حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


جبران بين نزعة التمرد و نزعة التجديد

nermeen 05-07-2008 GTM 2 @ 11:04

جبران خليل جبران بين نزعة التمرد ونزعة التجديد

برماد عبد العزيز
ص ب 12 الشقفة جيجل
الجزائر

يعد جبران خليل جبران من أدباء العصر الحديث الذين ذاع صيتهم في الشرق و الغرب ، و أحد الأقطاب الثلاثة لمدرسة المهجر ذات ، النزعة التجديدية و يعتبره العديد من الدارسين ذا شخصية مثيرة كانت و لازالت محل جدال بين مختلف النقاد، فهو مثال الثورة و التمرد ، و مثال العبقرية التي لا تعرف الحدود ، إنه يمثل شخصية فريدة من نوعها تحجبها غيوم رقيقة من الغموض و أعتى عاصفة عرفها العصر الحديث هبت على الواقع العام و الأديب حاملة بدور التجديد والثورة على القديم فإن كانت نزعة الإبداع و التمرد ميل طبيعي مترسخ في نفسية جبران و طبعه فإلى أي مدى انعكست هده النزعة في فكره و أدبه و كيف كانت رؤيته للحياة بمختلف جوانبها و للأدب بمستوياته من خلال هده النزعة؟هذا ما ستحاول هده المذكرة أن تجيب عنه من خلال مجموعة جبران القصصية"دمعة و ابتسامة"هدا الكتاب الذي يطوي بين دفتيه خلاصة فكر جبران و أحلامه و آماله ممزوجة برغبة ملحة في التغيير و الهدم و البناء من جديد مدفوعة بثورة جامحة على التقاليد و الشرائع و الأعراف البالية و المتعسفة التي تسجن فكر و قلب الإنسان ، و تقتل فيه الطموح و التطلع للأفضل و قد اخترنا هدا الموضوع لكون جبران شخصية أدبية فذة ، مثيرة و جديرة باهتمام الدارسين أولا ، و لكون جانب التمرد عنده موضوع غير مطروق كثيرا في مثل هده البحوث و الدراسات .و قد جاءت هده الدراسة مشتملة على تمهيد و فصلين و خاتمة.ففي التمهيد حاولنا الاهتمام بحياة جبران الخاصة مولدا و نشأة و تعليما ، كما حاولنا إزاحة الستار عن مختلف جوانب حياته و شخصيته ، لنتطرق بعدها إلى ظروف وفاته و الأعمال الأدبية التي تركها فكانت شاهد عيان على عبقريته و تفرده و تميزه .و الفصل الأول تحدثنا فيه عن نزعة التمرد عند جبران على صعيدها الاجتماعي و الأدبي، و ذكرنا نماذج قصصية برزت فيها هده النزعة و سيطرت عليها، ثم انتقلنا إلى موضوع دراستنا كتاب"دمعة و ابتسامة"فألقينا عليه إطلالة وصفية ثم بينا المواضيع التي تجلت فيها نزعة التمرد في هدا الكتاب .لنستخلص في الأخير عناصر التجديد من حيث المضامين و المعاني في هدا الكتاب ،أما الفصل الثاني فقد تطرقنا فيه إلى تجليات نزعة التمرد على المستوى الفني في دمعة و ابتسامة ،مبرزين عناصر التجديد التي اتسم بها أدب جبران عموما و دمعة و ابتسامة على الخصوص،من خلال دراسة اللغة ثم دراسة الأسلوب.و في الأخير أوردنا نماذج قصصية من كتاب"دمعة و ابتسامة"و قد انتهجنا في دراستنا هده كلا من المنهج التاريخي،الوصفي و التحليلي و كان كتاب"دمعة و ابتسامة"أهم مصدر اعتمدنا عليه بالإضافة إلى مؤلفات جبران الأخرى، من بينها:العواصف،و الدراسات التي تناولت أدبه بصفة عامة ككتاب:جميل جبر،جبران في عصره و آثاره الأدبية و الفنية.



و كتب و دراسات فنية من هنا و هناك ككتاب:"الثابت و المتحول"لأدونيس، و كتاب"الشابي و جبران لمحمد خليفة التليسي".و كحال أي بحث علمي واجهنا صعوبات أهمها: قلة المراجع و الدراسات التي تناولت نزعة التمرد عموما و تجلياتها عند جبران،ولا سيما في كتاب"دمعة و ابتسامة"خصوصا.


كذلك عدم توفر الحيز المكاني الملائم للبحث،و الاكتظاظ على مستوى مكتبة الجامعة.


وفي الختام نتقدم بغزير الشكر و العرفان إلى كل من ساعدنا في إنجاز هدا البحث و على وجه الخصوص الأستاذة المشرفة:نصيرة شينة، و نسأل الله تبارك و تعالى أن يوفقنا في عملنا هدا التقدم للعلم و لو الشيء البسيط، و ما أوتينا من العلم إلا قليلا، فإن أصبنا فلنا أجران و إن أخفقنا فلنا أجر الاجتهاد ،و على الله توكلنا و هو المستعان.

الفصل التمهيدي

1- السيرة
2- المصطلح

الفصل التمهيدي

1 - السيرة
1- مولده :



اسم تردد صداه في لبنان و غيرها، وروح حساسة سبرت أغوار الإنسانية بآمالها وآلامها وأحزانها و أحلامها. إنه الشاعر الأديب جبران بن خليل بن ميخائيل بن سعد، من أحفاد يوسف جبران الماروني البشعلاني اللبناني، أصله من دمشق، نزح احد أجداده إلى بعلبك، ثم إلى قرية بشعلا في لبنان، وانتقل جده يوسف جبران إلى قرية بشري حيث ولد جبران في السادس من يناير سنة 1883


نشا في أحضان الفقر، كان أبوه خليل شان الكثيرين من سكان لبنان، يصرف همه إلى تربية المواشي، وأمه كاملة فقدت زوجها الأول، وكان لها منه صبي اسمه بطرس، ثم اقترنت بخليل فكان لها منه جبران وابنتين اسم الكبرى ماريا والصغرى سلطانة


وفيما سيأتي سنحاول تتبع مسيرته في الحياة طيلة الثمانية وأربعين عاما

3-نشأتـه:



تردد جيرانه الصبي كبقية أقرانه على مدارس بلدته ففي الخامسة من عمره دخل جيرانه مدرسة'' اليشاع'' وهي مدرسة تحت السندبادية حيث تعلم مبادئ العربية و السريانية و الفرنسية، وقد أظهر منذ الطفولة ميلا إلى الرسم وميلا إلى التحرر الشخصي، وتميز بالذكاء الحاد والطموح والتمرد على كل ما يقيد أحلامه وتطلعاته، ولكنه سرعان ما أصيب بصدمة عنيفة من جراء اتهام والده الذي كان جابيا لضريبة الماعز في الجرود بالاختلاس، الأمر الذي دفع بوالدته كاملة رحمة إلى السفر إلى بسطا في الولايات المتحدة الأمريكية رفقة أبنائها الأربع، وهناك انتسب جيران إلى مدرسة تعلم فيها مبادئ اللغة الإنجليزية، والرسم، وبعد ثلاث سنوات عاد إلى لبنان حيث انتسب إلى مدرسة ''الحكمة'' في بيروت و أمضى هناك ثلاث سنوات أخرى أتقن فيها اللغة العربية واستطاع حينها أن يتمعن في معاني الجمال اللبناني "وأن يحتك احتكاكا بما هناك ظلم اجتماعي و استبداد إقطاعي''


وفي عام 1902 سافر إلى باريس وهو في طريقه ثانية إلى بوسطن التي حل بها في يناير 1903، ودخل مدرسة تعليم الرسم، وبعدها توفيت أخته، سلطانة بمرض السل قبل عودته إلى بوسطن ثم توفي أخوه في12مارس 1903 وفي يونيو من السنة ذاتها توفيت أمه "
ورغم هذه المحن التي عرضت في طريقه إلا انه" انشأ يقيم المعارض لرسومه في باريس كما بدا ينشر مقالاته في جريدة المهاجر لامين الغريب عام 1904 وقد اخذ صيته يمتد هنا وهناك فتتناقل الصحافة العربية مقالاته وقصصه، ويتقرب إليه أرباب الفن في البلاد الأمريكية، وكان من جملة المعجبين به "ماري هاسكل" التي دعته إلى عرض رسومه في مدرستها، كما دفعت تكاليف دراسته في باريس لمدة ثلاث سنوات حتى تتلمذ هناك عام 1908على يد الرسام الفرنسي والنحات الشهير "رو دان" ومن خلالها تأثر بالشاعر والفنان الإنجليزي "وليم بليك"


وهكذا دفعته نفسه التواقة للمعرفة إلى المزيد حيث "تابع دروس الرسم في أكاديمية جوليان وانشغل بالحركة الفنية، سمع بتوليستوي ونيتشه، من صديقته الطالبة الروسية أولغا، كما عرفت له بيتهوفن وتشايكوفسكي... وبعد ندوة المستقلين الأحرار والسوريين، اشتعل شعوره بمسؤولية المساهمة في تحرير وطنه، ومن ثم اندمج في تيار الأفكار الثورية التي كانت رائجة في مصر وسوريا ولبنان....وفي 22 أكتوبر...... غادر باريس في اتجاه نيويورك ومنها إلى بوسطن"


و"في خريف 1912 انتقل إلى نيويورك واتخذ له هناك مقرا في حي قديم آهل بأرباب الفن وأطلق أصحابه على مسكنه هناك اسم "الصومعة" التي افتتح فيها جبران مرحلة جديدة من مراحل حياته كانت كلها انصراف إلى التأمل والتفكير والفلسفة، قرأ للفيلسوف نيتشه وفي عام 1918 تطورت اتصالات جبران بالمجتمع الأدبي والفني في "نيويورك" تعرف على مجموعة من الأدباء اللبنانيين والسوريين، وعزموا إلى إنشاء جمعية أدبية تنهض بالأدب العربي المهجري، تنشره في مختلف أصقاع العالم فأسسوا الرابطة القلمية

في ابريل من عام 1902 التي عين جبران عميدا لها ،وضمنها أكمل مشواره الأدبي والفني"


هذه وقفات حاولنا من خلالها تسليط الضوء على حياة هذا الأديب الفذ ،والظروف التي صنعت أدبه وفنه ،وفيما يلي سنحاول تسليط بعض الضوء على شخصيته

3- شخصيته



جبران الأديب هو ذلك الذي صنعته المأساة رجلا فريدا من نوعه أحس بالحياة وبالأحزان ،وعاش يخدم ذلك الإحساس في كتاباته وفنه التراثي"فهو رجل الطبيعة الغنية التي توترت أعصابها ،ورقت ملامسها ونقت مناطق حساسيتها ،فكانت عالما مزيجا من فكر عميق ،والتماع إيحائي وإشراق نوراني ، و عاطفة متحمسة لأخفى المعاني و أخفى المحسوسات ، فهو رجل الانفرادية الاجتماعية التي تريد أن تنمي الفرد بغذاء المجتمع الإنساني وتريد أن تنمي المجتمع بغذاء الانفرادية" وصفت "بربارة بونغ" جبران في كتابها " جبران خليل جبران رجل من لبنان" قائلة إن جبران هو إحدى التفاتات القدرة الكلية التي لا يحصى لها عديد وكانت تتجلى في صوته وشخصه سلطة يجب أن يميز بينها وبين المفهوم البسيط للتفوق البشري .... انه يحقق جميع رغباتها السامية ، عقل غني وكبير وعظيم ،وخلق جبار ورجل ساحر جدير بكل حب، يتقد حمية من اجل كل حكمة ،.. ما من شخص يستطيع الحكم عليه ، لان كل هذا العالم مبني على أسس غير أسسه ،ويضيع في جوه تستولي عليه مثالية مطلقة إلى درجة كبيرة وإنسانية شديدة الحركة حتى لأشعر في حضوره كأني في اتصال مع الألوهية "


وقالت واصفة مقدرته العقلية: " بعضهم يعرف جبران الذي يملك تألق عقل لا حدود لامتداده وعمقه ، ويعرفون المفكر الذي قطع الستين حتى وصل إلى أعماق علم منظم ، والرجل الذي كان يستطيع أن يملي على ثلاثة أمناء سر في نفس الوقت ،وفي لغات ثلاث ، العربية والإنكليزية والفرنسية ، وفي مواضيع ثلاثة مختلفة والشخصية التي كانت ينابيع الكائن عندها تتغذى دائما بأرض وطنه الأصلي لبنان ،الذي حلم من اجله دون انقطاع بمستقبل ما جد وبنى في صمت جميع قواعد تجديد بنيانه ، وبحث عن حل جميع مشكلاته


كانت هذه لمحة عن شخصية جبران أما اجتماعياته فنجذ " جبران قد ظهر في عهد كان الشرق فيه ينتقل من طور الرجعية والعبودية والتقيد بكل قيد إلى طور الانفلات والتحرر والاستقلال ،ثم انه اتصل بمدينة الغرب وانطلاقية الشعوب الأوروبية والأمريكية ، ورأى أن في هذه الانطلاقية نفسها استعبادا للإنسان في قواه الجسدية والروحية نظر جبران إلى الشرق فوجده يتململ ،ونظر إلى لبنان فوجده يتحرك ،في قيوده السياسية والاجتماعية والخرافات الدينية والتقاليد البالية ونظر إلى العالم فوجده غير العالم الذي يتخيله ووجده راسخا في قيود الشرائع والأحكام المادية ،فاضطربت نفسه،واختلجت وثارت في عنف على أوضاع الناس أجمعين وعلى أوضاع الشرق خاصة، ولم تكن تلك الثورة لمجرد الثورة ،ولكنها كانت صادرة عن محبة عميقة للناس عامة والشرقيين خاصة ،ولا سيما اللبنانيين منهم ، لقد أراد وضعا أفضل ،وعالما أسمى ، وقد بلغت به المثالية هذه إلى حد بعيد ،حتى وصلت الواقع باللا واقع


كما " ثار جبران على الإقطاعية في بلاده التي ظهرت في السياسة والاجتماع والدين ، فتناول التقاليد والسلطة وكلما رآه شاذا أو توهم انه كذلك ثم انتقل إلى الناس أجمعين ورأى الفساد في طرائق حياتهم ،وأسس تصرفهم ومقاييس آرائهم ،ورأى أن كل شيء فيهم عامل من عوامل عبوديتهم ،وأنهم بعيدون عن الأجواء الحرة التي تسبح فيها النفوس والأجساد ،وتلقى فيها القلوب بالقلوب ،حيث لا حاجة إلى شرائع وطقوس وعادات ، وحيث لا ظلم ولا بغض ولا انتقام ،عن الأجواء التي تسيطر فيها المحبة الشاملة بقانونها ونظامها وطقوسها أي بحريتها المطلقة التي وحدها القانون والنظام والطقوس"


ومهما قيل فانه لا يمكن الإلمام بكل جوانب شخصية جبران والغوص في نفسيته وكشف كل خباياها
 


وفاته:


رحلة مليئة بالإحساس المرهف وبالمأساة واليأس ولأمل والتطلع إلى عالم امثل وواقع أفضل ،وإنتاج أدبي وفني رفيع تردد صداه في نفوس وأعمال من عاصروه ومن جاؤوا بعده ،هي حياة جبران خليل جبران طيلة الثمانية وأربعين عاما التي عاشها


في سنة 1926 أصدر جبران باللغة الإنجليزية كتاب"رمل وزبد" ثم في سنة 1928 أصدر كتاب "يسوع بن الإنسان" ،قال جبران" يسوع يساوي أفكار زمان...وهو اكبر حقيقة في حياة البشرية " وكان يخشى أن يصرعه الداء قبل أن يتم الكتاب ،إلا انه أتمه وحقق الحلم الذي كان يراوده منذ عدة سنوات ثم بعد ذلك استسلم للداء ،فقد كان مصابا بداء السل ،وكان هذا الداء ينخر جسمه شيئا فشيئا ،وفي العاشر من شهر نيسان(ابريل) من سنة 1931 شهد مستشفى "القديس فنسنت " بنيويورك نهاية حياة الجبار اللبناني الذي انتصب أمام تيار الوجود انتصاب العنفوان ،والذي كان تمثالا حيا من تماثيل الفن الذي قلما تجود بها عبقرية الخلود"


"وبناء على وصيته الأخيرة نقل جثمانه إلى مسقط رأسه بشري" بلبنان حيث دفن هناك في " دير مارسريكس " المطل على الوادي المقدس "


وهكذا رحل عن عالم الأحياء ذلك القلب الذي أراد أن يرى الحياة وهي في أبهى حلة ، متزينة بالحق والعدل والخير والسلام والصدق والجمال ...لكنه لم يكتب له ذلك.

مؤلفاته :



لقد مر أدب جبران بمرحلتين: الأولى ألف فيها باللغة العربية فكان له :


1- الموسيقى:من بواكير قلم جبران مقال في الموسيقى أصدره عام 1905 م في نيويورك في شكل كتيب ، فكان الحلقة الأولى في سلسلة مؤلفاته


2- عرائس المروج:بمضي العام وبعض العام طلع جبران على العالم العربي بكتيب اكبر حجما وابعد مدى من الموسيقى وقد اسماه عرائس المروج وضمنه قصصا ثلاثا :رماد الأجيال والنار الخالدة ،مرتا البانية ، يوحنا المجنون .


3- الأرواح المتمردة: كتاب ظهر سنة 1908 ،صدر في نيويورك ،وقد نشرته كما نشرت سالفه جريدة المهاجر لصاحبها أمين الغريب وفي صدره المقدمة التالية :إلى الروح التي عانقت روحي إلى القلب الذي سكب أسراره في قلبي ،إلى اليد التي أوقدت شعلة عواطفي أرفع هذا الكتاب "


4- الأجنحة المتكسرة: كتاب ظهر سنة 1912 وانطوى على قصة جبران في حبه الأول وكيف حالت التقاليد وسلطة رجال الدين دون اقتران الحبيبين ،فاقترنت الفتاة بابن أخ "المطران " عن غير حب وكان في ذلك شقاؤها


5- دمعة وابتسامة:كتاب ظهر سنة 1914 وفيه مقالات انطوت على مواعظ في المحبة التي تشد الإخوان بعضهما إلى بعض وفي ألوهية الإنسان وغير ذلك من الموضوعات "


6- المواكب:أصدرها جبران عام 1919 على نفقته الخاصة في حلة أنيقة وزينها بطائفة من الرسوم البديعة ....وهي المرة الأولى والأخيرة التي اختار فيها جبران أن يتقيد بالوزن والقافية لخلق عمل فني لشانه ....وفي هذه القصيدة يسوق إلينا خواطر فلسفية في أهم شؤون الحياة ،كالخير ،والشر،والدين


7- العواصف:ظهر عام 1920 وهي مقالات كتبها جبران قبل المواكب ثم جمعها وغيرها من المقالات ،وأصدرها في كتاب اسماه "العواصف" نشرته إدارة الهلال في مصر وابرز تلك المقالات "حفار القبور،العبودية،يا بني أمتي،نحن وانتم،أبناء الآلهة،أحفاد القرود،الأضراس المسوسة،والعاصفة"


8- البدائع والطرائف:نشرتها"مكتبة العرب" في مصر سنة 1923 ولم تكن غير مجموعة اختارها صاحب المطبعة من كتابات جبران ولم يكن له رأي في اختيارها او تسميتها وجلها مأخوذ من دمعة وابتسامة" ومن "العواصف" وغيرهما من مؤلفات جبران العربية والإنجليزية مع القليل من المقالات التي لم يسبق نشرها في كتاب "


أما المرحلة الثانية في أدب جبران فقد ألف فيها باللغة الإنجليزية فكان له ثمانية كتب ،نشر ستة منها في حياته (المجنون،السابق،النبي،رمل وزبد،يسوع ابن الإنسان،آلهة الأرض،(أما كتاب (التائه وحديقة النبي" فقد نشر بعد وفاته

1- المجنون: صدر عام 1918 وانطوى على أمثال وتأملات في موضوعات شتى



2- السابق:ظهر عام 1920 جعله جبران تمهيدا لكتاب النبي


3- النبي:كتاب ظهر عام 1923 وهو كتاب جبران وهدف حياته بل هو القمة التي اتجهت إليها جميع قواه ،وهو يقع في ثمانية وعشرين فصلا في المحبة والزواج والأبناء والعطاء والغذاء والعمل والفرح والترح والمساكن والثياب .....


4- رمل وزبد:كتاب ظهر سنة 1926 وفيه مجموعة من الآراء والحكم منشورة في غير نظام


5- يسوع ابن الإنسان:كتاب ظهر سنة 1928 ويسوع جبران يختلف عن يسوع الإنسان  وفي"يسوع الإنسان يعبر جبران عن عقيدته المغايرة للعقيدة المسيحية في النظرة إلى المسيح ،فالمسيح ليس إلها تجسد إنسانا بل إنسان بكل معنى الكلمة لكنه بلغ أعلى المراتب الإنسانية سموا روحيا"


6- آلهة الأرض:هو كما وصف جبران كتابته بأنها "صادرة من جحيم الشاعر" وفيه تظهر العبثية واللعب بمصائر البشر ونقطة منيرة في اللوحة السوداء هي الحب الخالد وهو كتاب ظهر سنة 1931 وهو آخر كتاب ظهر له في حياته


7- التائه:ظهر سنة 1932 بعد وفاة جبران ،وفيه نحو خمسين قصة من قصص التائه  في كتابه هذا تبرز شدة الظلام والسخرية المرة عندما يمتلئ القلب البشري باليأس والتشاؤم


8- حديقة النبي:صدر عام 1933 كان جبران قد وضع منه بعض صفحات فتولت "بربارة بونغ" جمعه من أوراق جبران وأضافت إليه الكثير من أقوالها وبعض ما ورد لجبران في كتبه العربية


وهكذا انطوت هذه المؤلفات المكتبة العربية و الغربية وكانت لسان حال قلب جبران ونفسه المجددة الحالمة الثائرة دون أن نغفل رسوماته ومعارضه التي ذاع صيتها في البلاد العربية والغربية

2- المصطلح



1- تعريف نزعة التمرد


أ- نزعة لغة:


"نزع:نزعت الشيء : قلعته،أنزعه نزعا و انتزعه أسرع و أخف....و نزعت في القوس نزعا و السياق النزع هو في النزع .ينزع نزعا أي يسوف سوفا و النفس إدا هويت شيئا و نازعنك إليه فإنها تنزع إليه نزاعا.ونزعت عن كدا نزوعا أي كففت...و فلانة تنزع إلى ولدها إي تحن ،و النزوع .الذي يحن إلى الشيء....و التنازع:المنازعة في الخصومات و نحوها....)


ب-التمرد لغة:


( مرد المرد حمل الأراك ،المرد: دفعك السفينة بالمردئ أي خشبة يدفع بها الملاح السفينة و الفعل مرد ، يفرد ، مرد ومراد : حي في اليقين ......... و المرادة مصدر المارد . و المريد من شياطين الإنس والجن ، وقد تمرد عليه أي عصى واستعصى و مرد على الشيء أي عتى وطفى و كذلك قوله تعالى ((مردوا على النفاق))


2- نزعة التمرد اصطلاحا:


من خلال الشرح اللغوي للمصطلحين نلاحظ أن النزعة تخرج قي بعض معانيها إلى الاتجاه والتوجه نحو شيء ما ، و التمرد من معانيه العصيان و الخروج من أمر أو حال ما


(( إن التمرد هو ظاهرة من ظواهر الوعي البشري ،وعملية رفض للواقع المنحرف المعاش سياسيا واقتصاديا أو اجتماعيا أو فكريا أو دينيا،وقد تجلت هذه الظاهرة في الأدب منذ، الجاهلية ،خاصة عند جماعة " الصعاليك " الذين رفضوا أعمالهم ))


واستقرت على مدى العصور التي تلت إلى يومنا هذا ذلك أن ((بروز فكرة التمرد على سطح التفكير الفلسفي في العصر الحديث نتيجة للتوارث والتطورات المتتابعة والتمرد بمعناه الميتافيزيقي الذي يقوم به الإنسان على وضعه وموقفه ومركزه في الكون ،أسبابه ودواعيه مازالت قائمة منذ أقدم العصور وباستمرارية لا تنقطع وفكرة التمرد لو تكن بعيدة عن فكر الإنسان ومشاعره على مر العصور


وعليه فنزعة التمرد هي ظاهرة اتسم بها الأدب ومجالات الحياة الأخرى السياسية والاقتصادية ....الخ منذ القديم وحتى يومنا هذا وهي اتجاه الإنسان نحو رفض واقعه والثورة على الأوضاع السائدة وفي الأدب هي اتجاه نحو التجديد والتحرر من أحقاد الواقع الاجتماعي والسياسي وينعكس هذا الاتجاه على الإنتاج الأدبي لغة وأسلوبا بصفة عامة وقد كان جبران من رواد هذا الاتجاه في الأدب العربي .

الفصل الأول

التمرد عند جبران وتجلياته في دمعة وابتسامة
1- نظرة عامة على نزعة التمرد عند جبران
2- نزعة التمرد في نماذج من قصصه
3- وصف كتاب دمعة وابتسامة
4- مواضيع التمرد في الكتاب
5- العناصر التجديدية في دمعة وابتسامة من حيث المضمون

1- نظرة عامة على نزعة التمرد عند جبران



أ- على الصعيد الاجتماعي


لقد سمحت الظروف التي عاشها جبران له أن يكون صاحب فكر مجدد ، ونفس متمردة،تهفو إلى التغيير والثورة ،على واقع كثر فيه الشر والألم ونذر فيه الخير والحق والقيم


فلقد" ثار جبران على حد قول صلاح لبكي –على الرجال الذين يبيعون نفوسهم ليشتروا بأثمانها ما كان دون نفوسهم قدرا وشرفا وعلى النساء اللواتي يسرن ممدودات الأعناق غامزات العيون على ثغورهن ألف ابتسامة وفي أعماق قلوبهن غرض واحد ،وعلى ذوي نصف المعرفة الذين يبصرون في المنام خيال العلم فيتخيلون أنهم أصبحوا من المدارك بمقام النقطة من الدائرة ،ويرون في اليقظة احد أشباح الحقيقة ،فيتوهمون أنهم قد امتلكوا جوهرها الكامل المطلق ،وعلى الخشن الذي يظن اللطف ضربا من الضعف ،والتساهل نوعا من الجبانة والترفع شكلا من الكبرياء ، وعلى المتمولين الذين يظنون أن الشموس والأقمار والكواكب لا تطلع إلا من خزائنهم ولا تغيب في جيوبهم،وعلى الساسة الذين يتلاعبون بأماني الأمم.......،وعلى ذلك البناء العظيم الهائل ،المدعو حضارة ،ذلك البناء الدقيق الصنع والهندسة ،القائم فوق رابية من الجماجم البشرية....."


كما " كان جبران شديد الاهتمام بالوضعية الإنسانية ،يطمح في عمله نحو المثل الأعلى في عالم أفضل وقد كان هجوم جبران في كتاباته المبكرة على الشرور المتحجرة في الحياة العربية في لبنان وغيره وعلى رجال الدين الفاسدين ،أمرا وثيق الصلة بالنقد الاجتماعي "
وهكذا ثار جبران على الحياة التي كانت سائدة في مجتمعه،فتمرد على منطقها غير العادل وعلى شريعة الإنسان التي كان قانونها البقاء للأقوى ،فتجده في العديد من قصصه يهاجم الإقطاع السياسي والتقاليد الاجتماعية ،والأحكام الدينية التي تجعل من ذلك الإنسان آلة مسخرة في يد الحكام ورجال الدين ،ومن يدعون العلم.


ولقد استاءت نفس جبران واشمأزت روحه الحساسة الراغبة في الأفضل من هذه الظروف والصور السلبية التي سادت بلاده،وطبعت واقعه فكان أدبه وفنه ذلك السلاح الذي اشهره في وجه الحياة التي لم يرض عنها ضميره فهو القائل " إني أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد العظمة "


كما تحدث عنه ميخائيل نعيمة في قوله " لقد ثار جبران لان الحياة ،وضعت في صدره قلبا هو كتلة من الشعور الرقيق والحس المتناهي فكلما التفت يمنة ويسرة لم يرجوا له إلا قلوبا ختمت عليها التقاليد ،فقتلت فيها الحق والإخلاص والحنين إلى ما هو خلف نقاب اليوم فلم يعد من صلة بينها وبين ألسنة أصحابها وأدمغتهم ورأى الشعراء ينطقون بما لا يشعرون ،والخطباء يتكلمون لا حبا بإبراز فكرة وبث دعوة بل حبا بالكلام،فوجد نفسه دولابا يدور يمنة بين دواليب تدور يسارا "

وقال جبران في خطاب له من بوسطن(1920)لصديقه أمين نخلة " إن القوم في سوريا يدعونني كافر ،والأدباء في مصر ينتقدونني قائلين: هذا عدو السرائر القديمة ،والروابط القديمة والتقاليد القديمة ،وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون للحقيقة لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع "



ولقد صور جبران مفاهيمه وتمرده في مقال مطول استهله على هذا النحو:


" – هو متطرف بمبادئه حتى الجنون
- هو خيالي يكتب ليفسد أخلاق الناشئة
- لو اتبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوجين آراء جبران في الزواج لتقوضت أركان العائلة وانهدمت مباني الجامعة البشرية وأصبح هذا العالم جحيما وسكانه شياطين
- قهرا عما في أسلوبه الكتابي من الجمال فهو من أعداء الإنسانية
- هو فوضوي كافر ملحد ونحن ننصح سكان هذا الجيل المبارك أن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا مؤلفاته لئلا يعلق منها شيء في نفوسهم "
- قد قرانا له (الأجنة المتكسرة ) فوجدناها سما في الدسم هذا ما يقوله الناس عني ،وهم مصيبون فانا متطرف حتى الجنون ،أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ،وفي قلبي كره لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة ،أما قول بعضهم "إن كتاباتي دسم في سم فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف فالحقيقة العارية هي أني لا امزج السم بالدسم بل اسكبه صرفا غير أني اسكبه في كؤوس نظيفة شفافة "


يتبين لنا من خلال ما سبق وما ورد على لسان جبران ان نزعة التمرد قد سيطرت على نفسيته وفكره،واتخذها عنوانا لمذهبه في الحياة ثم انعكست هذه النزعة في أعماله وإنتاجاته الأدبية والفنية.


ب – على الصعيد الأدبي والفني


إن ظاهرة التجديد في الأدب الجبراني محصلة طبيعية لفكر جبران التحرري أولا ،ولانتمائه إلى التيار العربي التجديدي وعلى وجه الخصوص الرابطة القلمية والأدب المهجري ثانيا، فلقد " ثار المجددون على القيم المعنوية فنبذوا الموضوعات التقليدية المتواترة من مدح وهجاء وغزل وآزرهم جبران في هذا النبذ فيقول: لكم لغتكم ولي لغتي ، لكم منها الرثاء والمدح والتهنئة ولي منها ما يتكبر عن رثاء من مات وهو في الرحم ،ويأبى مديح من يستوجب الاستهزاء ويأنف عن تهنئة من يستدعي الشفقة ،ويترفع عن هجو من يستطيع الأعراض عنه ويستكنف من الفخر إذ ليس في الإنسان ما يفخر به سوى إقراره بضعفه أو جهله "

فجبران يدعو إلى تبسيط اللغة والابتعاد عما هو غريب مستوحش أو قديم أعيد عبر الزمن ،تكلفه الكتاب واستهلكه القراء ،حبا بريقه ولم يعد يستهوي النفوس من كثرة تكراره كما " اتسم الأدب المهجري بطابع القلق والتمرد والتحرر من قواعد اللغة ومن قيم المجتمع ،والتقليد المغرق للآداب الأجنبية والتأثر بالحملة الأجنبية القائمة على الكناية والاستعارة،والموسيقى والخيال والرمزية "



وهكذا شكل جبران مع ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني ،اتجاها جديدا في الكتابة الأدبية ،تأثر بانفتاحهم على الآداب الأجنبية ،ورغبتهم في التحرر والانعتاق وتخليص اللغة من براثن تقوقعها


" ومما لا شك فيه أن تمرد جبران وخصاله العديدة قد أسهمت جميعها في تكوين أسلوبه الخاص ،وعلينا أن نضيف إلى ذلك حقيقة مهمة جدا هي موهبته الفريدة الخاصة ،واعتناقه مثلا محددة بعينها ،وعقيدة معينة يدافع عنها ،كانت هذه المثل العليا جديدة في سياق الإطار الفكري العربي الحديث،ولكي يعبر عنها كان عليه أن يبدع لغته الخاصة وأساليبه "


ص ويبرز التجديد عند المهجريين عموما وجبران خصوصا في تحطيمهم لقيود القوالب والقواعد اللغوية ومزجهم بين الذات والطبيعة ،فقد عالجوا القضايا الإنسانية بشكل جديد وأسلوب جميل ،فكان بذلك الأدب قريبا من الإفهام محبب إلى النفوس ،لان الغربة فجرت قرائح المهجريين ففاضت بالشعر والنثر الذين اكتسبا حلة جديدة مختلفة عما سبق "


وعليه فقد سار تمرد جبران على الصعيد الاجتماعي جنبا إلى جنب مع تمرده على الصعيد الفني والأدبي،إذ عبرت لغته الأدبية المتحررة والمستحدثة عن أفكاره ونظرته إلى المجتمع والقيم (الدينية والأخلاقية ) أطل منها فكره التحرري ولغته الجديدة على العالم.
 


2- نزعة التمرد في نماذج من قصصه:


مما سبق يتبين لنا أن نزعة التمرد كانت ملازمة لنفسية جبران مترسخة في طبعه فوسمت بذلك أدبه على العموم ، لكنها كانت جلية وواضحة تماما في بعض مؤلفاته" قفي عرائس المروج( رماد الأجيال و النار الخالدة مرتا البانية) يوحنا المجنون ، و في الأرواح المتمردة (وردة الهاني – صراخ القبور-مضجع العروس-خليل الكافر)،و في الأجنحة المتكسرة و غيرها نجد فيها ثورة على إقطاعية السياسة ،و إقطاعية التقاليد الاجتماعية ،وإقطاعية الدين،إنها انتفاضات طبيعية غنية بالعاطفة و الإخلاص ،طبيعة منفعلة بما شاهده جبران في بلاده الراسخة في القيود ،انتفاضات نفس اصطرع فيها طموح النفس و خمول البلاد ،إنها وثبة في الهواء من حقائق مرة إلى نتائج أشد مرارة ) .


فنجد جبران في (( قصة وردة الهاني)) يثور على تزويج الفتيات ممن لا يعرفنهم و زواجهن في شقاء لا مفر منه ،و يتنكر للزواج الذي لا يقوم على محبة حقيقية ، و التقاليد العمياء التي تجعل من المرأة ألعوبة في يد القضاء . و في قصة " صراخ القبور" يثور على ما يسميه الناس عدالة. أما في قصة " مرتا البانية "فيثور على وحشية الرجل الذي يفتك بالسذاجة و يرميها في أحضان الدعارة ، وفي "خليل الكافر"يثور على الإقطاعية القائمة على جهل الناس و ضعفهم وفقرهم و في "مضجع العروس"يثور على الشرائع والتقاليد كما يثور على النفاق الاجتماعي "


كما ثار أيضا على قصة " يوحنا المعمدان" على رجال الدين و اتهامهم بأنهم يستبيحون أموال الناس و أملاكهم.وفي الأجنحة المتكسرة راوية حب جبران الأول وثورة عارمة على رجال الدين الذين يستعملون سلطتهم أحيانا لفصل القلبين المتحدين بزواج المحبة كما جرى له وصديقته سلمى كرامة" ونجد هذه الثورة في أوج صخبها و عنفها في كتابه العواصف و أشد مقالاته عنفا "حفار القبور"التي ثار فيها على تلك التقاليد التي يتم بها الزواج و يرى بأنه عبودية و أن جل الناس كاذبون لا يعبدون غير أنفسهم،ويقول فيها على لسان المجنون"إن بلية الأبناء في هبات الآباء ومن لم يرم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظل عبد الأموات حتى يصير من الأموات
والميت عند جبران هو الذي " يرتعش أمام العاصفة أما الحي فيسير معها راكضا ولا يقف إلا بوقوفها "  " والعاصفة هنا لا ترمز إلى التغيير الدائم من اجل التحرر الكامل ،وفي مقالة العبودية يسمي التمسك بالماضي عبودية عمياء وهي التي توثق حاضرا لنا بماضي آبائهم وتجعلهم يخضعون لتقاليد جديدة لأرواح عتيقة "


وفي كتاب المجنون نجد جبران " يسخر من القيم الاجتماعية ،الدينية،والفلسفية،لكنه لا يسخر لأنه يكفر بالقيم بل لأنه على العكس يؤمن بالقيم فهو يبقي قيما معينة من اجل أن يثبت قيما أخرى فهو يهدم الأفكار والمعتقدات الراسخة ويضع المدافعين عنها في دوار من الحيرة والعجز "

بالإضافة إلى ذلك نجد جبران في كتابه " السابق " يثور على ما يسميه بالشريعة العظيمة ومقطوعة البهلول من المقطوعات المهمة التي تعبر عن هذه الثورة ففيها يتمرد الإنسان على الشريعة بخضوعه الكامل لها ، فالإنسان يرفض الشريعة إما بشكل مباشر ،حيث يعلن انفصاله عنها ،وإما بشكل غير مباشر أو بشكل ساخر حيث ينفذها تنفيذا حرفيا كما يفعل البهلول "


هذه بعض ملامح تمرد جبران في بعض مؤلفاته الأكثر بروزا وتميزا بهذه النزعة ،أما دراستنا هذه فتسلط الضوء على تلك النزعة من خلال كتاب دمعة وابتسامة .

3- وصف كتاب دمعة وابتسامة



من بين مؤلفات جبران باللغة العربية " دمعة وابتسامة " التي تندرج ضمن كتابته في فن الشعر المنثور ،فمن بعد الأجنحة المتكسرة هجر جبران القصة ،فما عاد إليها إلا نادرا وانصرف إلى كتابة المقطوعة من نوع " الشعر المنثور " والى المثل والموعظة وهذه حلق فيها بعيدا ،فقد كانت الأقرب إلى ذوقه ومزاجه وفطرته الفنية من كل ما عداها من ضروب الأدب ،وبين 1903 و1908 اخذ جبران ينشر في جريدة "المهاجر " مقالات من الشعر المنثور تحت عنوان " دمعة وابتسامة " وهذه المقالات هي التي جمعت عام 1944 ،ونشرت في كتاب بعين العنوان وكان الفضل في نشرها لنسيب عريضة "


ويضم كتاب دمعة وابتسامة حوالي ستين مقالا ،هي على التوالي :حياة الحب،حكاية،في مدينة الأموات ، موت الشاعر حياته،بنات البحر،النفس،ابتسامة ودمعة،رؤيا،الجمال،الحروف النارية،بين الخرائب رؤيا،الأمس واليوم،رحماك يا نفس رحماك،الأرملة وابنها،الدهر والآمة،أمام عرش الجمال،زيارة الحكمة،حكاية صديق،بين الحقيقة والخيال،يا خليلي الفقير،مناحة في الحقل،بين الكوخ والقصر،طفلان،شعراء المهجر،تحت الشمس،نظرة إلى الآتي،ملكة الخيال،يا لائمي ،مناجاة ،المجرم،الرفيقة،بيت السعادة،مدينة الماضي ،اللقاء،مخبآت الصدور، القوة العمياء،منيتان، على ملعب الدهر،خليلي ،حديث الحب ،الحيوان الأبكم ،السلم،الشاعر ،يوم مولدي،الطفل يسوع والحب الطفل،مناجاة أرواح،أيتها الريح،رجوع الحبيب، جمال الموت ،أغاني ،أنشودة الزهرة ،نشيد الإنسان ،صوت الشاعر.
ويفتتح جبران كتابه بتوطئة جاء فيها العبارة التالية " أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس ،ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي وتصير ضحكا ،أتمنى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة...."


ثم تليها تلك المقطوعات "التي نثر فيها جبران نتفا فياضة من قلبه وشرارة وهاجة من فكره،وألوانا مواجة من خياله ،وينثرها بقلم ناعم،صادق،سخي يحاول في الكثير من نبراته ،محاكاة مزامير داوود ونشيد سليمان وسفر أيوب ومراثي ارميا وتخيلات اشعيا وعظات الناصري " 


ثم يختم جبران كتابه بخاتمة يقول فيها "لي من نفسي صديق يعزيني،إذا ما اشتدت خطوب الأيام ويواسيني عندما تلم مصائب الأيام....... جئت لأقول كلمة وسأقولها ،وإذا أرجعني الموت قبل أن الفظها يقولها الغد ،فالغد لا يترك سرا مكنونا في كتاب اللا نهاية (.....) جئت لأكون للكل وبالكل،والذي افعله اليوم في وحدتي يعلنه المستقبل أمام الناس ،والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بالسنة عديدة "
وهذا فقد ضم كتاب دمعة وابتسامة مواضيع شتى من مختلف جوانب الحياة والوجود ، (الطبيعة،الحب والزواج،العقيدة،المرأة المدينة،الدين ،الماضي،الفقر والغنى....) ومن خلال هذه العناصر سنعمل على إبراز مواقفه ونظرته التحررية إلى المجتمع والوجود.

مواضيع التمرد في الكتاب



1- المدينة


المدينة رمز الصخب والضجيج والضوضاء ،إنها معترك الحياة الذي يعج بالفوضى والمادية ،ويسلب من الإنسان الراحة والسكينة والهدوء ويغتر به عن ذاته ى،وقد كان جبران من الذين تمردوا على المدينة ،ولجأوا إلى كنف الطبيعة العذراء فراحوا يمجدونها ويتخذون من مفاتنها هياكل يعيدون فيها الجمال وهذا ما لمسناه في أدبه ،الذي كان يمجد الطبيعة ويتخذ من مظاهرها رموزا " لإيصال أفكاره كالليل والريح والشمس والعاصفة رمزا للتحرر والتغيير وقد عنون بها مؤلفا وهو العواصف ،كما أولى أهمية كبرى للبحر ،فهو عنده اللا نهاية ،هو الأم الكونية والذات الكبرى "


ومما يعكس نفور جبران من المدينة وتمرده على جوها افتتاحه لكثير من نصوصه بمظاهر الطبيعة الخلابة ،كحاله في مقطوعة "حكاية" التي افتتحها بقوله " على ضفة ذلك النهر في ظل أشجار الجوز والصفصاف جلس ابن زراع يتأمل المياه الجارية بسكينة وهدوء ،فتى ربي بين الحقول،حيث يتكلم كل شيء عن الحب .."


ويقول أيضا في مقطوعة "القوة العمياء" "جاء الربيع وتكلمت الطبيعة بالسنة السواقي ،ففرحت القلب،وابتسمت بشفاه الأزهار فأسعدت النفس ..."


وفي مقطوعة "مناحة في الحقل" يتجسد أكثر تمرده ونفوره من المدينة وجوها إذ يتصور النسيم يسير بين الأغصان متنهدا حزينا لأنه ذاهب نحو المدينة فيقول " .. وبينما كنت على هذه الحالة مر النسيم بين الأغصان متنهدا تنهد يتيم بائس فسالت مستفهما :لماذا تتنهد أيها النسيم اللطيف؟ فأجاب لأني ذاهب نحو المدينة مدحورا بحرارة الشمس إلى المدينة حيث تتعلق بأذيالي النقية ميكروبات الإمراض وتتشبث بي أنفاس البشر السامة..."


ويتصور الأزهار تبكي لأنها ستقطف وتحمل إلى المدينة فبقول: "...ثم التفتت نحو الأزهار فرايتها تذرف من عيونها قطرات الندى دمعا،فسالت لماذا البكاء يا أيتها الأزهار الجميلة ؟ فرفعت واحدة منهن رأسها اللطيف قالت:نبكي لان الإنسان سوف يأتي ويقطع أعناقنا ويذهب بنا نحو المدينة ويبيعنا كالعبيد ونحن حرائر ..."


ويتخيل الجدول ينوح كالثكلى لأنه سائر كرها نحو المدينة أين سيحتقره الإنسان ويستخدمه ملء أدرانه فتستحيل نقاوته وزرا وطهارته قذارة ،... ثم يختتم جبران مقطوعته بالسؤال :لماذا يهدم الإنسان ما تبنيه الطبيعة؟


وجبران يمجد حياة الغاب وينبذ حياة المدينة المتخبطة في المادية ومختلف الشرور ،التي هي من صنع بني البشر ،فحياة الغاب عنده "لا تولول ولا تصيح لأنها تطعم ذاتها من ذاتها ،فلا موت الحمل عندهم مأتم ،،،وسيان عند الشجرة أكل ثمارها إنسان أم ثعبان"

وجبران يرى الطبيعة العالم الأمثل الذي تختفي فيه عناصر المدينة تهين الإنسان وتزدري البسيط وتحتقره فجبران يمجد حياة الطبيعة حيث" الحياة النقية الكاملة وحيث لا سيادة ولا عبودية ولا خير ولا شر .."


وبذلك فالمدينة عند جبران ذلك العالم المليء بالنقائض الذي لم يرضى عنه ضميره ،والذي أراد أن يتمرد عليه بكل قواه ، ويرى الطبيعة ذلك العالم الأسمى الذي تمنى أن يعيش الإنسان في كنفه والذي تجسدت فيه كل آماله في التغيير والتحرر.

2- الماضي



يقترن التحرر من عبودية الماضي وتقاليده عند جبران ،بالتحرر من عبودية الآخر ،وبخاصة حين تكون استعمارا،وكما دعا جبران إلى الثورة على الماضي ،الذي يستعبد الإنسان من الداخل دعا للثورة على الاستعمار الذي يستعبد الإنسان من الخارج فلا يكتمل تحرر الإنسان إلا بنبذ كل سلطوية تقليدية أو سياسية داخلية أو خارجية ،وفي صدد هذا التحرر من الماضي يمتدح جبران في إحدى رسائله سنة1915 شكسبير الذي تحرر بخلاف معظم الكتاب الإنجليز من ريقة الماضي فكريا ولغويا ولهذا السبب نفسه يمتدح شيلي الذي افلت من أثقال الماضي شان شكسبير ويرى جبران في رسالة أخرى سنة1923 تعليقا على مسرحية "كلوديل" "بشارة مريم" إن العودة إلى الماضي أمر غير واقعي ويصف "كلوديل" انه يعيش في الماضي وبأنه يشبه آثار قدم يجتمع الماء في تجويفها "


وتتبدى لنا نظرة جبران التحررية من الماضي في مقطوعة "مدينة الماضي" إذ يقول " وقفت بي الحياة على سفح جبل الشباب ،وأومأت إلى الوراء ،فنظرت فإذا مدينة غريبة الشكل والرسوم متربعة في صدر سهول تتموج فيها الأخيلة والأبخرة المتلونة متوحشة بقناع لطيف يكاد يحجبها قلت: ما هذه أيتها الحياة ؟قالت:هي مدينة الماضي فتأمل!...إلى أن يقول :ومشت الحياة أمامي وقالت :اتبعني فقد طال بنا الوقوف فقلت:إلى أين أيتها الحياة؟ فقالت:إلى مدينة المستقبل ثم قالت:سر فالوقوف جبانة والنظر إلى مدينة الماضي جهالة"


فالمستقبل عند جبران هو الأجدر بالاهتمام وبالتطلع إليه ومقابل دعوته إلى التمرد على الماضي والتحرر منه يدعو إلى السير بخطى ثابتة والنظر بعيون آمنة نحو مستقبل أحسن يهدم عبودية الماضي ويحطم قيوده


"فمقابل الماضي ينهض الآتي ،كما يعبر جبران ،أي المستقبل أو الفكر الجديد ،الذي سيغلب القديم لا محالة وهو الفكر الذي يحمله "فتيان يتراكضون كان في أرجلهم أجنحة" أنهم "أبناء الغد" وفجر عهد جديد "


وهكذا قد أعلن جبران الثورة على الماضي وعبوديته وهي الثورة التي تتضمن كذلك الاتجاه نحو المستقبل بآفاقه.


3- الشريعة


إذا نظرنا إلى الدين فهو ولا شك ضرورة من الضروريات التي تقوم عليها الحياة ،والإنسان بلا شك محتاج إليه بحيث " يمده بفيض علمي كامل عن الحياة والكون ويعرف به حقيقة الوجود وعلة الكون والحياة وأسباب السمو والكمال "


هذه مميزات الدين الحقيقي والشريعة التي تخدم الحياة وتعلي من شان الإنسان ،لكن يبدو أن واقع جبران الديني الشرائعي كان مختلفا تمام الاختلاف فـ"الشريعة" في نظر جبران ترتبط دائما بمقتضيات المحافظة وبما يغتصب السيادة الحقيقية ،فالشريعة خداع واغتصاب أنها مؤامرة الذين يريدون أن يظلوا أسيادا"


ومن مظاهر هذه الثورة على الشريعة ،التحرر من التقاليد سواء كانت هذه عبادات او عادات ،ويعد الكاهن والسلطة من أهم رموز الشريعة التي ثار عليها جبران


"والكاهن في قصة "خليل الكافر" رمز الكذب والنفاق واغتصاب أموال الفقراء ،باسم سلطة الدين ،وهو كذلك رمز الظلام والشهوة والعدوان واحتقار الشعب والابتعاد عنه ،والكاهن في قصة "الأجنحة المتكسرة " رمز الانفصام بين القول والعمل يقرر شيئا ويفعل ما يناقضه وهو كذلك الشريعة الفاسدة كما يعبر جبران والكاهن في قصة " الشيطان" إنما هو رمز التحالف مع الشر والكاهن في قصة " صراخ القبور " رمز الشريعة الطاغية "


ويصور جبران ذلك الكاهن في مقطوعة "رؤيا" من دمعة وابتسامة بأنه " يراوغ كالثعالب والمسحاء الكاذبة يحتال على ميول النفس ،والفتى يكثر رفع عيونه إلى السماء وقلبه مطمور في قبور المطامع ،والمتشرع يتاجر بثرثرة الكلام بسوق الخداع والرياء "
ويقول جبران في مقطوعة أخرى " ثم سمعت صوتا خارجا من الجرح مع قطرات الماء قائلا: أنا هو القلب البشري ،أسير المادة،وقتيل شرائع الإنسان الترابي في وسط حقول الجمال ، على ضفة ينابيع الحياة ، أسرت في قفص الشرائع التي سنها الإنسان للشواعر..."
أن الدين والشريعة ،بالنسبة لجبران كانت قيود سلطها القوي على الضعيف وكبت بها آمال الإنسانية وطموحاتها إذ استغلها أولوا الأمر في الوصول إلى مآربهم الشخصية وتحقيق مطامعهم من الحياة المادية.

4- الإقطاعية والمال



لقد سادت الإقطاعية البلد الأم لجبران وعانى منها شعبه ،إذ ظهرت في السياسة والاجتماع والدين ومختلف مجالات الحياة وميادينها ،ولقد ثار جبران على هذه الإقطاعية فتناول ثقافة الأغنياء بمعول الهدم وكما " يقف جبران مع جميع إشكال التمرد على سلطة الكاهن والشريعة ، فانه يقف مع الفقير ومع إشكال تمرده على الغني وفي كثير من كتاباته يصور الفقير مسحوقا والغني ساحقا،ويحرض بشكل رمزي لكي يثورا لمسحوق على الساحق أو على مدينة الأغنياء التي يسميها مدينة الأموات "


ففي قضية المجرم يدافع عن الفقير إلي تدفعه قسوة المجتمع إلى الإثم مبينا انه ضحية من ضحايا الظلم والاستغلال ،فيقول جبران على لسان المجرم"..طلبت الحياة بعرق الجبين فلم؟أجدها ،فسوف أحصل عليها بقوة ساعدي وسألت الخبز باسم المحبة فلم يسمعني الإنسان فسأطلبه باسم الشر واستزيد منه(..) كذا يبتدع الإنسان من المسكين سفاكا باستمساكه ومن ابن السلام قاتلا بقساوته.."


فجبران يحمل الغني القاسي مأساة هذا الإنسان الذي تحول إلى مجرم ويجعله السبب في معاناته وضياعه وهو في مقطوعة "طفلان " يرى أن الفقر موت والغني هو الذي يميت الفقير "


إذ يصور طفلا يولد في أحضان أم فقيرة بائسة فقدت زوجها بسبب ظلم الأمير الغني الإقطاعي ولم يكن خلاص هذا الطفل وأمه من هذا الواقع المرير إلا الموت .


وكذا في مقطوعة "خليلي " يسمي الفقير "كتاب الحياة" يرى أن الفقير رمز الشرف والغني رمز اللؤم ،وان حياة الفقير مع زوجته وصغاره رمز الحياة الإنسانية المقبلة ،إما حياة الغني بين خزائنه فترمز إلى الخوف وهي تشبه حياة الديدان في القبور ،ويذهب في هذه المقطوعة إلى ابعد من ذلك فيرى أن الفقر هو الذي سيكون الأساس لتعليم الأجيال المقبلة معنىا لمساواة وكيف يموت"


يقول جبران "..خليلي إن الفقر يظهر شرف النفس والغنى يبين لؤمها ،والحزن يلطف العواطف،والسرور بدملها ،لان الإنسان ما برح يستخدم المال والسرور توصلا للازدياد ،مثلما يفعل باسم الكتاب شرا ينفره عنه الكتاب ،وباسم الإنسانية ما تأباه الإنسانية.."


وفي مقطوعة " ابتسامة ودمعة" يصف الحب عند الأغنياء بأنه أسير ماديات الحياة ،وسخافاتها ومغرياتها ،لا تكاد قيمته في قلوبهم تعلو على قيمة الذهب والمال ،ويصف الحب عند الفقراء بأنه ذلك الذي لا يشترى بالمال ،ويتعالى إلى عالم الروح وغير آبه لسخافات الحياة ومادياتها ،انه تلك القوة التي لا تفنى ولا تزول وتدفع للجهاد والكفاح من اجل الأفضل.

وفي مقطوعة " الأمس واليوم" يصور تعاسة ذلك الموسر الذي كان في الأمس القريب يرعى الغنم بين الروابي المخضرة ويفرح بالحياة ،يغرد كالعصافير واليوم صار أسير المطامع يقوده المال إلى المال والمال إلى الانهماك والانهماك إلى الشقاء ،يقول جبران على لسان الموسر:".. أهذا هو المال ؟أهذا هو الإله الذي صرت كاهنه ؟أهذا ما نبتاع بالحياة ولا يمكن أن نستبدل به ذرة من الحياة؟من يبيعني فكرا جميلا بقنطار من الذهب؟من يأخذ قبضة من الجواهر بدقيقة محبة؟ من يعطيني عينا ترى الجمال ويأخذ خزائني.."



وصور في مقطوعة "بين الكوخ والقصر" حياة البذخ والترف التي يعيشها الأغنياء التي هي من صنع الفقير الكادح البسيط الذي يسقي الحقل من عرق جبينه ليطعم قواه أولئك الأغنياء ،ويرى جبران أيضا " إن ابن الشرف الموروث يبني قصره من أجساد الفقراء والضعفاء ،والكاهن يقيم الهيكلة على قيود المؤمنين المستسلمين ،الأمير يقبض حتى ذراعي الفلاح المسكين والكاهن ويمد يده إلى جيبه "


وهكذا فالمال عند جبران هو مصدر شقاء دائم يفسد نفس صاحبه ويكون سبب تعاسة الفقير الذي لا يملكه ،والإقطاعية هي نوع من أنواع التسلط الذي لابد من التحرر منه فالمجتمع الواعي يرفض الإقطاع والخضوع للاستغلال والاستعباد ،وينبذ الحكام الطغاة والإقطاعيين الراغبين في إبقاء الشعب على سذاجته.


5- المرأة وتقاليد الزواج


كانت المرأة ولا زالت الأثر الذي تتركه في حياة النابغين ،وهي لا شك حقيقة ثابتة لا مجال للجدال فيها "وتلك الحياة النتيجة الخصبة التي عاشها أولئك العباقرة الذين كانوا شموعا مضيئة في طريق الإنسان ،كانت مستمدة في اغلب أحوالها من ذلك النسيج الفياض بالحب والعطف والحنان الذي كانت المرأة تغمر به عواطفهم"


إذن تلك هي مكانة المرأة في الأدب والفن ، ولا شك إن جبران هو احد هؤلاء الأدباء الذين كثر اهتمامهم بالمرآة لدرجة انه يرى في المرأة الحياة ،ولعل ما يؤكد قولنا هذا هو حديث جبران نفسه إذ يقول " أنا مدين بكل ما هو أنا إلى المرآة ،منذ كنت طفلا حتى الساعة والمرآة تفتح النوافذ ،في بصري ، والأبواب في روحي، ولولا المرآة ألام والمرآة الشقيقة والمرآة الصديقة لبقيت هاجعا مع هؤلاء النائمين الذين يفسدون سكينة العالم بغطيطهم "


فجبران يقدس المرآة ويحترمها ويثور على وضعها في مجتمع قد أهملها وتناساها زعم كونها عنصرا فعالا في المجتمع وعليها يتوقف صلاح المجتمع أو فساده ،وتصحيح وضع امة ما لا يكون إلا بتصحيح مكانة المرآة فيها " ويقارن جبران بين حال الأمة وحال المرآة فيرى إن المرآة هي "من الأمة بمنزلة السراج" وهو في ذلك يقارن بين تحرر المجتمع وتحرر المرأة ويعبر عن ذلك بقوله "أليست المرآة الضعيفة هي رمز الأمة المظلومة ؟" أليست المرآة المتوجعة بين ميول نفسها وقيود جسدها هي الأمة المعذبة بين حكامها وكهانها "


إن نظرة جبران إلى المرآة " تحتمل في أعضائها التصحيح الذي يهب المرآة مكانتها الاجتماعية ويردا ليها كرامتها السلبية وإنسانيتها الضائعة في غمام العبودية ويضعها في مكانها من الوجود" وقد كان الزواج التقليدي التعسفي أهم ما سلب المرأة حريتها وألغى كيانها ،وقد ثار جبران ثورة عنيفة على هذه الظاهرة في مختلف مؤلفاته " فهو كافر بالزواج ،عازف عنه ،حتى ليراه عبودية الإنسان لقوة الاستمرار ومن خلال آثاره الأدبية كان يحقد على الطريقة التي يتم بها الزواج في الشرق ،تلك الطريقة التي تجعل المرآة بضاعة رخيصة لا وزن لها ولا قيمة لعواطفها وهي ممثلة على أوضح صورها في "وردة ألهاني" إحدى نماذج الأرواح المتمردة الثائرة على شريعة الناس وتقاليدهم التي تجعلها "رفيقة مضجع بحكم العادات والتقاليد" قبل أن تصيرها السماء قرينة الرجل بشريعة الروح والعواطف"


"وهو كذلك يقف إلى جانب تحرر المرأة داعيا إلى أن تسلك بمقتضى حبها وقلبها لا بمقتضى التقاليد وكثيرا ما يمجد المرآة التي تتمرد على هذه التقاليد وتلبي نداء حبها كوردة ألهاني التي تركت زوجها الغني لتعيش مع حبيبها الفقير ومريم بطلة قصة خليل الكافر تقف معه بعد نبذه وتشاركه آراءه وسلمى بطلة الأجنحة المتكسرة تؤثر أخيرا الموت – أي أنها تختار الحب بدل من الزواج ويقف في قصة صراخ القبور مع المرآة التي فاجأها زوجها في لقاء مع حبيبها حيث ترجم عقابا "والشريعة العمياء" تعاقب المرآة في هذا الصدد وتسامح الرجل "


امرأة شاءت أن تصرف عمرها مع رجل خلقت لغيره فقامت بواجبات الزوجة الأمينة خاضعة لأحكام الشرائع بتجلد وهدوء وظلت تنتظر المنية التي تقودها إلى حيث تلتقي رفيق نفسها وتعانقه عناقا طويلا مقدسا...


وهكذا فجبران يتمرد بعنف على أعراف الزواج في الشرق وينبذ ذلك الزواج الذي تحكمه المصالح والماديات وتكون ضحيته المرآة بكيانها وعواطفها ويدعو المرآة إلى أن تختار الشريك الذي يرضاه قلبها ضاربة عرض الحائط بكل ضغوطات المجتمع وتقاليده وأحكامه المتعسفة في كثير من الأحيان .

6- الوحدة والانفراد



إننا نلمح جبران في مختلف كتاباته يتمرد على الجماعة وينفرد من ضوضاء التجمعات البشرية وصخبها وهذا أمر طبيعي لكونه من أدباء المهجر ذوي النزعة الرومانسية الذين يدعون في أشعارهم وأدبهم إلى اللجوء للطبيعة والتفرد والاختلاء بالروح في هياكلها .
ونظرة جبران خليل جبران للوحدة والانفراد لا تختلف عن نظرته للعناصر الأخرى فهو يرى بان الوحدة والانفراد هي الحياة،وفيها يكتشف الإنسان ذاته"لان كل ما في باطن الوجود كائن في باطن الإنسان وكل ما في باطن الإنسان موجود في الوجود"


ويقول جبران " الحياة جزيرة من الوحدة والانفراد ، الحياة جزيرة الأماني،وأشجارها الأحلام،وأنهارها الوحشة وينابيعها التعطش وهي في وسط بحر من الوحدة والانفراد"


فجبران يصور الحياة على إنها جزيرة من الوحدة والانفراد،خلق فيها الإنسان ليعيش مع أمانيه وأحلامه وآلامه وتعطشه في وسط هذا الكون ويقول جبران في مقطوعة " يا لائمي " ".. دعتي يا لائمي ووحدتي استحلفك بحب يضم نفسك بجمال الرفيقة ...ويوثق قلبك بحنق الأم ويربط فؤادك بعواطف الابن ،أن تتركني وحالي ...خلني وشاني أحلامي واصبر على الغد فالغد يفضي علي بما يشاء .."


لي قلب صغير أريد أن أخرجه من ظلمة صدري واحمله على كفي متفحصا أعماقه ومستحكيا أسراره ،فلا تترصد يا لائمي بنبال مذاهبك مسببا خوفه واختفاءه.."


إن جبران يمجد القلب في وحدته وانفراده ،هذه الوحدة التي تجعله يكشف مخبئاته ويستفضي أسراره بعيدا عن صخب الجماعة حيث تختلي نفسه بنفسه ولا ثالث يعكر صفاء هذه الخلوة التي تمكنه من معرفة ذاته وتجمعه بآلامه وأحلامه وضميره بعيدا عن ماتي السياسة وإخبار السلطة ،لان الأرض كما يقول كلها وصلته وجميع البشر مواطنوه.


7-الحرب


إن نظرة جبران الروحانية إلى الإنسان والحياة والكون ،وفكره الإنساني الذي تخطى حدود الذات والوطن الأصغر جعلاه ينزع إلى نبذ الحروب التي تهدم صرح الإنسانية وتكسر آمال وأحلام وعواطف الشعوب وتسقيها علقم الحسرة والألم والبؤس والشقاء.


وهو في مقطوعة " بنات البحر" يحكي قصة ذاك الشاب الذي فرقت بينه وبين حبيبته الحرب ،إذ صار جثة هامدة عثرت عليها بنات البحر في أعماق اليم حيث يقول جبران على لسان حبيبة هذا الشاب"... نادتك الحرب فاتبعها مدفوعا بعوامل الواجب والوطنية ،ما هذا الواجب الذي يفرق المحبين ويرمل النساء وييتم الأطفال ؟ ما هذه الوطنية التي من اجل أسباب صغيرة تدعو الحرب لتخريب البلاد؟ ما هذا الواجب المحتوم على القروي المسكين والذي لا يحفل به القوي وابن الشرف الموروث؟إذا كان الواجب ينفي السلم من بين الأمم والوطنية تزعج سكينة حياة الإنسان ،فسلام على الواجب والوطنية .."


فالحرب في نظره تفرق بين المحبين وتسبب اليتم وتخرب البلدان وتجعل من القروي الضعيف صخرة يسد بها الغني الثغرات وتنفي السلم وتقضي على سكينة الحياة وهدوئها واستقرارها ولابد من التمرد على هذا الواجب الذي لا يحتكم إلى العدل


وفي مقطوعة "رجوع الحبيب" يصور قسوة الحرب رغم لذة الانتصار فبسبب الحرب رحل الحبيب إلى العالم الآخر تاركا نفسا ساهرة تترقب قدومه نفس صبية تنتظر رجوعه من بين الأسنة فيحمل إليها على المناكب جسدا بلا روح ،وقد سار مع الجميع تتبعوه إليها موكب النصر وراء موكب الموت ويمشي أمامها طيف الحب ساحبا أجنحته المكسورة"


فالحرب وان توجت بالانتصار ،لا تخلوا من المأساة التي تدمي القلوب وتوجع النفوس وتقتل الآمال والأحلام وتنفي السعادة إلى عالم الموت .

5- العناصر التجديدية في دمعة وابتسامة من حيث المضمون



لقد اتسم مضمون كتاب دمعة وابتسامة بمجموعة من الخصائص هي العناصر التي تجسدت فيها معالم التجديد والتحرر في أدبه وهي:
1- الذاتية: قويت الذاتية عند جبران وعمقت فهي تبرز جلية في قصصه وخواطره وشتى مواقفه وتأملاته وإذا(الانا) محور كثير من معطياته الأدبية ،وهي تظل صريحة حينا ومموهة حينا آخر


إذ يجعل من ذاته في كثير من المقطوعات المحور الذي تدور حوله أفكار القصة وإحداثها كشأنه في مقطوعة " في مدينة الأموات" إذ يقول " ..تملصت بالأمس من غوغاء المدينة وخرجت امشي في الحقول الساكنة..." وحاله في مقطوعة "رؤيا " و " رحماك يا نفس رحماك " و " أمام عرش الجمال " ...الخ فهو يجعل من نفسه بطل القصة واليد الحية التي تسيرها .


2- الحزن والكآبة: زارت الآلام جبران مبكرة ومضي يعطيها في رومانسية كالحة شاحبة حزينة حتى كأنها جزء لا يتجزأ من كيانه وأدبه ،ويحصب الحزن والكآبة في أكثر من اثر من آثار جبران ويدقق الكاتب لوعه واساه في " الأجنحة المتكسرة "وفي مختلف رسائله وتتعمق روحه الحزينة في كتاب " دمعة وابتسامة" ويقول في احد فصوله (موت الشاعر حياته) على لسان الشاعر الفتي ".. تعالي أيتها المنية الجميلة ،فقد اشتاقت نفسي ،اقتربي وحلي قيود المادة فقد تعبت من جرها.."


3 – الرفض والتمرد: يتقدم جبران في وعيه وثقافته ومشاعره ويرفض تقاليد وعادات بلاده ،ويتمرد عليها فهو يكتب (الأجنحة المتكسرة) لرفض عادات وأعراف الزواج، وينشئ (عرائس المروج(و(الأرواح المتمردة) للتعبير عن تمرده على مفاهيم ومقاييس عفنة  إذ نجد في دمعة وابتسامة ،يتمرد على مجموعة من العناصر كالمدينة والشرائع والحكم...الخ


4-جعل جبران الأدب رسالة اجتماعية تتوغل في الأوساط المختلفة وتنتقي الموضوعات المتنوعة لتتحدث عن الإنسان ومشاكله ومعاناته في وجوده ،ولقد كانت المرآة والإقطاعية والدين والعمل والأبناء والعطاء والظلم والمدينة ... كانت هذه وسواها موضوعات التقطها جبران من الحياة الاجتماعية وقال فيها شيئا من كلامه


5- الإصلاح: إذا ما شاق الهدم جبران فلم يكن ذلك غايته فهو مع العطاء والتجديد والإصلاح ،وليكون مع أحاسيسه المتوثبة وثقافته المتقدمة وتتعدد تطلعاته الإصلاحية وتختلف مجالاتها فهي في التقاليد والقوة وتظهر منطلقات إصلاحه في (دمعة وابتسامة) و (البدائع والطرائق) وغيرهما من كتبه


فيقول " ..ما أنا من المتعنتين ولكن يعز علي أن أرى لغة الأرواح تتناقلها السنة الأغبياء.."

فجبران يبث رأيه في مختلف القضايا الإنسانية والتي ترمي إلى الإصلاح والتغيير فيقول مثلا: "....القوة تزرع في أعماق قلبي وأنا احصد أجمل السنابل وأعطيها أغمارا للجائعين..."



6- الاتجاه الرومانسي : لقد تأثر جبران تأثرا عميقا بالاتجاه الرومانسي الغربي فاستهله في كثير من معطياته الأدبية ،وهو ينظر على ضوئه إلى كثير من قضايا المجتمع والحياة ،ويكون ذلك طابع أكثر من واحد من كتبه مثل(الأجنحة المتكسرة)و (عرائس المروج) و(دمعة وابتسامة) التي يقول فيها في مقطوعة أنشودة الزهرة"...أنا اشرب خمرة الندى واسمع أغاني الشحارير وارقص على تصفيق الأعشاب..."


7- الإنسانية: ظل جبران يسمو في نقاوته ويعمق في إنسانيته ويكبر في محور الإنسان يعطي منه وله ويضع سفره (النبي) فيصدح صوته الإنساني كما لا أصفى وأعمق ،وهو يتردد في غيره من الكتب كالمجنون والسابق ودمعة وابتسامة


إذ يقول في مقطوعة " صوت الشاعر" :"... البشر ينقسمون على طوائف وعشائر وينتمون إلى بلاد وأصقاع وأنا أرى ذاتي غريبا في بلاد واحد وخارجا عن امة واحدة فالأرض كلها وطني والعائلة البشرية شريعتي لأني وجدت الإنسان ضعيفا ..."


وفي مقطوعة " نشيد الإنسان" يشرق إنسانية حيث يقول:".. أنا كنت منذ الأزل وها أنذا وسأكون إلى آخر الدهر وليس لكياني انقطاع ،سبحت في فضاء اللا نهاية وطرحت في عالم الخيال واقتربت من دائرة النور الأعلى..."


8- الثورية: لم يكن جبران يرفض ويتمرد لمجرد الرفض والتمرد فهو يثور ليهدم ويعتزم البناء ،وكما عنف في هدمه في(الأجنحة المتكسرة) و(لأروح المتمردة) و (العواصف) و (دمعة وابتسامة)  إذ يقول: ".....إن القوة التي زرعتها أيها الفقير ،واستغلها الغني القوي سوف تعود إليك ،لان الأشياء ترجع إلى مصادرها بحكم الطبيعة ،والأسى الذي عانيته أيها الحزين ينقلب فرحا بحكم السماء..."


9- تلمح في أدب جبران مسحة خاصة تعكس نظرته وهو الذي ثار على رجال الدين الذين يظلمون الناس ويتحالفون مع الإقطاعيين لنهب ثروات الأبرياء ،وكان الدين في نظره شفافا نقيا يجلس الإنسان في محراب الكون ليرى عظمة الله


فيقول في مقطوعة"نشيد الإنسان":".. سمعت تعاليم كونفوشيوس ،وأصغيت لحكمة برهما،وجلست بقرب بوذا،تحت شجرة المعرفة وهاأنا الآن أغالب الجهل والجحود(....) ولسوف أشيخ وابلغ الكمال وارجع إلى الله..."


ومن خلال هذه العناصر التي ذكرناها ارتسم اتجاهه إلى التجديد بينا واضح الملامح ،وفضلا عن انعكاس هذا الاتجاه على المضمون فقد انعكس أيضا على اللغة والأسلوب.

الفصل الثاني

- تجسيد التمرد على المستوى الفني في دمعة وابتسامة
أ‌- على مستوى اللغة
ب‌- على مستوى الأسلوب
- نماذج قصصية من دمعة وابتسامة



1- تجليات التمرد على المستوى الفني في دمعة وابتسامة


إن طغيان نزعة التمرد على مضامين و أفكار أدب جبران أدى بالضرورة إلى تجلي هده النزعة في كتابته لغة و أسلوبا حيث انعكس اتجاهه نحو التجديد بوضوح في أسلوبه و انعكس تفرده و تميز حسه الأدبي في لغته.


أ- على مستوى اللغة:


مما لا يختلف فيه اثنان هو أن اللغة هي الرابط الوثيق بين الكاتب و القارئ.و هذا ما عمل به جبران في جميع مؤلفاته. إذا استطاع تحويل اللغة الشعرية إلى سياقها الصحيح في الزمن المعاصر فـ"اللغة وسيلة التجديد و التبسيط و الإبداع".


"و قد عد جبران أبا اللغة المعاصرة لأنه هو الذي فك عنها عقالها وأطلق روحها و أحس برموزها و أضفى عليها المشاعر أو استقاها منها،إنه هو الذي جعل اللغة إيحائية بعد أن كانت إيضاحية،وروحية نفسية بعد أن كانت معجمية عقلية".


و هكذا فقد حاول جبران الإتيان بلغة جديدة مختلفة و متميزة و هو القائل في مقال له بعنوان :"لكم لغتكم و لي لغتي""لكم من اللغة ما شئتم ،ولي منها ما يوافق أفكاري و عواطفي،لكم منها الألفاظ و ترتيبها و لي منها ما تومئ إليها الألفاظ و لا تلمسه ،و يصبو إليه الترتيب و لا يبلغه ...لكم منها القواميس و المعجمات و المطولات ولي منها ما غربلته الأذن و حفظته الذاكرة من كلام مألوف مأنوس تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم و أحزانهم ،...لكم منها قواعدها الحاتمة و قوانينها اليابسة المحدودة ولي منها نغمة أحوال رنتها و نبراتها و قراراتها إلى ما تبثه رنة من الفكر و نبرة في الميل و قرارة في الحاسة".


فقد امتازت اللغة عند المهجريين عموما وجبران خصوصا بسهولة اللفظة وهي ما يميزهم ،إذ لا تحتاج إلى قواميس ومعجمات لفهمها،وهذا ما لمسناه في دمعة وابتسامة ،إذ يستعمل جبران لغة بسيطة الألفاظ و التعابير تخلو من التكلف والفخامة ولا تحفل بالفصاحة والجزالة فهو يقول: " جلس ابن زراع هذا يشري هبط بالأمس،لمت الشمس أذيالها يا أيها الذين حاروا،خلني وشاني،على قارعة الطريق قعد شاب،وأعطيها أغمارا للجائعين " انها عبارات وكلمات تكاد تميل إلى العامية ،فجبران يرمي إلى إيصال فكرته دون أن يحفل باختيار الألفاظ وصياغة العبارة فهو يقول في مقال: " شعراء المهجر " "لو تخيل الخليل أن الأوزان التي نظم عقودها واحكم أوصالها ستصير مقياسا لفضلات القرائح وخيوطا تتعلق عليها أصداف الأفكار لنثر تلك العقود وفصم عرى تلك الأوصال ولو تنبأ المتنبي وافترض الفارض ان ما كتباه سيصبح موردا لأفكار عقيمة ومقودا لرؤوس مشاعير يومنا لهرقا المحابر في محاجر النسيان وحطما الأقلام بأيدي الإهمال (..)


"الشعر يا قوم روح مقدسة متجسمة من ابتسامة تحي القلب أو تنهيدة تشرق من العين مدامعها ،أشباح مسكنها النفس وغذاؤها القلب ومشربها العواطف وان جاء الشعر على غير هذه الصور فهو كمسيح كذاب نبذه أوفى "

فالأدب والكلمة عند جبران هي صياغة للشعور ورسم لمعالم النفس دون اكتراث لصياغة العبارة واختيار اللفظة وتحسين الأسلوب ،فان يتقيد الأديب بالقواعد البلاغية واللغوية ويجعلها غاية لذاتها لا يعني انه أديب بحق لان الأديب عند جبران هو غير هذا



" ولقد كان جبران أول عربي معاصر يعطي لنفسه حق ابتكار الكلمات وصياغة العبارات ،يعلن أن له لغته الخاصة التي يملكها ويملك حق التصرف في اشتقاقاتها كالبدوي تماما" وقد سار على اتجاهه هذا في كل مؤلفاته بما فيها دمعة وابتسامة ،فهو يستعمل لغة متميزة،وعبارات ذات تركيب مستحدث جديد فيقول مثلا"...جاء الربيع و تكلمت الطبيعة بألسنة السوافي ففرحت القلب ..."


و كان الأولى أن يقول:فأفرحت القلب لأنها الصياغة الأفصح ويقول :-ظلوا سائرين و أشعة الفقر تتلمع على أسلحتهم،في ظهورهم تخديش السيوف،و حاولت في قلبي ألا أفكر بما صنعه ابن ادم ابتدعها الفرح من شواعرنا،وقف الخدام على الأبواب،يرتدي أثواب الشغل،تمكني المسير بصرح فخيم، حنت الزروع،خل نفسي تفرح...إلخ


إن جبران يوظف عبارات بسيطة التركيب،ألفاظها تتمرد على القواعد الصرفية و البلاغية (تتلمع،تخديش ،حاولت في قلبي،شواعرنا،الخدام،أثواب الشغل،تمكني،فخيم،الزروع،خل...)،فهو يلجأ إلى استخدام لغة قريبة اللهجة العامية.و لكن هذا لا يعني الاستغناء عن اللغة الفصحى لكنه ابتعد عن استعمال لغة القواميس و المعجمات و دعا إلى تناول اللغة المألوفة المأنوسة التي يتكلم بها الناس و تجري ألسنتهم في أفراحهم و أحزانهم،فجيران من خلال هدا"يرفض البديع و البيان و المنطق،و يرضى باللغة السهلة الواضحة المعبرة التي تشع بها عين المغلوب و دمعة المشتاق،و ابتسامة المؤمن،اللغة السهلة المناسبة للمقام،الموحية بكل ما تحمله من أفكار و خواطر".


و هو القائل:"ففي العربية خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد وصلت حدا بالغا من الكمال، لم ابتدع مفردات جديدة ،بالطبع ،بل تعابير جديدة واستعمالات جديدة لعناصر اللغة"


" والقارئ لدمعة وابتسامة يلمس لغة ابتعد فيها جبران عن التقعر والغريب والحوشي لأنه يدعو إلى التحرر اللغوي ويتمرد على اللغة القديمة المستعصية على العقول والأذواق المعاصرة وهو يلجأ إلى لغة تكون معبرة واضحة سهلة ترسم كل شيء ببساطة وعفوية بعيدا عن الصعب المستغلق "

فقد أكثر جبران استعمال الألفاظ والمفردات المستلهمة من الطبيعة التي تحمل كثيرا من الذاتية والتحرر والتمرد على النسق القديم ،فالطبيعة برحابتها وتنوعها وبساطتها ألهمته قاموسا لغويا يستقي منه لغة انتقت من أصفاد القاموس التقليدي ،وهذا شانه في دمعة وابتسامة ،إذ لا تكاد تخلو مقالة في هذا الكتاب من إحالة على الطبيعة بعناصرها وتسمياتها وملفوظاتها مثل الربيع،الثلج،الحقل،الوادي،البحر،الجداول،أشجار الجوز والصفصاف،الشمس،الليل،السماء،الروابي المخضرة،الريح،الساحل،الجبل ،النسيم،الفاكهة،الورد والسوسن)



وهكذا فقد"كان جبران من أدباء الجيل الحديث الذين حاولوا توظيف لغة جديدة في التعبير الأدبي والشعري ،
فمفهومه عن دور اللغة في تحويل الشعر والأدب بصفة عامة مفهوم حديث ناضج ،فهو يرى أن حياة اللغة رهن خيال الشاعر وان الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة هي في قلب الشاعر و على شفتيه وبين أصابعه،فالشاعر لا يطلب في اللغة إلا الروح والجوهر وهو بذلك يثور ويتمرد على نظرة الكلاسيكيين إلى اللغة الأدبية إذ أنهم في نظره لم يحتفظوا إلا بقشور الكلمات وهياكلها"


وفي مقالة لجبران المعنونة بــ "مستقبل اللغة العربية" نجده " يربط تجدد اللغة بتجدد الإنسان ،فاللغة كما يقول مظهر من مظاهر الابتكار في الأمة ،ولذلك فان مستقبلها يتوقف على مستقبل الفكر المبدع ويحدد قوة الابتكار بأنها عزم دافع إلى الأمام وبأنها جوع وعطش إلى غير معروف وبأنها أحلام لا تنتهي كالحياة التي لا تنتهي ،ويتمثل الإبداع بصورته العليا في الشاعر ،فالشاعر حارس اللغة وحاضنها أو هو كما يعبر جبران أبوها وأمها فهو يخلق الحياة من حيث انه ينظر إليها بعين جديدة وهو يخلق اللغة من حيث انه يعبر عن نظرته بلغة جديدة دائما"


إن جبران يتمرد على التقليد تمرده على الماضي ساعيا إلى ابتكار لغة أدبية جديدة تتلاءم و أذواق العصر و معطياته و مستجدا ته . "فجبران هنا كأمين الريحان يثور باللغة و قواعدها و العروض و أوزانه و البلاغة وفنونها،و هذا لا يعني ضعف لغته و إنما هو كما يدعي منطق الحيوية و مسايرة التطور و مطالب الفن".


"إن جبران على الرغم من بعض الأخطاء الموجودة هنا وهناك في إنتاجه،دو هيمنة كبيرة على اللغة،كما أن حصيلته من القاموس الشعري تتميز بإيحائية و إنتقائية هي من أفضل ما عرفته العربية الحديثة،إنه يكشف عن ولع بالألفاظ الرومانسية الموغلة في الزمن،كما يحدث عندما يحاكي لغة الكتاب المقدس ولكن أيضا عن ولع بالواقع كذلك عندما يحاول انتقاء مفردات من الكلام العادي(...)و يسبب ما تنطوي عليه مواضيعه العامة من صفة شمولية و روحية،اضطر إلى أن يختار قاموسا شعريا أقل ترسخا في المصطلح الشعري مما قد يختاره شاعر حديث واع لقضية الحداثة في اللغة".

و هذا ما يتجسد في دمعة و ابتسامة،فمن أمثلة التراكيب الرومانسية الموغلة في الزمن نجد قوله: "تصاعدت من واد النيل حورية محقوقة بأجنحة غير متطورة ،وجلست على عرش من الغيوم فوق بحر الروم مفضض من أشعة الفقر"



وكذلك عبارة: " أنا خيوط فضية تطرحني الآلهة من الأعالي فتأخذني الطبيعة وتنمق بي الأودية أنا لآلئ جميلة نثرت من تاج عشتروت "فسرقتني ابنة الصباح ورصعت بي في الحقول "


وكذا عبارة: " استيقظي يا حبيبتي ،استيقظي لان روحي تناديك من وراء البحار الهائلة ونفسي تمد جناحيها نحوك فوق الأمواج المزبدة الغضوب...."


ومن أمثلة محاكاة جبران للغة الكتاب المقدس (الإنجيل) نجد عبارة:"يا روح سليمان السابحة في عالم فضاء الأرواح ،يا من خلعت ثوب المادة الذي نحن نرتديه الآن(...) يا روح سليمان الساكنة في عالم الخلود أوحي على محبي الحكمة أن لا يسلكوا سبل القنوط والجحود فقد يكون ذلك كفارة عن خطأ غير مقصود "


وكذلك عبارة :"..أنت أخي وكلانا ابن روح واحد مقدس كلي وأنت مما تلي لأننا سجينا جسدين جبلا من طينة واحدة (....) أنت أخي وأنا احبك..."


وكذلك عبارة:"ومرت أجواق الأرواح منشدة:قدوس قدوس،قدوس،المحبة مجدها ملك السماء والأرض"
ومن أمثلة استعمالات جبران للكلام العادي قوله:".. دعوني ارقد فقد شبعت روحي من الأيام والليالي .."
"..آه ما أميلح محبتك،وما أحيلى الأمل.." ، "سكنت العاصفة بعد أن كوت الأعضاء وحنت الزروع"
كما نجد في دمعة وابتسامة ألفاظا وعبارات تحيل إحالة مباشرة على التمرد من خلال رزانة تراكيبها وشدة الإيحاء التي تميزها مثل:تملصت ،هزم ،الحروف النارية ،أحرف من نار ،صفعها الموت ،هجم ، مستظهرا ،انطلقت عاقلتي ،تمزق الحقيقة ،يهدم ،حرب هائلة ،اهتز الفضاء ،دعتي ،خلي ،اعتقني ،سر فالوقوف جنانة ،واقفة كالجبار ،العاصفة ،الشمس طالعة من الظلمة ...الخ
هذه تجليات نزعة التمرد على مستوى لغة جبران وتجديده في مختلف جوانبها .

ب- على مستوى الأسلوب



لقد صار من البديهي لدينا أن التجديد والثورة على القديم صفة وميل طبيعيين في فكر جبران ،سعى إلى تجسيده في حياته الاجتماعية العامة وفي حياته الأدبية الخاصة،وكما انعكس ذلك على اللغة عنده ،فقد انعكس أيضا على الأسلوب ،فجبران في كتاباته لم يتقيد بنمط أسلوبي معين بل عمل على التطوير والتغيير في أسلوبه باستمرار مما خلق لديه أسلوبا يتميز عن أساليب غيره من الأدباء ،فالقارئ
" من خلال كتاباته يحس بالشحن والمرارة (...) كما اهتم جبران في أسلوبه بالمعنى ولم يخضع لسيطرة الألفاظ واللغة التي كان أدباء مطلع القرن العشرين يلتزمون بها إلى حد كبير وهذا ما ظهر جليا في مجموعاته القصصية الأدبية فهو فنان ذوا حس مرهف وذوق نبيل وأسلوب سهل بعيد عن الركاكة والتكلف الزائد ومستوى عالي يرفع من قيمة العمل الأدبي والكتابة العربية شكلا ومضمونا "


وقد برزت على مستوى أسلوبه في مجموعته القصصية بما في ذلك " دمعة وابتسامة " العناصر التجديدية التالية:


1- لقد اعتمد جبران على الخيال اعتمادا كبيرا "فقد أعانه هذا الخيال على جمال التصوير والتفنن فيه إلى ابعد الحدود ،ففي كتاب دمعة وابتسامة ،هذا الكتاب النثري الشعري ،تلتقي فيه عبقرية جبران في تكامل التصوير وحسن التعبير ،فتحولت الكلمات لديه إلى صورة رمزية ،فالزهرة التي لفحتها النيران :رمز للحب المظلوم ،هذه الرمزية المشوبة بتعابير خيالية موحية كقوله:عرائس الليل وكؤوس من اثير ،الشتاء يمشي،غيوم النفس،السعادة شبح،النهر يركض،أصابع الفجر..الخ وذلك أن جبران يعتقد بان الإنسان يرسم لشعوره رموزا تدل معانيها على خفايا نفسه ،ويجسم خياله بالكلام والأنغام والصور والتماثيل "


2- الموسيقية:" فقد مال جبران إلى الموسيقى وأحبها لتكون عنصرا بارزا في كتاباته بالعربية والإنجليزية ،ويجمع تعبيره بين العزفية والتصويرية ،وان ذلك هو الذي قاده إلى كتابة ما يسمى بالنثر الشعري ،وإذا الألفاظ تتناسق وتتناغم فترق وتعدب وتطرب "  فنجده قد " حرص أن يزاوج بين المعاني والمفردات والموسيقى فأنت تسمع إلى جانب المعاني أنغاما ،وكأنها تصويرية لمشهد معين ،ليس هذا في شعره فقط بل في كتاباته الأخرى التي استعارت من الشعر كل خصائصه " فهو يخاطب الريح بقوله:"...تتصاعدين مع الروابي وتنخفضين مع الأودية ،وتنبسطين مع السهول والمروج ،ففي تصاعدك عزم ،وفي انخفاضك رقة ،وفي انبساطك رشاقة(...) في الخريف تنوحين في الأودية ،فتبكي لنواحك الأشجار،وفي الشتاء تثورين بشدة ،فتثور معك الطبيعة بأسرها ،وفي الربيع تعتلين وتضعفين ،ولضعفك تستفيق الحقول ،وفي الصيف تتوارين وراء نقاب السكون فنخالك ميتا قتلته سهام الشمس ثم كفنته بحرارتها "
 

" فالموسيقى هنا تنبعث من الألفاظ والتعابير :تتصاعدين،تنخفضين،تنبسطين،تنوحين،ومن تصاعدك،انخفاضك،انبساطك،نواحك،كما تنبعث من تلك الصور المتعاقبة وكأنه يرسم في رسمه مواقفه لأنغام تمثل المشهد "


وعنايته بالموسيقى تظهر أيضا في الجناس والطباق وبقية ألوان المحسنات البديعية وتقطيع الجمل ومنها الخفية التي نلمسها في حرارة العاطفة وصدق الانفعال وهذا نموذج لاختيار الألفاظ التي تتحقق فيها الموسيقى مثل قوله:


" ...وبعد سكينة مازحتها الأحلام اللطيفة سألتها ،ما هذا الجمال؟فقد تباين الناس في تعريفه ومعرفته مثلما اختلفوا بتمجيده ومحبته قالت:هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة ،هو ألفة بين الحزن والفرح هو ما تراه محجوبا وتعرفه مجهولا وتسمعه صامتا ،هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيلاتك.."


هناك تناغم بين اللفظتين ،"تعريفه،معرفته"،"تمجيده،محبته"،"محنة،منحة"،ثم الطباق بين "الحزن،الفرح"،"تبتدئ،تنتهي"،فقد أحسن جبران اختيار الألفاظ التي تنساب في إيقاع متناغم كانسياب أمواج البحر.


3- كما تميز أسلوب جبران كذلك بالإكثار من الأساليب المجازية وتداخلها مع الأساليب البلاغية من تشبيه وكناية ،فقد برع جبران في استخدام المجاز والتشبيهات ومن ذلك قوله:" وشح الفقر تلك الخمائل المحاطة بمدينة الشمس برقعا لطيفا،،وظفر الهدوء بأعنة الكائنات ،وبانت تلك الخرائب الهائلة كأنها جبار يهزأ بعاديات الليالي ،في تلك الساعة انبثق من لاشيء خيالان يشبهان أبخرة متصاعدة من بحيرة زرقاء وجلسا على عمود رخامي استأصله الدهر من ذلك البناء الغريب يتأملان بمحيط يحاكي مسارح السحر.."


في الجملتين(وشح الفقر)و(ظفر الهدوء بأعنة الكائنات) يخلق مجازات ثلاثة أعقبها بثلاثة تشبيهات ،فقد شبه الخرائب بالجبار و الخيالين بالأبخرة والمحيط بمسارح السحر،فاتخاذ جبران للموسيقى والمجاز يرجع إلى انه " يعبد الكلمة ومولع بانتقاء الألفاظ التي تتفق وطريقته الخاصة في التعبير ،وربما هذا ما جعله ينتظر طوال أسابيع عبارة واحدة تلائم الفكرة التي يروم أن يؤديها"


كما يعتبر أسلوب جبران "أسلوب مجازي يعتمد على الاستعارة والكناية فإذا شاء أن يعرف فكرة أو أن يعبر عن عاطفة حاول أن يوحي بها إيحاء بواسطة الصور المتتالية والأساطير متنكبا السرد والتفاصيل المنطقية"


كقوله:" من وراء جدران الحاضر سمعت تسابيح الإنسانية ،سمعت أصوات الأجراس تهز دقائق الأثير معلنة بدء الصلاة في معبد الجمال أجراس سبكتها القوة من معدن الشواعر ورفعتها فوق هيكلها المقدس القلب البشري "

فجبران هنا يشبه الحاضر ببناء له جدران ،وبمستعير أصوات الأجراس والصلاة من الكنيسة ليجعلها صفات تقع في معبد الجمال ،ويشبه القلب البشري بهيكل رفعت فوقه المشاعر التي سبكت من معدنها الأجراس



وقوله أيضا " وقفت بي الحياة على سفح جبل الشباب وأومأت إلى الوراء"


في هذا المثال يستعير صفة الوقوف من الإنسان ليعطيها للحياة مشبها في أن واحد الشباب بجبل له سفح يقف هو وراءه


-ومن السمات التي انطبع بها أسلوب جبران هو كونه أسلوب تصويري ينتزع صوره ومشاهده من الطبيعة ،وهذه مزية تفرد بها جبران في الأدب المعاصر ،وقد أسعفته في ذلك ملكته المصورة على خلق الصور الرائعة"


فجبران مصور في تعبيره أكثر منه كاتبا ويقول مارون عبود في ذلك "فإنما يكتب بريشة المصوم بقلم الكاتب،فهو يبدع بألوان الطبيعة في كتاباته وصوره كلها مستمدة من الفجر والظلام والنور والشمس والليل والجبال والأودية والتلال وهو الجو الذي تربى فيه جبران في شمال لبنان ولذلك نجد معظم كتاباته ،حتى الإنجليزية منها لكأنه كتبها في محيط شرقي ،فهي لا تتعدى الوادي والنهر والبحر ،الثلج والضباب ، فهي المادة الأولية والعناصر الأساسية في كتاباته"


فيقول مثلا:" يا أيها الذين ضاعوا في ليل التقولات وغرقوا في لجج الأوهام..." أو قوله "..هجم الليل مسرعا على شمالي لبنان مستظهرا على نهار تساقطت فيه الثلوج على تلك القرى المحيطة بوادي قاديشيا جاعلة تلك الحقول والهضاب صفحة بيضاء ترسم عليها الرياح خطوطا تمحوها الرياح وتتلاعب بها العواصف مازحة الجو الغضوب بالطبيعة الهائلة.."


" وصور جبران تتداخل بعضها في بعض تداخل ألوان براقة ،فتريح الخيال والعين بعد الذي شاع من صور مستهلكة مستنفدة في الكلاسيكية المستحدثة وتتشابك الاستعارات والتشبيهات يدعمها خيال جبران النقي الصافي ويتصاعد حسن المرء بذلك الإيمان المتوهج لدى جبران الكاتب ...وتستثير صورة الأحاسيس لا من خلال ردود الفعل الجاهزة لدى القارئ ،بل بطريقة وصفه للأشياء وهي طريقة بالغة العاطفية جديدة لكنها أليفة في الوقت نفسه."


"وجبران في صوره أكثر ميلا إلى التجريد منه إلى الحسية غير انه يمزج أحيانا بين المجرد والمحسوس وأحيانا يستخدم الصورة للإقناع أو لتعميق المعنى"

كما أن تعدد الصور في أدب جبران يرجع إلى أنه"رسام رحب الخيال،فهو يعجز أن يتمثل الفكرة و يتملى الإحساس دون أن يتصورها،فكأنه يفكر و يحسن من خلال الصور وحدها،ما تكاد الخاطرة تلمع في رأسه حتى تشف عن صورة،و لا يتم انفعاله و لا يستنفد حتى يتجسد في صورة أو أكثر فالصورة عمود التعبير عنده،و توشك أن تكون غايته أيضا في كثير من الأحيان،تم قده تكفيه صورة الفكرة أو الإحساس فيلجأ إلى تشبيهها بصورة أخرى.



مثل قوله:"...صار هذا و العذارى يغنين مجد الملكة سورا و البخور يتصاعد لتكريمها أعمدة،و أنا واقف أرى ما لم ترى عين إنسان، وأسمع ما لم نقه أذن بشري....".


"و يرى صلاح لبكي أنه من أهم سمات أسلوبه أنه يحفل بالصور الأنيقة المبتدعة،و كأنه يرى المعاني و الأفكار أشكالا ملونة معطرة منغمة تروح و تغدو أمام عينيه،فيلبسها ألفاظا ينتقيها بعناية و يضعها في جمل و تعبيرات عذبة الوقع شجية اللحن".
الرمزية:


أعطى جبران الرمز في كتابته أهمية كبيرة وأكثر منه ،ولعل سبب لجوئه إلى الرمز ميله إلى الانطواء والغموض " فشخصيته المضطربة القلقة الإنطوائية جعلته يجنح إلى الحوار والقصص الرمزيين متخذا الأشخاص والموضوعات والحركة الحوارية والقصصية رموزا لأفكاره ومشاعره"


و قد تعددت الرموز في كتابات جبران منها:الشمس كما قوله:"ليس تحت الشمس شيء باطل،بل كل شيء كان سائر نحو الحقيقة ". فالشمس هنا رمز الحقيقة و الإشراق.


"و الرمزية عند جبران هي رمزية رومنطقية تصوغ من العاطفة و الخيال و الموسيقى سلم جمال يصعد فيه القارئ لتصيد الأفكار و التمتع برؤى الإيحاء من وراء أجواء لا تخلو من ضباب أجواء بعيدة الآفاق ،يمتد فيها النظر إلى أن يحط على جبل رأسه في العلاء واصله في أعماق الأرض والواقع"


كما أن:"الرمز عند جبران متدرج ومتنوع فهو يقوم أحيانا على الكلمة المفردة مثل:الغاب،الليل الشمس الهيكل،البحر أو العبارة مثل:القوة العمياء،بنات البحر،روح سليمان،ليلة القدر غضب العناصر يسوع،وهو أحيانا أسطوري،،ابنة إيزيس،ابن عشتروت،ايراتو،وتاريخي مثل :الخليل المتنبي،هوميروس فرجيل"


"وجبران شانه شان كل الرمزيين يرى الأشياء من خلال ذاته فيحكم بينها الصلات ويفسرها تفسيرا ذاتيا صرفا على أساس إحساسه بالحقيقة التي تجمعها وتوحد بينهما في الأصل كما انه بهذا التفسير يعبر عن نزوعه إلى المطلق الذي تلتحم فيه هذه الأشياء"

ويوغل أحيانا جبران في عالمه الرمز الخاص الذي ينسجه من خياله ويصوره في كتاباته"..عرس يخفر بأنه مارد جبار وجنة يحرسها ملاك المحبة وحقل تصورات أنهاره طيبة كالخمر وأطياره تسبح كالملائكة وأنهاره فائحة العبير فلا يدوسه غير ابن الأحلام..." وتكثر في أدب جبران تعبيرات رمزية موسيقية مثل:عندما أكمل الليل تنميق ثوب السماء بجواهر النجوم تصاعدت من وادي النيل حورية محفوفة بأجنحة غير متطورة وجلست على عرش من الغيوم ...وتصاعد من أعالي فم الميزاب المحيط بغابة الأرز طيف فتى مكتنفا بأيدي الساروفيم وجلس على العرش بقرب الحورية فعادت الأرواح ومرت من أمامها هاتفة :قدوس،قدوس،قدوس،فتى لبنان،مجده ملأ كل الدهور."



وعلى هذا النحو تشكلت صورة التعبير عند جبران فغدت تعابيره هائمة يقودها التمرد نحو الانطلاق فكون لنا بأسلوبه الراقي أروع اللوحات فغدت معظم كتاباته متوحشة بنقاب رمزي ولك بعض الأمثلة التي أبدع فيها جبران في هذا المجال"(ما أكمل بهاؤك يا ابنة ايسس وما أعظم حبي لك ما أجملك بين الفتيان يا ابن عشتروت وما أكثر شوقي اليك "


وهو هنا يوظف أسطورة عشتروت آلهة الحب والخصب ويتوغل في هذا المعنى الأسطوري أكثر فيضيف"...إن ذراعيك منبع المياه العذبة ...الأرز على صدرك وسام شرف أثيل...بعثت إليك البذور فصيرتها أزهارا وبالأنصاب جعلتها أشجارا فأنت حقل بكر يحي الورود السوسن ويرفع السرو والأرز..."،الطفل " وقد رمى جبران إلى الرمز في الموضوع في (مدينة الماضي) فدعي إلى التحرر من قيود الماضي فهو يثور على كل قديم ويرى أن التمسك بعطايا الآباء والأجداد يجعل الإنسان عبدا للأموات حتى يصير من الأموات"


لقد كان جبران فيلسوفا في بردة شاعر ،سكب أفكاره في قالب جبراني خاص ،يقوم على الابتكار والانطلاق الخيالي الذي يأتي بالصورة الجديدة التي لا توجد إلا في خيال جبران ،ولكل شيء في كتاباته سر وسحر لـلفظة المفردة والعبارة المركبة كذلك لتقطيع العبارة وتآلف الحروف.


وهكذا فقد رسم جبران اتجاها جديدا للكتابة الأدبية خالف ما رسمه السابقون وانحرف عن مسارهم ليحط الرحال باللغة في ارض جديدة التربة والهواء والمعالم تزخر بكل ما هو جديد وقابل للتجديد.

نماذج قصصية من دمعة وابتسامة

- الحروف النارية
- يالائمي
- مدينة الماضي
- السلم


الحروف النارية

احفروا على لوح قبري "هنا رفات من كتب اسمه بماء"
جان كيتس


أهكذا تمر بنا الليالي ؟أهكذا تندثر تحت أقدام الدهر؟أهكذا تطوينا الأجيال ،ولا نحفظ لنا سوى اسم تخطه على صحفها بماء بدلا من المداد؟ أينطفئ هذا النور ،وتزول هذه المحبة وتضمحل هذه ألاماني ؟ أيهدم الموت كل ما نبنيه ،ويذري الهواء كل ما نقوله ،ويثفي ،الظل كل ما نفعله؟أهذه هي الحياة؟هل هي ماض قد زال واختفت آثاره،وحاضر يركض لاحقا بالماضي،ومستقبل لا معنى له إلا ما مر وصار حاضرا أو ماضيا؟ أتزول جميع مسرات قلوبنا وأحزان أنفسنا دون أن نعلم نتائجها؟أهكذا يكون الإنسان مثل زبد البحر يطفو دقيقة على وجه الماء ثم تمر نسيمات الهواء فتطفئه ويصبح كأنه لم يكن؟




لا لعمري فحقيقة الحياة حياة،حياة لم يكن ابتداؤها في الرحم ،ولن يكون منتهاها في اللحد ،وما هذه السنوات الا لحظة من حياة أزلية أبدية ،هذا،العمر الدنيوي مع كل ما فيه هو حلم بجانب اليقظة التي ندعوها الموت المخيف ،حلم كل ما رأيناه وفعلنا فيه يبقى ببقاء الله

فالأثير يحمل كل ابتسامة وكل تنهيدة تصعد من قلوبنا ويحفظ صدى كل قبلة مقدارها المحبة والملائكة تحصي كل دمعة يقطرها الحزن من مآقينا،وتعيد على مسمع الأرواح السابحة في فضاء اللا نهاية



كأنشودة ابتدعها الفرح من شواعرنا


هناك في العالم الآتي سنرى جميع تموجات شواعرنا واهتزازات قلوبنا


وهناك ندرك كنه ألوهيتنا التي نحتقرها الآن مدفوعين بعوامل القنوط ،الضلال الذي ندعوه اليوم ضعفا سيظهر في الغد كحلقة كيانها واجب لتكملة سلسلة حياة ابن آدم


الأتعاب التي نكافأ عليها الآن ستحيا معنا وتذيع مجدنا ،الأرزاء التي نحتملها ستكون إكليلا لفخرنا ،هذا ولو تكلم "كينس" ذلك الليل الصداح أن أناشيده لم تزل تبث روح محبة الجمال في قلوب البشر لقال:افري على ألواح قبري :هنا بقايا من كتب اسمه على أديم السماء بأحرف من نار

يا لائمي

- دعتي يا لائمني ووحدتي،أستحلفك بحب يضم نفسك بجمال الرفيقة و يوثق قلبك يحنوا الأم و يربط فؤادك بعواطف الابن،أن تتركني و حالي خلني و شأني و أحلامي واصبر على الغد ،فالغد يقضي علي بما يشاء. محضنتي النصح و النصح طيف يسير بالنفس إلى مرتع الحيرة و يقودها إلى حيث الحياة جامدة كالتراب. لي قلب صغير أريد أن أخرجه من ظلمة صدري و أحمله على كتفي متفحصا أعماقه و مستحكيا أسراره،فلا تترصده يا لائمي بنبال من اهبك مسببا خوفه و اختفاءه ضمن قفص الضلوع قبل أن يسكبا دماء خفاياه و يقوم بفرض عقدته الآلهة عندما ابتدعته من الجمال والحب "


هنا قد طلعت الشمس وغرد الهزار والبلبل وتصاعدت أرواح الآس والمنثور وأنا أريد الانعتاق من لحف الكرى الأيسر مع الحملان البيضاء فلا تعتقني يا لائمي ولا تخفني بأسد الغاب وصل الوادي لان نفسي لا تعرف الجزع ولا تنذر بالسوء قبل مجيئه دعني يا لائمي ولا تعظني لان المصائب فتحت بصيرتين والدموع جلت بصري والحزن علمني لغة القلوب اعتزلت ذكر المحرمات ،قلبي من ضميري محكمة تقضي بالعدل علي وتقيني العقاب إن كنت ابراره وتحرمني الثواب إن كنت من المجرمين "


ها قد سار موكب الحب ،فمشى الجمال رافعا أعلامه وسارت الشبيبة نافخة أبواق الفرح فلا تردعني يا لائمي ،بل دعني اسر،فالطريق مفروشة بالورود والرياحين والهواء قد عطرته مجامر المسك


اعتقني من حكاية المال وقصص المجد لان نفسي غنية باكتفائها ومشغولة بمجد الآلهة


اعفني من مآتي السياسة وأخبار السلطة لأن الأرض كلها وطني وجميع البشر مواطني

مدينة الماضي

وقفت بي الحياة على سفح جبل الشباب وأومأت إلى الوراء فنظرت فادا بمدينة غريبة الشكل والرسوم متربعة في صدر سهول تتموج فيها الأخيلة والأبخرة المتلونة متوحشة بقناع ضباب لطيف يكاد يحجبها


قلت:ما هذه أيتها الحياة ؟قالت :هي مدينة الماضي فتأمل


فتأملت ورأيت معاهد أعمال جالسة كالجبابرة وتحت أجنحة النوم ،مساجد أقوال تحوم حولها أرواح صارخة صراخ القنوط مترنمة ترنيمة الأمل ،هياكل أديان أقامها اليقين ثم هدمها الشك ،مآذن أفكار مرتفعة نحو العلو كأنها أيدي المتسولين شوارع ميول منبسطة انبساط النهرين الربى ،مخازن أسرار حرسها الكتمان فسرقتها لصوص الاستعلام ،أبراج أقدام ابنتها الشجاعة فثلتها المخاوف ،صروح أحلام زينتها الليالي وخربتها اليقظة ،أكواخ صغار سكنها الضعف ،وجوامع محدة قام فيها نكران الذات ،نوادي معارف أنارها العقل فاظلمها الجهل مثلت عليها الحياة رواياتها ثم جاء الموت وختم ماساته تلك مدينة الماضي فهي بعيدة قريبة منظورة محجوبة ومشت الحياة أمامي وقالت : اتبعني فقد طال بنا الوقوف قلت:إلى أين أيتها الحياة ؟قالت:إلى مدينة المستقبل قلت:رفقا فقد نهكني المسير وكلمت قدمي الصخور وهدت قواى العقبات ،قالت:سر فالوقوف جبانة والنظر إلى مدينة الماضي جهالة.

السلم

سكنت العاصفة بعد أن لوت الأغصان وحنت الزروع ،وبانت النجوم وكأنها بقايا البرق المتكسرة على أديم السماء ،وسكتت تلك الحقول كان حرب العناصر لم تكن في تلك الساعة دخلت الصبية مرقدها وجثت على سريرها وبكت بكاء مرا ثم تصاعدت زفراتها وتجسمت أنفاسها الحارة بهذه الكلمات :رده إلي يا رب فقد جفت دموعي ونابت حشاشتي ،أرجعه أيها الروح القاضي بحكمة تسمو عن نهى الإنسان ،فقد جفاني التجلد وتحكم بين الأسى ،خلصه من مخالب الحرب المحددة ،أنقذه من الموت القاسي وارحمه فتى ضعيف حنت عليه قوة القوي فسلبني إياه تغلبي أيتها المحبة على عدوتك الحرب وخلصي حبيبي فهو من أبنائك ابتعد عنه أيها الموت ودعه يراني أو تعالى وخذني إليه في تلك الدقيقة دخل فتى تضم رأسه عصائب بيضاء كتبت عليها الهيجاء أحرفا قرمزية واقترب من الصبية وحياها بدمعة وابتسامة ثم اخذ يدها ووضعها على شفتيه الملتهبتين وبصوت تآلفت فيه عوامل الحب الجارح ومفاعيل اللقاء المفرح قال:لا تحفلي فقد أتى من تبكين من اجله ،افرحي فقد عاد إليك السلم من سرقة الحرب ،وارجع إليك فتى الإنسانية ما سلبه ابن المطامع ،كفكفي الدمع يا حبيبتي وابتسمي لان للشعوب أئمة ترحم متى عمت قساوة أئمة الشعوب ،لا تعجبي من إيابي حيا ،فللحب وسم يراه الموت فينصرف ،ويتوسمه العدو فيتقهقر ،أنا هو،فلا تحسبيني خيالا جاء من مرتع المنايا ليزور مربعا يسكنه جمالك والسكون .الحب على الحرب ،أنا كلمة لفظها رجل السلم لتكون توطئة لرواية سعادتك انعقد اللسان إذ ذاك وناب الدمع عن الكلام وحامت ملائكة السرور حول ذلك الكوخ الحقير واسترجع القلبان ما فقداه من الوداع ولما جاء الصباح وقف الاثنان في وسط الحقل يتأملان جمال الطبيعة وبعد سكينة فيها من الأحاديث ما فيها ينظر الجندي نحو المشرق الأقصى وقال لحبيبته:انظري الشمس طالعة من الظلمة.

الخاتمة

من خلال هذه ،الدراسة خلصنا إلى أن التمرد كان صفة مترسخة في شخصية جبران و طبعه ، و عنصر مهيمن في تكوينه النفسي،و قد سيطر على فكره فألهمه روحا تواقة إلى الإبداع و الابتكار و التجديد.و طموحا لا تحده حدود،و نفسا ثائرة حالمة بالتغير،كانت أعماله الأدبية لسان حالها.و قد برزت تجليات نزعة التمرد في دمعة و ابتسامة على صعيد الحياة العامة،و على صعيد الأدب.فأما على صعيد الحياة العامة فقد تميزت بما يلي:



1- الثورة على الشرائع و الإقطاعية و الأنظمة الوضعية التي وضعها الإنسان لاستغلال أخيه الإنسان وكبت حرياته وطموحاته
2- الثورة على العادات والتقاليد والأعراف البالية التي تسجن قلب الإنسان وفكره وأحاسيسه وتحكم عليه بحياة لن تعرف روحه السعادة فيها ومن ابرز أمثلة هده الأعراف البالية تقاليد الزواج في الشرق
3- الثورة على وضع المرأة في الشرق والاهتمام بطرح قضاياها وإبراز معاناتها
4- التمرد على الماضي بجموده وتقوقعه والتحرر من أصفاده من اجل بناء حاضر وغد أجمل وأفضل
5- التمرد على ماديات الحياة بما فيها من قتل للجانب الروحي الوجداني وانغماس في عالم المادة ،وتعد المدينة صورة مثلى لهدا الجانب المادي من الحياة ،وقد تمرد جبران على أجوائها واختار الطبيعة بديلا لها فمجدها واستلهم منها أفكاره ولغته
6- التمرد على واجب الحرب الذي سخره القوي ليستزيد قوة ،وجعل من الضعيف قربانا يذبح في ساحاته
وأما التمرد على الصعيد الأدبي فقد رصدنا من خلاله ملاحظات منها ما يخص اللغة ومنها ما يخص الأسلوب ونلخصها فيما يلي:
1- نبد اللغة الأدبية القديمة المثقلة بقواعد النحو والبلاغة ،الموروثة جيلا عن جيل ،المستعصية على الأذواق المعاصرة
2- استعمال لغة بسيطة سهلة ،متداولة يألفها الناس ،وقد عرفت كتابة جبران بالطريقة الجبرانية
3- استلهام الأفكار واللغة من الكتاب المقدس
4- برمز ظاهرة الخيال التي سيطرت على أسلوبه وألهمته تعابير وصور جديدة تفرد بها أدبه
5- بروز ظاهرة الموسيقية في أسلوبه نتيجة تميزه في استعمال التراكيب والعبارات
6- التصويرية التي وسمت أسلوبه كونه من أدباء الرومانسية الدين ينتزعون الصور من الطبيعة لإيصال أفكارهم هدا أولا وكونه رساما ثانيا
7- لجوء جبران إلى الرمز والإكثار من الصور المجازية المتعددة الأطراف


هدا ما خلصنا إليه من خلال هده الدراسة التي حاولنا فيها إزاحة الستار عن زاوية من زوايا أدب جبران ،هدا الأديب الفذ الذي اجتمعت فيه مختلف عناصر الحياة فان كان الفكر الثائر ،المتمرد فهو كذلك القلب الرقيق الحساس والفنان المرهف الشعور


وختاما نحمد المولى جل وعلى الذي وفقنا إلى إتمام هدا العمل الذي نأمل أن يستفيد منه الدارسون في المستقبل


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 

قائمة المصادر والمراجع

1- إخلاص فخري عمارة ، الشعر وهموم الإنسان المعاصر ، كلية الألسن ،جامعة عين شمس ،مكتبة الآداب ،القاهرة،ط1، 1992
2- أدونيس،الثابث والمتحول،بحث في الإبداع والإتباع عند العرب،ج4،دار السباقي بيروت،لبنان،ط8 ،،2002
3- أنور الجندي،خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، دار الكتاب اللبناني ،مكتبة المدرسة،بيروت،لبنان،ط2 ،1982
4- إيليا الحاوي،الرومانسية في الشعر العربي والغربي،دار الثقافة ،بيروت،لبنان،ط3 1983
5- توفيق صايغ،أضواء جديدة على جبران،الدار الشرقية للطباعة والنشر بيروت لبنان،(دط)،1866
6- جابر أبو بكر الجزائري،عقيدة المؤمن،دار الشهاب للطباعة والنشر،باتنة،ط1 1985
7- جبران خليل جبران،رمل وزبد والموسيقى،منشورات دار المعرفة،(دط)،(دت)،
8- جبران خليل جبران ،دمعة وابتسامة،دار الآفاق،(دط)،2004
9- جبران خليل جبران ،دمعة وابتسامة،دار الآفاق،(دط)،(دت)
10- جبران خليل جبران ،العواصف،دار نوبليس للنشرالجميزة،بيروت،لبنان،ط1 2005
11- جبران خليل جبران،البدائع والطرائف،دراسة وتحليل،د/نازك سايارد،مؤسسة نوفل،بيروت،لبنان،ط2 ،1987
12- جبران خليل جبران ،الأجنحة المتكسرة،دار الهدى،الجزائر،(دط)،200
13- جبران خليل جبران،المجموعة الكاملة المعربة عن الإنجليزية،دار الجيل بيروت، لبنان،(دط)،1994
14- جميل جبر،جبران في عصره وآثارها الأدبية والفنية، مؤسسة نوفل بيروت، لبنان،(دط)،1989
15- جورج صيدح،أدبنا و أدبائنا في المهاجر الأمريكية،دار العلم للملايين،بيروت، لبنان،ط 3 ، 1964.
16- حسن جعفر نور الدين،شعر التمرد في الأعصر العباسية،رشاد دبيرس للطباعة و النشر و النشر و التوزيع،بيروت،لبنان،ط2003،1.
17- حلمي مرزوق،تطور النقد و التفكير الأدبي الحديث في الربع الأول من القرن العشرين،دار النهضة العربية،للطباعة و النشر،بيروت،لبنان(وط)،(دت).
18- حنا الفاخوري،الجديد في تاريخ الأدب العربي ،مكتبة المدرسة و دار الكتاب بيروت،لبنان،ط1986،2.
19- حنا الفاخوري،الجامع في تاريخ الأدب العربي الحديث،دار الجبل، بيروت لبنان(دط)،1968.
20- خليفة محمد التليسي،الشابي و جبران،الدار العربية للكتاب،ليبيا،ط1984،5.
21- الخليل بن أحمد الفراهيدي،كتاب العين،تحقيق عبد الحميد هنداوي،منشورات علي بيضوي،دار الكتب العلمية،بيروت،لبنان،(دط)،(دت).
22- سالم المعوش،الأدب العربي الحديث،نمادج و نصوص،دار المواسم للطباعة و النشر و التوزيع،بيروت،لبنان،ط1779،1.
23- سلمى الخضراء الجبوسي،الاتجاهات و الحركات في الشعر العربي الحديث،ت عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربية للنشر،بيروت،لبنان،ط 2001،1.
24- شوقي ضيف،دراسات في الشعر العربي المعاصر،دار المعارف، مصر ط6(دت).
25- عبد الحكيم بليغ،حركة التجديد الشعري في المهجر،الهيئة المصرية العامة للكتاب،مصر،(دط)
1980.
26- عبد القادر عبد المجيد زيدان،التمرد و الغربة في الشعر الجاهلي، دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر،الإسكندرية،مصر،(دط)(دت).
27- عمر الدقاق،ملامح الشعر المهجري،مطبعة جامعة حلب،سوريا،(دط)،1979.
28- عبد الكريم الأشتر،النثر المهجري ،المصفوف و صورة التعبير،دار الفكر،بيروت،لبنان،ط1970،3.
29- كاظم حظيط،دراسات في الأدب العربي،دار الكتاب اللبناني،دار الكتاب،المصري،بيروت،لبنان،ط1970،3.
30- مارون عبود،المجموعة الكاملة في النقد الأدبي، دار مارون عبود ط1983،2.
31- محمد بنيين،الشعر العربي الحديث،بناياته و إبدالاتها2-الرومانسية.العربية،دار بقال للنشر، الدار البيضاء المغرب ،ط2001،2.
32- محمد شفيق شيا،في الأدب الفلسفي،مؤسسة نوفل،بيروت،لبنان،ط1986،2.
33- محمد عبد المنعم خفاجي،قصة الأدب المهجري،دار الكتاب اللبناني،بيروت،ط1980،3.
34- نازك سيا يارد، الأرواح المتمردة،مؤسسة نوفل ،بيروت،لبنان ط 1989،2.
 

Wapher | del.icio.us