بلقيس

أسألك السماح فربما

كانت حياتك فدية لحياتى

إنى لأعرف جيدا

أن الذين تورطوا فى القتل كان مرادهم

أن يقتلوا كلماتى !!!

*

نامى بحفظ الله أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل

والأنوثة مستحيلة

ستظل أجيال من الأطفال ..

تسأل عن ضفائرك الطويلة

وتظل أجيال من العشاق

تقرأ عنك .. أيتها المعلمة الأصيلة

وسيعرف الأعراب يوما ..

إنهم قتلوا الرسولة ..

قتلوا الرسولة ..


 

 

 

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




فاطمة في الريف البريطاني

 

 

 

-1-

 

شهر ديسمبر رائع ...

شهر ديسمبر في لندن ، هذا العام ، رائع فـبـهِ هاجمني الحب ..

وألقاني جريحا كمصابيح الشوارع ..

هذه فاطمة تلبس بنطالا من الجلد نبيذيا ..

وتوصيني بأن أمسكها من يدها كي لا أضيع وهي تدري جيدا ..

أنني من يوم ميلادي ، ببحر الحب ضائع فلماذا في ( هارودز) نسيتـني

ولماذا غـضِـبـت مني .. لماذا أغضبتـني ؟

وهي تدري أني من دونها ..

لا أقطع الشارع وحدي ..

لا و لا أشرب فنجاناً من القهوة وحدي ..

لا ولا أعرف أن أرجع للفندق وحدي ..

فلماذا في ( هارودز ٍ) صلبتني ؟

فوق أكداس هداياها .. لماذا .. لماذا صلبتـني؟

وهي تدري أنني أعبدها

من رأسها حتى الأصابع ..

شهر ديسمبر رائع .

 

-2-

 

شهر ديسمبر ، يبقى مَـلِـكا بين الشهور

فهو أعطاني مفاتيح السماوات ..

وأعطاني مفاتيح العصور ..

ورماني كوكباً مشتعلا حول نهديك يدور ..

سقطت في لندن ، كل التواريخ ، وغابت تحت جفنيك جبال وبحور ..

شهر ديسمبر ، ألغاك .. وألغاني

 فنهن الآن ضوء غير مرئي ..

وعطر .. وبَـخُـور ..

شهر ديسمبر .. مجنون تعلمتِ به .. أن تثوري ..

وتعلمت به كيف أثور ..

شهر ديسمبر ..

ألغى عقدة الحب التي نحملها

فإذا بي مثل عصفور طليق ..

وإذا بك ، يا فاطمة ، دون جذور .

 

-3-

 

لندن .. باردة جدا ..

فيا فاطمة ..

افتحي فوقي مظلات الحنان

لندن قاسية جداً ..

وإني خائف جداً ..

فـرُدي لي شعوري بالأمان

خبئيني تحت قـفطانك ، يا فاطمة مثل طفل ..

فـلـقـد ضيعت أبعادي ، وأبعاد المكان

حاولي أن تصبحي أمي .. كما أنت الحبـيـبـة

من زمان .. لم أضع رأسي على صدر حنون ..

من زمان ...

 

-4-

 

لندن حبي .. وفي باراتها غنيت أحلى أغنياتي

لندن مجدي ..

فـفيها قـد تغرغرت بأولى كلماتي ..

لندن حزني ..

على كل رصيف دمعة من دمعاتي

لندن عاصمة القلب ..

وفيها قـد تلاقيت بستِّ الملكات ..

لندن ، تعرف وجهي جيدا ..

فأنا جزء من اللون الرمادي ..

ومن أعمدة النور ..

وأضواء الميادين ..

وصوت القبرات ..

منذ أن جئت إليها عاشقا

أصبحت لندن إحدى المعجزات ..

لندن .. تأخذني كالطفل في أحضانها ..

وطوال الليل ، تتلو من كتاب الذكريات ..

لندن صاحبة الفضل .. فـقـد علمـتـني العشق في كل اللغات ...

-5-

 

هذه فاطمة ..

تقتحم التاريخ من كل الجهات ..

إنها تدخل كالإبرة ..

في كل تفاصيل حياتي

آه .. كم تعجبني فاطمة ..

عندما تجلس كالقطة بين المفردات ..

تأكل الفتحة .. والضمة .. في شعري .. وتـَـبـْـتـَـلُّ بأمطار دواتي

 

 -6-

 

مبحر في زمن الـكحل ..

ولا أدري لأين ؟

مبحر فيك .. ولا أدري لأين ؟

يا صباح الخير .. يا عصفورتي

أنا في أحسن حالاتي ..

فما أطيب القهوة في قربك ..

ما أرشق هاتين اليدين ..

ثم ما أروع أن يكتشف الإنسان في ذات صباح لندني ..

في مكان ما .. على ظهر الحبيبه ... شامتين ...

لم تكونا ، عندما جئت مساء البارحة .. مولودين ...

فاتركيني .. أضفر الشَـعر  الذي طال في لندن ، من فرط حناني ، بوصتين ..

واتركيني ..

أمسك الشمس التي تغطس بين الشفتين ..

اتركيني ، أوقف التاريخ يا فاطمة

لحظة .. أو لحظتين ..

أخذوا كل عناويني .. ولم يبق أمامي غير هذا الشارع الضيق بين الناهـدين ...

 

-7-

 

لندن تمطرني ثـلجاً .. وابقى باشتهائي بدويا ..

لندن تمنحني كل الثـقافات .. وابقى بجنوني عربيا ..

لندن تمطرني عقلاً .. وابقى فوضويا ..

لندن تجهل حتى الآن .. من أنت لديا

آهِ .. يا سنجابة الليل التي تدخل في الأعماق رمحاً وثـنيا ..

إن تاريخك قبل أن يرسلك الله إليا كان عصرا حجريا ..

فاشربي شيئا من الخمر معي ..

اشربي شيئا من الحلم معي ..

اشربي شيئا من الوهم معي ..

اشربي شيئا من الفوضى معي ..

اشربي حتى تصيري امرأة ً..

واتركي الباقي عليَّـا...

 

-8-

 

شهر ديسمبر يأتي

لابساً معطف شاعر

شهر ديسمبر يهديني دموعاً .. وشموعاً .. ودفاتر ..

هذه فاطمة تلبس كيمونو من الصين ..

موشّـى بالأزاهر ..

شاي بعد الظهر من بين يديها

مهرجانات من اللون ..

وموسيقى أساور ..

لم تكن فاطمة مشرقة الوجه كما كانت (بمارلو) ..

لم تكن صافية العين كما كانت (بمارلو ) ..

لم تكن معتزة النهدين من قبل ..

كما كانت ( بمارلو ) ..

لم تكن ملفوفة الخصر ..

كما كانت ( بمارلو ) ..

لم يكن يسكنها الشعر ..

كما كانت ( بمارلو ) ..

لم يكن يسكنها الشعر ..

كما كانت ( بمارلو ) ..

إنني آمنت أن الحب ساحر ..

 

-9-

 

هذه فاطمة ..

تغسل نهديها النحاسيـين بالماء .. كطائر وأنا في الغرفة الخضراء أستلقي سعيدا تحت أشجار الكاكاو

وهتافات المرايا والستائر ..

فاشربي شيئا من الشعر معي ..

فأنا ـ دونك يا سيدتي ـ لست بشاعر

اشربي حتى تصيري امرأة ..

إن حبي لك مجنون .. وملعون ..ووحشي الأظافر ..

 

-10-

 

ورق الأشجار في ( مارلو ) ..

نحاسيّ .. وورديّ ,, وأصفـرْ ..

ولقائي بك في الريف البريطاني حلم لا يُـفسر ..

والعصافير ترى ثغرك في أحلامها وردة .. أو نجمة .. أو قرص سكر


 

 

Wapher | del.icio.us