مقالات عن جبران
nermeen 05-07-2008 GTM 2 @ 10:24
جبران ! ...
يا يمامة من نور الحق تهدل فوق أفنان شجرة العدل فى حقل الأزل ! ...
و يا شمعة صدق دائمة الضياء فى صومعة الحياة ! ...
جبران ! ...
يا غرّاس الحس ، و زرّاع شعور ! ...
غرستَ فى حقل الحياة من روحك أنباضاً فأورست ، و زرعت فى بستان الأعوام من نفسك أنفاساً فأورقت
إن الله خولك الذكاء فولدت عبقرى الإرادة ، و ملـّكك الغفران ، فكنت قديساً فى عين القديس ، و صدّيقاً فى عين الصدّيق ، و وهبك الدأب فجئت حوّاكاً يحوك على نوله الاستقامة و الصلاح .
حسداً ناوأك الموت ، فرمى عن القوس سهمه يتتوق عمداً إلى اغتيالك .
" كلمات الغلاف الخلفى على المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران "
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
جبران في ذكراه: ويل لأمة كثرت طوائفها
الاثنين, 19 ماي/مايو 2008
لم يزل في لبنان ما يجمع عليه اللبنانيون... فبرغم حدة الأزمة التي تعصف بوطنهم والتي كادت تودي بمقومات عيشهم المشترك, يحيي مثقفو لبنان هذه الأيام على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والدينية وتوجهاتهم السياسية, الذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة الأديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران » رائد الحداثة الأدبية«.
ولد جبران في 6 يناير 1883 في بلدة »بشرّي« الجبلية في شمال لبنان, ورحل في 10 ابريل 1931 في الولايات المتحدة, بعدما أعطى من فكره وقلبه ووجدانه بالقلم والريشة خلال سنوات عمره الثماني والأربعين, ما عجز عن إعطائه مفكرون وأدباء ومنظّرون عالميون كبار.
لم يزل جبران العبقري الشاعر الذي يحيا في قلوب الأجيال, لأنه يعطي آلامها الخرساء ألسنة من نار, -كما يقول ميخائيل نعيمة- إنه الثائر على الظلم والاستبداد والحرمان, الثائر على التقاليد البالية والإقطاع بوجهيه السياسي والديني, الثائر على الفوارق والامتيازات الدينية والمذهبية في الوطن الواحد.. الثائر على الخنوع والاستكانة والذل.. فجبران العبقري المفكر الشاعر الذي جاء ليقول كلمة: "... جئت لأقول كلمة وسأقولها, وإذا أرجعني الموت قبل أن ألفظها يقولها الغد.. فالغد لا يترك سراً مكنوناً في كتاب اللانهاية, والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة عدة". هكذا يقول جبران الذي تفتحت عيناه في بقعة شمالية شاهقة من جبال لبنان, في بقعة غنية بمفاتنها الطبيعية وذكرياتها الدينية, الإيجابية منها والسلبية.
اغترف جبران من هذه الثروة الجمالية ما كفاه مؤونة العمر, وعبّ من معين تلك الذكريات ما عبر عنه حباً لا ينضب للإنسان, ونقمة عارمة على كل من يحاول استغلاله والحد من حريته ووطء كرامته, ونشر ذلك الدر كله في كتاباته الشعرية والنثرية; بلباقة الأديب وعطاء الشاعر ودقة ورهافة الفنان, فأنت تشتم طيوب لبنان وتستشعر سحر أعاليه وأغواره وتحس جماله وجلاله في كل ما تقرأه لمؤلف »النبي« - هكذا ردد شقيق روحه ميخائيل نعيمة.
لبنان إقطاعيتان
ولبنان آخر القرن التاسع عشر كانت تسوده إقطاعيتان, سياسية ودينية, وقد كرهت نفس جبران الإقطاع والظلم, فلا عجب أن اتخذ من ظلم الإقطاع بشقيه, مواضيع كثيرة, كثيراً ما عبر عنها في إظهار بحور التقاليد البشرية وما حللته وحرمته, واستبداد الحكام - مدنيين وغير مدنيين - في علاقاتهم بعامة الشعب. جبران الثائر عبر عن كل هذا, إنه النبع الطيب الذي استقى منه عشاق الأدب والحياة حب الأدب والحياة, وحب الكلمة, من دمه شربنا ومزجنا بدمه دمنا المشتاق إلى الضوء, من خلجات صدره ارتجف صدرنا للخير والحقيقة والجمال والحب, بحنان أعطى وبحنان أخذ الآخر, بل حول سرير العالم الصغير إلى هودج من الرؤى والأحلام والأسفار والابتسامات, والدموع إن تكلم عن الموسيقى أنصتنا وإن تكلم عن الدين اتسعت آفاق الذات حتى ملأت الآفاق, وإن تكلم عن البيع والشراء أخذ الميزان من طرفيه, وإن تكلم عن الحق والعدالة والإنصاف, زرعت في الأرض السيوف.
مثل جبران للبعض الأبوة, وللبعض الآخر الأدب بكل جمالياته, كان وما زال صخرة في التاريخ الأدبي, وسفينة شقت البحار وأرست لتعود وتحمل الأكاليل.. منح الأدباء ذاك البريق الخلاب الذي يجعل من الليل نهاراً, تلك الكرامة التي لولاها ما من طير يطير, أسس وجذر وزرع, وصمم, وهدى, وجهه مرسوم على صخور لبنان يبشر في ذكرى ميلاده 125 بغد مزهر. إنه الفتى الضاحك, لابس القمصان المزركشة الذي لم يمت, إنه الحافي القدمين على شواطئ العالم, والذي يرفع يده لكل سيارة مسرعة لتنقله إلى المجهول, لم يتكرر جبران في أي واحد أتى, وبرسوليته المنتقلة إلى المشعل رسم ميثاق الأدب الجديد. فكان أكثر من محطة في تاريخ الوطن, أنه من هؤلاء الرواد الذين تخطوا التاريخ العادي الرتيب وأكدوا من جديد مبرراً لوجود لبنان ودوره, رغم العواصف التي تهب وهبت عليه.
جبران خليل جبران, شاء أن يحتضن في عقله وأحاسيسه وفكره كل معرفة وكل قيمة إنسانية, لقد حاول أن يكون معلماً, وحاول أن يكون مبتكراً وإنساناً بعدما أدرك قيمة الإنسان وما يمثله من فكر وعمل وتحرك وتطور, وكأنه وجد "يوتوبيا" مطلقة في الإنسان, فحاول الغور والغوص في الذات الإنسانية ليفجر هذه اليوتوبيا.. فقد مثل التحطيم الكلي لكل قيد, ولكل شرط يحد من الانعتاق المطلق للإنسان, حتى أنه ميّز بين الدين والطائفة, لأنه اعتبر الدين صيغة إنسانية عليا, هي عزة الإنسان, بينما وجد الطائفة أنها قيد وشرط يحد من هذا الانعتاق وهو لخّص هذا المفهوم في عبارته التي تقول: »ويل لأمة كثرت بها طوائفها وقلّ فيها الدين". والأمة هنا هي مجموعة البشر التي تشكل مجموعة نادرة من القيم الإنسانية.
كان الشرقي الأول في كل عصر النهضة الذي استوعب وأدرك قيمة الموسيقى وفعلها وتأثيرها على البشر, فجعلها بمنزلة الآلهة وجعلها بالقيمة التي تساعد في تشكيل الفكر, لقد جعل الموسيقى كالهواء والماء, وجعلها موازية لكل الحياة, لدرجة أنه لم يستطع أن يتصور كائناً ما دون موسيقى, دون حب الموسيقى, دون سحرها, فكان كتابه "الموسيقى". ومن هذا الوضوح جاءت رؤيته للإنسان عامة رؤية شاملة تخاطب الداخل, تخاطب المكنون, لأنه أدرك بأن كل "إصلاح" يكون بإيجاد إنسان شفاف سامٍ, راقٍ, وهذا الإنسان بهذا الشقاء هو الذي ينص الشرائع والقوانين بحياته العملية اليومية. لذلك جاء الحب عنده غير كل حب, وجاء فكره ورسمه ونصه (نطقاً) من أفواه الناس شاءهم أن يكونوا المثل الأعلى الذي يريد, لأنه جعل الإنسان نقطة الحياة كلها, وجعله الطبيعة كلها وجعله الكون كله.
سيد النوستالجيا
يقول هنري زغيب في جبران العاشق الأبدي: جبران والحب نهج حياة وترهبن انصراف, وحده بدأ انتظاره, ووحده أنهاه, على أمل يوم غادر أن تلده امرأة ثانية, لعله يجد لانتظاره حضوراً يساوي الانتظار, اثنتا عشرة امرأة, ولا صورة لعاشقة, اثنتا عشرة امرأة ولا عشق عاصفاً, اثنتا عشرة امرأة ولا حب... ومع هذا كتب في الحب كما قلائل العشاق, فأي عاشق هذا? وأي عشق? وهو الذي قال في الحب أصفى ما يقال... عشقنه كلهن, فهل هو واحدة منهن عشق? هل واحدة منهن بلغت منه الامتلاء? يحب ذاته في كل امرأة عرف, كان يحب حبه هو لها, كان يحبها تعشقه, لكي يتأمل نفسه معشوقاً وكان يحاول أن يتهيأ لحالة العشق, فيراقب تصرفاته عاشقاً, ويتابع خلجاته معشوقاً... كان يحب الحب للحب, لا الحب للحبيبة أو من الحبيبة أو في الحبيبة. ويبقى لنا جبران لغزاً كبيراً, لكنه مهما يكن, كان عاشقاً كبيراً.. وكان عاشقاً غير عادي ولم تكن علاقاته سوى سعايات أعطته كل ما يريد, إلا ما هو لا يريد سواه: الحب العظيم, وفرة النساء لا تخلق عشقاً, امرأة واحدة, امرأة تكون هي التي تخلق عاشقاً خالداً. جبران كان خصب الخيال, رائع الرؤيا وسيد النوستالجيا, ومن هذه الثلاثة الأقانيم خرج عاشقاً كبيراً, فيما لا يزال ينتظرها أن تصل, تلك التي, لو وصلت, لكان سيكون لها أن تضفره عاشقها إلى الأبد, لكنها لم تأتِ, فتعب, وترك لها كلماته فيها, وراح. ...جبران, بقيت كلماته لنا في الحب, ضوءاً رائعاً على جبين العاشقين, واحدة أخرى من غرائب هذا الرجل, إنه كتب إلى العشاق, وهو... لم يعشق...
جبران خليل جبران هذا الوهج الإنساني من لجة ولادة الحياة, هو المعلم أكان فنه أو فكره أو رؤاه توارداً أو تفاعلاً أو تأثراً, فهو ما غاب, إلا ليولد بتفكك الإنسان وتعقده, وبفناء المجهول وضيائه من جديد, جديد هذا الضوء الذي هو انعكاس لجزئيات الحياة.. ففنه هو خلاصة »جبرانية« للفنون, بدءاً من "رقصة الطقوس" منذ 15 ألف سنة قبل الميلاد, إلى زمن العصر الحجري, مروراً بيدي »الهوت غاراني« وقوة سرهما الساحر. وفي تعاليم كهنة "طيبة" و"مدينة" و"توت عنخ آمون", ومنحدر سلالته الذين رأى فيهم جبران مدخلاً وانبعث بهم حلماً ورؤياً ومع وليدات آلهة الإغريق والمقدونيين, فقد خط خطوطاً معبرة لروح الجمال صلاة وعشقاً, ولم ينتظر, فالدعوة المباركة إلى باريس وعداً بواحة الفن التي رأى فيها صورة أطيافه وفكره بتماثيل "رودان" ورسوم "ميرو", وبهما توهج واشتد أزره بين "لحظة الألم المريرة" و"النشوة الأبدية لفن حب الإنسان, ومع الحب هناك".
انتسب إلى جدرانيات قصور "بومبي" الغامضة, وأفاريز "البانتيوم" وساحات الإمبراطورية الرومانية, فقد استلهم ما استلهم.. ولم يبرح روما إلا وتقاسم آلام الإنسان المجسدة على خالد الرخام والفسيفساء الفنية وروائع الفرسك, والألواح الخشبية... روائع "مايكل أنجلو", دعته "بالليل" و"الفجر" و"النهار" و"الغسق", وعصرته ألماً "بالأم الحزينة" وفجرت في نفسه بركان التمرد "بالعبودية" و"الثورة" و"الصرخة" وأشاعت في روحه مشاعر التأمل والسلام "بملحمة الخلق".
وبعدها من نوافذ الخلق انبرى جبران يتصادق مع "دانتي" و"وليم بليك" بمواكبة سفر طويل, وإذا "بحلم إسحاق" يتجسد في آثاره شكلاً وكلمة, ثم استمر المعلم كقبس من أرض الشرق يضيء ويعطي العالم أشكالاً, وخطوطاً وسوريالية ورموزاً منهمرة من رؤى الحق لكلمة الإنسان, نبع "النبي" وأسراره المتعالية.
في سيرة جبران يقول الباحث الدكتور محمد حمود في كتابه: "جبران خليل جبران - الصادر عن دار الفكر اللبناني" أن جبران تعلم مبادئ القراءة والكتابة من الطبيب الشاعر سليم الضاهر, ودفع الفقر والجور بالأم إلى حمل أولادها الأربعة وهجر زوجها ووطنها إلى بوسطن (الولايات المتحدة الأمريكية) حيث نزلت في حيّها الشرقي وسط الكثير من أهل بشري, أخذت الأم تبيع أشغالاً يدوية, وفتح بطرس متجراً صغيراً تساعده فيه أختاه, أما جبران فدخل المدرسة. نمّت الأم في نفس جبران حب الاستقلال والطموح, حيث قامت معلمة الرسم "فلورنس بيرس" بتشجيعه ورعاية موهبته, كما قامت الآنسة "دجيسي بيل" العاملة في المدرسة بالكتابة إلى صديقها المثقف الفني "فريد هولاند داي" لكي يهتم بجبران.
ومنذ ديسمبر 1896, أخذ "داي" يساعده مادياً ويقرأ له ويعيره الكتب التي أثرت في توجهه الفكري والروحي والفني, وعهد إليه "داي" في رسم الغلاف لعدد من الكتب التي نشرتها دار "كويلا أند داي" وعرّفه ببعض الرسامين والأدباء وببعض العائلات الأرستقراطية الغنية, كما تعرف إلى الشاعرة الجميلة جوزفين يسيبودي, وقررت أمه وأخوه إعادته إلى لبنان لإكمال دراسته, فأبحر إلى بيروت في صيف 1898, ودخل »مدرسة الحكمة«. فدرس اللغة العربية وآدابها, وكان يقضي العطلة الصيفية في بلدته بشرّي.. لكنه نفر من والده الذي تجاهل مواهبه فأقام مع ابن عمه نقولا, ووجد عزاءه في الطبيعة وفي صداقة أستاذ طفولته سليم الظاهر, وضيافة الوجيه طنوس الظاهر. ومن علاقة الحب بينه وبين "حلا الضاهر" استوحى قصته "الأجنحة المتكسرة".
العودة إلى بوسطن
لما علم جبران بوفاة أخته سلطانة سنة 1902 كانت في الرابعة عشرة من عمرها, غادر لبنان عائداً إلى بوسطن, واتصل بالشاعرة جوزفين يسببودي, فصادقها, وكانت في السادسة والعشرين من عمرها, وهو لا يزال في التاسعة عشرة, فأعجبت برسومه, وتطورت صداقتهما إلى حب دام أربع سنوات, وكان لهذه العلاقة صدىً في "دمعة وابتسامة"... ومرضت أمه ثم أخوه بطرس فحلّ محله في الدكان. توفي بطرس مسلولا,ً ثم تبعته الأم في السنة نفسها 1903. فترك جبران الدكان لمسؤول يتدبر أمره وانصرف إلى الرسم والكتابة بالعربية.
وفي مايو 1904 عرض جبران رسومه برعاية مشجعه "فريد داي" ودخلت ماري هاسكل حياته... في هذه الأثناء بدأ جبران يكتب في جريدة "المهاجر" في نيويورك, وفي 1905 صدر كتيبه الأول "الموسيقى" ثم انقطع للكتابة والرسم, وكانت أخته "مريانا" تشتغل في معمل خياطة وتعيله, ذاعت شهرته, الأدبية, بين قرّاء العربية في المهجر, من خلال مقالاته وقصائده النثرية, وقصصه التي نشرها في "المهاجر". وفي العام 1906 نشر له أمين الغريب في نيويورك "عرائس المروج" فحازت قصصها الثلاث إعجاب كتاب المهجر, لما فيها من سخرية وواقعية ونقد لاذع في أسلوب جديد حي.
وخلال سنتي 1907-1908, عرفته ماري هاسكل إلى أصدقائها وصديقاتها منهم "ميشلين" فأحبها جبران ورسمها مراراً, وسنة 1908 ظهر كتابه الثالث الذي ثبت شهرته "الأرواح المتمردة".
وفي يوليو 1908 أرسلته "ماري" على نفقتها إلى باريس ليطور فنه, فلبث فيها سنة, في أكتوبر 1910 عاد إلى الولايات المتحدة, وطلب جبران الزواج من "ماري هاسكل" التي أحبته وأعجبت به, فرفضته حتى لا تعرقل نتاجه الفني, ولكنها ظلت تساعده مادياً ومعنوياً, ثم أرسلته إلى نيويورك حيث تعرف إلى أمين الريحاني وآخرين من رجالات الأدب والفن.
سنة 1912 صدرت "الأجنحة المتكسرة" وبعد سنتين "دمعة وابتسامة" وعرضت رسومه للمرة الأولى في نيويورك, وفي السنة عينها أظهر عداءه للاحتلال التركي في سورية ولبنان, فدعا في مقالاته العرب إلى الاتحاد لمقاومة العثمانيين. وحين عمت المجاعة العام 1916 اشترك في حملة لجمع التبرعات لوطنه, وكتب قصيدته النثرية: »مات أهلي« وبدأ نجمه يلمع, وبفضل صداقته مع "ماري هاسكل" أتقن الإنكليزية, وصار معظم نتاجه بعد سنة 1918, بالإنكليزية. كانت "ماري" تصحح له ما يكتب فظهر "المجنون" 1918, واستمر جبران يستشيرها في كل ما يكتب بالإنكليزية خلال جلسات عمل أو بالمراسلة, وبعدما غادرت بوسطن إلى الجنوب سنة 1922, حيث تزوجت سنة 1926 وأرسل إليها "يسوع ابن الإنسان" سنة 1927 و"آلهة الأرض" 1930, و"التائه" 1931 لتصحيحها قبل الطباعة.
سنة 1920 شارك في تأسيس "الرابطة القلمية" مع ميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وأمين الريحاني وندرة حداد ونسيب عريضة, وانتخب رئيساً لها. وفي السنة عينها ظهرت له "العواصف" بالعربية و"السابق" بالإنكليزية. وسنة 1923 ظهر "النبي" وكانت السنوات الثماني الباقية من حياته سنوات شهرة عالمية, فكتاب "النبي" أصبح أكثر مبيعاً في الولايات المتحدة, ومؤلفاته العربية طبعت مراراً.
ونشرت له "الهلال" المصرية, بعض مقالاته وراسل الأديبة مي زيادة, (حين تحدث بعض الباحثين عن غرام بالمراسلة بينهما) بيد أن المحافظين في مصر هاجموا كتاباته العربية, فرد عليهم أعضاء »الرابطة القلمية« فنتج عن ذلك جدل نقدي بين المهجريين المجددين والكتاب العرب المحافظين, ثم انصرف عن الكتابة بالعربية إلى الإنكليزية, واتخذ سنة 1925 الشاعرة الأميركية باربارا يونغ سكرتيرة له والتقى معها في الإيمان بالتقمص. ورغم الآلام المبرّحة في ساقيه, تابع الكتابة, فأنهى بين 1926 و1931 "يسوع ابن الإنسان", "آلهة الأرض", "التائه", وأجزاء من "حديقة النبي" أتمته سكرتيرته ونشرته بعد وفاته.
وفي وصيته سنة 1930 ترك جبران لماري هاسكل لوحاته ومخطوطاته ورسائله وكتبه, ولأخته ماله وأسهمه, ولمسقط رأسه بشري المدخول من حقوق كتبه, وقد أقام له العرب والأجانب في نيويورك وبوسطن حفلات تكريمية, إلا أن صحته ساءت فنقلته سكرتيرته إلى المستشفى حيث فارق الحياة في 10 ابريل 1931 ونقل جثمانه إلى بشري في السنة ذاتها.
واسع الثقافة
كان جبران واسع الثقافة - يقول الدكتور حمود - من بشري إلى الحكمة, ومن التوراة إلى الإنجيل والقرآن ونهج البلاغة, من كليلة ودمنة إلى الأغاني, ومقدمة ابن خلدون, وشعر المتنبي والمعري, إلى روسو وفولتير وبلزاك ونيتشه, إلى شاتوبريان وويليم بليك, وكيتس وأرسطو وكانط, وشيلي, ولعله حاكى في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأميركي "والت ويتمان" مبتكر هذا الفن, وأثر التصوف الشرقي واضح في نتاجه, وقد تأثر بطاغور وذكر لماري هاسكل أنه التقاه, ويبدو أنه كان مطلعاً على الأساطير اليونانية والكلدانية والفارسية والفينيقية والمصرية, وكان منذ طفولته ميالاً إلى الوحدة, والتأمل وأحلام اليقظة, وظل في مراهقته منطوياً على نفسه, ورافقته أحلام اليقظة حتى رجولته فادعى لمعارفه, وخاصة ل¯"ماري" أنه منحدر من أسرة أرستقراطية, عريقة غنية, وأنه أثناء إقامته في باريس قبل عضواً في "الاتحاد الدولي للفنون الجميلة والآداب", وكان تجواله الواسع في (مصر, الأستانة, أثينا, إيطاليا وباريس) فرصة أتاحت له الإطلاع على ائتلاف الشعوب واختلافها ما عمق إحساسه بهموم الإنسان.
في موضوع المرأة يورد حمود قول جبران فيها: »أنا مدين بكل ما هو أنا للمرأة, ولولا المرأة لبقيت هاجعاً مع هؤلاء النائمين الذين يشوشون سكينة العالم بغطيطهم«. ولقد مر بنا في سيرة حياته الدور الحاسم الذي مثلته المرأة في حياة جبران بدءاً من أمه "كاملة", مروراً بأختيه, وصولاً إلى ماري هاسكل. لقد جابه جبران ثلاثة بثلاثة: الغربة والشرع والموت, بالفن والحب والتألّه أو السعي إلى الاتحاد بالمثال والروح الكلي, وفي هذا الصراع مثلت المرأة شعلة الروح كما رأى إليها طاغور وويليم بليك وجبران, تساعد الإنسان في الوجود على الخلود.. ولما كان جبران رساماً وموسيقياً وشاعراً وذا جبلة دينية ونزعات فلسفية وصوفية, فقد جاء نصه مزيجاً من الألوان والإيقاعات والصور والانطلاقات والتخييلات, حيث طغت على رموزه عناصر الطبيعة.
جبران خليل جبران الذي آمن بالشرق وبوهج الشرق, ولكنه تمرد على أصحاب السلطة فيه الذين لم يرتفعوا إلى مصاف القيادة والمسؤولية, لأنهم لا يملكون شجاعة البطولة المبدعة, فركدت بذلك أساطير الشرق في الرتابة والجمود والتكرار والتزييف.. خاض بقوة الإبداع مغامرة التعبير باللغتين العربية والإنكليزية, فكان له بهما أسلوبه الخاص المتميز, والذي يمكن أن يوصف بأنه تعبير شرقي بلغة غربية (أنغلوسكسونية). ورغم ذلك فإن هذا التعبير, فرض مكانته بين الغربيين خصوصاً في كتاب "النبي" ثم في كتاب "يسوع ابن الإنسان".
جبران الأديب المجدد التزم بإبداعه فكرة البناء, وفكرة تخطي المكرس الراكد والتقليدي والمتجمد, وكان لأدبه محاور عدة, منها الدين الذي أراد أن يعيده إلى أصوله, أي إلى الإيمان الرحب, ومنها المرأة التي كانت بالنسبة إليه أساساً في الحياة والوجود والإبداع.. والإنسان في المطلق الذي هو (روحاً وجسداً) الجوهر والذات, كذلك اللغة, وهو في مجالها كان أكثر من مصلح, إنه مجدد, يؤكد أن اللغة كالكائن الحي تخضع لسنة الولادة والنمو, ثم الاندثار, إذا لم يتصدَ لذلك الاندثار والموت أهل اللغة, هو يرى أن اللغة ليست وسيلة أو إطاراً للإبداع, بل هي الإبداع نفسه.
المصدر : http://www.watan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=1456&Itemid=60
ـــــــــــــــــــــــ
عن جريدة "الثورة" السورية
في ذكرى رحيله...جبران .. إبداع الألم والحب والحياة..
ثقافة
الأحد 10/4/2005م
ديب على حسن
تارة هو الشاعر الذي أبدع وكان ركناً أساسياً من أركان التجديد في الأدب العربي.
وتارة أخرى هو الفيلسوف والحكيم ,تبدو فلسفته صوفية موغلة في أعماق النفس البشرية حتى لتكاد تقول :إن جبران هو عالم نفس وفيلسوف وأديب, ورجل الإنسانية الذي لا يأبه بقيمة أخرى غير القيمة الإنسانية بأبعادها, وفوق هذا وذاك هو الفنان (الرسام) الذي استطاع أن يلف وبروح شاعرية حزينة مجمل لوحاته التي أبدعها وأقام لها معرضا لاقى الإقبال والاستحسان,
|
|
وجبران خليل جبران في كتاباته النثرية يبدو شاعرا يفجر النثر قصيدة شعرية.. جبران خليل جبران ربما كان الأديب العربي الأكثر شهرة في العصر الحديث وأعماله المطبوعة هي الأكثر انتشارا, فما من طالب علم وأدب إلا وقرأ جبران خليل جبران, وتركت هذه القراءة أثرها العميق في تكوينه..
جبران خليل جبران الأديب المتجدد دائما وأبداً, الفيلسوف الباحث عن الحقيقة في أعماق النفس البشرية, والشاعر الذي نثر الجمال نجوما إبداعية, هذا الأديب الرؤيوي تبدو اليوم الحاجة ملحة للعودة إلى منابع إبداعه ومحاولة الإبحار فيها, وان كنا في كثير من الأحايين لا نتذكر مبدعينا الأحياء والأموات إلا في المناسبات, فإننا نشير أن هذه الإشارات السريعة لحياة جبران وأدبه , إنما تأتي في الذكرى الرابعة والستين لرحيله عن هذا العالم إذ رحل يوم 10/4/1931م
> محطات في حياته..?
حياة جبران غنية بالمحطات المثيرة حزنا وحرماناً, وهي تكاد تصبغ ألوان إبداعه بطعمها وشكلها وحزنها, فمن الشرق ومن سحر لبنان وجماله والإخفاق في الحب الأول إلى الغرب وصحراء الفكر والضياع في غابات الاسمنت والحديد وفقدان الدفء الإنساني, والسباحة في المياه غير العذبة بين هذين الحدين الحضاريين مسافات ومسافات ومحطات ولكن كيف قطعها جبران وكيف وفق بينهما ?
ولد جبران خليل جبران كما يشير يوسف عبد الأحد في كتابه (جبران في آثار الدارسين) ونقلا عن د. سهيل بشروئي ولد عام 1883 م وتحديدا في اليوم السادس من شهر كانون الأول, في بلدة (بشرّي) على سفح جبل الأرز في شمال لبنان.
عام 1894 م هاجر مع أمه وأخيه من أمه وأختيه الصغيرتين إلى العالم الجديد واستقر الجميع بمدينة (بوسطن) بالولايات المتحدة واتخذوا لهم سكنا بالحي الصيني.
ويشير عبد الأحد انه في عام 1897 م عاد جبران إلى وطنه لبنان والتحق بمدرسة الحكمة, وعكف على الدراسة, وكان جلّ اهتمامه منصبا على دراسة اللغة العربية وآدابها, فاطلع على الشعر العربي القديم والحديث, وتعرّف على الحركة الأدبية المعاصرة في العالم العربي.
عام 1899 م كانت أولى صدمات الحب في حياته, إذ تعرف على فتاة عاش معها تجربة حب عنيف انتهت إلى صدمة قاسية, وقد سجل قصة حبّه هذه في كتابه (الأجنحة المتكسرة).
ويشير عبد الأحد انه سافر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة عن طريق باريس, بينما يقول ميخائيل نعيمة في المقدمة التي كتبها لمجموعة جبران العربية انه- جبران- ظل في مدرسة الحكمة البيروتية من 1896م الى 1901م (واغترف ما يكفيه مؤونة العمر ثم راح يثير بقلمه وريشته ما اغترفه من ذلك الجمال وينثره بلباقة الفنان الأمين لفنه وسخاء الشاعر المثقل بالشعور..).
عام 1902 م عاد إلى لبنان مرافقا لعائلة أمريكية كان دليلها في زيارتها للشرق, لكنه سرعان ما عاد إلى بوسطن حين وصله نبأ وفاة أخته (سلطانة) ولم ينته عام 1903 م حتى كانت الأسرة فقدت معظم أفرادها, ولم يبق إلا جبران وأخته ميريانا..
>بواكير الإبداع..
في عام 1904 م أقام معرضا لرسومه في مرسم( الفرد هولاندداي) المصور المشهور وكان من أول, المهتمين بجبران وإبداعه.. وفي عام 1905 م كما يشير ميخائيل نعيمة كتب جبران مقالا في الموسيقا وأصدره في نيويورك على شكل كتيب فكان الحلقة الأولى في سلسلة مؤلفاته التي اختتمها بكتابه المكتوب بالإنكليزية (التائه) والمنشور بعد وفاته, وعن كتاب (الموسيقى) يقول نعيمة: (أول ما يستوقفك نمط في الكتابة يتميز بسهولة التعبير, وحلاوة التلوين و لطافة الوقع, وصدق النية, وسلامة الذوق, وعمق الإحساس, والنزعة إلى الإبداع في الوصف والتشبيه).
بعد عام ونيّف أصدر جبران كتابا آخر أكبر حجما وأبعد مدى, وقد سمّاه (عرائس المروج) وضمنّه قصصاً ثلاثاً:( رماد الأجيال والنار الخالدة) و( مرتا البانية),(يوحنا المجنون).
في (مرتا البانية) يصور فتاة قروية فقيرة الحال, طاهرة القلب والجسد, يغويها رجل من المدينة فتحمل منه وتلد غلاما, ثم ينبذها وطفلها.. يلتقيها وهي تحتضر- المؤلف- ويقول لها: تعزّي يا مرتا بكونك زهرة مسحوقة ,ولست قدماً ساحقة, فتجيب مرتا المحتضرة:(نعم.أنا مظلومة,أنا شهيدة الحيوان المختبىء في الإنسان, أنا زهرة مسحوقة تحت الأقدام..ايها العدل الخفي الكامن وراء هذه الصور المخيفة, أنت السامع عويل نفسي المودعة ونداء قلبي المتهامل, منك وحدك اطلب واليك أتضرع..).
وفي عام 1908 م صدر لجبران في نيويورك كتاب (الأرواح المتمردة) وقد نشرته جريدة (المهاجر) لصاحبها أمين الغرّيب, وفي صدره التقدمة التالية:(إلى الروح التي عانقت روحي. إلى القلب الذي سكب أسراره في قلبي إلى اليد التي أوقدت شعلة عواطفي أرفع هذا الكتاب).
> مؤلفاته..
وإذا كان ضيق المجال لا يسمح بعرض موجز لمؤلفات جبران خليل, فإننا نشير إلى أسمائها كما وردت في المجموعتين الصادرتين في مجلدين(العربية) و(المعرّبة) في المجلد الأول (العربية) نجد الأعمال التالية:
(الموسيقا- عرائس المروج-الأرواح المتمردة- الأجنحة المتكسرة- دمعة وابتسامة- المواكب- العواصف- البدائع والطرائف).
وفي المجموعة المعربة نجد:( المجنون-السابق- النبي-رمل وزبد- يسوع ابن الإنسان-آلهة الأرض- التائه- حديقة النبي).
وعلى ما يبدو فإن كتاب(العواصف) كان آخر كتاب اصدره جبران باللغة العربية, ويشير نعيمة إلى أن (جبران) بعد أن شق طريقه إلى العالم الإنكليزى انصرف عن العالم العربي إلى حد بعيد, فما أصدر كتابا عربيا جديدا, ولكنه ظل يكتب مقالات متقطعة- والقول لنعيمة- أهمها ما كان ينشره في الأعداد الممتازة التي كانت تصدرها جريدة (السائح)في مطلع كل عام, وكان آخر ما كتبه بالعربية مقالا أعده للسائح العدد الممتاز في مطلع كل سنة 1931م وهو حوار يدور بين ملك وراع فيخرج الراعي منه ظافرا, ولكن ذلك العدد لم يصدر, ولم يكتب لجبران أن يقرأ مقاله مطبوعا
>نساء في حياة جبران..
شغل دارسو جبران بهذا الجانب طويلا, كتبت عشرات الكتب والدراسات, بعضها أعاد تكرار المعطيات نفسها, وبعضها الآخر قدم إضافات جديدة, وإذا كنا هنا نشير إلى بعض ملامح هذه العلاقة بين جبران و المرأة, فإنما نريد أن نصل إلى العلاقة الروحية التي ربطته بـ (مي زيادة) والقصة الخالدة بينهما.
|
|
كان حبه الأول كما يسميه, طاهرا نقيا تسبح فيه النفوس في فضاء روحي غير محدود, ويشعر معه ان جسده ليس سوى سجن ضيق ينبغي الانطلاق من وراء قضبانه ,حبه كان صوفيا يتسامى على طبيعة اللحم والدم وحلق بأجنحة ميتافيزيقية تلامس النور في السماء.
بعد هذه المرحلة ينتقل (جبران) إلى العلاقة مع (ميشلين) ويقال أن ميشلين انتحرت بعد وفاة جبران, وبعدها كانت العلاقة مع ماري هاسك التي تبنت جبران وأمدته بلا حدود ولكنها رفضت الزواج منه, وفي القائمة نساء أخريات ولكن العلاقة الأكثر شهرة وإنسانية كانت مع مي زيادة.
أرسل جبران إلى مي رسالة في 25 تموز 1919م اعترف فيها بحبه, وفي 23/آذار عام 1925م كتب إليها متغزلا بجمال عينيها: ( وقد سألت عينيك يا ماري لأنني كثير الاهتمام بعينيك, لأنني أحب نورها, وأحب النظرات البعيدة فيهما وأحب خيالات الأحلام المتموجة).
وبعد موت جبران كانت مي تصطحب معها رسائله إليها وقد وجد معها كتاب يتضمن أبحاثاً في سير بعض أدباء العصر وصورا لهم, كتبت عليه إلى جانب صورة (جبران) العبارة التالية: (وهذه مصيبتي..)
وفاته: توفي جبران في 1/4/1931 في مستشفى القديس فنسنت بنيويورك بعد فترة طويلة من المرض, وقد وضع جثمانه بقاعة في نيويورك ليراه المعجبون ونقل بعد ذلك إلى بوسطن وسجي في قاعة جمعية السيدات السوريات, وفي تموز نقل رفاته إلى لبنان ووصل إلى لبنان في 21 آب ,ورقد رقدته الأخيرة في ديرمارسركيس.
>نبوءات أدبية..
في كتابه (البدائع والطرائف) وتحت عنوان: لكم لبنانكم ولي لبناني) كتب قائلا: لكم لبنانكم ومعضلاته ولي لبناني وجماله, لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي, أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها رنات الأجراس وأغاني السواقي..
لبنانكم ينفصل آناً عن سورية ويتصل بها آونة ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقود ومحلول, أما لبناني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر لكم لبنانكم وأبناؤه,ولي لبناني وأبناؤه , ومن هم يا ترى أبناء لبنانكم? ألا فانظروا هنيهة لأريكم حقيقتهم.. هم الذين ولدت أرواحهم في مستشفيات الغربيين,هم الذين استيقظت عقولهم في حضن طامع يمثل دور أريحي هم تلك القضبان اللينة التي تميل إلى اليمين والى اليسار ولكن بدون إرادة وترتعش في الصباح وفي المساء ولكنها لا تدري أنها ترتعش.هم تلك السفينة التي تصارع الأمواج وهي بدون دفة ولا شراع, أما ربانها فالتردد, وأما ميناؤها فكهف تسكنه الغيلان- أو ليست كل عاصمة في أوروبا كهفا للغيلان..? هم الأشداء الفصحاء البلغاء, ولكن بعضهم لدى بعض, والضعفاء الخرساء أمام الإفرنج..هم الأحرار المصلحون المتحمسون ولكن في صحفهم وفوق منابرهم والمنقادون المرجعيون أمام الغربيين..?).
|
|
المصدر : http://thawra.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=96607469520050409195847
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

((الجبرانية)) أو: الروحية العصيانية
تمثل "الجبرانية" شكلاً مميزاً للروحية "الحديثة" في النصف الأول من القرن العشرين، وأما ما نعنيه بـ"الجبرانية" تحديداً هو هذه "الروحية" عينها، التي كانت تبدو عاصفة وطليقة. وقد نتجت هذه "الروحية" عن ذلك التناغم الفريد ما بين طبيعة الكتابة "الجبرانية" أي تميزها الرومنتيكي ووظيفتها –أي انقلابها إلى روحية "عصيانية" في وجدان الشبيبة "العصرية" ووعيها وهو ما يثير أسئلة عديدة من الدلالة الاجتماعية لـ"الجبرانية" في الحقل الذي تكوّنت وأثرت وتفاعلت فيه. بل هو ما يثير سؤالاً أشد تحديداً عن سر العلاقة الخاصة ما بين طبيعة "الكتابة الجبرانية" أي علاقات حضورها الذهبية ووظيفتها "العصيانية" أي دلالتها أو علاقات غيابها واندراجها في عمليتي التفسير والتأويل (عمليتا التلقي).
فليس مفارقة في ضوء هذه الأسئلة أن تسقطب "الجبرانية" عاصفة روحية مدوية، كان فيها "العصري" (بتعابير النصف الأول من القرن) مطابقاً على المستوى الجمالي الروحي لـ"الجبراني". وبهذا المعنى شكلت "الجبرانية" روحية النزعة "العصرية" وفضاءها النفسي –الدلالي، بل إن جبران نفسه كان على مستوى الوعي الإيديولوجي النظري "عصرياً" يفكر بأدوات النزعة "العصرية" ومفاهيمها وعلى مستوى الوعي الجمالي-الروحي "جبرانياً" يتميز بحساسية رومنتيكية فريدة، وكان "الجبرانية" على المستوى الجمالي-الروحي هي "العصرية" نفسها على المستوى الإيديولوجي-النظري. ولعل ذلك ما يفسر أن "الهلال" كانت تصف جبران باستمرار بـ"الشاعر العصري".
لقد دفع هذا التطابق ما بين "الجبرانية" و"العصرية" –وهو التطابق الذي نتجت عنه أيضاً الروحية "الحديثة" أو "العصرية" –الثقافة التقليدية المسيطرة إلى وصم "الجبرانية" بـ"الانحلال" و"الكفر" و"الإلحاد" و"الفسق" و"الفجور"، إلى الدرجة التي كانت فيها قراءة جبران من منظور هذه الثقافة ضرباً من "المعصية" إذ ليس صعباً أن نجد –وعلى نحو يسير للغاية- إن ما وصم به جبران هو نفسه ما وصمت به "العصرية".
ولعل ذلك يفسر الحملة "التكفيرية" التي قادها مجلة "الأمالي" السلفية "كان عمر فروخ رئيساً لتحريرها" ضد "الجبرانية" في عام 1939 على سبيل المثال لا الحصر، إذ وصم جبران في هذه الحملة بـ"الكافر" و"المنحل" و"الزنديق" و"الأهوج" و"الفاسد المفسد" و"التافه"(1).. إلخ وهي وصمات قاتلة في مجتمع تحكم الإيديولوجيات الراكدة –المتسلطة- وعيه الاجتماعي، وسلوكه في الحياة اليومية.
***
وقد ترك لنا خليل خليل الهنداوي الشاب (الذي يُنَمذج إلى حد بعيد صورة وعي المثقف العصري في النصف الأول من القرن وقد كان الهنداوي مثقفاً عصرياً مستنيراً بالمعنى العميق للكلمة) سيرة ذاتية نموذجية دالة على ذلك. إذ تنهض لديه "الجبرانية" من حيث هي "روحية" في نسيج متشابك العلاقات بين طبيعة الكتابة الجبرانية ووظيفتها ودلالتها في سياق النزعة "العصرية". إذ لم تكن "الجبرانية" بالنسبة للهنداوي مجرد أسلوبية رومنتيكية وجدانية بالمعنى الضيق للكلمة، بقدر ما كانت "روحية" "عصيانية" صدمت الهنداوي بعالم التقاليد والركود والمشيخة والمسلمات والظلم الاجتماعي. ويشير الهنداوي في سيرته الذاتية إلى ذلك بقوله: ".. ثم جاء جبران فصعق روحي"(2) "لقد كانت نفوسنا كامنة مغلقة ففتحها. لقد كانت أرواحنا مقيدة فأطلقها".
لقد كانت عقولنا مستسلمة إلى الركود، فنفخ فيها روح الحياة والحركة والتمرد. لقد كانت أفكارنا مكبلة بقيود العبودية ففتح أمامها آفاق الحرية، وكانت "عواصفه" و"أرواحه المتمردة" و"الأجنحة المتكسرة" فاتحة خلق جيل جديد، يتمرد على التقاليد والأوضاع الجامدة، وعلى كل ما يرجع بالحياة إلى الوراء"(3).
إن ثنائية أو قطبية المغلق /المفتوح، المقيد/ الطليق، الركود/ الحركة، الاستسلام/ التمرد، العبودية/ الحرية، تحكم طريقة تفسير الهنداوي لـ"الجبرانية" وتأويله لها في سياق العلاقات الاجتماعية. وتكشف هذه الثنائيات القطبية عن مدى الوظيفة "العصيانية-للروحية "الجبرانية" في وجدان الهنداوي وحساسيته. وبهذا المعنى انفتحت "الجبرانية" –من حيث هي خطاب- مباشرة على عمليات التلقي بما تعنيه من آليات تفسير وتأويل وإعادة إنتاج، وهي عمليات ليست مشروطة بطبيعة الكتابة الجبارنية وحسب، بل وأيضاً بموقع المتلقي في نسيج العلاقات الاجتماعية وتناقضاتها- فـ"الاجتماعي" كما تستبطنه "الذات" هو المرجعية الدفينة لعملية تفسير "الجبرانية" وتأويلها بـ"الروحية العصيانية". وقد كان الهنداوي نفسه في أعماله أحد الممثلين الكبار لهذه الروحية في الأدب العربي الحديث. ويعبر الهنداوي عن استراتيجية "الاجتماعي" في سر استقطاب "الجبرانية" لروح الجيل "العصري" بقوله: "والسر في ميلي إلى جبران هو روحه وتمرده على النزعات الطائفية والمذهبية التي كنا غارقين في نتنها"(4).
من هنا وبهذا المعنى تحديداً فإن تفسير المثقف "العصري" وتأويله للخطاب "الجبراني" –من طراز الهنداوي الشاب- كان محكوماً بمعنى "الجبرانية" أو دلالتها في حقل العلاقات الاجتماعية، التي كانت بالنسبة لهذا النموذج من المتلقي، كسورات طائفية ومذهبية ومللية مفوتة ومتأخرة. وقد أفرز ذلك ما يسميه الهنداوي بـ"التفكير الجبراني" وهو تفكير أقرب إلى الروحية منه إلى المنظومة النظرية المتراصة ويقول الهنداوي بهذا الصدد ".. مثل هذا التفكير، كان غريباً ومستنكراً في بيئة محافظة مطوية على نفسها، ولقد قاسيت الكثير من حمل أفكار جبران وأدب جبران على منكبي الضعيفين.. وشاع ذلك عني في المدينة، وما أكثر مسرى الشائعات في المدن الصغيرة: -إن ولد العريجي أفسده جبران وجعله ملحداً.. يجب حرق كتبه. وجاء صديقي يحذرني بأن الملأ يأتمرون بي، لأنني أقرأ جبران، وأجهر بمحبتي لهذا الكاتب الملحد، ونصحني بأن أخفي كتبه عن النظر لأنهم سيقتحمون البيت فجأة، ويحرقون كل ما يقعون عليه من كتب"(5).
***
إذا كانت الروحية "العصبانية" لـ"الجبرانية" فضاء جاذباً لوعي الشبيبة الصعرية ووجدانها وأسئلتها فإن هذا يقود إلى مناقشة الدلالة السوسيولوجية "الجبرانية" في تميزها الرومنتيكي الغنائي الفريد. تكمن هذه الدلالة في التعبير المتمرد والعاصف عن روح "الفرد" الطالع لتوه من شبكة العلاقات الاجتماعية –الثقافية "الجماعية"، ينفض الغبار المتكلس عن وجدانه. وهي العلاقات التي لا تعترف أساساً بـ"الفرد" إلا بقدر إعادة إنتاجه لجماعيتها الطاغية، أي بقدر تحوله إلى جماعة مكثفة في "فرد" نمطي قطيعي، من هنا كان طبيعياً إلى حد بعيد أن تشكل الرومنتيكية في يميزها الجبراني الفريد وعياً جمالياً مطابقاً لتكون "الفرد" كمفهوم سوسيولوجي. فالوعي الرومنتيكي هنا هو بالدرجة الأولى وعي شخصي منفرد بـ"الذات" أي ما يميزها عن الكم العددي "للإنسان المعمم" أو الجماعة الراكدة. ويتحدد المغزى الدلالي العميق لـ"الجبرانية" في تعبيرها "الرومنتيكي" المميز.
هذا عن روح الفرد المنطلق المستيقظ المتمرد على قيود المؤسسة الاجتماعية، التي رأى جبران تكثيف مظالمها في المؤسسة الكهنوتية. من هنا يواجه جبران ما بين عالم "الغباوة" "القروسطي" القطيعي الكمي الجماعي" وعالم "العواطف المستيقظة" "العصري" "الفردي الشخصي"، إذ تقوم المؤسسة الاجتماعية في الخطاب "الجبراني" على منظومة من العلاقات، العبودية كـ"العبودية العمياء" التي "توثق حاضر الناس بماضي آبائهم وتنيخ نفوسهم أمام تقاليد جدودهم، وتجعلهم أجساد جديدة لأرواح عتيقة" و"العبودية الصماء"، "التي تكره الأفراد على اتباع مشارب محيطهم والتلون بألوانه والارتداء بأزيائه فيصبحون من الأصوات كرجع الصدى"(6). فتقوم آلية المؤسسة حسب جبران وبتعابيره على الخضوع والطاعة والامتثال والانقياد والتقليد والخنوع في حين أن آلية الفرد الحر تقوم على التمرد والانطلاق والاستيقاظ والحركة والرفض والحرية.
وفي إطار هذه التناقض ما بين "الفرد" و"المؤسسة" التي تصم كل من يواجهها ويسائلها بـ"الكفر" و"المعصية" كما في "خليل الكافر" و"يوحنا المجنون"، تنهض الروح "العصيانية" للفرد –الإنسان، فعلينا أن نفهم في هذا الإطار مثلاً قول جبران: "في قلبي كره لما يقدسه الناس وحب لما يأبونه، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة"(7).
ولعل ذلك يفسر أن جبران يواجه الحق الوضعي للمؤسسة الغاشمة بالحق الطبيعي للفرد الحر، بل نجده على غرار "روسو" تقريباً، يفكر بـ"الإنسان الطبيعي" الذي نقشت مبادئ الحرية والمساواة في فطرته الأصلية كحالة نقية للإنسان الحر الذي لم يتعرض بعد إلى الشوائب الوضعية وفسادها، وبالتالي لم يفسد ناموسه الطبيعي. وتتجلى هذه المواجهة في سخط جبران على الشريعة الرسمية التي رأى قوانينها وأحكامها عمياء وغاشمة وظلومة كما في "صراخ القبور"(8). ويعني ذلك على المستوى النظري أو على المستوى المنظومة النظرية المقابلة للمنظومة التخيلية الرومنتيكية، إن الحقوق الأساسية لـ"الفرد" وفي مقدمتها حق الحياة والمعتقد والرأي والاعتبار قد لعبت دوراً استراتيجياً في تشكيل الوعي "الجبراني"، وهو ما يضع هذا الوعي في مستوى متميز وفريد من مستويات الوعي التنويري أو روحيته، لا سيما وأن جبران رأى في هذه الحقوق حقوقاً طبيعية (نسبة إلى الإنسان الطبيعي).
وداخل هذه الدلالة السوسيولوجية لـ"الجبرانية" من حيث هي روحية ذات وعي رومنتيكي مميز، يمكن اكتشاف العلاقة العقدة ما بين الروحية "الجبرانية" ومثل النهضة العربية، ما دام الفرد الحر هو المثال الأعلى لإنسان النهضة. فقد وجد تمجيد الفرد الحر في "الجبرانية" تعبيره المعقد في السخط على "الكهنوت" من حيث أنه مؤسسة اجتماعية منظمة. وبدلاً من أن نرى في هذا السخط "إلحاداً" و"كفراً" كما فعل "الكهنوت" الذي طرد جبران من الكنيسة عام 1904، وطبق عليه نظام "الحرم" المسيحي، فإن علينا أن نرى فيه بحثاً عن إيمان فردي شخصي لا تحكمه وساطة "الكهنوت" ما بين المؤمن والله. فقد رأى جبران أن المسيحية الحقة المطابقة لطبيعة الإنسان هي مسيحية دون كهنوت في الوقت نفسه الذي رأى في "الكهنوت" مؤسسة ظالمة غشومة فاسدة. ويعبر جبران عن ذلك بواسطة خليل في "خليل الكافر": "إن سكان هذه القرى يا مريم قد تعلموا من الرهبان والكهان بفض كل من يفكر لذاته، وصاروا يقلدونهم ويبتعدون مثلهم عن جميع الذين يريدون أن يصرفوا حياتهم فاحصين لا تابعين. فإذا بقيت في هذه القرية وقلت لسكانها تعالوا يا أخوتي نعبد ونصلي حسب مشيئة نفوسنا، لا مثلما يريد الرهبان والقسس، لأن الله لا يريد أن يكون معبوداً من الجاهل الذي يقلد غيره. يقولون هذا ملحد يعاند السلطة التي وضعها الله في أيدي كهانه، وإن قلت لهم أصغوا يا أخوتي واسمعوا صوت قلوبكم، واعملوا إرادة الروح الكائنة في أعماقكم، يقولون هذا شرير يريدنا أن نكفر بالوسائط التي أقامها الله بين السماء والأرض"(9). من هنا أيضاً يقول جبران عبر صوت "يوحنا المجنون" الراعي الفقير الذي يبتزه الدير، مخاطباً السيد المسيح: ".. إن صراخ البائسين المتصاعد من جوانب هذه الظلمة لا يسمعه الجالسون باسمك على العروض، ونواح المحزونين لا تعيه آذان المتكلمين بتعاليمك فوق المنابر، فالخراف التي بعثتها من أجل كلمة الحياة قد انقلبت كواسر تمزق بأنيابها أجنحة الخراف التي ضممتها بذراعيك.. لقد أقاموا يا يسوع لمجد أسمائهم كنائس ومعابد.. تعال ثانية يا يسوع الحي واطرد باعة الدين من هياكلك، فقد جعلوها مغاور تتلوى فيها أفاعي روغهم واحتيالهم، تعال وحاسب هؤلاء القياصرة.."(10).
ولم ير جبران في "الكهنوت" المسيحي تمثيلاً للمظالم الاجتماعية والروحية وحسب، بل ورأى أيضاً في "الإمام المسلم" و"الكاهن البرهمي" نوعاً من "الكهنوت" مشبهه بـ"الأفاعي"، وتكشف هذه النبرة الراديكالية ضد "الكهنوت" الخلفية العلمانية العميقة لـ(الجبرانية)، ودعوتها لتقويض أركان السلطة الدينية. ولا نحتاج إلى كبير جهد كي نكتشف تساوق هذه النبرة مع المثل العلمانية للنهضة العربية ومضمونها التنويري.
بهذا المعنى يمكن الحديث عن المحتوى التنويري للروحية "الجبرانية"، إذ كشف جبران، لا سيما في "خليل الكافر" المحتوى الاجتماعي للمؤسسة "الكهنونية". وهي روحية تجد مرجعيتها العميقة في روحية "العاميات" الفلاحية في القرن التاسع عشر، حيث يرى جبران أن الرابطة بين "الكاهن" و"الإقطاعي" تتجلى في أن الكاهن "يتحكم بالأرواح في حين يتحكم "الإقطاعي" بـ"الأجساد" فـ"منذ ابتداء الدهر إلى أيامنا هذه، والفئة المتمسكة بالشرف الموروث تتحالف مع الكهان ورؤساء الأديان على الشعب، هي علة مزمنة قابضة بأظفارها على عنق الجامعة البشرية.. ابن الشرف الموروث ببني قصره من أجساد الفقراء الضعفاء، والكاهن يقيم الهيكل على قبور المؤمنين المستسلمين.. الأمير يقبض على ذراعي الفلاح المسكين والكاهن يمد يده إلى جيبه.. الحاكم يدعي تمثيل الشريعة والكاهن يدعي تمثل الدين"(11) فالكهنة حسب جبران يشاركون "الإقطاعي" في "قتل المعرفة وإحياء الطاعة في نفوس حارثي حقوله وكرومه"(12).
من هنا تنهض الروحية الفلاحية لـ"الجبرانية" على نحو جلي إلى الدرجة التي يرى فيها جبران في الفلاحين "رمز الشعوب المظلومة" و"البلاد المغمورة بالذل والهوان"(13). بل إن "الجبرانية" عمقياً وفي العديد من نصوصها مرآة رومنتيكية لتفكك العلاقات البطريركية –الإقطاعية الشرقية، إذ يصور جبران مثلاً في "خليل الكافر" انهيار هذه العلاقات وتفتتها، عبر تحرر الفلاحين من "المقاطعجي" /الشيخ عباس ومن الكاهن إلياس في آن واحد.
تتحدد الدلالة السوسيولوجية لـ"الجبرانية" هنا على وجه التحديد، في أن إشكاليتها العميقة هي إشكالية النهضة، أي إشكالية التحول من المجتمع القروسطي، ومن "المجتمع الفسيفسائي" إلى "المجتمع التعددي". وقد رسم جبران صورة "المجتمع الفسيفسائي" في ضوء المرجعية الاجتماعية لسورية الساحلية، حيث تقوم آلية العلاقة ما بين طوائف هذا المجتمع على الاقتتال الأهلي الطائفي ".. قد سلحوا الدرزي لمقاتلة العربي، وحمسوا الشيعي لمصارعة السني.. وشجعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي، فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم.. والأم يتباعد الصليب عن الهلال أمام أعين الله(14). من هنا كانت" الجبرانية "بروحيتها التنويرية العلمانية، العصيانية على المؤسسة الكهنوتية والإقطاعية الشرقية، روحية" مجتمع تعددي "يقوم على التعايش الأهلي العلماني وعلى المحبة الوطنية، وقد ترجمت هذه الروحية في حقل الكتابة، أي في حقل المشاعر واللغة والعواطف والأحاسيس وبشكل يصبح ممكناً معها وصفها بالرومنتيكية الفلاحية.
إذا كانت "الجبرانية" الروحية العميقة لحركة "النهضة" بمحتواها العلماني التنويري المعادي لـ"القروسطية" فما معادلها الجمالي؟ وبمعنى آخر ما الأسلوبية المحددة المطابقة لها؟
تتحدد هذه الأسلوبية بما يمكن تسميته بـ"الشمولية الشعرية"(15) بلغة هنري لوميتر، وهي نوع متميز وفريد من أنواع الكتابة الرومنتيكية التي تتجاوز "شعريتها" حدود الجنس الأدبي. وبمعنى آخر لا تتحدد هذه الشمولية بقياسها إلى نوع أدبي محدد، كما لا ينطبق عليها صفة مفهوم محدد للجنس الشعري، إنها حالة شعور لا تتحدد بشكل. ولعل ذلك مصدر ارتباك ميخائيل نعيمة في تشخيص الجنس الذي تنتمي إليه "الأجنحة المتكسرة" حيث يقول نعيمة: ".. يروي جبران رواية حبه الأول يوم كان ما يزال طالباً في بيروت (1897-1900 عندما كان طالباً في مدرسة الحكمة البيروتية –الباحث) ويرويها بأسلوب شعري، وجداني، مشبع بروح التقديس للحب. لقد حاول جبران في "الأجنحة المتكسرة" أن يكتب أكثر من قصة، حاول أن يكتب رواية(16). حقاً إن "الأجنحة المتكسرة" كثير الارتباك إذا ما تم قياسها إلى جنس محدد كالرواية أو القصة أو الشعر أو ما بعد القصة، ومن هنا فإنه لا يمكن فهمهما إلا في طبيعتها الأساسية أي طبيعة "الشمولية الشعرية" أو "الفنية" التي هي خاصة من خصائص الوعي العاطفي الرومنتيكي. فـ"الأجنحة المتكسرة" تبحث عن "الشعري" في كل مكان، في الرواية والقصة والأسلوب الوجداني والحياة والتوتر النفسي، وهو البحث الذي يميز "الشمولية الشعرية".
من هنا فإنه من الخطأ الفادح قياس "الشمولية الشعرية" التي هي الأسلوبية المحددة لـ"الجبرانية" وفق مفهوم الجنس الأدبي. ويمكن اعتبار محيي الدين صبحي كنموذج لمثل هذا الموقف الخاطئ في مقاربة الأسلوبية الجبرانية حيث يكتب صبحي: "لو نظرنا إلى صنيع جبران لوجدناه قد أساء إلى الأدب العربي أبلغ إساءة من حيث كونه لم يتقيد بقواعد الأجناس الأدبية: كتب القصة بدون المقومات الأساسية للقصة، وكتب الشعر بدون معرفة باللغة ولا بالأوزان، وكتب النثر على طريقة السبحات الشعرية، فابتلى الأدب العربي بمرض الخلط بين الأجناس الأدبية: الشعر المنثور، قصيدة النثر، القصة الشعرية، وهذه كلها ترجع إلى اختلال الحساسية الأدبية في نفس جبران"(17).
والواقع أن "الشمولية الشعرية" هذه التي ينظر إليها صبحي على أنها "خلط بين الأجناس الأدبية" بل خلط مرضي لها تصدر بالنسبة لجبران بالضرورة عن جهل بمفهوم "الأجناس الأدبية" بل تصدر أساساً عن وعي يتجاوزها. ولا نعلم فيما إذا كان صبحي يتجاهل عمداً أن المزج بين الأجناس الأدبية نظرية رومنتيكية سبق فيكتور هوغو في مقدمة مسرحية "كرومويل-1827) أن صاغها، وإذا كان لا يتجاهل ذلك، فلماذا يقوم بسحب الكتابة الجبرانية من تربتها الأسلوبية، أي تربة "الشمولية الشعرية" إلى قياسات الجنس الأدبي؟!.
لقد أعادت "الجبرانية" بواسطة هذه الأسلوبية المفتوحة النظر جذرياً بمعنى الشعر العربي كما ورثته "الكلاسيكية الجديدة" وأعادت إنتاجه، وهو ما كان يعني بالضرورة إعادة النظر بالقيم التعبيرية والجمالية التقليدية. ويعبر جبران في "لكم لغتكم ولي لغتي" عن ذلك إلى حد بعيد: ".. لكم لغتكم ولي لغتي، لكم من لغتكم البديع والبيان والمنطق، ولي من لغتي نظرة في عين المغلوب ودمعة في جفن المشتاق، وابتسامة على ثغر المؤمن، وإشارة في يد السموح الحكيم. لكم منها ما قاله سيبويه والأسود وابن عقيل، ومن جاء قبلهم وبعدهم من المجضرين المملين. ولي منها ما تقوله الأم لطفلها، والمحب لرفيقته، والمتعبد لسكينة ليله.. لكم لغتكم عجوزاً مقعدة، ولي لغتي صبية غارقة في بحر من أحلام شبابها.. أقول أن السراج الذي جف زيته لن يضيء طويلاً، أقول أن الحياة لا تتراجع إلى الوراء. أقول أن أخشاب النعش لا تزهر ولا تثمر. أقول أن ما تحسبونه بياناً ليس بأكثر من عقم مزركش وسخافة مكلسة..".
يبحث جبران هنا عن "اللغة" في الحياة، انطلاقاً من أن الشعر كحالة حياة كما يريد أن يقول لم يعد ممكناً ضمن اللغة السابقة لغة "البديع والبيان والمنطق" و"العقم المرزكش" على حد تعبيره. والحال كذلك فإن هذه النظرة للغة هي ما يميز "الشمولية الشعرية" في وعيها الرومنتيكي. ومن هنا فإن الشعر وفق هذه النظرة ليس معنياً بمعرفة الأوزان والعروض كما يذكر صبحي بل إنه معني كما يقول جبران بالثورة على "العروض والتفاعيل والقوافي ما يحشر فيها من جائز وغير جائز". إذ يستهدف جبران "خلق لغة جديدة داخل اللغة" وهو ما يذكره في رسالة إلى ماري هاسكل: "ففي العربية قد خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد وصلت حداً بالغاً من الكمال –لم ابتدع مفردات جديدة بالطبع، بل تعابير جديدة، واستعمالات جديدة لعناصر اللغة"(18).
لقد قامت هذه النظرة "الجبرانية" للغة الشعرية على أولوية حالة الشعور على الصنعة، والدفقة على التنظيم، والتفجر على البناء. وقد كان لهذه الأولوية معناها التغييري، إذا أدركنا أن الصنعة والبناء والتنظيم كانت من خصائص البنية الجمالية التقليدية التي اعتبر جبران كتابته نفياً لها.
من هنا يمكن القول أن "الجبرانية" في أسلوبيتها كانت حالة تفجرات أكثر منها حالة بناءات، حالة شمولية شعرية أكثر منها حالة جنس شعري، وبمعنى آخر حالة شعور أكثر منها حالة كتابة بالمعنى التقليدي. فلقد كانت قوة الهدم لدى جبران أكبر من قوة التنظيم. وفي هذه النقطة، يتحدد جبران كما يعبر أدونيس بـ"تفجراته لا ببناءاته"(19) وهذا ما يراه أيضاً الدكتور كمال خير بك "إن الحكم على جبران يجب أن يتم من خلال ما توصل إلى فضحه أكثر مما يتم من خلال ما توصل إلى تحقيقه. وكذلك على ضوء سعة العاصفة الروحية والاجتماعية والفنية التي آثارها أكثر مما يتم عبر الأشكال التي اختارها للتعبير"(20).
***
إذا كانت "الشمولية الشعرية" من حيث هي أسلوبية "جبرانية" رومنتيكية تنفر بطبيعتها من مفهوم الأجناس الأدبية، فإن هذا يعني بالضرورة أنها فضاء تدفقات غنية بالأشكال المحتملة أو الأشكال الكثيرة. وكان جبران نفسه على وعي كاف بذلك، إذ يلح على أن "عماد الفن وروحه" هو "ذلك الشكل اللامحدود" الذي يعبر حسب قوله عن "روح لا محدودة بشك غريب"(21). بل أن ما نمسيه بـ"الشمولية الشعرية" هنا هو نفسه ما يسميه جبران بـ"الشكل اللامحدود" والذي فجر من خلاله "الطرق القديمة" حسب تعبيره أيضاً. فقد كانت هذه الطرق بمعناها الواسع عاجزة عن التعبير عن حيوية مشاعره وزخمها وتدفقاتها. وبمعنى آخر كانت عاجزة عن التعبير عما يسميه جبران بـ"أشيائه الجديدة". ويقول بهذا الصدد: "الطرق القديمة لم تكن تعبر عن أشيائي الجديدة، وهكذا كنت أعمل دوماً على ما ينبغي أن يعبر عنها. ولم أقتصر على صياغة ألفاظ جديدة بل إن إيقاعاتي وموسيقاي كانت جديدة، وأشكال التأليف كلها كانت جديدة، وكان عليّ أن أجد أشكالاً جديدة لآراء جديدة"(23).
لقد عبرت "الشمولية الشعرية" "الجبرانية" عن حالة شعور متوقدة، منفلتة من التحديدات المسبقة والصارمة للأشكال والأنواع الأدبية، حين اخترقت بتدفقاتها الثقافة الاجتماعية-النفسية السائدة، وشكلت موسوعة وجدانية للروح الجديدة. ويكمن المعنى الاستباقي لـ"الجبرانية" انطلاقاً من منظور "الحداثة" في أن جبران هذا "الرائي المعاصر للأزمنة الحديثة" هو أول من قال في مطالع هذا القرن بالشعر كتجربة رؤيا واكتشاف ولعل هذا ما دفع ويدفع دوماً لاعتبار "الجبرانية" الخميرة الأولى لـ"الحداثة-الرؤيا".
فيكتب جبران "الفن خطوة من المعروف الظاهر نحو المجهول الخفي"(23) وحسب ذلك فإن الحياة ليست "بسطوحها بل بخفاياها، ولا المرتبات بقشورها بل بلبابها، وليس الناس بوجوههم بل بقلوبهم"(34) من هنا يقول جبران في "القشور واللباب" بنبرة تتوسل تجربة النبوة: "أقول لكم، وربما كان قولي قناعاً يغشى وجه حقيقي. أقول لكم ولنفسي أن ما نراه بأعيننا ليس بأكثر من غمامة تحجب عنا ما يجب أن نشاهده ببصائرنا، وما نسمعه بآذاننا ليس إلا طنطنة تشوش ما يجب أن نستوعبه بقلوبنا"(25).
هكذا كان جبران يقول بالشعر كـ"تبصر" يبلغ ما يسميه بـ"عالم السر"، وبأولوية "البصيرة" على "البصر"، و"الرؤيا" على "الرؤية"، و"التجربة" على "الشكل"، وقد عهد هذا القول لتحولات الحداثة اللاحقة لا سيما تحولاتها التي ستتمركز حول مفهوم الرؤيا. غير أن هذا لم ينف أبداً أن مسألة اللغة الجديدة قد احتلت حيزاً استراتيجياً في "الجبرانية"، حيث يربط جبران هذه اللغة بقوة الابتكار في روح الأمة عموماً، وفي روح الشاعر خصوصاً.
***
تتميز "الشمولية الشعرية" إذن يبحثها عن الشعر في "الحياة". من هنا يعني الشاعر لدى جبران "الإنسان الحر" المنتج. يعني به "الزارع والبستاني والحائك والملاح والبناء والصباغ والعاشق" ويعني به "الكرامين الذين يعصرون العنب" و"الآباء الذين يرمون أنصاب التوت والأمهات اللواتي يغزلن الحرير" و"الرجال الذين يحصدون الزرع" و"البنائين والفخارين وصانعي الأجراس والنواقيس". ويرى جبران أن "كل شرقي" بهذا المعنى "يستطيع أن يكون شاعراً"(26) وذلك بأن يعتق نفسه من "سجن التقليد والتقاليد"(27). ومن هنا فإن الشعر يعني ما هو فتي ومتجدد وشاب في الحياة مقابل ما هو هرم وشائخ وميت. يصبح "الشعر" هنا بعداً من أبعاد عملية "النهضة" بل روحاً لها. ولقد كانت "الجبرانية" في عمقها روحية هذه العملية وتعبيرها الطليق، وهي في رومنتيكيتها الفلاحية، ورومنتيكية "أبناء الحقول" على حد تعبير جبران نفسه كانت تضع نفسها كفعالية نفسية –روحية لهذه العملية المهدورة والمبددة، وهذه "الروحية" هي أثمن ما تبقى من جبران "هذا الرائي المعاصر لأزمنتنا الحديثة –نحن العرب". فهل نحن جديرون الآن بها؟
هوامش:
(1)-انظر الحملة التي وجهها د.عمر فروخ في "الأمالي" أعداد 42 و50 و51/1929.
(2)-خليل الهنداوي، السيرة الذاتية، مختارات من الأعمال الكاملة، ج1، إعداد د.عمر الدقاق ووليد إخلاصي، ص 27.
(3)-الهنداوي، المصدر السابق، ص 28.
(4)-الهنداوي، المصدر السابق، الصفحة ذاتها.
(5)-الهنداوي، المصدر السابق، ص 28-29.
(6)-جبران خليل جبران، المجموعة الكاملة، إعداد وتقديم ميخائيل نعيمة، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ص273.
(7)-جبران، المخدرات والمباضع، المصدر السابق، ص404.
(8)-جبران، المصدر السابق، ص 100.
(9)-جبران، المصدر السابق، ص 140.
(10)-جبران، المصدر السابق، ص78.
(11)-جبران، المصدر السابق، ص141.
(12)-جبران، المصدر السابق، ص 142.
(13)-جبران، المصدر السابق، ص 16-161.
(14)-جبران، المصدر السابق، ص162.
(15)-Henri Lemaitre. La Doisie deauis Baudelare. Armand Colin, Paris, P.15
(16)-ميخائيل نعيمة، مقدمة المجموعة الكاملة العربية لجبران، ص 17.
(17)-محيي الدين صبحي، تحية للشاعر القروي، الوحدة، العدد 3، 1984، ص106.
(18)-توفيق صايغ، أضواء جديدة على جبران، الدار الشرقية للطباعة والنشر، بيروت 1966، ص33.
(19)-أدونيس، صدمة الحداثة، دار العودة، بيروت، ط1، 1938، ص210.
(20)-د.كمال خير بك، حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، بيروت، 1982، ص33.
(21)-صايغ، أضواء جديدة، ص 180.
(22)-صايغ، المصدر السابق، الصفحة ذاتها.
(23)-جبران، المصدر السابق، ص 501.
(24)-جبران، المصدر السابق، ص497.
(25)-جبران، المصدر السابق، ص 495-496.
(26)-جبران، المصدر السابق، ص 560.
(27)-جبران، المصدر السابق، ص562.
محمد جمال باروت
المصدر :
http://www.alimbaratur.com/All_Pages/H_Pshycologia_Stuff/Hana_77.htm
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصية "المجنون" ودلالاتها في أدب جبران

نزار بريك هنيدي لابدَّ لقارئ جبران من أن يتوقف مليًّا أمام ما تزخر به أعمالُه من إشارات إلى مفهوم "الجنون"، ومن شخصيات أطلق عليها صفة "المجنون". فالمجنون عنده يرتبط بالاختلاف عما هو سائد، وبعدم قبول الواقع وما يفرضه من ابتعاد عن المواصفات التي تليق بحياة الإنسان، باعتباره ممثلاً للألوهية على الأرض؛ ومن ثَمَّ بالرغبة في التمرد على هذا الواقع، ورفض الشرائع والتقاليد الظالمة التي يفرضها، وبالطموح إلى بناء عالم آخر، أكثر إنسانية وجمالاً وعدالة – ولو بالوهم وحده.

جبران خليل جبران ففي كتاب عرائس المروج نجد شخصية "يوحنا المجنون"[1]: هو راعٍ اكتشف مدى ما ينضوي عليه الواقع من بؤس وظلم وقهر اجتماعي، من جراء سيطرة التحالف الأسود القائم بين الحكام ورجال الدين والأغنياء أصحاب الشرف الموروث؛ كما اكتشف مدى الزيف الذي يخبِّئه بعض رجال الدين تحت أرديتهم السوداء، مستخدمين أقدس ما في الحياة لتعميم شرور الحياة. فيرفض يوحنا هذا الواقع، ويتمرد عليه. ولذلك فإن صفة "الجنون" التي تلحق باسمه تعني قيامه بـ"الكشف" و"الرفض" و"التمرد". وفي كتاب العواصف نجد "الإله المجنون"[2] الذي يقول: "أنا ربُّ نفسي" – بمعنى أنه لا يخضع لأية شريعة، ولا يعترف بقدسية أية تعاليم أو مبادئ غير تلك التي تنبع من نفسه ذاتها. ويقول أيضًا: "أنا مجنون قوي، أسير، فتميد الأرض تحت قدمي، وأقف، فتقف معي مواكب النجوم. وقد تعلَّمتُ الاستهزاء بالبشر من الأبالسة، وفهمت أسرار الوجود والعدم بعد أن عاشرت ملوك الجنِّ ورافقت جبابرة الليل." فالجنون قوة، لأنه يلغي جميع مصادر الخوف التي تحدُّ من حرية البشر؛ لذلك يهزأ بهم المجنون. وهو كذلك فهمٌ لأسرار الوجود والكون، لأنه يمنح المجنون القدرة على تجاوز الواقع إلى ما ورائه (مثل ملوك الجان)، والقدرة على رؤية المخفي والمحجوب (مثل جبابرة الليل). وعندما يدعو "الإله المجنون" إلى دفن جثث الأحياء–الأموات المتكدِّسة حول منازلهم ومحاكمهم ومعابدهم، فإنما يعبِّر عن رفض الخنوع إلى الواقع الساكن الثابت؛ وعندما يدعو إلى الركض مع العاصفة، فإنما يعبِّر عن التوق إلى الثورة والحرية والتحوُّل الدائم. وفي قصيدة المواكب إشارة إلى أن "المجنون" هو المحب الهائم الذي يعيش في أسمى حالاته، ويختلف عن بقية الناس الذين ابتذلوا الحبَّ إلى مجرد نزعة شهوانية مادية عابرة. وبذلك فإن المجنون هو العارف بحقيقة الحب، بينما الآخرون بُهُمٌ ماتوا قبل أن يولدوا:[3] فـإن لقـيتَ محـبًّا هـائمًا كَلِـفًا * في جوعه شـبعٌ في ورده الصـدر والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى * يبـغي من الحبِّ أو يرجو فيصطبر فقُـلْ هـم البُـهُمُ ماتوا قبلما ولدوا * أنَّى دروا كُنْـه ما يُحيي وما اختبروا ويستخدم جبران لفظة "الجنون" ليصف بها نفسه أيضًا، بعد أن يعطيها دلالات تشير إلى التطرف والاختلاف والنقمة على ما هو سائد بين البشر من تقديس للشرائع والعقائد والعادات المزيفة والبائدة، ورفضهم فتح قلوبهم وعقولهم أمام رياح التجديد والتحديث. فالجنون هو الميل إلى هدم القديم البالي من أجل بناء الجديد المتقدم. لذلك يقول في مقالة "المخدرات والمباضع"[4]، في معرض ردِّه على ما أثارتْه كتاباتُه من ردود أفعال عند المحافظين من الكتَّاب والقراء العرب: "هذا بعض ما يقوله الناس عني، وهم مصيبون: فأنا متطرف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء، وفي قلبي كُرهٌ لما يقدِّسه الناس وحبٌّ لما يأبونه. ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما تردَّدتُ دقيقة." وفي الحقيقة، فإن في وسع المرء أن يجد مصادر لهذا المفهوم عن شخصية "المجنون" في التراث العربي. فكُتُب التراث حافلة بالأخبار والحكايات والأقوال التي تمنح "المجنون" دلالات وصفات خاصة، تأتي في مقدمتها دلالة الاختلاف: فالمجنون هو "المختلف"، لأنه يخالف الناس فيما دأبوا عليه من عادات، ورضخوا من تقاليد وشرائع، ولأنه يدعو إلى الجديد المختلف الذي لم يألفوه. وبهذا المعنى كانت الأمم تعتبر الأنبياء والرسل "مجانين". وهذا ما يقوله النيسابوري في كتابه عقلاء المجانين: "والمجنون عند الناس مَن يسفه ويسبُّ ويخرق الثوب، أو مَن يخالفهم في عاداتهم، فيجيء بما ينكرون. ولذلك دعت الأممُ الرسلَ مجانين لأنهم شقوا عصاهم، فنابذوهم وأتوا بخلاف ما هُم فيه."[5] أما الدلالة الثانية فهي الرفض والتمرد. ذلك أن "الاختلاف" يقود "المجنون" إلى رفض الواقع الذي يستكين إليه بقيةُ الناس، والتمرُّد على ما ينضوي عليه هذا الواقع من عبودية وشرائع وتقاليد جائرة وظالمة. فقد وَرَدَ في كتاب عقلاء المجانين أيضًا: "حدَّثَنا مشايخ همدان قالوا: كان عندنا مجنون تجتمع عليه الناس، فإذا اجتمعوا عليه قال لهم: ترون ما أنتم فيه من حيرتكم وغفلتكم شيئًا ما هو إلا محنة العبودية ووطأة الشريعة في الدنيا، والحبس والحساب والسؤال والعذاب في الآخرة."[6] وما كان للـ"مجنون" أن يكون مختلفًا ورافضًا متمردًا لو كان في حالة من الغفلة أو الجهل أو ذهاب العقل. لذلك فالدلالة الثالثة تُظهِرُه في صورة العارف المستبصر. فالجنون هو حَجْبٌ للغفلة، لا للمعرفة. يقول النيسابوري: "سمعت محمد بن علي بن الحسن الكوفي يقول: قال رجل لعليان المجنون: أجننت؟ قال: أما عن الغفلة فنعم، وعن المعرفة فلا."[7] والدلالة الرابعة هي البلاغة والحكمة. فالمجنون متكلِّم فصيح، قادر على قول ما يعجز الآخرون عن قوله. كما أن أقواله تتصف بالبلاغة الآسرة، والحكمة الساحرة؛ لذلك يسعى الناس إلى التقاط أقواله وحفظها وترديدها. فهذا ابن عبد ربه يقول في العقد الفريد: "وقد يأتي لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم، لا يُسمَع بمثله."[8] وكل ما سبق يفضي إلى الدلالة الخامسة المتعلقة بـالقداسة. فالصفات السابقة، في مجملها، جعلت عامة الناس وخاصَّتهم، من حكام ومتنفِّذين، يهابون "المجنون" ويتبرَّكون به، ويعدُّونه بين الأولياء والقديسين. فقد جاء في كتاب لواقح الأنوار في طبقات الأخيار: "سيدي عبد القادر الدشطوطي، الذي كانت له هيئة المجاذيب، كان له القبول التام عند الخاص والعام. وكان السلطان قايتباي يمرِّغ وجهه على أقدامه."[9] وعندما أصدر جبران كتابه الأول باللغة الإنكليزية في العام 1918 بعنوان المجنون[10]، جعل "مجنونه" يحمل تلك الدلالات التراثية جميعها. فقد أراد له أن يكون مختلفًا ورافضًا متمردًا وعارفًا مستبصرًا، بعد أن مَنَحَه هالة من القداسة تجعله صلة الوصل بين العالم الواقعي – عالم البشر العاديين – وبين العالم العلوي – عالم الروح الكلِّي الخالد.

"المجنون"، رسم لجبران على غلاف الكتاب باللغة الدانمركية فمنذ النصِّ الأول الذي حمل عنوان "كيف أصبحت مجنونًا"، وجاء كفاتحة للكتاب، يؤكد جبران على الدلالات السابقة جميعها عند "مجنونه": فهو يسبغ عليه طابع "الأسطورة" و"القداسة" عندما يجعله قديمًا قِدَمَ الزمان نفسه، لأنه موجود قبل ميلاد كثيرين من الآلهة. وقد خَبِرَ سبع حيوات على الأرض، كما كان لديه سبعة براقع. (ولا يخفى ما للعدد 7 من قداسة مرتبطة بالأساطير القديمة.) وفي النصِّ الثاني، "الله"، يقرن بين "المجنون" وبين النبي موسى، كليم الله، حين يصعد إلى الجبل المقدس ويخاطب ربَّه. بل إن الله يعطف عليه وينحني فوقه ويطويه في أعماقه. أما في النصِّ الثالث "يا صاحبي" فيقرن بينه وبين المسيح عليه السلام، حين يقول: "أريد أن أمشي على البحر وحدي." وعندما يتحدث "المجنون" عن أفكاره العميقة المرفرفة فوق البحار، فهو يؤكِّد تماهيه مع الروح الكلِّي الخالد، الروح الذي يرفرف فوق الغمر. ويدرك "مجنون" جبران اختلافه عن الآخرين؛ فهو يقول لصاحبه: "لكنني مجنون، منجذب عن العالم الذي تقطنه أنت إلى عالم غريب بعيد." ويقول له أيضًا: "إن طريقي غير طريقك." وما "اختلافه" عن الآخرين سوى نتيجة لعودته إلى حقيقته عندما خلع البراقع التي كان يتقنَّع بها؛ فقبَّلت الشمس وجهه العاري لأول مرة. فعندئذٍ فقط هرب منه الرجال والنساء وصرخوا: "إن هذا الرجل مجنون!" لأنه صار "مختلفًا" عنهم. فهم يعيشون في حالة من الزيف والجهل والظلام، ولا يريدون خلع براقعهم التي يختبئون وراءها، ولا يتحملون أن تلفح وجوهَهم شمسُ الحقيقة. ولذلك يعمد "المجنون"، في عدد من نصوص الكتاب، إلى كشف التناقض القائم بين زيف الظاهر وبين حقيقة الباطن. ففي نصِّ "بين هجعة ويقظة" نرى امرأة وابنتها، ولهما عادة المشي أثناء النوم. وعندما تتقابلان في أثناء مشيهما في حالة النوم (أي الحالة التي تكونان فيها مجرَّدتين من أقنعة الزيف)، تفصح كلٌّ منهما للأخرى بحقيقة ما تكنُّه لها من مشاعر الكره والحقد؛ ولكن عندما تستيقظان من نومهما، تعود كلُّ واحدة منهما إلى ما اعتادت عليه من زيف، فتخاطب الأخرى بلطف مصطنع وحنان كاذب. وفي نص "الملك الحكيم" نرى كيف يطغى الواقع المزيف على الحقيقة، فتنقلب المفاهيم. فالملك الحكيم ووزيره اللذان لم يفقدا عقليهما لأنهما لم يشربا من "بئر الجنون" الذي شرب منه عامة الناس، أصبحا مجنونين في نظر الناس، مما اضطرهما إلى الشرب من البئر ذاته حتى يتم قبولهما مجددًا من سكان مدينتهم. ومن مظاهر زيف الواقع أيضًا ما نجده في نصِّ "الطموح"، حيث صاحب الحانة وزوجته يصفان زبائنهما الثلاثة بالكرم والشرف لأنهم ينفقون المال من غير حساب، رغم أن هذا المال كان نتيجة لموت إنسان. ومع ذلك، يتمنيان أن يسعدهما الحظُّ كلَّ يوم بمثل هؤلاء الزبائن (مما يعني رغبتهما في موت المزيد من البشر)، ليتمكَّنا من إعفاء ابنهما الوحيد من خدمة الحانة القذرة، ليصير قسِّيسًا! كما يكشف حقيقة من يدَّعون العلم والفلسفة في نصِّ "اللعين". فالفيلسوف العلامة ليس سوى "شاخص"، أو تمثال محشو بالقش، يعجز عن تقديم أية منفعة أو أداء أيِّ عمل حقيقي. لذلك يبني الغرابان عشَّهما تحت قبعته! وفي نصٍّ يحمل عنوان "العالمان" نجد أن "الصراع الفكري" الذي يحتدم بين "علماء" الأفكار القديمة ليس سوى صراع مزيف أيضًا، لأن قناعة العالم بما يحمله من أفكار هي قناعة واهية، لا تصمد أمام أيِّ جدال. كما أن ما يُظهِره العالِم لمريديه وأنصاره يختلف عما يؤمن به فعلاً في قرارة نفسه. أما في نصِّ "الكلب الحكيم" فيبيِّن الزيف الذي يمارسه الحكماء حين يوهمون السنانير أن السماء تمطر فئرانًا، بينما يعتقد الكلب الحكيم أنها تمطر عظامًا! كما يسخر من هؤلاء الذين يفهمون تعاليم الشريعة فهمًا حرفيًّا دون أن يكونوا قادرين على إدراك معانيها الحقيقية، وذلك في نصِّ "المدينة المباركة". وفي نصِّ "الثعلب" يؤكد على أن البشر يؤخَذون بالمظاهر والقشور والظلال أكثر من الحقيقة. وهو ما يقوله أيضًا في نصِّ "النملات الثلاث": فكلُّ نملة ترى الواقع من خلال نظرتها المحدودة الضيقة، دون أن تكون أية واحدة منها قادرة على إدراك الحقيقة، مما يؤدي إلى انسحاقها جميعها تحت أصابع الواقع؛ وهو ما يشير أيضًا إلى أن الإنسان عاجز عن إدراك حقيقة الوجود بحواسه المحدودة. وهذا ما يقوله نصُّ "العين" أيضًا، حيث لا تعترف الحواس بوجود الشيء إلا إذا كان في متناول إدراكها. وإذا استطاعت حاسة ما، كـ"العين"، أن ترى ما لا تدركه الحواس الأخرى، تكون "قد خرجت ولا شكَّ عن صوابها"، أي أصابها "الجنون" – مما يعني أن للجنون دلالة على القدرة على رؤية ما لا تراه العيون، وإدراك ما لا يدركه الآخرون. وهكذا يصبح "المجنون" هو "الرائي" و"العارف المستبصر"، لأنه القادر على اختراق حُجُب المظاهر الخارجية للنفاذ إلى الحقيقة الكامنة في لبِّ الأشياء. فالمعرفة الحقَّة ليست تلك التي نلمسها بحواسنا، ولا تلك التي نتوصل إليها بملكاتنا العقلية وحدها، بل هي المعرفة التي ندركها بالبصيرة، ونشعر بها بالحدس، ونقاربها من خلال إزالة حُجُب الواقع، لتتمكَّن نفوسُنا من التواصل مع الروح الكلِّي الخالد. لذلك يقول "المجنون" في نصِّ "الوجوه": "أنا أعرف الوجوه لأنني أنظر إليها من خلال ما ينسجه بصري، فأرى الحقيقة التي وراءها ببصيرتي." ولذلك أيضًا نجد "الأعمى" في نصِّ "الفلكي" يرصد الشموس والأقمار والنجوم، لأن الرؤية الحقيقية لا تحتاج إلى عينين، بل تحتاج إلى "الذات السابعة التي تظل شاخصة تراقب اللاشيء الذي وراء كلِّ شيء". ولا يعادل شوق "المجنون" إلى المعرفة سوى شهوته إلى الوحدة مع أشياء الوجود، التي تربطه بها محبةٌ "أعمق من أعماق البحر، وأقوى من قوة الجبل، وأغرب من غرائب الجنون"، كما يقول في نصِّ "الحنين الأعظم". ولا تكتمل وحدةُ الوجود هذه إلا بإيمانه أنه ليس سوى جدول يطويه الله في أعماقه. لذلك يخاطب المجنون ربَّه في نصِّ "الله" قائلاً: "إلهي الحكيم العليم، يا كمالي ومحجَّتي، أنا أمسُكَ وأنت غدي. أنا عروقٌ لك في ظلمات الأرض، وأنت أزاهر لي في أنوار السماوات، ونحن ننمو معًا أمام وجه الشمس." وهكذا فقد أراد جبران أن يكون "مجنونه" تجلِّيًا لمفهومه عن الإنسان الكامل الذي طالما تحدَّثَ عنه في كتبه السابقة. ويمكن لنا أن نستخلص سُبُل بلوغ الإنسان مرحلة "الكمال" من خلال ما يقوله الليل للمجنون في نصِّ "الليل والمجنون". وأهم هذه السُّبُل: ألا يلتفت الإنسان إلى الوراء ليرى آثار أقدامه على الرمال، وألا يرتعش أمام الآلام كي لا يهوله سماعُ أناشيد الهاوية، وألا يتخذ من ذاته الصغرى رفيقًا، بل يتخذ من ذاته الجبارة صديقًا، وأن يكون شريعة نفسه، ويزيل القناع ذي الطيَّات السبع عن روحه، ويحمل قلبه على كفِّه؛ فعندئذٍ يستطيع أن يمتطي العاصفة جوادًا، ويمتشق البرق حسامًا، وتتكشَّف له مكنوناتُ اللانهاية، كما تنكشف له مكنوناتُ نفسه. ومع ذلك، يدرك جبران أن بلوغ مرحلة "الإنسان الكامل" ليس سوى حلم "ميتافيزيقي" بعيد المنال، فيصرخ على لسان "المجنون" في السطور الأخيرة من الكتاب: "ولكن لِمَ أنا ههنا، يا رب؟ لِمَ أنا ههنا، وأنا ثمرة عجراء لم تنل شهوتها من النماء، وعاصفة صمَّاء هوجاء، لا شرقًا تبتغي ولا غربًا، وذرة هائمة تائهة من كوكب محترق ثائر؟... لِمَ أنا ههنا؟ لِمَ أنا ههنا، يا إله النفوس الضائعة، أيها الضائع بين الآلهة؟"
*** *** ***
المصدر : http://www.maaber.50megs.com/issue_july04/literature15.htm
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القوة النبيلة المُصلٍحة لا الغاشمة المتجبّرة
المستقبل - الأحد 8 حزيران 2008 - العدد 2981 - نوافذ - صفحة 14
مونيكا إبراهيم(*)
هذا المشرقي الثائر أبداً الذي امتطى صهوة الفكر وسيلة لدخول القلوب واحتلال المدارك بحبر الوجدان وريشة نسر؛ فحلق بالإنسان عبر السطور... الخطوط والألوان... حيث زينها بأفراح الشرق وأحزانه؛ بخنوعه ونهضته، بتخلفه وإقدامه بتوبته إلى الخالق: مكتشفاً، مناهضاً، قانعاً أم غير لاوٍ على شيء غير متأسف على أمر حدث له أو تمناه، ولم يحققه لأنه كان على قناعة راسخة أن الفرد يأتي العالم صدفة ليحقق ذاته ضمن جماعة ويحيا ملتزماً الجماعة ليحقق النمو الأعظم، نمو المجتمع الإنساني بأكمله وإن آمن بالفردية طريقاً لتحقيق النبوغ ذاك أن النبوغ صفة فردية وغير وراثية.
فما كانت سمات نبوغ هذا العظيم من وطني؟ وما هي منابعه والدوافع لظهوره الذي جعل منه ملاكاً وثائراً في آن؟
بعد أن عجنته الحياة بماء العين حزناً وفرحاَ، عركته غلياناً وتقليباً في مرجل أيامها بين وطن ومهجر، بين أرض الميلاد وأرض العماد، حيث تعمد بماء حضارة غريبة بعد أن كان قد مسح بميرون الشرق، عاداته، وتقاليده، وسيل وجدانه من قبل ليعود جبران ذاك النابغة الثائر ليطل على بني أمته هداماً لركودهم راسماً على وجه كل منهم لوحة ويلات لا زالت خطوطها راسخة في أذن الزمان وعلى جدرانه الكالحات باثاً في أوصالهم دماء عهد جديد من نهضة الفكر وطغيان الروح على أديم مادية السطور فوق يم الحبر الدافق من نجيع القلب شغفاً بالوطن وأهله، الهادر من علياء الفكر ومن خلف أطياف الأرز العابق بخوراً يتصاعد من ارض اللبان لمعاً نيرة تضيء دروب الإنسان بمعارجها والمسالك أينما حل، هداماً لكل قديم ثائراً على البالي إصلاحاً وتغييراً ارتقاء بالمخلوق إلى مصاف خالقه عله يلتقي الذي أبدعه على صورته ومثاله، فيتحد بالذات الكلية مجدداً....
لقد عاش جبران مناوئاً لاحتلال وطنه مساهماً بنزع نيره عن رقاب أهله... "تطورات الحرب وانضمام أميركا إلى الحلفاء جعلت جبران ينسى معرضه وما يكتب عنه. وقد كتب إلى ماري هاسكل في 20 نيسان 1917: "إنني الآن في المدينة أعمل من أجل بلادي... وقد قرر السوريون واللبنانيون في هذا البلد الانضمام إلى الجيش الفرنسي الذي هو جاهز تقريباً لدخول سوريا. وقد استطعت بمساعدة بعض السوريين في المدينة أن أنظم "لجنة المتطوعين من أجل سوريا ـ جبل لبنان "لقد كان علي أن أفعل ذلك يا ماري"... وقد شجعت "عصبة التحرير" التي ظلت هاجسه منذ بداية الحرب، فحمست الكثيرين من اللبنانيين ـ السوريين على حمل السلاح في وجه الأتراك. وسعت الحركة بالتعاون مع حركات مشابهة في مصر ولندن وباريس، إلى الاستقلال. وكانت اللجنة التنفيذية تضم إيليا أبو ماضي ونسيب دياب من "مرآة الغرب" وعبد المسيح حداد من "السائح" ونسيب عريضة من "الفنون" وكان أيوب ثابت يرأس اللجنة، بينما كان جبران سكرتيرها للمراسلات الإنكليزية وميخائيل نعيمة، الواصل حديثاً سكرتيرها للمراسلات العربية".
إذن، لقد عرف جبران اللبناني الوطني كيف يقنع مواطنيه اللبنانيين بضرورة توظيف قدراتهم وطاقاتهم الفكرية والنفسية وما لهم من علاقات كانوا قد نسجوها في الغرب الأمريكي والأوروبي في سبيل تحقيق استقلال بلاده الذي كان يحمل همه في قلبه، فكره والوجدان حيث في مكان آخر، يقلق مظهره ماري هاسكل فنسمعها تقول عنه: "كان، أي جبران، وجهه، تعباً ولا يخفي أى ابتسامة تحته. إن ثمة ألماً عميقاً فيه، والسبب هو سوريا، بل على وجه التحديد، هو لبنان بصورة خاصة".
كأني بهذا الثائر من وطني يتمثل مع كوكبة من المفكرين، مفكري فرنسا أمثال روسو وفولتير الذين اعدوا الثورة في العقول وأججوا نارها في النفوس قبل أن يطلقوا شرارتها على أرض الواقع: حرية، إخاء ومساواة!!
عوامل عدة تنازعت الأدب الجبراني، منها الشخصية ومنها البيئية الحياتية بذور ثورة لا تستكين على الصعد كافة: اجتماعية كانت، أم لغوية أدبية أو فكرية فلسفية حياتية وحتى فنية. وهذه العوامل المؤثرة نوردها كالتالي تحت عنوانين كبيرين:
أ ـ عوامل شخصية ذاتية:
ـ كان من طينة الأنبياء يتمتع بجرأة تعليمهم، خصب تصوراتهم، نورانية رؤاهم، إشراق وحيهم وبداهة حدسهم.
ـ يتمتع كذلك بخيال عجيب يدني كل خارق ويطال كل ميثولوجي.
ـ يميز شخصه أنه رجل عاطفة، انفعال وعقل راجح سيطرت عليه مثالية تواقة في آن.
ـ قد حبته الفطرة ذوقاً رهيفاً جعله يلم بالفنون الجميلة ويتمرس بها رسماً ونحتاً، شعراً وموسيقى.
ـ كان في طبيعته رافضاً، ورفضه شعري؛ ثائراً وثورته بنيوية. ميالاً إلى كل جديد، مهملاً كل تقليد، هائماً بالحرية هيامه بالطبيعة والجمال.
ب ـ عوامل بيئية اجتماعية:
ـ فقر وحرمان، كوخ صغير في بشري تحت قصر آل الضاهر.
ـ اضطراب عائلي يتمظهر بوالد سكير وأم تزوجت للمرة الثانية.
ـ اتجاه صوفي نوراني طبع أدبه فيما بعد، حيث حفظ منذ صغره أبياتاً لابن الفارض وقرأ التوراة: من هنا التعابير الإنجيلية والكتابية في أدبه.
ـ تعرفه إلى ماري هاسكل في بوسطن وما نتج عن ذلك من تحول مادي وفني وعاطفي في حياته.
ـ الضياع بين مجتمعين: بين حضارة تحققت فيها العدالة وإقطاعية لا تزال تتحكم بالشرق وأهله.
ـ ثقافة متشعبة وغنية: عربية، فرنسية، إنكليزية، دينية، موسيقية، فنية.
ـ تأثره بالفيلسوف الألماني نيتشه وبالكاتب الفرنسي روسو.
ـ تأثره بالحركة الدينية الرومنطيقية في الولايات المتحدة، يرفدها الشاعر الهندي طاغور.
ـ تأثره بالتعاليم المسيحية، وانشغاله بهاجس المسيح، الثائر من أجل الحق (خليل الكافر) أو المبشر بحقيقة التعاليم الإنجيلية (يوحنا المجنون) أو المسيح المحبة (النبي).
إن هذه العوامل التي تجمعت في شخص جبران، جعلت أدبه ينحو منحيين: منحى الهدم وقد ظهر في نتاجه بالعربية ومنحى البناء وقد ظهر في نتاجه بالإنكليزية.
1 ـ مرحلة الهدم:
أ ـ القضية الشرقية: "قضية المرأة (مرتا البانية، عرائس المروج، وردة الهاني، الأرواح المتمردة، مضجع العروس، الأجنحة المتكسرة). * قضية الإقطاعية (يوحنا المجنون، عرائس المروج، خليل الكافر، الأرواح المتمردة، صراخ القبور).
ب ـ القضية الإنسانية: قضايا الحياة: المواكب (الخير والشر، العدل والحب، الدين والسعادة) .* قضية الإنسان: العواصف (الإنسان المتفوق، المتمرد، الثائر).
2 ـ مرحلة البناء:
قضية السعادة: النبي، وهو انجيل جبران وتعاليم ديانته التي ترتكز إلى أقانيم ثلاثة: المحبة، العدل، العطاء....
ولكن مهما يكن من أمر فلا بد لنا من التوقف عند علاقة جبران برجال الإكليروس وقد كان لهم منه مواقف صارمة وحادة جراء كتاباته التي تناولهم فيها فأعطى عنهم صورة فظة، ولم يفهموا موقفه من الدين والمسيح فمنعوا عن القراء تداول كتبه لردح طويل من الزمن، وعادوا فتراجعوا عن مواقفهم المتزمتة تجاهه بعد أن فقهوا كنه فكره وعمق فلسفته، فألفوه أشد تديناً من المتزمتين وأكثر تعلقاً بالمسيح وتعاليمه من كهنة كنيسته.
باختصار الكلام، علام تمحورت ثورة جبران على رجال الدين؟
كانت الجالية اللبنانية قد حملت معها إلى المهجر الأميركي الخلافات المزمنة، وقد اثر هذا الخلاف في الحياة التجارية والاجتماعية على السواء، ثم ما لبث أن امتد إلى صحف المهجر نفسها. لكن بعكس الصحف الأخرى، فان "المهاجر" اتخذت موقفا معتدلاً من هذا النزاع. وفي بادرة ائتلافية نشرت الصحيفة في صدر صفحتها الأولى رسماً بريشة جبران يمثل ملاكاً يحتضن بين ذراعيه الفريقين.
بعد ذلك نشر جبران في "المهاجر" ثلاثيته الشهيرة "عرائس المروج" التي ضمت ثلاث قصص تدور جميعها في لبنان. الأولى بعنوان "يوحنا المجنون" والثانية بعنوان "مرتا البانية" والثالثة كانت "إرم ذات العماد". وفي القصص الثلاث يثور جبران على رجال الدين متهماً إياهم بالظلم والقسوة ويفضل للإنسان أن يكون مظلوما ـ مثل "مرتا البانية" التي اضطرت احتراف الدعارة ـ على أن يكون ظالماً مثل الذين ظلموها.
وإحدى نقاط اختلاف جبران مع رجال الدين كونه نظر إلى المسيح نظرة تختلف عن نظرة الكنيسة إليه. فالمسيح، برأي جبران، داعية قوة لا داعية ضعف، يستشهد على ذلك بموقفه من الكهنة والفريسيين ولصوص الهيكل، وبقوله: "من أخذ بالسيف فبالسيف يُؤخذ"، إلا أن القوة الجبرانية هي القوة النبيلة المصلحة لا القوة الغاشمة المتجبرة التي دعا إليها "نيتشه"، وقد لمس هذه الناحية لدى جبران الأستاذ جان كميد في مقاله الذي نشر في العدد الخاص عن جبران في مجلة "الرسالة" وتناقله العديد من الصحف والمجلات، وعلق عليه بعضها تعليقات طويلة دلت على أهميته وحدّة الرأي الذي انطوى عليه. تتجلى نظرة جبران إلى وطنه الذي حلم به، عمل وناضل من أجل، بأبهى مواصفاته من خلال نص "لكم لبنانكم ولي لبناني" الذي ورد في كتابه "البدائع والطرائف"، باكورة من بواكير قلم جبران، الذي نشره في العام 1923، وقد كتبه بريشته البليغة وقلمه الحساس حيث يعبر جبران الثائر عن غربته الوطنية: فاغترابه ليس هجرة بل هو حالة نفسية تظهر قلقه وتمزقه بين لبنانين: لبنان القصيدة والحلم من ناحية وهو لبنانه الذي يريد، ولبنان الواقع والسياسة وهو لبنان المقيت الذي يرفض ويثور بوجه أهله ساخطاً مؤنباً عاتباً.
... فوطن جبران هو غير الوطن الذي يتنازعه السياسيون ويتقاذفه القادة، ويتلاعب بمصيره سادة العالم. لقد رسم صورته بالقلم لا بالريشة فإذا به وطن الحرية والجمال والسلام والفرح.
فثورة جبران في هذا النص أتت وليدة شعورين نقيضين تجاه وطنه، فهو أحبه حتى الثمالة وكرهه برياء من تعاون معهم إلى أقصى الحدود "إنها الخيبة أو الهزيمة التي جعلت العاشق يُجرّح حبيبته. لقد انكسر الحلم وسقط القناع وظهرت الحقيقة العارية بكل تشوهاتها. إنها مأساة التاريخ والجغرافيا معاً: لماذا كانت الحرب العالمية الأولى؟ من أجل ماذا قُتل الأبرياء واستشهد الأبطال ومات الأطفال وهاجر أهل الطموح وجاع الفقراء؟ لقد ناضل جبران وقاوم في المهجر، قولا وعملاً، من أجل استقلال لبنان وحريته: ألقى المحاضرات، أقام التجمعات، تنقل وسافر، أجرى اتصالات وعلاقات.. أكل ذلك من أجل أن ينتقل لبنان من الظلم العثماني إلى الانتداب الفرنسي؟ لقد خدعه الغربيّون، فإذا به يمتشق قلمه ليدافع عن وطنه وليضرب المنافقين الكاذبين وعملاءهم حتى ولو كانوا إخوة له في المواطنية".
جبران نظم لبنان نشيداً، لم يبال بناطحات السحاب، مات وهو يحن إلى شماريخ لبنان. لقد عمد في سبيل رسمه للبنان الأزمة الذي يرفضه وللبنان الحلم الذي يريده ويسعى إليه صيغ توكيدية ثلاث أ ـ التوكيد على تحديد الرؤيا والموقف بشكل تفصيلي بين محوري لبناني/لبنانكم انطلاقاً من "لكم لبنانكم فاقنعوا به ولي لبناني وأنا لا اقنع بغير المجرد المطلق" ب ـ إجراء المقابلة بصورة تغايرية تعارضية صورة لبنان الأزمة من جهة، وصورة لبنان الحلم والنقاء من جهة ثانية عن طريق نظرية تمايز الأشياء بتضادها. ج ـ التوكيد باختلاف وتعارض المفردات والتراكيب في رسم صورتين مختلفتين للبنان الواحد كما هو في الواقع وكما يراه ويريد له جبران أن يكون عليه. فلبنان بني أمه هو لبنان السياسة الفاسدة والمشاكل المعقدة والعواطف الكاذبة والمصالح المتضاربة... أما أبناء لبنانه فهم الفلاحون والرعاة والمزارعون الشعراء المولدون في الأكواخ والمائتون في قصور العلم.
فلبنان الذي خسرناه ونتحسر عليه اليوم هو لبنان جبران، لا بل لم نخسره لأنه بالأصل لم يكن لنا يوماً ولكن كنا نتوق الى تحقيقه منذ الأزل ولا زلنا نرنو إلى قسماته شاخصين الى اليوم الذي نحققه، فنحيا في ربوعه وبين أحضانه. ولقد كدنا نلمح له طيفاً منذ سنوات ثلاث يوم ضجت بنا ساحة الحرية وغصت.. ولكن للأسف الشديد فمن بعدها صحونا لنجد سعينا وحماستنا لما تحقق قد ذهب أدراج الرياح وهباء عصف الأنانيات؛ ومن سقط على مراقي الوطن مضرجاً تربه بنجيع طاهر قد قضى سدى!!
غير أن لبنان الحقيقي الذي نتوق إليه ونصبو أرى أن أولى خطوات بنائه تكون باحترام الإنسان فيه، بقدراته وتخلفاته، بإخفاقاته ونجاحاته، وأن يكون لكافة أبنائه جاعلين الكفاءة ميزان عماله بدلاً من المحسوبيات وتناقل ارث زعامة ليست بالضرورة أن تكون بمحلها سوى على سبيل اتصال ما يؤل للسلف من الخلف ولو عن غير وجه حق!!
علينا ان نفسح بالمجال لتوظيف الشباب قدراتهم في وطنهم بدل ضياعها في بلاد الغربة وهتكها على أعتاب السفارات.. فضلا عن تخلي الحكام عن أنانياتهم وبيع ذواتهم لدول الخارج فلا يوالون سوى وطنهم ولا يسهرون سوى على حفظ مصالحه وخير أبنائه دون سواهم. ناهيك عن الانفتاح على الآخر بمعنى أن يكتسب المواطن منا خبرات ومعارف من خلال التواصل مع الحفاظ على خصوصيته كمواطن لبناني في الدرجة الأولى بدلاً من تعشقه لكسب جنسية غربية كما وأنه يبقى هجيناً غريباً عن البلد المضيف؛ ولكن برأيه انه يسعى إلى اكتساب الجنسية لكسب لقمة عيش يظنها كريمة! فمن أولى مهام الحكام والمسؤولين أن يحفظوا كرامة الإنسان وبذلك يحفظون طاقات البلاد الشابة والخبرة للوطن بدل هدرها على مكاتب ومصانع وجامعات دول لا يهمها من أبناء وطننا سوى طاقتهم الإنتاجية وكأنهم آلات بروح بشرية بدلاً من أن تكون متصلة بسلك كهربائي او جهاز لاسلكي!! فنحيا في وطننا محافظين على أهم ميزاته الا وهي تنوعه الثقافي، الفكري والديني مما يضفي عليه تنوعاً حضارياً كتب لنا الحفاظ على خاصيته ضمن نطاق العيش المشترك وان كان في معظم أحيانه تعايشاً عن طريق قبول الآخر بمرونة الحذق ومبدأ الوحدة الجامعة لكافة أطيافه في سبيل إحقاق الحق، بث الجمال، فنعطي دروساً راسخة في المحبة حيث نبقى على الدوام مثالاً يحتذى في الوحدة والانصهار في بوتقة وطنية جامعة. ولنحيا دوماً ثواراً على دروب الحياة لا نستكين لننضم إلى طغمة بناة العالم.
ربما يعيب أحدهم على جبران تطرفه، ولكن فلنطف بنزهة في الفكر الجبراني حول التطرف، فعسانا تبدل رأينا، فنسمعه يقول: "المتطرفون هم المتطرفون في الحق عن طريق توحيد تناقضات الحياة.
أحب الذين يميلون بكليتهم إلى وحدانية الأمور فلا يقفون مترددين بين نقيضين. أحب النفوس المصطبغة بلون واحد مطلق. وأهوى الأرواح البسيطة التي لا تقبل طبيعتها التركيب ولا يدخل إلى جوهرها الانقسام. أحب ذلك الذي صلبه المعتدلون ولما لوى عنقه وأغمض عينيه قال بعضهم لبعض "لقد تخلصنا من المتطرف المقلق" ولم يدروا انه في تلك الساعة كانت روحه تسير متغلبة على الأمم والأجيال.
أحب ذلك الذي نُفي عن وطنه فتوهم المعتدلون أن في هجرته نهايته حتى وطأت أخفاف ناقته منعكفات الهند وملتويات الأندلس.
أحب الذين رُجموا وأحرقوا وقتلوا بحد السيف لحقيقة متطرفة متجوهرة في كيانهم.
أحب المتطرفين وأهواهم وكلما رفعت كأسي إلى شفتي ذقت طعم دمائهم، وكلما نظرت إلى المرآة رأيت وجوههم..."
من هنا نعرف أن النبوغ ثورة والنابغين ثوار. هم راكضون وراء الحياة، والركض هو الحياة نفسها. إنهم متجددون تجديديون؛ ونبوغهم هذا هو مصيرهم الى "يسوعي" إنهم يصبون في "ابن الإنسان"...!
عاش جبران غريباً عن دنياه! ظل طوال حياته، يفكر بوطن سحري لم يعرفه، ويحلم بأشباح أرض ما رأتها عيناه!!
غريب عن نفسه وجسده، جهل العالم لغة روحه لأنه نظم ما نثرته الحياة ونثر ما نظمته. فهيكل الكآبة والأوجاع هو أقدس هياكله. والحياة في نظره بيدر أحزان تدرس عليه أغمار النفوس قبل أن تعطي غلتها.
(*) من ثانوية أهمج الرسمية
ولكي يخلص جبران من ويلاته التي تدمي فؤاده، ركن إلى الوحدة متسائلاً: "هل ستظهر على سطح الأرض بعد آلاف الأعوام طائفة من البشر تحيا بالروح والحق وتأبى الركوع أمام التقاليد، ذاك الصنم المخيف الذي أقامته الأجيال؟! كما انه يرى بأصحاب النبوغ أتعس الناس، ومهما تسامت أرواحهم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع. ويتساءل كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار المفتخرين إن لم يكن الطغيان أساساً لحريتهم والعار قاعدة لفخارهم؟
المصدر : http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?StoryID=291875
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة الجريدة
العدد 219 - 13/02/2008
تاريخ الطباعة: 03/07/2008

في الذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادته
جبران: أُفكّرُ بـ مجنوني... إنه سلاحي الوحيد
بيروت ــ حمزة عبود
تحتفل الأوساط الثقافية والأدبية في لبنان بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة جبران خليل جبران. وعلى الرغم مما تستعيده هذه الاحتفالات من «خطاب» جبران في عددٍ من القضايا والأزمات التي تهدّد المجتمع اللبناني منذ شهور، فإن الهاجس الجبراني لا يزالُ بعد ما يقارب الثمانين عاماً على وفاته غائباً عن معظم الدراسات التي تناولت أعماله الأدبية والفنية. ونقول «الهاجس الجبراني» لأن جبران لم يكن يأخذ بالتقاليد الأدبية. حتى وإن اتخذ بعض هذه التقاليد طابع الحداثة الشائعة في عصره!
لقد حاول جبران أن يرسم تجربته خارج الأطر البلاغية (الكلاسيكية) التي عرفناها لدى كتاب وشعراء النهضة. من هنا فإن ما يبدو من «ركاكة» التعبير الانشائي سوف يمّهد (للمحاولات الأولى ربَّما!) لصياغة النص باعتبارها نسيجاً «فريداً» وخاصاً.
يكتب جبران لماري هاسكل: «اعرف أنه لن يكون بوسعي أن استشير أولئك الذين يعبدون آلهة قديمة ويعيشون برغباتٍ قديمة». ويكتب في مكان آخر: «أعرف أن في نتاجي شيئاً غريباً عن الفن، أقصد أنه جديد ولو أني لم أعرف ذلك لكنت قدمت بعيداً بفرشاتي والواني». ولقد كان جبران يكرس هذا «الإختلاف» في أدبه على الصعيد الفني بارتباطٍ وثيق برؤيته ونظرته «الكليّة» إلى العالم. فـ«الكتابة الشعرية»، كما نريد أن نسمّي كتابات جبران، هي الشكل الذي يستطيع من خلاله أن يجمع بين الحكمة والجنون. وبغض النظر عن القيمة الفنية لعدد من مؤلفات جبران، فإنه تنبّأ بانحلال الأنواع الأدبية والاتجاه إلى «وحدة الفن»، التي ستكون التعبير المثالي عن وحدة الوجود التي آمن بها: «افتح عينيك جيداً تجد صورتك في كل الصور وافتح أذنيك واصغ تسمع صوتك في كل الأصوات» وهذا الحنين الجبراني إلى التوحّد لكي يردم الفراغ الوهمي بين الأشياء والكائنات ولكي يتجاوز الحدود والقوانين التي تحول دون «تحقّقِه» الإنساني والوجودي.
ومن هنا فإن الجنون هو أحد التعبيرات التي تُفصح عن رغبته القصوى في التحرّر. «المجنون هو البطل الجبراني بامتياز. وكان جبران يحب هذا البطل ويجده الأكثر قرباً إلى ذاته. فالجنون هو لحظة حاسمة، أو لحظة قرار كما يقول كيركيغارد».
المجنون عند جبران هو الشخصية التي يريدُ بواسطتها أن يقوّض الخلل الجماعي، و«الملجأ الذي يتسلّح به» كما يقول في رسالة إلى ماري هاسكل. الجنون نوعٌ من الرؤيا، والرمز الذي يمنح الشاعر حريته. وهو يشير الى مغامرته الروحية والجسدية وإلى توتّره التراجيدي في البحث عن المطلق بدءاً بالثورة على المجتمع والتقاليد والشرائع. ويشير الى الهدم من أجل التغيير الجذري وليس «الإصلاحي» كما يُطلقُ عليه نقدُ الأجهزة. إن عملية الصراع التي يشهدها المجنون الجبراني تقتلع جميع المعالم القديمة وتبشّر بضوءٍ كلّي. ولا يمكن بالتالي أن تكون حالة من «التوسّط» أو القبول. يقول في رسالة ثانية إلى مارى هاسكل (1913). «لا أستطيع في هذه الآونة أن أشتغل، لكنّني أستطيع أن أفكّر. إني أغمضُ عيني وأفكّر. أفكّر بمجنوني... أنه سلاحي الوحيد في هذا العالم المسلّح تسليحاً غريباً». وهكذا فإن جبران يستهدي بالمجنون. إنه حاسته التي لا تخطئ في التقاط العالم والتعبير عن مواجهته لجميع الأحكام التي تقيّد روح الشعر.
العواصف
لقد أصبح البطل الجبراني (المجنون) المخلوق الأسمى الذي حاول الشاعر أن يكونه دائماً: «إنه ينتشلُني وأود أن أرتفع بحياتي إلى مستواه. إنه يجعلني أفضل لأنّه أفضلُ منّي. وهو كائن حيٌّ. لقد صنعته أنا أول الأمر لكنه الآن أصبح أكبر منّي. وإني اكتشفه الآن أكثر وأكثر». والاختلاف، الذي يجده جبران في شخصية المجنون حالةٌ من الصراع التي كان يعاني منها في جميع تطلعاته. وكان لا بد أن يقترن هاجس التغيير عنده بقوّة الإرادة والاختيار. القوّة التي أعطت إيمانه المسيحي طابعاً خاصاً. ففي كتاب «العواصف» تظهر نقمته على المجتمع دون أن تمسّ هذه النقطة تطلّعه النبوي. غير أنه يعطي ليسوع، مظهر القوّة كما يفعل «بلايك» تماماً ويحاول من خلال هذا المظهر أن يقتلع المفاهيم التي يروّج لها القيّمون على أوجاع الناس في تلك الفترة. إنه يعطي للمسيح صورة مغايرة لتلك المفاهيم: «ما عاش مسكيناً خائفاً ولم يمت شاكياً متوجعاً. بل عاش وصلب متمرداً ومات جبّاراً. ولم يكن يسوع طائراً مكسور الجناحين بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع الأجنحة المعوجة».
نيتشه
كان تأثير نيتشه واضحاً في أسلوب جبران. إلا أنّ هذا التأثير «الذي اقتلعه من جذوره» كما يقول ميخائيل نعيمه لم يحدّ من إيمانه بيسوع.
المسيحية عند جبران تقترنُ بالثورة على جميع أشكال السلطة. بل لعلّه يجد أن سلطة رجال الدين، التي يستمدونها من الخوف الذي يتحكّم بالمجتمع، أشدّ وطأة من جميع أشكال السلطة التي كان يتصدّى لها جبران (الأجنحة المتكسرة، وردة الهاني، خليل الكافر، يوحنا المجنون...). إن جبران يعطي المسيحية للفقراء وينزعها عن رجال الدين. ففي يوحنا المجنون يخاطب يوحنا رهبان الدير: «افعلوا بي ما شئتم. فالذئاب تفترس النعجة في ظلمة الليل، ولكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر وتطلعُ الشمس» وهو رأى يوحنا يستنجدُ يسوع ضد حالة الشقاء التي يعاني منها بسبب رجال الدين أنفسهم. في «خليل الكافر» لا يلبث الاحتجاج الفردي أن يتحوّل إلى نقمة شاسعة حين يقف هذا في قصر الشيخ عباس متدافعاً بالتحريض. ولقد مهد جبران لثورة خليل الكافر برؤيا يوحنا الخاصة والذاتية، والتي أتاحت له أن يبني إيمانه الحقيقي. هذهِ المواجهة، إذن، مع رجال الدين، قائمة في الجوهر المسيحي: «أنظر أيها الحارس الأمين. فقد خنقت أشواك الوعر أعناق الزهور التي أنعشت بذورها بعرق جبينك».
الثورةُ والحب. هكذا تظهر المسيحية دون أن تكون هناك حالة من التوسط الطقوسي. «ما هذا الحب ومن أين يأتي، هل هو حلمٌ سعى في سكينة الليل أم هو حقيقة كانت منذ الأزل وستبقى إلى آخر الدهر؟» هذا الصوت الأكثر بروزاً في كتابات جبران هو الصوت الباعثُ الأخير. والحب الذي «أعلى من السماء»، كما يردُ على لسان سلمى كرامة، حالة من التحقق الحسِّي والروحي، وهو يعكس «الحقيقة» التي في داخلنا: «كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولّد من فكرٍ واحد وحاسةٍ واحدةٍ في داخل الإنسان». من هذهِ التجربة تنبع صوفية جبران: «الأحلام والعواطف تبقى ببقاء الروح الكلّي الخالد» ونحن حين ندرك حقيقتنا في الحب فإننا ندرك «الحقيقة» الواحدة والكليّة: «إن هذهِ الحياة ليست كقبضِ الريح، وليس تحت الشمس شيءٌ باطل. بل كل شيء كان وسيبقى سائراً إلى الحقيقة.
لقد جعل أفلوطين المعرفة القصوى إشراقاً واتصالاً. ومن خلال هذه المعرفة يمكن أن يقوم هذا الاتصالُ (التوحّد) بين «المطابقات» في أدب جبران، المعرفة الكلية، وحدة الحياة والموت، وحدة الروح والجسد، وحدة الزمان والمكان، ألوهة الإنسان الخ...
الحبُّ في أدب جبران حنين دائمٌ لا ينقطع بعد الموت. بل أن النفس «تمرُّ كغيمةٍ فوق جبال الأحزان، فتلتقي بنسمات الموت، فترجع إلى بحر المحبة والجمال... إلى الله». الحب المتجسّد في «المجنون» والحب المتجسد في «النبي» مظهران لحالةٍ واحدة: حالة الذوبان والرؤيا: «المجنون» يعرفُ الحقيقة ولكنه يعبّر عنها بالهدم والتصدّي للأمور العادية الواقعة أمامه. أما «النبي» فهو يُعطي التعاليم التي تؤدي إلى حالة من التوحّد مع الحقيقة. وتعاليم «النبي» كانت خلاصة لنتاج جبران حول موضوعات عدّة تصبُّ في فضاءٍ واحد. يقول جبران في رسالة لمي زيادة: «لقد ولدتُ وعشتُ لأصنع كتاباً واحداً وقد ولدتُ وعشتُ وتأملت لأقول كلمةٌ حيّةً مُجنّحة. ولكني لم أصبر. لم أبق صامتاً حتى تلفظ الحياة تلك الكلمة بشفتي. لم أفعل ذلك، بل كنت ثرثاراً...». ويضيف جبران: «لا، لم أقل كلمتي بعد ولم يظهر من هذهِ الشعلة غير الدخان».
التمرد
اللهجة النبوية ظاهرة في جميع أعمال جبران السابقة لكتاب النبي. فالكلمة هي السر الذي تُطلقهُ الحياة على شفتي جبران. وهي الحقيقة التي تصدر عن الوجود. لقد كان جبران موكلاً بالرسالة التي يُعلنها. «جئت لأقول كلمة وسأقولها». وُجد جبران لكي يقول هذهِ الكلمة، الكلمة ـ الرؤيا. الهدم والتمرد مظهران للجنون الجبراني. العطاء والحب مظهران من مظاهر النبوة الجبرانية: «نفسي مثقلة بأثمارها فهل من جائع يجني ويأكل ويشبع أليس بين الناس من صائم يفطر على نتاجي ويريحني من أعباء خصبي وغزارتي». هاجس النبوّة يبدأ من هذا «الحِمل» المعذِّب ويستمر حتى كتاب «النبي» حيث يلحّ على نفس الرغبة في العطاء: «يتحول قلبي إلى شجرة كثيرة الأثمار، فأقطف منها وأعطيهم. أم تفيض رغباتي كالينبوع فأملأ كؤوسهم».
لقد كان جبران يفكّر بكتاب النبي ويحاول أن يقوله في معظم كتاباته السابقة: المجنون، التائه، السابق، الأرواح المتمردة. النبي هو الاتجاه التصعيدي لحركةِ هؤلاء الأبطال. إنه «العين الثالثة» التي أراد أن يكشف بواسطتها حقيقة هذا العالم. أن يقول هذهِ الحقيقة، يكتب عنه في رسالة لماري هاسكل: «لقد كان فيَّ على الدوام. لكنني لم أستطع أن استعجل به. لم يكن بوسعي أن اكتبه قبل الآن» ثم يقوله أنه كان ينشد «النبي» منذ كان في الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. وأنه الآن يراه ويعي ما فيه من حقائق.
الرؤيا
لقد جاءت الرؤيا الجبرانية في كتاب النبي في إطارٍ فنّي متميّز يمكن أن يطلق عليه «الكتابة الشعرية». ولقد لجأ جبران الى الأسلوب الشعري في معظم نتاجه. ولعلّ جبران أراد أن يطبع جميع أفكاره بالرؤيا والأسلوب الشعريين لكي يضفي عليها طابعاً نبوياً. وسوف يمكّن هذا جبران من أن يقيم علاقاته اللغوية الخاصة.
تأثر جبران بالرومنطيقية التي أتاحت له معارضته «للإلمام بالقواعد والتقاليد. فلقد أمّحى في تلك المرحلة الذوق الذي كانوا يحكمون به سابقاً أمام أساسٍ جديد للحكم» وأننا نستطيع أن نتبيّن في أدبه ثورة الرومنطيقي على الواقع: الشرائع والقوانين، الحب والزواج، اللغة والفن.
لم يستعمل جبران اللغة كما تتعيّن ملامحها (التقليدية والحديثة) في أعمال كتاب وشعراء «النهضة». ولم تنحصر الكتابة الجبرانية في نوع أدبي واحد بل هي تتسعُ إلى «نوع أدبي» خاص. لقد كان جبران على الصعيدين (اللغة و«النوع» الأدبيين) موجة عكس التيار السائد في ذلك الوقت. ورأى أن لا قيمة لأي عملٍ لا يحمل طابعاً مميّزاً وخاصاً: «إن في كل شاعرٍ شيئاً خاصاً به، شيئاً يجعله فريداً». ولقد اعطى «التفرّد» الجبراني بعداً خاصاً لتطوّر الكتابة العربية «لم تكن قيمته فيما قاله بقدر ما هي في صوته، في نبرته ومداها».
المصدر : http://www.aljarida.com/aljarida/ArticlePrint.aspx?id=46381
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جبران خليل جبران
(1883-1931م)
شاعر لبناني، ولد في "بشري بلبنان، وتعلم في "مدرسة الحكمة" ببيروت .
هوي الأدب والرسم معاً، فاتجه الى باريس لدراسة الفن، وهناك اتصل بالمثَّال العالمي "رو دان".
هاجر صبياً مع بعض أقاربه الى الولايات المتحدة، ثم عاد إليها شاباً. وهناك مارس الرسم، وأنتج معظم شعره ونثره.. وحين ألفت "الرابطة القلمية" من أدباء المهجر في نيويورك عام 1920م، انتخب عميداً لها. وكان أعضاؤها من أشد دعاة التجديد تحمساً.
من أعماله الأدبية المجموعات القصصية: (الأرواح المتمردة) و (الأجنحة المتكسرة) وكثير من الشعر المنثور مثل: "عرائس المروج"، و "رمل وزبد". وقليل من النظم مثل "المواكب". كتب "النبي" بالإنجليزية وترجم إلى العربية، وقد ترجم إلى العديد من اللغات الحية وبيعت منه ملايين النسخ.
لم يكن جبران طالباً منضبطاً بل متمرداً على النظام ، لكنه كان فطناً ، حاضر النكتة يتلهى بوضع رسوم كاريكاتورية للمعلم بدل أن يصغي إلى شرحه . و في البيت ينصرف إلى التصوير. و كان التلوين هوايته المفضلة منذ عامه السابع .
كانت حياة جبران هادئة، يمرح بين المروج و التلال ، حتى بلغ عامه الخامس عشر ، إذ واجهته أزمة قوية هزت كيانه و لطّخت صفو أيامه بالسواد .أُوقف والده بتهمة الاختلاس و فُرضت عليه إقامة جبرية في مركز قريب من المحكمة و احتجزت أملاكه ، فضاقت الدنيا على الأسرة الجبرانية و سُدت منافذ الرزق . أضرت كاملة إلى مغادرة لبنان آخذة أبنائها معها طلباً للرزق و هرباً من الذل و الهوان . هكذا حطت العائلة الصغيرة رحالها في مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية ، و اتخذت من شقة صغيرة في حي الصينيين (أقدم أحياء المدينة و أضيقها ) سكناً لها .
بدأت لغته الإنجليزية تقوى بفضل مطالعته المستمرة ، لكنه كان يتحرق شوقاً لإكمال دراسته بلغته الأم،اللغة العربية،فلم يجد لذلك سبيلاً هناك ، ولم يكن بوسعه أن يؤمّن نفقات دراسته في لبنان.
أحست والدته بميله إلى العودة إلى لبنان ليواصل دراسته باللغة العربية و راحت توفر له ما استطاعت هي و استطاع بطرس و سلطانة و ماريا اللتان كانتا تعملان بالخياطة رغم حداثة سنّهما ، لكي تتحقق رغبة الابن النابغة.
و عاد جبران إلى بيروت في أوائل خريف عام 1898 ،فزار والده أولاً في بشرّي فلقاه معدماً ، و عجوزاً قبل أوانه، فحز في نفسه ما انتهى إليه والده من بؤس و مرارة و وحشة.
في مطلع العام الدراسي سجل جبران اسمه في معهد (الحكمة)في بيروت،فكان نصيبه الصف الابتدائي ،فعز عليه و قد أتقن الإنجليزية و فن التصوير ، فقصد الخوري يوسف الحداد (أستاذ البيان في ذلك المعهد) و شكى إليه أمره.فقال له الخوري ((ألا تعلم أن السُلم يُرقى درجة درجة ))،فرد عليه جبران بشموخ: ((بلى،و لكن هل يجهل الأستاذ أن الطائر لا ينتظر السُلم في طيرانه)).فاقشعر بدن الخوري و شعر أنه أمام عقلية بارزة في فتى له حكمة الشيوخ. وقال فيه فيما بعد أنه لم يكن عند إلقاء الأمثولة يفتح كتابه بل كان أُذناً و عيناً، و كان يأتي للخوري بمقالات من تأليفه فلمس فيها الخوري جسماً متناسق الأعضاء عليه مسحة من الجمال تحت ثوب من اللفظ لا يشاكل المعنى.
أهم ما طالع جبران و أحب و هو يدرس في معهد (الحكمة) كليلة و دمنة ،نهج البلاغة،ديوان المتنبي،والكتاب المقدس (أي الإنجيل).
لم يكن الزمن لطيفاً مع جبران ، فقسى عليه و حال دونه و دون إكمال دراسته باللغة العربية حتى النهاية في بيروت ، تلقى خبر وفاة أخته سلطانه،فخرج من معهده ليواجه العالم بأحزان تنهش صدره و تمزقه ،و لم يقف زمان الحزن عند وفاة سلطانة ، بل بدأت تتوالى الصدمات تباعاً……
واجه جبران خليل جبران (1883- 1931) عصره فتعارفا وكان صراع سافر شاعراً فى أبعاد العصر ليبلور الحكمة الكامنة عله يدفع بالإنسان نحو ذاته الفضلى من "بشرى" لبنان (1883- 1895) حيث ولد وحيث تفتح وجدانه وخياله إنتقل إلى "بوسطن" (1895- 1898) التى كانت تشهد –آنذاك-نهضة فكرية وعاد إلى "بيروت" (1898– 1902) ليعيش نكبات شرقه وتخلفه بينما كان يستزيد من تعلم العربية فى بلاده ثم إلى"بوسطن" ثانية (1902-1908) ليعيش تجربة الموت الذى حصد أسرته (1902-1904) ثم إلى "باريس" (1908-1910) ليسبر عمق التحول الثقافى والفنى الذى كانت تشهده وبعدها "نيويورك"(1911-1931) حيث يدرك معنى المدينة الحديثة فى أوسع مفاهيمها.
ويمكن تبين ثلاثة مراحل فى إنتاج جبران:
الرومانسية:
كما تنعكس فى كتيب "نبذة فى الموسيقى" (1906)، وأقصوصات "عرائس المروج"(1906)، و"الأرواح المتمردة" (1908)، و"الأجنحة المنكسرة" (1912)، ومقالات "دمعة وإبتسامة" (1914)، والمطولة الشعرية "المواكب" (1919).
الثورية الرافضة:
تتصعد الرومانسية لتنتهى إلى إكتشاف أن القوة الإنسانية تكمن فى الروح الخاص والعام، كما فى مقالات وأقصوصات وقصائد "العواصف" (1920)،"والبدائع والطرائف" (1923)، وفى كتابه بالإنكليزية "الهة الأرض" (1931).
الحكمية:
تعتمد المثل أسلوبا، كما فى ثلاثيته إنكليزية اللغة: "المجنون" (1918) "السابق" (1920)، و"التائه" (1932).
****
ولعلّ ثورة جبران بدأت بثورة صامتة يكسو جوانبها الكآبة والحزن فلقد اصطدم في مطلع شبابه بواقع اجتماعي مرير جعلت الخيبة تغمر جوانب نفسه ، وظهر ذلك جليا فى مقالاته في عرائس المروج والبدائع والطرائف ، نبرة حزينة تزعمت موقف جبران في ثورته تلك إضافة إلى استسلام نفسه ومن ضمن تلك الثورة إلى الألم والعذاب ، مشاركة منه في ذلك لكل الضعفاء وهم يشقون وللمظلومين وهم يظلمون !!
بلغت ثورته مداها في كتابه " العواصف " فزادت نقمته على الأوضاع وصار يدعو الى تهديم الفساد وهياكله ، " فما نجت مؤسسة من معول الهدم لديه " غير أن تلك الثورة لم تلبث أن تفجرّت طاقة هائلة من العنف والتمرد وتقديس القوة والتهكم بالخانعين ... حتى كاد جبران أن يقطع ما بين ماضيه وحاضره فيقول :
" إن هذا الشاب الذي كتب ( دمعة وابتسامة ) قد مات ودفن في وادي الأحلام ".
جبران ثار على رجال الدين وسيطرتهم كما ثار على تجار الطائفية الذين برأيه " سّلحوا الدرزي لمقاتلة العربي ، وشجّعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي ، فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم ؟ وإلام يتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله ؟"
ثار على العدالة البشرية التي تقابل الشر بالشر كما ثار على الإقطاعية التي تجمع بين رجل الدين ورجل السياسة لاستغلال الفقير المسكين .. وثار على التقاليد التي تجعل الأحياء عبيدا للأموات ..ثار على الزواج إذا كان يشكل عبودية منظمة بالشرائع وعلى الأغنياء الذين لا يقوّمون الأشياء إلا بالمال ....
كل هذه الثورات جاءت بشكل أقاصيص أخذ عليها النقاد ضعف الحبكة وأنها تنطق الأشخاص بغير كلامهم كما في مرتا البانية وأن جبران هو البطل الأول في تلك الأقاصيص بحيث تتعدّد أسماء الأبطال ، ولكنها تصب جميعا في شخصية واحدة : هي شخصية جبران .
سأورد الآن مقطعا من مقالته يا بني أمي :
ماذا تريدون مني يا بني أمي؟
أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصورا مزخرفة بالكلام ، وهياكل مسقوفة بالأحلام ؟
أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون والجبناء ،
وأنقض ما رفعه المراؤون والخبثاء ؟
أأهدل كالحمائم لأرضيكم ،
أم أزمجر كالأسد لأرضي نفسي؟
نفوسكم تتلوى جوعا وخبز المعرفة أوفر من مجار الأودية ،
ولكنكم لا تأكلون ،
وقلوبكم تختلج عطشا ومناهل الحياة
تجري كالسواقي حول منازلكم فلماذا لا تشربون ؟
للبحر مد وجزر وللقمر نقص وكمال وللزمن صيفا وشتاء .
أما الحق فلا يجول ولا يزول ولا يتغير فلماذا تحاولون تشويه وجه الحق؟
باديتكم في سكينة الليل لأريكم جمال النور وهيبة الكواكب ،
فهببتم من مضاجعكم مذعورين ،
وقبضتم على سيفكم وعلى أرواحكم صارخين :
أين العدو لنصرعه ؟
عند الصباح وقد جاء العدو بخيله ورجاله ،
ناديتكم فلم تهبوا من رقادكم بل ظللتم تغالبون مواكب الأحلام .
قلت لكم تعالوا نصعد إلى قمة الجبل لأريكم ممالك العالم
فأجبتم قائلين :
في أعماق هذا الوادي عاش آباؤنا وجدودنا
وفي ظلاله ماتوا وفي كهوفه قبروا فكيف نتركه ونذهب إلى حيث لم يذهبوا ؟
لقد كنت أحبكم يا بني أمي وقد أضرّ بي الحب ولم ينفعكم ،
واليوم صرت أكرهكم والكره سيل لا يجرف غير القضبان اليابسة
ولا يهدم سوى المنازل المتداعية .
كنت أشفق على ضعفكم يا بني
أمي والشفقة تكثر الضعفاء ، وتنّمي عدد المتوانين ولا تجدي الحياة شيئا ،
واليوم صرت أرى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازا وتنتفض ازدراءاً .
ماذا تريدون مني يا بني أمي ؟
أرواحكم تنتفض في مقابض الكهان والمشعوذين ،
وأجسادكم ترتجف بين أنياب الطغاة والسفاحين ،
وبلادكم ترتعش تحت أقدام الأعداء والفاتحين ،
فماذا ترجون من وقوفكم أمام وهج الشمس؟؟
أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة ،
أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم .
أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تعلمون.
كما نلاحظ جميعا ثورته على الناس جميعا في هذا النص يراهم جبران ، قانعون ، ذليلون قابلون بالواقع .. كم هم بحاجة للثورة ولا يثورون .. عندما يجب عليهم التمرد والتحرك ..تراهم لا ثورة فهم يثورون كلاميا فقط أما في العمل فهم غائبون .. ثار على عاداتهم وتقاليدهم البالية التي نسخوها كما هي عن أجدادهم .. رآهم ضعفاء وجبناء لدرجة أحس بأنه يكرههم :
أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة ،
أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم .
أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة
لكنكم لا تعلمون
سأعود وأتابع التوغل في أروقة شرايين جبران وأتمنى أن ترافقوننا إما بملاحظاتكم وإما بتزويدنا بمعلوماتكم وخصوصا كل من يهوى المغامرة في محاريب وادي قاديشا .... وادي جبران المقدس !! لا تبتعدوا أيها السمار ، فالعمل الجماعي المشترك دليل نضج وعافية وله نكهة طيبة و مميزة
****
( إذا جلست على السحابة لما رأيت الحدّ الفاصل بين بلاد وبلاد ولا الحجر الفاصل بين حقل وحقل . ولكن يا للأسف ..انك لا تستطيع أن تجلس على السحابة !)
جبران في رمل وزبد
***
إن نبي جبران جمع الأرض من أقصاها إلى أدناها في نغمة واحدة تخفق باتجاه واحد ، اتفقوا على قبوله كخلاصة وعي وفلسفة أخلاقية جميلة وهو كتاب النبي وأصبح جبران أستاذا لكثير من الناشئة والشباب ، أعجبهم فتخرجوا من مدرسته الأدبية والتي قامت على ما يلي :
أولا : جعل الأدب ذا رسالة اجتماعية تهتم بموضوعات حياتية كما تهتم بمعتقدات البشر ومصير الإنسان .
ثانيا : توثيق الصلة بينه وبن سائر الفنون الجميلة بحيث لا ينفصل عنه فقد كان جبران رساما ونحاتا وموسيقيا شاعرا وكاتبا مبدعا فاجتمعت تلك الصفات في أدبه ، ولأول مرة في تاريخ الكتابة العربية تظهر هذه الصفات واضحة حميمة بين مختلف الفنون .
ثالثا : الاعتماد على الخيال في مختلف أنواعه والتفنن في التصوير وابتداع الرؤى والرموز .
رابعا : الإكثار من وصف الطبيعة والحنين إليها على الطريقة الرومنطيقية
خامسا : تلوين الأدب بألوان حديثة وخاصة في كتاب النبي والتأثر بروحانيات الشرق.
سادسا : الاتجاه بالنثر نحو الشعر وحشد كل المقومات الشعرية من عاطفة وخيال مجنح ....
سابعا : تلقيح الأدب بلقاحات ثقافية غربية .
ثامنا : الاتجاه بالأدب نحو الإنسانية عامة وانتشاله الى ما وراء التخوم العادية ليعبر عن الطروح الإنسانية في كل زمان ومكان .
تاسعا : التأثر بالأدب الرومنطيقي لا من حيث الغناء في الطبيعة فحسب بل من حيث النفور أيضا من الحضارة الزائفة والمجتمع الفاسد ومن السويداء التي تغشى القلب ،والعيش في أجواء عاطفية تكتنف الأديب في كل مكان إضافة إلى الهروب من التيارات المادية إلى التفكير الروحاني .
عاشرا : الثورة على كل عتيق وبال وتبديد ظلمات التقاليد الفكرية والاجتماعية والعمل على التجديد والتحرر من القيود والأغلال الظالمة !!
**
ومن نص المحبة قال جبران :
.. المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار الحنطة .
وتدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم .
وتغربلكم لكي تحرركم من قشوركم
وتطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج .
وتعجنكم بدموعها حتى تلينوا ،
ثم تعدّكم لنارها المقدسة ، لكي تصيروا خبزا مقدسا ، يقرب على مائدة الرب المقدسة !!
كل هذا تصنعه المحبة لكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم .
فتصبحوا بهذا الإدراك جزءا من قلب الحياة .......
المحبة لا تعطي إلا نفسها ، ولا تأخذ إلا من نفسها .
المحبة لا تملك شيئا ولا تريد أن يملكها احد :
لأن المحبة مكتفية بالمحبة .
**
( لا شك أن في الملح قوة مقدسة عجيبة . فهو كائن في دموعنا وفي البحر .
وان إلهنا في عطشنا المبارك سيشربنا جميعنا : قطرة الندى والدمعة معا )
من كتاب رمل وزبد
الغريب أن ثورة جبران كانت قد بلغت ذروتها في " العواصف " والذي يدهشني أنها لانت وهدأت بشكل ملفت ،
مما يدعونا للتفكير والاستغراب إذ أن هذا التبدّل العميق قد يعني أن الناس قد سلكوا طريقا أعجب جبران نفسه ؟ ولكن ما هذا الذي حصل بالفعل ؟؟ فما الذي برأيكم جعل صاحب كتاب النبي يستسلم إلى السكينة ؟؟؟
صحيح أن جبران كان وديعا وهادئا يغشى أدبه ميل إلى الصوفية !! ولكن أفكار نيتشه حوّلته إلى بركان ثائر جرّت جبران إلى كتابة رائعته " النبي " راح يطالب بمجتمع فاضل قرأ الفلسفة البوذية ، تأمل بالتعاليم المسيحية وتعاليم المتصوفة ، تعمق بدين الإسلام وصار ينظر إلى الوجود نظرة حكيم هاديء !!
دعا إلى مجتمع مثالي تختفي فيها الأنانية وما يعلق بصاحبها من أدران وكان ارتكازه في ذلك المجتمع على ثلاث دعائم رئيسية :
المحبة " التي تجعل الإنسان في قلب الله "
العطاء ، " الذي هو بسمة الله على على الأرض وتجسيد المحبة الكاملة "
والعمل " والذي هو بنظر جبران مظهر من مظاهر العبادة ، يقرّبنا إلى حقيقة ذواتنا وإلى حقيقة السعادة "
سأورد مقطعا صغيرا عن العمل على أن أورده كاملا في مساحة النثر إن شاء الله
قال حراث : حدثنا عن العمل : فأجاب قائلا :
إنما تعملون لكي يتسنى لكم أن ترافقوا الأرض في سيرها ، وروح الأرض .
فمن يكسل يصبح غريبا عن الفصول ، ويخرج من موكب الحياة الذي ينطلق نحو اللانهاية بجلال ، وخضوع ملؤه الإباء . حينما تعملون تكونون قيثارة يتحوّل في قلبها همس الساعات إلى موسيقى .
**
ليس اللؤلؤ سوى رأي البحر في الصدف
وليس الماس سوى رأي الزمن في الفحم
جبران خليل جبران في رمل وزبد
**
جبران في آثاره العربية
يطوي العبقري في خلال عمر واحد أعمار أجيال سبقته، وأجيال رافقته ، وأجيال تأتي بعده ، فيموت ليحيا ويحيا غيره ليموت .
ويحيا العبقري في قلوب الأجيال لأنه يعطي آلامها الخرساء ألسنة من نثر ، ويدمّ أمالها المقعدة بأجنحة من نور .
فللّحم والدم في كل زمان ومكان ، مغاور سحيقة ، تتزاوج في ظلماتها الملذّات فتنسل أوجاعا . وللروح أجواء فسيحة برودها الفكر والخيال فيضرمان الشوق إلى الانعتاق من الوجع .والعبقريّ من استطاع أن يسبر الأغوار ويجوب الأعالي وان يعود من تلك وهذه بصورة الإنسان الأمثل وهدفه الأسنى ألا وهو الحياة التي لا تأخذها سنة الموت ، ولا تكبّلها قيود اللحم والدم ، ولا تحصرها حدود الزمان والمكان .. وجبران كان ذلك العبقري ..
ودائما مع ميخائيل نعيمة والذى يتقن بشفافية اختيار حروفه وهو يحكي عن رفيق الغربة والرابطة القلمية ، والحنين والثورة والحياة المستقبلية والأمل باللغة العربية والحرف العربي والمحافظة عليه ونشره في بلاد الفرنج بقوة كان البحث عن " الذهب في بلاد الالدورادو " هو المنافس !!
في آخر كتاب " دمعة وابتسامة " مقال عنوانه "صوت الشاعر " يتكلّم فيه جبران بلسان الشاعر فيقول في جملة ما يقول :
" جئت لأقول كلمة ، وسأقولها ،
وإذا أرجعني الموت قبل أن ألفظها
يقولها الغد .فالغد لا يترك سرا مكنونا
في كتاب اللانهاية "
وهو يختم المقال بالعبارة التالية :
" والذي أقوله الآن بلسان واحد
يقوله الآتي بألسنة عديدة "
**
من أقوال جبران
" ما عييت إلا أمام من سألني : من أنت ؟ "
" أعطني الصمت أقتحم غمرات الليل "
" التذكار شكل من أشكال اللقاء "
" النسيان شكل من أشكال الحرية "
" ليس الفضاء فضاء بين الأرض والشمس لمن ينظر إليه من نوافذ المجرة "
" الإنسانية نهر من النور يسير من أودية الأزل إلى بحر الأبد "
" ما أغربني عندما أشكو ألماً فيه لذتي ! "
" قال لي منزلي : لا تهجرني لأن ماضيك يقطن فيّ "
" بين خيال الإنسان وإدراكه مسافة لا يجتازها سوى حنينه "
السفينة جيدة والربان ماهر ، ولكن التشويش في معدتك أنت
فلو كنت مكانك لما أنحيت باللائمة على البحر في وقت الجزر . "
من كتاب رمل وزبد
**
ميخائيل نعيمة في تحليله عن تاريخ جبران الأدبي وهي تقع في حوالي خمس وعشرون صفحة
ساح جبران سياحات بعيدة في دنيا التأمّل والتبحّر والخيال ، وتحدّث عن سياحاته بريشته البليغة وقلمه الحسّاس فرسم الكثير وألف الكثير .ولكنه ارتحل عن هذه الفانية وفي ريشته خطوط وألوان لم تنسجم في رسوم ، وبين شقّي قلمه أنغام لم تنتظم في مقاطع . وأغلب الظن لو سئل قبيل أن بلغت روحه التراقي : " هل قلت كلمتك يا جبران ؟" لأجاب : " لفظت منها مقاطع . أما الكلمة فما قلتها بعد " ذلك لأنه يريدها كلمة شاملة كالحقيقة الأزليّة التي كان ينشدها بقلبه ، شاسعة كالمدى اللامتناهي الذي كان يحسه بروحه ،رائعة كالجمال الساحر الذي كان يلمحه بخياله.........لئن فات جبران كما فات غيره من الشعراء والمفكرين والمصلحين ، أن يقول الكلمة" الكاملة " فلم يفته أن يقول الكلمة التي وعتها الحياة على لسانه وبين شفتيه وفسحت له من العمر المدى الكافي لقولها وقد قالها عالية صافية جريئة بعيدة القرار .
وهذه "الكلمة "إن تسألني أين تجدها في مؤلفات جبران ( ودائما الكلام لنعيمة ) أجبك : بأنك لن تجدها في هذا الكتاب أو ذلك ، ولا في هذه المقطوعة أو هاتيك ،بل عليك إذا شئت أن تعرفها ، بمطالعة كلّ ما كتبه جبران من "الموسيقى " حتى " التائه ". فحياته وأعماله مثل حياة وأعمال أي إنسان وأعماله وحدة لا تتجزأ .
....
روعة جبران أوضحها بأناقة الأديب زميل غربته وأنيس وجعه ميخائيل نعيمة الذي أضاف أيضا :
الإرث الذي تركه لنا جبران هو إرث غني . فجدير بنا أن نستمتع به كاملا ، لا بهذا البعض منه دون ذلك .
***
استهوت المقامات العربية جبران خليل جبران.. عرفها وعرفنا ببعضها بأن ترجم لحنها ، إحساسا على الورق
فجاءت كما يلي :
( النهاوند )
يمثل تفريق المحبين ووداع الوطن ويصف آخر نظرة من راحل عزيز .يمثّل شكوى آلام مبرحة بين ضلوع قوامها لظى الشوق .النهاوند صوت من أعماق النفس الحزينة .نغم متجسّم من مهجور يسال عطفا على رمقه قبل أن يضنيه البعاد .
زفرات يائس أنشأتها المرارة وتنهدات قانط بثتها لوعة من أتلفه الصب والتجلد.النهاوند يمثّل الخريف وتساقط أوراق الأشجار المصفرّة بسكينة وهدوء ، وتلاعب الريح بها وتفريق شملها .النهاوند صلاة والدة نأى ابنها إلى أرض بعيدة فباتت بعده تغالب النوى فيهاجمها بعوامل اليأس وتصدّه بفواعل الصبر والأمل .وفي النهاوند معنى بل معان وأسرار يفهمها القلب وتفقهها النفس .أسرار يحاول بثّها اللسان وكشفها القلم فيجف ّ هذا وتنقطع أوصال ذاك .
( الأصفهان )
......... الأصفهان آخر نفس من منازع واقف ، في مركب الموت ، بين شاطيء الحياة وبحر الأبدية .الأصفهان رثاء للذات بغصّات متقطعة متواصلة وتنهّدات عميقة .نغمة صداها سكينة تمازجها مرارة الموت والأسى وحلاوة الدمع والوفاء .وإن كان النهاوند حنين من يحيا ببعض الأمل ، فالأصفهان أنين من انفصمت عرى آماله .
( الصبا )
الصبا نغمة فرح تنسي المرء أتراحه ... الصبا كنسيمات الصبا تمرّ فتهتزّ لها أزاهر الحقل تيها وابتهاجا ..
(الرصد)
وللرّصد في سكينة الليل ، وقع المشاعر يحاكي تأثير كلمات رسالة جاءت من عزيز غال ، انقطعت أخباره في بلاد بعيدة ، فجاء الكتاب يحيي عاطفة الأمل وعد النفس باللقاء . وكأنّي بمغنّي الرصد يخبر بقرب الفجر واندحار الظلام ،
وقد قيل :" إن جهز ليلك فارصد " وفي العتابا البعلبكية عتاب رقيق يراوح بين اللوم والتعنيف ، ولحنها مزيج من النهاوند والصبا المفرح وفعلها في النفس فعلهما
**
( من أعماق هذه الأعماق ، نناديك أيتها الحرية فاسمعينا
ومن جوانب هذا الظلمة نرفع أكفنا نحوك فانظرينا ،
أمام عرشك الرهيب نقف الآن ناشرين على أجسادنا أثواب
آبائنا الملطخة بدمائهم ،
عافرين شعورنا بتراب القبور الممزوج ببقاياهم ،
حاملين السيوف التي أغمدت في أكبادهم ،
رافعين الرماح التي خرقت صدورهم ،
ساحبين القيود التي أبادت أقدامهم ،
صارخين الصراخ الذي جرح حناجرهم ،
نائحين النواح الذي ملأ ظلمة سجونهم ،
مصلّين الصلاة التي انبثقت من أوجاع قلوبهم ،
فاصغي أيتها الحرية واسمعينا !! )
جبران خليل جبران
من خليل الكافر
الأرواح المتمردة
**
( الأيدي التي تصنع أكاليل الشوك هي
أفضل من الأيدي الكسولة )
من كتاب رمل وزبد
***
يقول نعيمة : لقد صدق جبران إذ قال : " والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة عديدة ". فها هم قرّاؤه اليوم أضعاف أضعاف قرائه يوم أن كتب ذلك المقال منذ خمسة وثلاثين من الأعوام ( نعيمة كتب ما كتب هنا سنة1949 ) وهم في ازدياد مطّرد عاما بعد عام وهم تحت كل كوكب ومن شتّى الأجناس واللّغات . فمن حقه علينا ، بل من حق أنفسنا علينا ، أن نصون الإرث الذي خلّفه لنا من عبث العابثين ومن جشع المستثمرين .
ثمانية وأربعون عاما أولها بشري - لبنان - وآخرها في نيويورك من الولايات المتحدة الأمريكية تلك هي الفسحة التي أتاحتها الأقدار لجبران ليقول فيها كلمته .
وجبران الذي كان يؤمن أوثق الإيمان بالتقمّص ما كان يحسب ولادته في شمالي لبنان مصادفة عمياء .بل كان يعتقدها نتيجة لازمة لحياة سابقة .ففي تلك البقعة الغنيّة بمفاتنها الطبيعية وذكرياتها الدينية ثروة من الجمال الذي لم يكن بدّ لعين جبران من أن تكتحل به ولروحه من أن تستحم في بهائه . وقد اعترف جبران من تلك الثروة في صباه قبل أن يهجر لبنان إلى بوسطن سنة 1894. ثم في شبابه يوم عاد ليدرس في مدرسة الحكمة البيروتية بين 1896 و 1901،
واغترف ما يكفيه مؤونة العمر .ثم راح ينثر بقلمه وبريشته ما اغترفه من ذلك الجمال ،وينثر بلباقة الفنان المبين لفنّه وسخاء الشاعر المثقل بالشعور .فأنت تشم طيوب لبنان وتستشعر سحر أعاليه وأغواره ، وتحس جماله وجلاله في
كل ما تقرأه لمؤلف " النبي ".
**
( التعاسة في أن أمد يدي فارغة للناس فلا يضع فيها أحد شيئا ،
أما القنوط ففي أن أمدّها ملآنة فلا يأخذ الناس منها شيئا )
من رمل وزبد
*******************
ميخائيل نعيمة :
من بواكير قلم جبران مقال في الموسيقى أصدره عام 1905 في نيويورك في شكل كتيّب فكان الحلقة الأولى في سلسلة
مؤلفاته التي اختتمها بكتابه الإنكليزي "التائه " المنشور بعد وفاته . وأنت إذ تطالع "الموسيقى " يستوقفك فيها أوّل ما يستوقفك نمط في الكتابة يتميّز بسهولة التعبير ، وحلاوة التلوين ، ولطافة الواقع ، وصدق النيّة ، وسلامة الذوق ، وعمق الإحساس ، والنزعة إلى الإبداع في الوصف والتشبيه . فهو يتنكّب المألوف من الجناس والمجاز، ويحاول تحميل الكلمات من المعاني فوق ما تعوّدت حمله على ألسنة الشعراء والكتّاب ، مثلما يحاول تجريدها من التفاهة والفضول .
فيقول لك مثلا في الموسيقى أنها جزء من الحشاشة له روح من النفس، وعقل من القلب .أو يقول :" الألحان في فضائي أشباح للذات الحقيقية أو أخيلة الشعائر الحية ".فيشبّه الألحان بالأشباح ، ويجعل للذات أشباحا ، ويفصل بين الذات الحقيقية والذات الموهومة ، وبين المشاعر الحيّة والمشاعر الميتة ، ثم يجعل للمشاعر أخيلة .
ومن بعد أن يمرّ مرّا سريعا بشتى الحالات التي ترافقها الموسيقى ، ويأتي على مكانتها عند مختلف الشعوب ، ويصف تأثير النهاوند والصبا والرصد من الألحان العربية ومعناها . تلقي الكتيّب من يدك فتشعر أن هذا الفتى الذي يكلمك
غنيّ القلب ، عزيز النفس ، يكره التقليد ويحاول شقّ طريق جديد .ولكنّ عدته كانت لم تكتمل في ذلك الوقت بعد ..
**
( أمّا اسم المرأة التي أحبها قلبي فهو الحياة .
فالحياة امرأة ساحرة حسناء تستهوي قلوبنا ، وتستغوي أرواحنا ،
وتغمر وجداننا بالوعود ، فأن ماطلت أماتت فينا الصبر ، وان برّت أيقظت فينا الملل .
الحياة امرأة تستحم بدموع عشاقها وتتعطّر بدماء قتلاها .
الحياة امرأة ترتدي الأيام البيضاء المبطّنة بالليالي السوداء .
الحياة امرأت ترضى بالقلب البشري خليلا وتأباه حليلا .
الحياة امرأة عاهرة ولكنّها جميلة ومن ير عهرها يكره جمالها. )
من كتاب العواصف - قبل الانتحار
*********
ومن نفس كلمة التقديم لمجموعة جبران العربية ، نتابع مع الأديب ميخائيل نعيمة :
ويمضي عام وبعض العام على العالم العربي بكتيّب أكبر حجما وأبعد مدى من " الموسيقى" وقد أسماه " عرائس المروج " وضمّنه قصصا ثلاثة :
** رماد الأجيال والنار الخالدة
**مرتا البانيّة
** يوحنا المجنون
غاية جبران الذي يؤمن بعقيدة التناسخ والتي اتصلت إليه إما عن طريق المطالعة وإما من أفواه بعض معارفه . وهذه العقيدة هي أقدم من أن تحد لها أي بداية . ولكنّها ، كما عنّ لجبران تصويرها في قصة رماد الأجيال ، أتاحت لقلمه فرصة نادرة يفلت فيها من قيود العرف والتقليد ويمضي يتغنى بالحبّ وسحره وجبروته وجماله ، ثم يتغلغل فيما ندعوه روحا وبين ما ندعوه مادة ، ويروي عطشه إلى الأنغام العذبة ، والألوان الرقراقة ، والتشابيه المبتكرة .
كانت تسيطر على جبران طبيعتان عندما انبرى جبران للقصة : طبيعة الفنان المرهف الحس والشعور ، وطبيعة المرشد والمصلح والواعظ . فالأوّل لا ينفك ينسج ألمه من نفسه نظير ما تنسج دودة القز فيلجتها من خيوط في أحشائها .
فإذا راح يعالج عالما غير عالمه أعوزته المقدرة على حبك الحوادث وتصوير الأشخاص والحالات حبكا يتناسبان مع الواقع المحسوس حتى وان كانت الغاية التي يهدف إليها فوق الحس وأبعد من الواقع . والثاني دأبه التفتيش عن مواطن الضعف والوجع في الناس ، حتى إذا وقع عليها انطلق يندد ويبكت ويؤنب ، وقد ينتهي بأن يصف ما يعتقده الدواء الأوحد والأنجع .
وجبران في " قصصه " يخلق حالات وأشخاصا تنقصهم أبدا دقّة الحبكة ، والتصوير الواقعي ، ولا غرض له من خلقهم إلا أن يجعل منهم مطايا لقلمه ليفتنّ ما شاء له الفن في وصف الطبيعة وشتى المشاعر البشرية . وعلى الأخص تلك التي يغلب فيها التوجّع والتفجّع والتأسّي و إلا ليلقي المواعظ الجميلة في قساوة الناس وقذاراتهم وخنوعهم وفي جمال الحب والحق والحرية وما إليها .
**
"إن أدران الجسد لا تلامس النفس النقيّة ، والثلوج المتراكمة لا تميت البذور الحيّة .
وما هذه الحياة سوى بيدر أحزان تدرس عليه أغمار النفوس قبل أن
تعطي غلّتها ."
مرتا البانيّة - عرائس المروج
***
كان من الطبيعي لجبران المفطور على الصدق والرفق واللين ، المؤمن بكرامة الإنسان ورفعة عنصره ، أن يصطدم في بدء تفتحه الفنّي والروحي اصطداما عنيفا مؤلما بخشونة الواقع ورياء الحياة البشرية المكبّلة بالتقاليد والشرائع . وكان من الطبيعي لذلك الفتى الطامح للانطلاق ، الشاعر بوفرة المواهب المتغلّفة في كيانه ، أن يجرّد كلّ ما لديه من سلاح وعتاد فيخوض المعركة واثقا من أنه سيصرع التنيّن في النهاية . فما كان يعرف أن ذلك التنّين لن يصرع حتى تصرع الأجساد والأرواح التي تغذيه بلحومها وأحلامها - أي حتى تصرع البشرية المذعورة من الجوع ومن نار جهنم .
فلبنان في ذلك الزمان - مثله في هذا الزمان - كانت تسوده إقطاعيتان : سياسية ودينية .
فلا عجب إذا اتخذ جبران من تينك الإقطاعيتين أهم ّ المواضيع للقصص التي صنّفها قبل أن اكتملت عدّته الفنيّة والفكريّة.
ومواضيعه تكاد تنحصر في اثنين :
- جور التقاليد البشريّة في ما حللّته وحرّمته من العلاقات بين المرأة والرجل .
- جور الحكّام المدنييّن والدينييّن في علاقتهم مع الجماهير التي ندعوها الشعب .
لعلّ أحب الناس إلى قلب جبران هو ابن الفطرة وابن الطبيعة لا سلاح لديه و ليس في يده إلا المعول . ولعلّ أبغض الناس إليه هم الذين يتظلّمون أبناء الفطرة والطبيعة ، فيهضمون حقوقهم ويمتهنون كرامة الإنسان فيهم ويقدّمون إليهم
السم ّ في الدسم .
وفي عام 1908 صدر لجبران في نيويورك كتاب " الأرواح المتمردة " وقد نشرته كما نشرت سالفه ( عرائس المروج ) جريدة المهاجر لصاحبها أمين الغريّب وفي صدره التقدمة التالية :
" إلى الروح التي عانقت روحي . إلى القلب الذي سكب
أسراره في قلبي . إلى اليد التي أوقدت شعلة عواطفي أرفع هذا الكتاب "
وبين عرائس المروج وبين الأرواح المتمردة فسحة جدّ قصيرة من حيث الزمان .وإن تشابهت المواضيع والمرامي ، ولكن بينهما بونا شاسعا من حيث المعالجة والأداء . فالديباجة أكثر إشراقا تتلمّع في ثناياها جواهر من التشابيه والاستعارات المبتكرة ، واللغة أمتن سبكا وأرحب صدرا ، والحجّة أقوى حبكا وأبعد أثرا ، والفكر أصفى ينبوعا وأسرع جريا ، والجرس ألطف وقعا وأشجى لحنا. لقد كان جبران الشاعر وجبران الرسّام وجبران المفكّر في سباق مع الزمن .
****
المصدر : http://dr-mahmoud.com/index.php?option=com_content&task=view&id=733&Itemid=56
ــــــــــــــــــ
الشعلة الزرقاء
رسائل جبران إلى مي زيادة واحدة من أجمل الأعمال الأدبية التي أسست لظهور هذا الفن في الأدب والذي يدعى أدب المراسلة. وقد قامت الناقدة سلمى الحفار الكزبري بطباعة الرسائل ضمن كتاب أسمته الشعلة الزرقاء.
ضم كتاب الشعلة الزرقاء رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، وهو يتوجه إلى محبي أدب الرسائل الذين من حقهم أن يعلموا أن هذه الرسائل المخطوطة ألقت أضواءً جديدة على حياة هذين الكاتبين المبدعين، وعلى فكرهما ومؤلفاتهما، وعلى العلاقة العاطفية التي نشأت بينهما عبر المراسلة في الثلث الأول من القرن العشرين.
عدد الرسائل ثمان وثلاثون رسالة، وكذلك برقية مطبوعة أرسلها جبران من نيويورك إلى مي في القاهرة مطلع عام 1931 للتهنئة بالسنة الجديدة، معتذراً عن الكتابة إليها "بيد مريضة". وكان آخر ما تسلمته مي من جبران رسماً لكف مفتوحة، تتوقد منها شعلة زرقاء مرسومة بريشته، وكتب بخطه إلى جانبها: "من جبران إلى ماري" بتاريخ 26 آذار 1931، أي قبل وفاته بأسبوعين فقط، انطلاقاً من هنا أعطى لمجموعة رسائله هذه إليها عنواناً يرمز إلى شعلة حبهما الصافية الخالدة!
أحببت أن أكتب عن العلاقة بين جبران وبين مي زيادة حسب ما قرأت لما فيها من أمور غريبة وقصة حب عجيبة
لم يكن حب جبران جراء نظرة فابتسامة فسلام فكلام بل حباً نشأ وترعرع عبر مراسلة أدبية طريفة ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبين وحيدين مع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين
قالت " لا يصح لكل امرأة لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها أن تبحث عن صديق غير زوجها فلابد أن تتقيد المرأة بواجبات الشراكة الزوجية تقيداً تاماً حتى لو هي سلاسل ثقيلة فلو توصل الفكر إلى كسر قيود الاصطلاحات والتقاليد فلن يتوصل إلى كسر القيود الطبيعية لأن أحكام الطبيعة فوق كل شيء وهذه تعتبر خيانة ولو في مظهرها طاهر من هنا كانت البداية ثم تواصل بالرسائل التي كان كل منهما يبحث عن روح الآخر في يقظته وأحلامه . كان كل منهما يسعى لرؤية ذاته في روح صاحبه حتى لكأن تلك الروح هي المرآة التي ينعكس على صفحتها نور الآخركلما قرأنا هذه الرسائل النابضة بالحياة ازداد اليقين بأن الحب الذي شد جبران إلى مي وشغف مي بجبران حب عظيم و عشق تخطى حدود الزمان والمكان مع الأيام الصلة بين جبران ومي تعمقت وهذا ظهر في لهجته في مخاطبتها حيث تطورت من التحفظ إلى التودد ومن الإعجاب إلى صداقة حميمة ثم إلى حب عام 1919م ما إن بلغ ذروته حتى عكرت صفوه سلسلة من الخلافات بينهما التي عبّر عنها جبران مرةً ولكن شدة ولع كل منهما الآخر كانت تدفعهما للتصالح مجدداً.
وتخون الهيئة الاجتماعية التي هي عضو عامل فيها "
برغم كل هذا الحب كان كل منهما يخشى التصريح بعواطفه فيلجأ جبران للتلميح ويرمز إليها ويضع عبارات وصور مبتكرة وجميلة .. لم ينادي مي قط بقوله "حبيبتي" ولم يخاطبها باللغة المألوفة للعشاق غير أنه عبّر عن حبه بما هو أبلغ عندما قال "أنت تحيين فيّ , وأنا أحيا فيكِ" ووصف علاقته بها " بأنها أصلب وأبقى بما لا يقاس من الروابط الدموية والأخلاقية " وبعد أن باح لها رجاها أن تطعم النار رسالته إذا لم تجد لبوحه الصدى المرجو في نفسها
مي أحبت جبران حباً جعل المقارنة بينه وبين الذين طلبوا ودّها أمراً مستحيلاً برغم تردد مي في الإعراب عن مشاعرها وخشيتها في الانطلاق على سجيتها في مراسلته بسبب أن جبران يعيش في عالم متطور تحررت نساؤه من التقاليد و مي كانت مغلولة القلب والقلم بتأثير البيئة التي عاشت فيها برغم أنها جعلت من بيتها صالوناً أدبياً يلتقي فيه كل ثلاثاء رجال الأدب والفكر أمثال أحمد لطفي السيد وخليل مطران وطه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهم من الأدباء والمفكرين تمنى جبران أن تتحرر مي من عقدها النفسية وشكوكها مي عانت صراعاً نفسياً حاداً في حبها لجبران سبّب لها الشقاء ولجبران العذاب والإرهاق
لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب
ان الذين لا يتاجرون بمظهر الحب
ينمّي الحب في أعماقهم قوه ديناميكية رهيبة
قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللاء السطحي
لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر
ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها
والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة
يفضلون أي غربة
وأي شقاء
( وهل من شقاء وغربة في غير وحدة القلب ؟)
على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة
ما معنى هذا الذي أكتبه ؟
إني لا أعرف ماذا أعني به
ولكني أعرف أنك " محبوبي "
وأني أخاف الحب
أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير
الجفاف و القحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير
كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا
وكيف أفرّط فيه ؟
لا أدري
الحمد لله أني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به
لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام
ولاختفيت زمناً طويلاً
فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى
حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحياناً لأني بها حرة كل هذه الحرية
قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى
فإني أثق بك
وأصدق بالبداهة كل ما تقول
وسواء كنت مخطئه فان قلبي يسير إليك
وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك
يحرسك ويحنو عليك
غابت الشمس وراء الأفق
ومن خلال الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة
أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون ؟
ربما وُجد فيها من هي مثلي
لها جبران واحد
تكتب إليه الآن
والشفق يملأ الفضاء
وتعلم أن الظلام يخلف الشفق وان النور يتبع الظلام
وأن الليل سيخلف النهار
والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحبه
فتتسرب إليها كل وحشة الشفق
وكل وحشة الليل
فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد
جبران
ماري زيادة
وكانت هذه الرسالة تصوّر مي العاشقة أبلغ تصوير مما أفرح جبران بتجاوبها معه
رد جبران على رسالة مي الأولى يا ميّ عيدك يوم ** وأنتِ عيد الزمان ما أغرب ما تفعله كلمة واحدة في بعض الأحيان إنها تحوّل الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت تقولين أنك تخافين الحب لماذا تخافينه ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مدّ البحر ؟ أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لماذا يا ترى تخافين الحب ؟ أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيكِ كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل نحن نريد الكمال الكثير كل شيء لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة جبران
"ما ألطف قول من قال :
ارتاحت مي لهذه اللهجة وتشجعت على مداعبته في الحديث والإفضاء إليه بخوالج نفسها وهمومها كان همها أن يبقى جبران حبيبها الأوحد لتدوم تلك الشعلة الزرقاء منهلاً للنعيم والنور في حياتها أضحت مي شديدة القلق على صحة جبران في سنوات عمره الأخيرة كما يبدوا جلياً في رسائله إليها وقد وصف جبران أسلوبها ورسائلها فقال أنها بل كقيثارة التي تقرّب البعيد وتُبعد القريب وتحوّل بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة ) فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى" أصيبت بانهيار عصبي تبعه انهيار في صحتها فاعتزلت الناس أرسلت إلى قريب لها في بيروت دكتور جوزيف زيادة رسالة مؤثرة وصفت آلامها وتردّي صحتها تلك المحنة قادتها إلى لبنان موطنها الأصلي وأدخلتها ظلماً إلى مصحة الأمراض العقلية مما طعنها في كرامتها وقضت ثلاث سنوات متنقلة بين ( العصفورية ) كما يسمونها ومصحة دكتور بيريز وبين بيت متواضع إلى أن هبّ أقربائها لإنقاذها وعادت إلى القاهرة عاشت سنتين ونصف إلى أن ذوت شيئاً فشيئاً فتوفيت عام 1941م ومما هو جدير بالذكر أن مي عندما كانت في لبنان اصطحبت رسائل جبران معها وكانت تلجأ إليها على انفراد حين يشفّها الوجد وصورة لجبران كتبت بخطها إلى جانب الصورة ( وهذه مصيبتي منذ أعوام )
فبعد انقضاء شهر على وفاته اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسلة طويلة بينها وبين جبران وذلك في مقالة (جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله) ضمنتها فقرات قصيرة من رسائله إليها وعبرت عن حزنها العميق عليه مصّورة غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعة قالت فيها "حسناً فعلت بأن رحلت
ـــــــــــــــــــــــــــ
هذا و قد أحببت أن أختم مقالى المجموع هذا بمقالة حلوة للأخت العزيزة ريما الشيخ ، أحييها على أسلوبها الراقى و الرائع ، و أقول لها لا تبتأسى بالأقاويل المتطرفة المنحرفة التى تهاجم جبران
و لنقرأ معا مقالها الجميل :
جبران خليل جبران
هو المجنون والسابق
هو يسوع ابن الإنسان
هو التائه في حديقة النبي
لا بل هو النبي
هو أحد آلهة الأرض
هو زبد الحياة و رملها
هو صاحب البدائع والطرائف
هو موسيقى الأجيال
وعرائس المروج
هو روح الأرواح المتمردة
وأول الأجنحة المتكسرة
هو المواكب والعواصف
هو دمعة الحياة وابتسامة ها
هو مثلي الأعلى وحلمي الخفي
شموخ ارزنا وسحر لبناننا
هو جبران خليل جبران
في السادس من كانون الثاني عام 1883 ولدت الحرية مقنّعة بجسم من العظمة، متسلّحة بملء الأرض من الجرأة، معاهدة على الاستمرار والخلود بكل ما تملكه من قدرة ، لتقول ما في نفسها وتسطر في كتاب الوجود أروع كلمة أوجدتها بشري، من ظلال أرزها ،ومنّت بها علينا ، علنا نرتوي ونتعلّم ولو قليلا من مجد عزّها ...
جاء جبران واختبر العذابات كلها من سجن الأب وموت الإخوة وفقدان الأحبة وهجران الوطن( أعظم وطن) ،
جبران جاء ليقول كلمة ويتركها لنا ،فقال وقال وقال ... حدّثنا في كل شيء ،وبحديثه كان لسان حالنا، وطموح شبابنا وحزن أيامنا...
لن أعلق على كلام مثلي الأعلى لأنني خارج بحور عظمته ولا أسمح لنفسي بهكذا تطاول على رجل عشت كل أحلامي بين سطوره وكتبه ...
تكلم جبران عن الحب ،فمجّده وعبده ،لأنه ابن التفاهم الروحي الذي ان لم يتم بلحظة فلن يتم بعام كامل ولا بجيل كامل،وها هو يقول: كأن الآلهة قد جعلت كلّ واحد منا نصفا للآخر يلتصق به بالطهر فيصير إنسانا كاملا وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه...
وها هو ينطق بمكنونات نفوسنا في كلّ اعترافاته :سوف أجعل روحي غلافا لروحك، وقلبي بيتا لجمالك ، وصدري قبرا لأحزانك ،سوف أحبك محبة الحقول للربيع ،سوف أحيا بك حياة الأزاهر بحرارة الشمس ،سوف أترنم باسمك مثلما يترنم الوادي بصدى رنين الأجراس المتمايلة فوق كنائس القرى ، سوف أصغي لأحاديث نفسك مثلما تصغي الشواطئ لحكاية الأمواج ،سأذكرك يا حبيبتي مثلما يذكر الغريب المستوحش وطنه المحبوب والفقير الجائع مائدة الطعام الشهية ،والملك المخلوع أيام عزّه ومجده والأسير الكئيب ساعات الحرية والطمأنينة ،سوف أفكر بك مثلما يفكر الزارع بأغمار السنابل وغلّة البيادر والراعي الصالح بالمروج الخضراء والمناهل العذبة.
وفي الزواج قال:إن عقد الزواج الذي سنه البشر لا قيمة له بالنسبة لتعاقد قلبين حسب سنة الطبيعة.
وعن ظلم رجل الدين في عصره قال:هو رجل يأتلف في شخصه الخبث بالدهاء والطمع بالرياء هذا الرجل هو كاهن أو إمام أو أسقف تسير قبائحه في ظلّ الأسفار المقدّسة فتظهر للناس كالفضائل ،هو رئيس دين في بلاد الأديان والمذاهب ، تخافه الأرواح والأجساد وتخرّ لديه ساجدة مثلما تنحني رقاب الأنعام أمام الجزار...
وفهم جبران المرأة فكان أعمق أسرار قلبها ، وصدى صوتها ،ووجع روحها : إن قلب المرأة لا يتغيّر مع الزمن ولا يتحوّل مع الفصول ،قلب المرأة ينازع طويلا ولكنه لا يموت ،قلب المرأة يشابه البريّة التي يتخذها الإنسان ساحة لحروبه ومذابحه ،فهو يقتلع أشجارها ويحرق أعشابها ويلطّخ صخورها بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم ولكنها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة ويظلّ فيها الربيع ربيعا والخريف خريفا إلى نهاية الدهور.
تكلّم عن الثورة والتمرّد فسمي المتمرد الروحي:يوم قيّد الإنسان كائنات الطبيعة قيد نفسه ،فإذا هو في ظل تقاليده الموروثة وشرائعه الخانقة يحيا مستعبدا ،فتقاليده هذه دخلت منازل الأغنياء الأقوياء و أكواخ الفقراء الضعفاء فرأيت الأطفال يرضعون العبودية مع اللبن
وحث الأمة على التمرّد محذرا من خضوعها وانكسارها قائلا :
يا أصدقائي ويا رفاق طريقي ،ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين ،ويل لأمة تلبس مما لا تنسج ،وتأكل مما لا تزرع ،وتشرب مما لا تعصر ،ويل لأمة تحسب المستبد بطلا ،... ويل لأمة تكره الشهوة في أحلامها ،و تعنو لها في يقظتها ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة ، ولا تفخر إلا بالخرائب ،ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والقطع ،ويل لأمة سائسها ثعلب ،وفيلسوفها مشعوذ وفنها فن الترقيع والتقليد ،ويل لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعه بالصفير،لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير،ويل لأمة حكماؤها خرس من وقر السنين ورجالها الأشداء لا يزالون في أقمطة السرير،ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة ...
وتحدث عن الله فعبده بروحه وحرية قلبه : إن شئتم أن تعرفوا ربكم فلا تعنوا بحل الأحاجي والألغاز . بل تأملوا ما حولكم تجدوه لاعبا مع أولادكم وارفعوا أنظاركم إلى الفضاء الوسيع تبصروه يمشي في السحاب ويبسط ذراعيه في البرق وينزل إلى الأرض مع الأمطار ،تأملوا جيدا تروا ربكم يبتسم بثغور الأزهار ،ثم ينهض ويحرّك يديه بالأشجار...
ويناجيه قائلا : ربنا وإلهنا ،إننا بإرادتك نريد ،وبرغبتك نرغب ونشتهي ،بقدرتك تحوّل ليالينا وهي لك إلى أيام هي لك أيضا ،إننا لا نستطيع أن نلتمس منك حاجة لأنك تعرف حاجتنا قبل أن تولد في أعماقنا ،أنت حاجتنا وكلما زدتنا من ذاتك زدتنا من كل شيء ...
وتكلم عن الجمال فانبثق من أعماقه إلى جميع الكائنات : هو سيال خاف عن العين يتموّج بين عواطف الناظر وحقيقة المنظور ،الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفس وتنير خارج الجسد مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لونا وعطرا .
تكلّم جبران في كل شيء ،فكان كل كتاب من كتبه صفحة حية من حياته ،تعرّفنا بجبران ، جبران المحبة ، جبران السلام ، جبران الإنسان الذي عبّر بكلامه عن حقيقة جوهره :أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس ،ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي وتصير ضحكا ،أتمنى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة : دمعة تطهّر قلبي وتفهمني أسرار الحياة وغوامضها ،وابتسامة تدنيني من أبناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي الآلهة ،دمعة أشارك بها منسحقي القلب،وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي،أريد أن أموت شوقا ولا أحيا مللا ،أريد أن تكون في أعماق نفسي مجاعة للحب والجمال ، لأني نظرت فرأيت المستكفين أشقى الناس وأقربهم من المادة ،وأصغيت فسمعت تنهدات المشتاق المتمني أعذب من رنات المثاني والمثالث .
فيا أيها السر الخافق في سماء الأبدية تحية مني إليك يا كوكبا مضيئا بنور الظلمة من عتمة الشمس أتوجه إليك
أيا رجلا عاش سرا مليئا بالألغاز ويا لحنا عزف خطأ بين هذه الأنفاس ،
مكانك أيها المتمرد في مدينة الله وقدرك أرفع من أن يجبل على هيئة الناس
أنت إنسانا أرفع من الإنسانية ورجلا أعظم من الرجولة أنت معنى الحياة فبكل تقدير ووفاء نستودعك الحياة .
المصدر : http://rimoula.maktoobblog.com/497015/%D9%85%D8%AB%D9%84%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%89




Wapher
del.icio.us











