الشيعة و التقريب المحمود بين المذاهب الاسلامية
nermeen 10-04-2008 GTM 2 @ 18:33|
إخواننا المسلمون الشيعة و التقريب بين المذاهب الاسلامية
من هم الشيعة ؟
المقدمة |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين. يقول الله سبحانه في وصف الحج: (ليشهدوا منافع لهم) (سورة الحج: 28). وقد جعل الله الحج لمنفعة المسلمين الدنيوية والأخروية، ومن أهم المنافع التي يترتب عليها خير الدنيا والآخرة: منفعة التعارف بين مختلف الفئات الإسلامية التي تعيش في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية. وقد اهتم الإسلام بهذه الناحية أكبر اهتمام حيث قال تعالى: ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (سورة آل عمران: 103). وقال سبحانه: ( ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا) (سورة آل عمران: 105). والمسلمون يوم كانوا سادة العالم كانوا بحاجة إلى التآلف، فكيف باليوم الذي أحاط بهم الأعداء من الخارج وفرّقوا صفوفهم من الداخل؟ وقد شعر زعماء المسلمين الدينيون والسياسيون بهذه الحقيقة، ولذا نرى اجتماعاتهم المتواصلة لإزالة الصدع ولمِّ الشعث. وقد كان من مآثر العلامة الكبير الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر أن أفتى بكل صراحة استواء المذاهب الإسلامية الشيعية والسنية في جواز العمل وصحة الأخذ.. فلنقترب نحن المسلمون بعضنا ببعض، ونترك التفرقات والمهاجمات التي لا تخدم إلاّ الكفار والمستعمرين، ولنتمسك بما أمر الله والرسول(صلى الله عليه وآله). ونحن أداء اً لبعض الواجب علينا، كتبنا هذه الكراسة تعريفاً بالشيعة كي توزع في قبلة المسلمين، أيام الحج.. حتى تلقي الضوء على بعض ما أخفته الظروف من أحوالهم، مما انتهزها المستعمرون لإلقاء الفتن والخلاف بينهم وبين السنَّة، والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على التقوى، ويهدي الجميع سواء السبيل، وهو المستعان. |
|
|
كربلاء المقدسة محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي |
|
|
1: الشيعة: مأخوذة من (المشايعة) بمعنى المتابعة، وتسمّى الشيعة بهذا الاسم لأنهم يشايعون علياً وأولاده الطاهرين(عليهم السلام). 2: وقد سمّى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أتباع علي (عليه السلام) بهذا الاسم، كما رواه المؤرخون كلهم في كتبهم(1). 3: وهم يعتقدون بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) عيّن(2) من بعده لمقام الخلافة والإمامة اثني عشر خليفة بأمر الله تعالى، وهم: ـ الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ الإمام الحسن (عليه السلام) ـ الإمام الحسين (عليه السلام) ـ الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ـ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ـ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ـ الإمام علي الرضا (عليه السلام) ـ الإمام محمد التقي (عليه السلام) ـ الإمام علي الهادي (عليه السلام) ـ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ـ الإمام الحجة المهدي (عجل الله فرجه الشريف ). 4: ويعتقدون أن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبنته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهؤلاء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) معصومون، كما قال سبحانه: ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً) (3). 5: ويعتقدون بأن الإسلام هو الدين الحق، الذي لا يقبل غيره :( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)(4). 6: وأن الإسلام له (أصول) و(فروع) و(أحكام) و(أخلاق).. وأن من أنكر الأصول كان كافراً نجساً، ومن أنكر الأقسام الثلاثة(5) بلا جهل أو شبهة كان كافراً، ويعبرون عن ذلك بـ (المنكر للضروري). 7: وأن (أصول الإسلام) عبارة عن: (التوحيد) و(النبوة) و(المعاد)..، ومن توابع التوحيد (العدل)، ومن توابع النبوة (الإمامة). 8: وأن (فروع الإسلام) عبارة عن: (الصلاة) و(الصيام) و(الخمس) و(الزكاة) و(الحج) و(الجهاد) و(الأمر بالمعروف) و(النهي عن المنكر) و(التولي لله وأوليائه) و(التبرّي من أعداء الله وأعداء أوليائه)، وما يلحق بذلك من سائر أقسام العبادات مثل (الوضوء) و(الغسل) و(التيمم) و(الاعتكاف) وما أشبه.. 9: وأن (أحكام الإسلام) عبارة عن سائر الأنظمة والقوانين التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) من عند الله تعالى، كأحكام (البيع) و(الشراء) و(الرهن) و(الإجارة) و(الطلاق) و(النكاح) و(القضاء) و(الشهادات) و(المواريث) و(القصاص) و(الديات) وما أشبه.. كما يعتقدون أن الإسلام لم يترك شيئا إلا بيّنه، فالسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والاجتماع، والسلم، والحرب، والزراعة، والصناعة، والعائلة، والحكومة، وسائر الشؤون المربوطة بالإنسان من ولادته إلى يوم مماته، كلها مبيّنة في الإسلام، ولها أنظمة خاصة، وأحكام عادلة، لو أخذ البشر بها ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) (6)، وأن (حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(7). 10: وأن (أخلاق الإسلام) هي التي ندب الإسلام إليها، أو أوجبها، مثل: (الصدق) و(الأمانة) و(الحياء) و(العفة) و(الشجاعة) و(السخاء) و(النشاط) و(العمل) و(حسن الخلق) و(إفشاء السلام) و(إصلاح ذات البين) و(الألفة) و(الأخوّة) و(الزهد) وما أشبه.. كما أن الإسلام حذّر عن بعض الأخلاق والأعمال، كراهة أو تحريماً، مثل: (الكذب) و(الغيبة) و(الخيانة) و(سوء الخلق) و(الكسل) و(شرب الخمر) و(أكل الحرام) و(الربا) و(السرقة) و(الزنا) و(اللواط) و(الاحتكار) و(الإفساد) و(البخل) و(الجبن) و(السفور) و(الغناء) و(النميمة) وما أشبه ذلك.. 11: والشيعة اليوم، أكثر من (مائة مليون) منتشرة في شرق الأرض وغربها(8). 12: ولهم في طول التاريخ الإسلامي: حكومات، وعلماء، وكتّاب، وشعراء، وفلاسفة، ومفكرون، ومدارس، ومؤلفات، ومكتبات، وخطباء ومرشدون. 13: وهم يعتنون بالقرآن الحكيم اعتناء اً بالغا: دراسة، وتجويدا، وتفسيرا، وحفظا، وعملا، وتمسّكا، ولهم مدارس خاصة لحفظ القرآن الحكيم. 14: والشيعة تسمى بـ (الجعفرية) أيضا، لأن الإمام جعفر بن محمد الصادق، حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تمكن من نشر علوم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهم قد أخذوا منه غالب الأحكام.. كما أن الشيعة تسمى بـ (الإمامية) أيضاً ، لأنهم يقولون بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) نصب من بعده اثني عشر إماماً وهم الذين تقدمت أسماؤهم. 15: وهم يرون أن المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ـ اُمّة واحدة، وهم إخوة في الدين، كما قال سبحانه: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس)(9) . وقال تعالى: ( فأصبحتم بنعمته إخوانا)(10) . وقال عزوجل: (إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم)(11) . وأن كل محاولة لتشتيت المسلمين بأي اسم كان، ولإلقاء العداوة بينهم باسم الطوائف والمذاهب، ولتحريفهم عن (الكتاب والسنة) محرَّم في الشريعة.. يعاقب فاعل ذلك. 16: وهم يعتقدون أن مصادر الفقه الإسلامي أربعة: (الكتاب) و(السنة) و(الإجماع) و(العقل)، ولا يجوز سنّ قوانين تخالف هذه المصادر، فإنه ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(12). 17: وهم يجوّزون السجود على (الأرض) و(نباتها) غير المأكول والملبوس، وغالباً ما يحتفظون على قطعة من التربة الطاهرة النظيفة ليسجدوا عليها أوقات الصلاة، لأنه لا يتيسر في كل مكان تراب نظيف، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (جعلت لي الأرض مسجدا)(13)، وكثيرا ما يكون ذلك التراب من أرض (كربلاء) مشهد الإمام الحسين السبط (عليه السلام) فإنه يذكّر بوجوب نصرة الإسلام والتضحية في سبيل الدين، كما ثار الإمام الحسين (عليه السلام) ضد الظلم والطغيان.
|
|
|
|
|
|
لماذا التشيع؟ |
|
|
للشيعة أدلة كثيرة في اختيار التشيع، حتى أن العلامة الحلّي ـ قدس سره ـ وهو من أعاظم العلماء إطلاقاً، قد ذكر (ألفي دليل) على ذلك في كتاب له أسماه (الألفين).. وكثير من هذه الأدلة من كتب إخوانهم (السنة) وصحاحهم، وهنا نكتفي بذكر بعض تلك الأدلة بإجمال: |
|
|
حديث يوم الإنذار |
|
|
الأول: حديث يوم الإنذار الذي رواه الطبري(14) وابن الأثير(15) وغيرهما.. وحاصله: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما نزل عليه قوله سبحانه: ( وأنذر عشيرتك الأقربين)(16) في بدء الدعوة، دعا عشيرته في دار عمّه (أبي طالب) وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصونه، وفيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب… وفي آخر الحديث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون هو أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها غير علي (عليه السلام) وكان أصغرهم إذ قام فقال: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) برقبته وقال: (إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا) فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. |
|
|
حديث الغدير |
|
|
الثاني: حديث الغدير الذي رواه مائة وعشرون من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأربعة وثمانون من التابعين، وتجاوزت طبقات رواته من أئمة الحديث ثلاثمائة وستين راوياً، وقد بلغ المؤلِّفون في هذا الحديث من علماء السنة والشيعة أكثر من ستة وعشرين(17). ومجمل القصة: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما رجع من حجة الوداع، وصل إلى موضع يقال له «غدير خُمّ» فأوقف الناس عن المسير، وصعد المنبر في حرّ الظهيرة وخطب خطبة طويلة بمحضر أكثر من مائة ألف شخص، وقال في خطبته، وهو آخذ بكف علي (عليه السلام): «يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فهذا ـ يعني عليّاً ـ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. وإني سائلكم حين تردون عليّ، عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر: كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي»(18). وذكر الإمام أحمد(19): أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد علي (عليه السلام) ، فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى.. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. |
|
|
حديث المنزلة |
|
|
الثالث: حديث المنزلة وقد ذكره الإمامان (أحمد)(20) و(النسائي)(21) وغيرهما(22)، أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام):«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي، إنه لا ينبغي أن أذهب، إلاّ وأنت خليفتي». الى غيرها وغيرها من الأدلة. |
|
|
|
|
|
الإمام الأول: هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمه فاطمة بنت أسد، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوج ابنته، والخليفة على الناس من بعده، أمير المؤمنين، والد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) . ولد في الكعبة المعظمة بمكة يوم الجمعة ليلة الثالث عشر من رجب، بعد ثلاثين سنة من ولادة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واستشهد ليلة الجمعة في مسجد الكوفة في المحراب، بسيف ابن ملجم الخارجي (لعنه الله) ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، ولحق بالرفيق الأعلى بعد ثلاثة أيام من ضربته، وعمره الشريف ثلاث وستون سنة، قام بتجهيزه الإمامان الحسن والحسين (عليه السلام) ودفن في النجف الأشرف حيث مرقده الآن. الإمام الثاني: هو الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمه فاطمة الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله)،وهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وثاني خلفائه والإمام على الناس بعد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام). ولد في المدينة المنورة يوم الثلاثاء في منتصف شهر رمضان المبارك في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، وتوفي شهيداً بالسم يوم الخميس السابع من صفر سنة تسع وأربعين، قام بتجهيزه الإمام الحسين (عليه السلام)، ودفن في البقيع في المدينة المنورة حيث مضجعه الآن. الإمام الثالث: هو الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمه فاطمة الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)وثالث خلفائه، وأبو الأئمة التسعة من بعده، والإمام على الناس بعد أخيه الحسن (عليه السلام). ولد بالمدينة المنورة ثالث شهر شعبان في السنة التي ولد فيها الحسن (عليه السلام)، وقتل ظلماً بالسيف ظامئا في واقعة عاشوراء المشهورة، يوم السبت العاشر من محرم الحرام سنة إحدى وستين من الهجرة، قام بأموره بعد ثلاثة أيام ولده الإمام زين العابدين (عليه السلام) وواراه حيث قبره الآن في كربلاء المقدسة. الإمام الرابع: هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ، وأمه شاه زنان بنت الملك يزدجرد، ولد بالمدينة المنورة يوم النصف من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين يوم فتح علي(عليه السلام) البصرة، ومات مسموماً يوم السبت الخامس والعشرين من شهر المحرم سنة خمس وتسعين، وعمره الشريف سبع وخمسون سنة، وتولى تجهيزه ولده الباقر(عليه السلام) ودفن في المدينة بالبقيع. الإمام الخامس: هو الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ، وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن (عليه السلام)، ولد يوم الاثنين، ثالث شهر صفر، ويقال: أول رجب، وكان ذلك عام سبع وخمسين، وهو أول علوي بين علويين، ومات مسموماً يوم الاثنين، سابع ذي الحجة سنة مائة وأربعة عشرة، وله سبع وخمسون سنة، وتولى تجهيزه ولده الصادق (عليه السلام) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة. الإمام السادس: هو جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ، وأمه فاطمة الملقبة بـ (أم فروة)، ولد بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول، يوم ميلاد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان ذلك سنة ثلاث وثمانين، ومات مسموماً يوم الخامس والعشرين من شوال سنة مائة وثمان وأربعين، وعمره إذ ذاك خمس وستون سنة، وتولى تجهيزه ولده الكاظم (عليه السلام) ودفن بالبقيع حيث مرقده الشريف الآن، ومن تلاميذه أبو حنيفة ومالك. الإمام السابع: هو موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ، وأمه حميدة المصفات، ولد بالأبواء ـ وهو منزل بين مكة والمدينة ـ يوم الأحد سابع شهر صفر سنة مائة وثمان وعشرين، وتوفي مسموماً في حبس (هارون) بعد ما طال سجنه أربعة عشر سنة ظلمًا واعتداء اً، وكان ذلك في الخامس والعشرين من رجب سنة مائة وثلاث وثمانين، وتولى تجهيزه ولده الرضا (عليه السلام)، ودفن حيث مرقده الآن في الكاظمية. الإمام الثامن: هو علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، وأمه السيدة نجمة، ولد يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة مائة وثمان وأربعين بالمدينة المنورة، وتوفي مسموما يوم آخر صفر سنة مائتين وثلاث، وتولى تجهيزه ولده الجواد (عليه السلام)، ودفن في خراسان حيث مرقده الآن. الإمام التاسع: هو محمد بن علي الجواد (عليه السلام) وأمه السيدة سبيكة، ولد يوم العاشر من شهر رجب سنة مائة وخمس وتسعين في المدينة المنورة، وتوفي مسموماً في بغداد في آخر ذي القعدة سنة مائتين وعشرين، وتولى تجهيزه ولده الهادي (عليه السلام)، ودفن عند ظهر جده موسى بن جعفر (عليه السلام) بالكاظمية حيث قبره الآن. الإمام العاشر: هو علي بن محمد الهادي (عليه السلام) ، وأمه السيدة سمانة، ولد بالمدينة المنورة خامس عشر ذي الحجة، أو ثاني رجب، سنة مائتين واثنتي عشرة، وتوفي مسموماً بسامراء يوم الاثنين ثالث شهر رجب سنة مائتين وأربع وخمسين، وتولى تجهيزه ولده العسكري (عليه السلام)، ودفن حيث مضجعه الآن في سامراء. الإمام الحادي عشر: هو الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) ، وأمه السيدة جدة، ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة مائتين واثنتين وثلاثين، وتوفي مسموماً يوم الجمعة الثامن من شهر ربيع الأول، وقام بتجهيزه ولده الحجة (عليه السلام)، ودفن عند أبيه بسامراء، حيث مزاره الشريف الآن. الإمام الثاني عشر: هو الحجة المهدي محمد بن الحسن (عليه السلام) ، وأمه السيدة نرجس، ولد بسامراء ليلة النصف من شعبان سنة مائتين وخمس وخمسين، وهذا الإمام هو آخر حجج الله على الأرض وخاتم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآخر أئمة المسلمين الاثني عشر، وهو بعد في دار الدنيا، قد أطال الله تعالى بمشيئته عمره الشريف، وهو غائب عن الأنام، وسيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا وقسطا بعد أن ملئت ظلما وجورا، كما ورد بذلك أحاديث(23) متواترة عن السنَّة والشيعة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن الأئمة الطاهرين(عليهم السلام). اللَّهّم عجِّل فرجه وسهِّل مخرجه، واجعلنا من أنصاره وأعوانه. |
|
|
الفصل الرابع: فتوى أكبر علماء السنَّة بجواز التعبد بالمذهب الشيعي |
|
|
نص الفتوى التي أصدرها صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية: قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلّد أحد المذاهب الأربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإثني عشرية مثلا؟ فأجاب فضيلته: 1: إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه، اتباع مذهب معين،بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلِّد بادي ذي بدء أيّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، أيّ مذهب كان، ولا حرج عليه في شيء من ذلك. 2: إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، مذهب يجوز التعبّد به شرعا، كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم، والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. |
|
|
التوقيع (محمود شلتوت) |
|
|
خاتمة |
|
|
وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. |
|
|
كربلاء المقدسة محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي
|
|
|
1 - قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشيراً الى علي بن أبي طالب (عليه السلام): (والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة) راجع تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج2 ص442 ح951، وص 348 ح849 و851. المناقب للخوارزمي الحنفي : ص62، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: ج2 ص362 ح1139. كفاية الطالب للكنجي الشافعي: ص245 و313 و314. كنوز الحقائق للمناوي الشافعي: ص83. الدر المنثور للسيوطي الشافعي: ج6 ص379. تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي: ص54. فرائد السمطين: ج1 ص156. وانظر أيضاً: بحار الأنوار: ج36 ص283 و284 ب41 ح106. 2 - راجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص529 الباب السادس والسبعون في بيان الأئمة الاثني عشر بأسمائهم. وأيضاً فرائد السمطين: ج2 ص132 الحديث 431. وغاية المرام : ص743 الحديث 57. 7 - بصائر الدرجات: ص148 ب13 ح7. 8 - الإحصاءات الأخيرة تقول بأن هناك أكثر من 500 مليون شيعي. 13 - راجع صحيح البخاري: ح323، وفيه: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، ح419. وسنن الترمذي: ح1474، وسنن النسائي: ح429، ومسند أحمد: ح2606، 7096، 9328، 20337، 21120 وسنن النسائي: ح728، وسنن ابن ماجه: ح560. وراجع أيضاً صحيح مسلم: ح810، وفيه: (جعلت لي الأرض طيبة ومسجداً)، وسنن الدارمي: ح1353. وح811، وفيه: (جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً). وح812، وفيه: (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)، ومسند أحمد: ح13745،18902وح20352، 20463. ومسند أحمد: ح2144، وفيه: (جعلت لي الأرض مسجداً). ومسند أحمد: ح21120، وفيه: (جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره).ومسند ؤاحمد:ح21183، وفيه: (جعلت الأرض لأمتي مسجداً). وانظر أيضاً: أمالي الصدوق: ص216 المجلس38 الحديث6. 14 - تاريخ الأمم والملوك: ج2 ص 63، مطبعة الاستقامة 1357 هـ. 15 - الكامل في التاريخ: ج2 ص 41 ـ 42، طبعة الإدارة المنيرية. 18 - الصواعق المحرقة: ص 25، المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1323 هـ. 19 - المراجعات، عن (المسند) لأحمد بن حنبل: ج4 ص 281 . 20 - المراجعات، عن المسند: ص 330 . 21 - المراجعات، عن الخصائص: ص 6 . 22 - صحيح البخاري: ح4064، وصحيح مسلم: 4418، وسنن الترمذي: ح3664. |
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التقريب بين المذاهب الاسلامية(*) أ. د. محمد عمارة مفكر اسلامي من مصر
في الحديث عن التقريب بين المذاهب الاسلامية، هناك خلط بين المفاهيم المرادة من وراء المصطلحات التي يستخدمها الباحثون في هذا الميدان.. »فالتقريب« بين المذاهب غير »التوحيد« للمذاهب.. وكلاهما متميز عن »احتضان« جميع المذاهب والاستفادة من الملائم في أحكامها واجتهادات مجتهديها.
ثم إن »المذاهب« قد يراد بها »المذاهب الفقهية«.. وقد يراد بها »المذاهب الكلامية«. لذلك، لابد من البدء بتحديد وتحرير مضامين ومفاهيم كل مصطلح من هذه المصطلحات.
»فالتقريب«: هو الانطلاق من تمايز المذاهب المتعددة والمختلفة، مع العدول عن نفي مذهب للمذاهب الأخرى، بالتعصب لمذهب واحد، ورفض ماعداه.. فهو – التقريب – تعايش بين المذاهب المختلفة، مع اكتشاف الإطار العام الجامع لها، ومناطق الاتفاق بينها، وتحديد مناطق التمايز والاختلاف.
أما »التوحيد« بين المذاهب: فإنه يعني دمجها جميعاً في مذهب واحد، ونفي قاعدة التعدد والتمايز والاختلاف..
وبين هذين المصطلحين يأتى »الاحتضان« والاستفادة من المذاهب المختلفة والمتمايزة، باعتبارها اجتهادات إسلامية في إطار علم واحد وحضارة واحدة ودين واحد، والنظر إلى الأحكام التي أثمرتها الاجتهادات المذهبية المختلفة باعتبارها التراث الواحد للأمة الواحدة، ومن ثم الاستفادة بالملائم منها، الذي يلبي حاجات تحقيق المصالح والضرورات المتجددة بحكم تمايز الزمان والمكان وتنوع العادات والتقاليد والأعراف.. أي توسيع دائرة الترجيح بين الأحكام والاجتهادات من نطاق المذهب الواحد إلى جملة المذاهب كلها.. ومفهوم »الاحتضان« هذا من الممكن أن يكون ثمرة من ثمرات »التقريب«.
أما مصطلح »المذاهب«، فإنه يطلق على المذاهب الفقهية، التي هي علم الفروع، واجتهادات الفقهاء في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت عبر الزمان والمكان.. وقد يطلق هذا المصطلح »المذاهب« على المذاهب الكلامية، أي التصورات والاجتهادات التي أبدعها علماء أصول الدين في إطار العقائد الإسلامية، وخاصة »الألوهية« وصفات الذات الإلهية .. و»النبوات والرسالات« وما يتعلق بها من المعجزات.. و»فلسفة العلاقة بين الحق والخلق«، وما يتعلق بها من مكانة الإنسان في الكون، وأفعال هذا الإنسان .. الخ.
هذا عن ضبط مفاهيم ومضامين مصطلحات هذا المبحث من مباحث الفكر الإسلامي.
* * *
أما عن التاريخ الحديث للجهود والدعوات التي بذلت وقامت للتقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية، بهدف الخروج من التعصب لواحد منها ضد ماعداه، والاستفادة من كل الاجتهادات فيها، لتلبية احتياجات التشريع للمستجدات العصرية.. فلعل دعوة الآستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (1265 – 1323هـ ، 1849 – 1905م) في التقرير الذي كتبه لإصلاح القضاء الشرعي – أن تكون أبرز هذه الدعوات في عصرنا الحديث، لاحتضان كل مذاهب الفقه الإسلامي، والاستفادة من اجتهاداتها في القضاء والتقنين الحديث لفقه الشريعة الإسلامية .. فلقد كانت الدولة العثمانية (669 – 1342هـ ، 1299 – 1922م) تلتزم المذهب الحنفي وحده، وبفقهه وحده يحكم القضاء ويفتي المفتون في ولاياتها، رغم تمذهب الناس فيها بالمذاهب السنية الأربعة: الحنفي.. والمالكي.. والشافعي.. والحنبلي.. وللمذهب الحنفي وحده تم التقنين في »مجلة الأحكام العدلية« عام 1286هـ 1869م .. فلما درس الإمام محمد عبده حال القضاء الشرعي بمصر ، دعا في التقرير الذي كتبه في نوفمبر عام 1899م – إلى إصلاح حال هذا القضاء وفقهه.. ودعا إلى احتضان كل المذاهب الفقهية والاستفادة من اجتهادات جميع مجتهديها، لما في ذلك من فتح باب الاجتهاد ، والتيسير على الناس، وتلبية حاجات المستجدات (الأعمال الكاملة ج 2، ص 209 – 288).
ولقد كانت حركة التقنين للفقه الإسلامي بمصر، في مقدمة الحركات التي وضعت دعوة الإمام محمد عبده في الممارسة والتطبيق.. ففي التعديلات التي أدخلت على بعض مواد قوانين الأسرة – الأحوال الشخصية – تمت الاستفادة من المذاهب الفقهية المختلفة، بما في ذلك المذهب الجعفري – للشيعة الاثني عشرية – والمذهب الزيدي – للشيعة الزيدية.
ولما قامت مصر بإصدار موسوعة الفقه الإسلامي – موسوعة جمال عبد الناصر – اعتمدت كل المذاهب الفقهية الموثقة مصادرها، واحتضنت أحكامها واجتهادات مجتهديها جميعاً – وهي المذاهب السنية الأربعة. مع المذهب الجعفري ، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي ، والمذهب الظاهري.. فكانت »للفقه المصري« - إذا جاز التعبير – الريادة في انتهاج هذا الطريق الذي لا يكتفي، فقط »بالتقريب« بين المذاهب الفقهية، أي رفض التعصب لمذهب واحد ضد ماعداه، وإنما تجاوز »الموقف المصري« هذا »التقريب« إلى »احتضان« كل المذاهب، والعمل على الاستفادة من الملائم الملبي لاحتياجات الأمة ومستجدات العصر من اجتهادات المذاهب الفقهية جميعاً.
وفي أربعينيات القرن العشرين، قامت في مصر »جماعة التقريب بين المذاهب«، مركزة جهودها على مذاهب السنة والشيعة الإمامية بوجه خاص.
ولقد رأس هذه الجماعة الزعيم المصلح محمد علي علوبة باشا (1292 – 1375 هـ ، 1875 – 1956).. وكان في مقدمة مؤسسيها والعاملين في ميدان جهودها الفقهية والفكرية الأئمة والعلماء الأعلام: الشيخ عبد المجيد سليم (1299 – 1374هـ ) والشيخ محمد مصطفى المراغي (1298 – 1364هـ، 1881 – 1945م) والشيخ مصطفى عبد الرازق (1302 – 1366هـ ، 1885 – 1946م) والشيخ محمود شلتوت (1310 – 1383هـ ، 1893 هـ – 1963م) والشيخ محمد المدني (1325 – 1388 هـ ، 1907 – 1968م) والشيخ علي الخفيف (1308 – 1398هـ ، 1891 – 1978م) والشيخ عبد العزيز عيسى (1327 – 1415هـ ، 1909 – 1994م) والشيخ حسن البنا (1324 – 1368هـ ، 1906 – 1949م) والشيخ سيد سابق.. وغيرهم من أئمة علماء السنة.
كما ضمت هذه اللجنة – في إطار »دار التقريب«- كوكبة من كبار علماء الشيعة الاثني عشرية.. من مثل آية الله اقا حسين البروجردي.. والسيد محمد تقي الدين القمي – الذي تولى الأمانة العامة للجماعة – والسيد محمد ال حسين آل كاشف الغطاء.. والسيد شرف الدين الموسوي.. والسيد محمد جواد مغنية.. والسيد صدر الدين شرف الدين.. وغيرهم.
وكانت مجلة »رسالة الإسلام« لسان حال هذه الجماعة، من أبرز المنابر الفكرية التي تجسدت فيها الجهود التي بذلت في هذا اللون من التقريب بين المذاهب الاسلامية.. وفي إزالة الشبهات والعقبات من ميادين العلاقة بين السنة والشيعة على وجه الخصوص.
كذلك، كانت جهود الشيخ محمود شلتوت من أبرز ما تمخضت عنه اجتهادات هذا اللون من التقريب بين المذاهب الفقهية.. فلقد كتب عن مقاصد هذه الدعوة، وجهود هذه الجماعة فقال: »إن دعوة التقريب هي دعوة التوحيد والوحدة، هي دعوة الإسلام والسلام.. كنت أود أن أستطيع تصوير فكرة الحرية المذهبية الصحيحة المستقيمة على نهج الإسلام، والتي كان عليها الأئمة الأعلام في تاريخنا الفقهي، أولئك الذين كانوا يترفعون عن العصبية الضيقة، ويربأون بدين الله وشريعته عن الجمود والخمول، فلا يزعم أحدهم أنه أتى بالحق الذي لا ريب فيه، وأن على سائر الناس أن يتبعوه، ولكن يقول: »هذا مذهبي، وما وصل إليه جهدي وعلمي، ولست أبيح لأحد تقليدي واتباعي دون أن ينظر ويعلم من أين قلت ما قلت، فإن الدليل إذا استقام فهو عمدتي، والحديث إذا صح فهو مذهبي«.
»ولقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم، وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة، ثم تهيأ لي بعد ذلك، وقد عهد إليَّ بمنصب مشيخة الأزهر، أن أصدرت فتواي في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة، الأصول، المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الأثني عشرية.. وقرت الفتوى عيون المؤمنين المخلصين الذين لاهدف لهم إلا الحق والألفة ومصلحة الأمة. وظلت تتوارد الأسئلة والمشاورات والمجادلات في شأنها وأنا مؤمن بصحتها، ثابت على فكرتها، أؤيدها في الحين بعد الحين، فيما أبعث به من رسائل إلى المستوضحين، أو أرد به على شبه المعترضين، وفيما أنشئ من مقال ينشر أو حديث يذاع، أو بيان أدعو به إلى الوحدة والتماسك والاتفاق حول أصول الاسلام ، ونسيان الضغائن والأحقاد، التي أصبحت – والحمد لله – حقيقة مقررة تجري بين المسلمين مجرى القضايا المسلمة، بعد أن كان المرجفون في مختلف عهود الضعف الفكري والخلاف الطائفي والنزاع السياسي، يثيرون في موضوعها الشكوك والأوهام بالباطل، وها هو ذا الأزهر الشريف ينزل على حكم هذا المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب المذاهب المختلفة، فيقرر دراسة فقه المذاهب الإسلامية، سنيها وشيعيها، دراسة تعتمد على الدليل والبرهان، وتخلو من التعصب لفلان وفلان« (كتاب مشيخة الأزهر) للشيخ علي عبد العظيم . ج 2 ص 187 ، 188.
هكذا تحدث الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، عن فكرة التقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية، والتقريب بين أرباب هذه المذاهب – أي بين علماء السنة والشيعة.. وعن شمول هذه الدعوة لكل المذاهب الفقهية الثابتة الأصول، المعتمدة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين. وعن جواز التعبد بفقه جميع هذه المذاهب دون استثناء.. كما حدث عن الجدل الذي دار حول فتواه بهذا الخصوص.. وعن تبني الأزهر الشريف لهذا الاتجاه في التقريب بين مذاهب الفقه الاسلامي.
أما نص الفتوى التي أصدرها الشيخ شلتوت، والتي أثارت جدلا فكريا حول هذا الموضوع.. فلقد جاءت ردا على سؤال نصه:
»إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح، أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإثنا عشرية مثلا؟«..
فكان جواب الشيخ شلتوت على هذا السؤال:
»إن الإسلام لا يوجب على أحد اتباع مذهب معين، بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحاً، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره – أي مذهب كان – ولا حرج عليه في شيء.
إن مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته تابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ، يجوز – لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد – تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات« - كتاب (مشيخة الأزهر« ج 2 ص 188.
ذلك هو نص فتوى الشيخ شلتوت في التقريب بين المذاهب الفقهية. وفي جواز التعبد والتعامل وفق أحكامها جميعا دون تعصب لمذهب ضد ماعداه.
وجواز التعبد والتعامل – من قبل أهل السنة – وفق فقه المذهب الجعفري للشيعة الإمامية الإثنا عشرية على وجه التحديد.
ورغم أن هذه الفتوى قد وجدت صدى عظيما وواسعاً ومستمراً في الدوائر الشيعية، ورفعت من مقام الشيخ شلتوت في هذه الدوائر، حتى لقد تم الاحتفال به وبآية الله البروجردي في طهران عام 2001م.. ولقد ترجم علماء الشيعة فتواه هذه الى مختلف اللغات إلا انه لم تصدر فتوى مناظرة لها من أي مرجع من مراجع الشيعة، ولم يفت واحد من هؤلاء العلماء الأعلام بجواز تعبد وتعامل المسلم الشيعي وفق فقه المذاهب الفقهية السنية، حتى يكون التقريب متبادلا بين الأطراف المتعددة، وليس من طرف واحد لحساب الطرف الثاني!
بل إن دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية – الصادر بعد الثورة الإسلامية – قد ذهب إلى الحد الذي جعل المذهب الجعفري وحده هو مذهب الدولة، ونص على أن المادة التي تقرر ذلك لايجوز تغييرها فيما يطرأ على مواد هذا الدستور من تغييرات!.. الأمر الذي يجعل قضية التقريب بين المذاهب الفقهية قائمة على ساق واحدة، ومن طرف واحد حتى كتابة هذه السطور!..
وإذا كانت لنا من ملاحظات على هذه الجهود العلمية العظيمة التي بذلتها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، والتي أثمرت ثمرات طيبة في ميدان التقريب بين السنة والشيعة.. وهي الجهود التي يحاول مواصلتها – قدر الإمكان.. وعلى نحو من الأنحاء - »المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب« بطهران – فإن هذه الملاحظات يمكن إجمالها في هذه النقاط.
أولا: إن توجيه جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية إلى التقريب بين المذاهب الفقهية، هو جهاد في غير الميدان الحقيقي الأولى بالجهاد.. أو على أحسن الفروض – هو جهاد في الميدان الأسهل، الذي لا يمثل المشكلة الحقيقية في الخلافات بين المذاهب الإسلامية.. وبين السنة والشيعة على وجه التحديد – فالفقه هو علم الفروع.. وكلما زاد الاجتهاد والتجديد في الفقه الاسلامي كلما تمايزت الاجتهادات في الاحكام الفقهية. ففتح الآفاق أمام تمايزات الاجتهادات هو الذي يحرك العقل الإسلامي المجتهد، وليس التقريب فضلا عن التوحيد لهذه الاجتهادات فقط يزيد احتضان الاجتهادات المذهبية الفقهية المتنوعة، والاستفادة بالملائم من احكامها للتيسير على الناس، ولمواكبة المستجدات.
وثانياً: إن الفقه هو علم الفروع.. وتمايز الاجتهادات فيه واختلاف المجتهدين في أحكامه لم يكن في يوم من الأيام يمثل مشكلة لوحدة الأمة، بل كان مصدر غنى وثراء للعقل الفقهي والواقع الإسلامي على السواء.. وفي الفقه كان الأئمة والعلماء، المختلفون في المذاهب، يتتلمذ الواحد منهم على من خالفه في المذهب.. بل ورأينا في تراثنا من العلماء الأعلام من يجمع المذاهب المتعددة في فقهه وعطائه، فيفتي وفق مذهب، ويقضي وفق مذهب ثان، ويدرس كل المذاهب لطلاب علمه ومريديه!.
فاختلاف المذاهب الفقهية هو ظاهرة صحية في الفكر الاسلامي، وهو مصدر من مصادر الغنى والثراء لهذا الفقه، ولا يمثل أية مشكلة لوحدة أمة الاسلام.. ومن ثم، فليس هو الميدان الحقيقي والأوّلي للجهاد الفكري في التقريب بين مذاهب المسلمين.
وثالثاً: إن الميدان الذي كان ولايزال يمثل مشكلة لوحدة الأمة – التي هي فريضة إلهية وتكليف قرآني – هو ميدان بعض الاجتهادات المذهبية في المذاهب الكلامية الاسلامية.. وعلى وجه التحديد أحكام »التكفير« و»التفسيق« التي نجدها في تراث هذه المذاهب، والتي ارتبطت بقضية الإمامة على سبيل الحصر والتحديد.
إن اختلاف مذاهب الفقه – السنية والشيعية – حول »نكاح المتعة« مثلاً، لا يمثل مشكلة تقصم وحدة الأمة الاسلامية.. لكن الاجتهادات التي تكفر الصحابة الذين أخروا خلافة علي ابن أبي طالب هي التي تهدد وحدة الأمة منذ عصر الخلافة وحتى هذه اللحظات.
ومثلها الاجتهادات التي تكفر الشيعة في بعض كتب التراث السني، كما هو الحال عند شيخ الإسلام ابن تيمية (661 – 728هـ ، 1263 – 1328م) وبعض الأئمة »السلفيين«.. ويضاف إلى هذه المسائل بعض الآراء التي توهم التجسيد والتشبيه للذات الإلهية.. وبعض المواقف الحادة في ميدان التصوف والصوفيين.
فالتقريب بين المذاهب، والذي يمثل الميدان الحقيقي للجهاد الفكري المطلوب، هو الذي يوحد الأمة في الأصول والثوابت، وفي أمهات العقائد والمسائل الفكرية.. وهذا هو ميدان علم الكلام.. والجهد التقريبي – الغائب والمطلوب – هو نزع » الألغام الفكرية – التكفيرية« التي تقصم وحدة الأمة بالتكفير لفريق من الفرقاء أو مذهب من المذاهب، لأن التكفير هو نفي للآخر، يقصم وحدة الأمة.. وهو خطر لا علاقة به بالفقه، الذي هو علم الفروع، ولا بالاجتهادات والأختلافات الفقهية، التي هي ظاهرة صحية، تثمر الغنى والثراء في الأحكام، واليسر والسعة للأمة كلها في تطبيق هذه الأحكام.
وإذا كانت هذه »الألغام الفكرية – التكفيرية«، التي تتغذى بها وعليها عقول قطاعات من العلماء في بعض الحوزات العلمية، وفي بعض الدوائر الفكرية السنية.. كما تتغذى عليها نزعات التعصب عند العامة.. إذا كانت هذه »الألغام« قد غدت راسخة، بل و»متكلسة«!.. فإن الموقف الممكن والعملي إزاءها يمكن تصوره فيما يلي:
1- تحديد نطاق هذه »الألغام الفكرية – التكفيرية«.. وأغلبها – لحسن الحظ – نابع من نقل القضايا الخلافية من نطاق »أصول الاعتقاد«، وتحويلها – من ثم – إلى عوامل »نفي.. وتكفير« للمخالفين..
2- اعتماد منهاج وسنة التدرج في تطبيق خطة إزالة هذه »الألغام الفكرية – التكفيرية« من الكتب التراثية، وخاصة الذي يدرس منها في الحوزات العلمية والجامعات الإسلامية، وذلك بحذفها من الطبعات الجديدة لكتب التراث هذه.. وفق المنهاج المتعارف عليه في (تهذيب) كتب التراث..
3- الاتفاق – في إطار حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية – على منع تدريس هذه (الاجتهادات التكفيرية) في الحوزات والجامعات الإسلامية التي تكون عقول العلماء في مختلف بلاد الإسلام.. ولنا في منهاج الأزهر الشريف النموذج والقدوة في هذا الميدان، فهو يحتضن كل مذاهب الأمة – الفقهية والكلامية – سلفها وخلفها على حد سواء، مع استبعاد التكفير والتفسيق لأي مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق الإسلامية ، حفاظاً على وحدة الأمة، التي هي فريضة إلهية، تعلو فوق اجتهادات المجتهدين ومذاهب المتمذهبين.
وصدق الله العظيم : (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الانبياء 92..
ذلك هو الميدان الحقيقي للجهاد الفكري في التقريب بين المذاهب الإسلامية.. إنه علم الكلام.. علم الأصول في الاعتقاد.. وليس علم الفقه والمذاهب الفقهية، التي تتخصص في الفروع، واختلافاتها رحمة واسعة، ولا تفسد الود بين المسلمين.
رسالة التقريب: ان المجلة لتقدر للاستاذ المفكر الكبير روحه التقريبية العالية وتتوقع ان يمدها بافكاره النيرة ولها حول هذا المقال بعض النقاط.
الاولى: ان العمل الكبير الذي انجزه الامام الشيخ شلتوت لم يكن هو السماح للفرد السني بالتمذهب بالمذهب الجعفري فليس هذا (أي مسألة الانتقال من مذهب إلى آخر) هو الهم؛ اذ من يثبت لديه ارجحية مذهب على آخر فانه ينتقل اليه دون انتظار لفتوى احد، ولكن الرقم الصعب الذي حققه – رحمه الله –هو كسر هذا الحاجز النفسي بين السنة والشيعة والذي كان يترك أثره في التشكيك والريبة وبالتالي في التباعد بينهما حيث اكد اسلامية الشيعة وانتهالهم من المصادر الاسلامية. وعلماء الشيعة بدورهم اكدوا مرارا هذه الحقيقة بحق اخوانهم اهل السنة، فهذه فتوى الامام الخميني(رحمه الله) بلزوم التحاق الايرانيين بصلاة الجماعة في المسجدين والاستشكال في صلاة الجماعة في محل اقامتهم دليل ذلك.
الثانية: ان ما جاء في دستور الجمهورية الاسلامية من جعل المذهب الجعفري مذهب الدولة لا يتنافى مطلقا مع مهمة التقريب بين مذاهب المسلمين، ذلك ان الدستور يجب ان يكون المرجع في المسائل الخلافية التي ترتبط بالجانب الاجتماعي العام والتي لا تتحمل خلافا (بخلاف السلوكات الشخصية التي يعمل فيها اتباع كل مذهب وفق مذهبهم).
وحينئذ لا مناص من اتباع مذهب الاكثرية وهو مافعله الدستور الايراني وهو نفس الحل الذي طرحه المرحوم الشيخ ابو الأعلى المودودي حين ووجه بمسألة اختلاف المذاهب كعقبة امام قيام الحكم الاسلامي، فاعتماد المذهب الجعفري من قبل الدولة الاسلامية الايرانية جاء معتمداً على عامل الأكثرية السكانية لهذه البلاد، وليس تجاوزا لمذاهب المسلمين الأخرى ولذا عملت الدولة وسعها على تعزيز فعاليات تلك المذاهب في مناطق وجودها كالنشاط الحوزوي ، والحركة الثقافية كترجمة مؤلفات علماء المذاهب الأربعة كمؤلفات الاستاذ الشيخ يوسف القضاوي، حفظه الله – مثلاً – التي انتشرت بشكل واسع في ايران، وغيرها من مؤلفات علمية قيمة.. ولقد نمت الحوزات العلمية للمذاهب الأربعة في مناطق المسلمين السنة، في الجمهورية الاسلامية كما ، وكيفا ، بشكل لم يشهد له تاريخ ايران مثيلا.. كما ان دور اتباع المذاهب السنية في الحياة العامة للبلاد لا يختلف مطلقا عن دور غيرهم في الانتخابات العامة او المشاركة في المجالس البرلمانية، والحياة الثقافية او غيرها ، رغم كونها اقلية بالنسبة لسكان البلاد..
الثالثة: وبخصوص موقف أئمة الشيعة الأمامية من اتباع المذاهب المسلمة الأخرى، فهو صريح بضرورة اشاعة المودة والتآلف والتعارف معهم، والحرص على اشاعة المعروف والتواصل بين المسلمين كما هي سيرة سائر الأئمة من أهل البيت(ع) مع المسلمين؛ حتى ان الامام الصادق(ع) دعا اصحابه الى ان الصلاة معهم كالصلاة مع رسول الله(ص) قطعا لدابر الخلاف، والقطيعة بين المسلمين، ونجد في وصايا الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) الى شعبة الكثير من هذه المفاهيم كما ورد في »تحف العقول« لأني شعبة الحراني، ونستطيع ان نجد في دعوة أهل البيت(ع) ، وعلماء مدرستهم، الموقف الصريح الواضح لوحدة المسلمين، وتنبيههم ونبذ الفرقة بينهم، وتآلفهم، والوقوف في وجه حالات التطرف، والتفسيق لاصحاب الرأي الآخر، كما يتضح ذلك في كتاب »الفصول المهمة لتأليف الامة« للأمام السيد شرف الدين الذي جمع في ذلك الكتاب القيّم، أروع الروايات التي تحث على وحدة الامة والمسلمين تحت رأية القرآن، والسنة الشريفة، كما نجد ذلك صريحاً في كتاب »الدعوة الاسلامية للوحدة بين أهل السنة والأمامية« للمرحوم الشيخ ابو الحسن الخنيزي رحمه الله. ان الروح التي اشاعها العلماء المجاهدون من اتباع اهل البيت(ع) تمثل أروع المواقف الرسالية المخلصة لجمع الصفوف واحترام المذاهب المسلمة الاخرى واحتضان اتباعها اخوة في الدين والمصير.
الرابعة: ان التقريب يشمل كل نواحي الحياة الفكرية العقائدية والفقهية العملية فيجب العمل في كل المجالات لتحقيق (تعايش بين المذاهب المختلفة مع اكتشاف الاطار العام الجامع لها، ومناطق الاتفاق بينها وتحديد مناطق التمايز والاختلاف) كما عبٍر الاستاذ عمارة في مطلع المقال. اما التفكير والتفسيق والتبديع فهو المرفوض وخصوصا عبر عملية الزام القائل بلوازم قوله – كما نتصورها نحن .
ونحن نتفق مع الاستاذ في لزوم اتباع الموقف العملي المقترح.
---------------------
*- نقلا عن مجلة الهلال لعدد شعبان 1423.
ـــــــــــــــــــــ
مصر وإيران وسياسة التقريب بين المذاهب
تهدف سياسة التقريب إلى التوفيق بين الآراء والأفكار المختلفة للمذاهب الإسلامية، وتحظى هذه السياسة بمكانة خاصة في الدول الإسلامية وخاصة مصر. كما تعني التعاون بين علماء الدين الإسلامي لإزالة كافة أشكال سوء الفهم الموجودة بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة وخاصة بين السنة والشيعة. ويرى علماء التقريب أن تحقيق أهداف التقريب، يتطلب التعايش الأخوي دون خصام بين الفرق الإسلامية، فهدف التقريب هو تقليص حدة الخصومة والعداء بين أتباع المذاهب الإسلامية. وكان الأزهر في مصر حتى ما قبل عصر الرئيس السادات من رواد الدعوة إلى التقريب. وقد كتب حسن إبراهيم حسن في كتاب ((تاريخ الدولة الفاطمية)): ((تنسب تسمية الأزهر إلى السيدة فاطمة الزهراء، فعندما اعتلى الفاطميون الحكم في مصر في عام 909 نسبوا أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء. وقاموا ببناء الجامع الأزهر لنشر المذهب الشيعي في عام 972. وكان زعماء هذه الأسرة يرون أن الوقت مناسب لنشر الدعوة المذهبية عن طريق العلم ولذلك قاموا بإنشاء دار الحكمة وهي مركز ثقافي كانت مهمته هي نشر التعاليم الشيعية)).
وعلى الرغم من اعتدال الفاطميين في دعوتهم إلى المذهب الشيعي في أول عهدهم بالحكم في مصر، إلا أنهم في السنوات التالية اتجهوا نحو المغالاة والتشدد في هذا الأمر. وعلى سبيل المثال كانت الحكومة الفاطمية تمنع قراءة كتب المذاهب الأخرى وتعمل على تهميش أهل السنة. وربما كانت هذه السياسة من أسباب اتجاه الأيوبيين إلى الدعوة إلى المذهب السني وإقبال أهل السنة على هذه الأسرة وقد اعتلى الأيوبيون الحكم في مصر بعد انهيار أسرة الفاطميين عام 1175، وحولوا مصر إلى مركز ثقافي قوي للدعوة إلى المذهب السني وكان مؤسس هذه الأسرة هو صلاح الدين الأيوبي الذي كان شافعي المذهب فمنع تدريس الفقه الشيعي في الأزهر، واستمر هذا الحال طيلة ثمانين عامًا. بينما تمتع المذهب الشيعي في فترة حكم المماليك والعثمانيين في مصر بوضع أفضل مما كان عليه إبان حكم الأيوبيين بالرغم من سيادة المذهب السني، وفي فترة حكم المماليك عادت صلاة الجمعة تقام في الجامع الأزهر. وتم تعيين عدد من العلماء لتدريس المذاهب الفقهية المختلفة ومنها المذهب الشيعي إلى جانب تدريس الفقه الشافعي. وفي عام 1798 جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وقام علماء الأزهر برفع راية المقاومة ضد الفرنسيين بتأييد الشعب المصري. وأعلن المصريون التحدي ناسين الاختلاف المذهبي وقد أدى تعاون علماء الأزهر مع الشيعة وعلماء التقريب الآخرين إلى هزيمة الحملة الفرنسية. وفي هذه الفترة كان إقدام الفرنسيين على إعدام علماء الدين باعثًا على تدعيم أواصر التضامن والتقريب بين المسلمين أمام العدو الأجنبي.
وفي عام 1805 تم اختيار محمد علي واليًا على مصر وكان يرى -وهو الشخصية الباحثة عن السلطة- أن وجود علماء الأزهر والاتحاد بينهم وبين المجتمع الإسلامي يمثل عائقًا أمام تدعيم سلطته ولإزالة هذا العائق اتبع سياسة فرق تسد، وسياسة فصل الدين عن السياسة لإضعاف الأزهر وعلماء الإسلام. وقد أدت هذه السياسة التي انتهت بعدم قدرة الأزهر ماليًا على مواصلة أداء دوره إلى زوال هذا الدور تدريجيًا. في عام 1915 اقترح المستشار المالي للحكومة المصرية -وكان بريطانيًا- على شيخ الأزهر قبول المساعدات من الحكومة البريطانية للتغلب على المشكلات المالية التي تواجهه (وليس هناك بالطبع معلومات عن موافقة شيخ الأزهر على هذا العرض من عدمه). وفي هذه الفترة كانت سياسة الحكومة المصرية تتمثل في فصل الدين عن السياسة والحيلولة دون توحد المذاهب المختلفة تحت لواء الإسلام. وبهذا لم يتمكن علماء المذاهب المختلفة في الأزهر من أداء دورهم بسبب الفرقة والتحزب والاهتمام بالمصالح الشخصية.
وفي عقد السبعينيات من القرن العشرين تزايدت الاتصالات بين العلماء والمراكز الدينية المختلفة وخاصة بين المراكز السنية والمراكز الشيعية. وتهيأت الظروف في مصر لإقامة "دار التقريب" وكان لجهود فقيد الشيعة في العالم المرجع آية الله العظمى بروجردي دور كبير في إقامة هذه الدار، فقد كان يعتقد اعتقادًا راسخًا في ضرورة إزالة الاختلافات بين المذهب الشيعي والمذهب السني. ورأى أن هذا الأمر سوف يؤدي إلى رفعة الإسلام. وكان آية الله العظمى بروجردي يرى بإدراكه الخاص أنه إذا كان من الممكن حدوث تفاهم وتوافق بين المسلمين. فإن هذا لا يتحقق إلا من خلال المجامع العلمية. ومن ناحية أخرى كان يدرك القوة العلمية للأزهر، ولهذا استغل الإمكانات والفرص المتاحة للاتصال بعلماء مصر، فأرسل إلى مصر نائبًا عنه العلامة الشيخ محمد تقي قمي، الذي كان رجلاً عالمًا تقيًّا مؤمنًا بأهمية الوحدة الإسلامية، وكانت المهمة التي كلفه بها هي العمل على تأييد عملية التقريب في مصر, وتشجيع علماء الإسلام للاهتمام بتحقيق الواجدة الإسلامية. وقد أبلغ الشيخ قمى الشيخ مجيد سليم شيخ الأزهر آنذاك رسالة آية الله العظمى بروجردي الشفوية، كما حمل الرد إلى آية الله العظمى بروجردي. وفتح باب المناقشات التقريبية بين حوزة قم والأزهر. ولم يمض وقت طويل حتى سافر أحد علماء مصر وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري الذي كان أستاذًا بالأزهر ووزيرًا للأوقاف في مصر إلى إيران والتقى بآية الله العظمى بروجردي وبعد ذلك تمت طباعة كتاب "مختصر المنافع" للعلامة الحلي، وكتاب "تفسير مجمع البيان" للشيخ الطوسي في مصر وصار في متناول الأساتذة وطبقة المثقفين من أبناء مصر. وبعد هذه الاتصالات أقام الأزهر لأول مرة منذ وقت طويل احتفالاً كبيرًا في يوم عاشوراء لإحياء وتمجيد ذكرى الحسين. وبعد وفاة الشيخ مجيد سليم تولى الشيخ شلتوت مشيخة الأزهر، وكان من المؤيدين بشدة لوحدة العالم الإسلامي ومن أصحاب الرؤية العميقة في مسائل التقريب فوطد صلته بآية الله العظمى بروجردي, وكان يدعوه في رسائله بالأخ الجليل. وقد قامت دار التقريب في مصر بدور رئيسي في التنسيق بين المذاهب الإسلامية المختلفة. ونتج عن ذلك اتخاذ أول خطوة مهمة وفاصلة. وكانت هذه الخطوة المهمة هي تدريس فقه المذاهب السنية والشيعية في الأزهر، وكان ذلك تطبيقًا للمادة الثالثة من المذكرة التأسيسية لدار التقريب.
وبالرغم من عدم تنفيذ الاقتراح بتدريس المذهب الجعفري في الأزهر، إلا أنه كان متزامنًا مع مهمة أخرى وهو فتوى شيخ الأزهر بجواز التعبد بالفقه الشيعي. وهكذا أفتى أكبر مرجع رسمي لأهل السنة وأعلى سلطة علمية في مصر صراحة بأن أتباع المذهب الشيعي الإثني عشري متساوون مع جميع المذاهب الإسلامية في المميزات الإسلامية بالرغم من الدعاوي السيئة التي تلاحقهم، ورخص لجميع المسلمين من أهل السنة والجماعة اتباع فتاوي علماء الشيعة إذا رغبوا. وبعد عصر الشيخ شلتوت استمر العلماء المصريون في إقامة العلاقات الوثيقة مع علماء الحوزات العلمية الشيعية، وأدى هذا الأمر إلى إقامة أواصر وثيقة بين الشعبين المصري والإيراني. ويقال: إنه على الرغم من أن الفقه الرسمي في مصر غير شيعي، إلا أن ضمير المصريين يحتوي على معتقدات شيعية. ولهذا عمل أتباع المذهب الوهابي على مواجهة المذهب الشيعي لإبعاد الشعب المصري عن المبادئ الفقهية والعقلية للمذهب الشيعي. وفي الوقت الحالي هناك دلائل عديدة على ميل المصريين إلى التفاهم مع إخوانهم الشيعة، وهذا الأمر مبعثه حب المصريين لآل البيت. وعلى سبيل المثال يحرص المصريون على زيارة قبور المعصومين الشريفة ويجيزون تقبيلها. ويعتبر من أكثر الأسماء انتشارًا في مصر بعد اسم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم اسم علي للرجال واسم فاطمة للنساء.
وقد كان لنشر كتاب "المراجعات" الذي يعرض المناظرة بين العالم الإسلامي الكبير عبد الحسين شرف الدين الموسوي أحد حملة لواء التقريب في جبل عامل بلبنان وبين الشيخ سليم شيخ الأزهر دور كبير في إزالة سوء الفهم بين أهل السنة والشيعة. وقد اعترف الشيخ سليم في المراجعة الأخيرة بأنه ليس هناك فرقٌ بين السنة والشيعة، وأن الخلافات الموجودة بين السنة والشيعة أقل من الخلافات الموجودة بين أئمة المذاهب السنية الأربعة.
وفي الواقع هناك مؤشرات لنجاح تحقيق التفاهم والصداقة بين الشيعة والسنة في مصر, ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:
2- يتمتع الشعب المصري بسمة واضحة، وهي الرغبة في التقارب والتفاهم مع جميع إخوانهم المسلمين ومنهم الشيعة. وقد زادت هذه الرغبة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. 3- لا يمكن تجاهل دور الأزهر كمركز روحي ومعنوي، وهو الذي أنشئ في الأساس لنشر المذهب الشيعي، واتبع الأهداف التقريبية بالرغم من أن هذه الجامعة كانت تقع تحت تأثير التوجهات السياسية لحكام مصر في كثير من الحالات. 4- في البعد التاريخي عمل تأسيس الدولة الفاطمية في مصر على إقامة سد حاجز أمام أعداء التقريب. الذين لم ينجحوا رغم جهودهم الكبيرة في مصر في نشر فكرهم المناهض للشيعة.
1- أدى وجود قبور عدد من المنتسبين إلى أهل البيت في مصر إلى اتجاه المصريين إلى إظهار حبهم لآل البيت أكثر من غيرهم من شعوب العالم الإسلامي.
وفي عصر الرئيس جمال عبد الناصر قام الأزهر بنشر موسوعة فقهية بعنوان الفقه على المذاهب الثمانية، وهي المذاهب السنية الأربعة والمذهب الإثني عشري والمذهب الزيدي والمذهب الأباضي والمذهب الظاهري. وفي ذلك العصر تكونت جمعية في مصر بعنوان: "جمعية أهل البيت" وتم إشهارها في وزارة الشئون الاجتماعية تحت رقم 1852 وكانت تنشر مطبوعات غير منتظمة. وقد تم إغلاق هذه الجمعية بعد انتصار الثورة الإيرانية بأمر الحكومة المصرية آنذالك. وفي صعيد مصر وخاصة في محافظات قنا وأسوان توجد جماعة باسم الجعافرة وهم المنتسبون إلى الإمام جعفر الصادق ولهم أفكار تقريبية وتعايش أخوي مع إخوانهم من أهل السنة. وهناك جماعة أخرى من الشيعة الإسماعيلية في شمال أفريقيا هاجروا إلى مصر في فترة الرئيس السادات، وشجعوا وزير الأوقاف المصري على تجديد وترميم مساجد الفاطميين مثل مسجد الأنوار الذي جعلوه مقرًا لهم، كما قاموا بتجديد مسجد الحسين ومسجد السيدة زينب مستغلين إمكانياتهم المالية الكبيرة. كما توجد فرقة صوفية في مصر وأعضاؤها من أتباع الإمام علي ابن أبي طالب وهناك تعاون علمي دائم بينهم وبين علماء السنة.
وقد أدى وجود البهرة والصوفية والجعافرة والجماعات التابعة لأهل البيت من جهة، والفكر المستنير لبعض العلماء مثل الشيخ شلتوت والشيخ الكواكبي من جهة أخرى، إلى تنامي الفكر التقريبي في مصر.
ومع ظهور
