حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


خريطة أقضية فلسطين بالعربية

12
نوفمبر
2009
nermeen — @ 20:47

palestine_map.jpg

نداء إلى شباب مصر بشأن مباراة مصر والجزائر

08
نوفمبر
2009
nermeen — @ 19:01

يا شباب مصر لا تستمع إلى الأفعى الصلعاء المباركية الشيطانية التى يسمونها عمرو صليب ، عيب عليكم وعار عليكم أن تشبهوا هذه اللعبة التافهة التى لا تفيد شعبنا اقتصاديا ولا علميا ولا فكريا ولا سياسيا ولا عسكريا ، أن تشبهوها بالحروب العظيمة والأحداث الجسام والأمجاد الكبيرة .. هذه مجرد لعبة تافهة يستعملها النظام وأزلامه لتخديركم وإلهائكم وسوقكم حسب أغراضه واتجاهاته كالأنعام .. ولا تأخذنكم حمية الجاهلية الكروية العصبية المنافية للإسلام .. فتسيئوا للعلاقات الوثيقة علاقات الأخوة والعروبة والإسلام والجوار والمحبة والمودة الوثيقة بيننا كمصريين وبين أشقائنا وإخوتنا الجزائريين ولا تنصتوا لمشعلى الحرائق ومفرقى الشعوب العربية وتجار الوقيعة والشحناء وغارسى الضعينة والبغضاء بين الشعبين الكريمين .. عيب عليكم أن يصل بكم الأمر إلى سب الجزائر بالسباب المقذع .. لا تستمعوا إلى عمرو صليب ومن وراءه فهم قوم بور وقوم سوء .. يريدون صرفكم عن إسرائيل وأمريكا .. تارة بإشغالكم بما لفقوه لحزب الله الباسل المقاوم العربى الوطنى وأخرى باستعدائكم على إيران الشقيقة المسلمة وثالثة بدفاعهم عن المذنب قتال القتلة هشام طلعت مصطفى يريدون إطفاء نور الله والله متم نوره ويريدون دحض الحق بالباطل ألا ساء ما يحكمون .. ورابعة باستعدائكم على شقيقتكم العربية الكبرى والعظيمة الجزائر. علما بأن مشعل الفتنة وبادئ الشحناء كان الأفعى الصلعاء أى أن الخطأ والإساءة بدأت من عندنا والبادئ أظلم .. فلا لوم حينئذ على الجزائريين فهم يردون على ما بدأناه نحن .. والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ..

وإننى أدعو الاتحاد الأفريقى إلى نقل هذه المباراة إلى أرض محايدة لا مصر ولا الجزائر ، كى يقوم الفريقان باللعب بحرية وراحة وأمان بعيدا عن التحرشات والتهديدات الخطيرة والحمقاء والسوقية والمتعصبة التى يطلقها الجمهور المصرى الذى بلغ به الانحطاط - وأنا فى شديد الأسى والأسف لقول ذلك - حدا خطيرا يجعله يهدد حياة لاعبى الفريق الجزائرى إن هم انتصروا على الفريق المصرى. يا لضيعة العقول وسفاهة الأحلام . أهكذا يكون الشعب المصرى صاحب الحضارة العريقة والتاريخ المجيد ؟! أهكذا يؤول حاله ؟! الجزائر ليست عدوتكم بل هى شقيقتكم وأختكم .. لا تقولون أنكم الشقيقة الكبرى .. بل تواضعوا لله فمن تواضع لله رفعه .. والمسلمون سواسية كأسنان المشط .. وليس من شيم المسلمين إبطال مساعداتهم لأشقائهم بالمن والأذى .. اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

يا شباب مصر لا تعطوا كل هذه الأهمية لهذه اللعبة حتى طغت على حياتكم وما هو مهم من حياتكم وشئون شعبكم العامة والخاصة الاقتصادية والسياسية والعلمية والفكرية والثقافية وباتت مخدرا وملهاة وجزرة يستعملها النظام معكم لتخديركم وصرفكم عما يحيك لكم وللمقاومين ...

أتكرهون عمرو صليب وتقيمون المجموعات الخاصة لمقاطعته فقط من أجل نقله عن جريدة خبر عن منتخبكم كأنه منتخب من الأنبياء والأولياء والمعصومين والصحابة !! فهو ناقل الخبر .. وما بالكم إن صح الخبر أم أكثركم للحق كارهون ؟!! وتتجاهلون سفالاته ضد حزب الله والسيد حسن نصر الله وناصر وهيكل وحماس وإيران والجزائر ودفاعه عن القتلة والمحرضين رجال الأعمال وأعضاء لجنة التعاسات .

ما استثير القوم منكم ومن الجزائر إلا نتيجة لسان هذه الأفعى الصلعاء وأنصارها ومن وراءها .. وأين إذن يا شباب مصر الدعوات إلى الوحدة العربية وأنتم تحتقرون ما عداكم من الدول العربية والإسلامية والأفريقية وترون أنه لم يُخلق مثلكم فى البلاد ؟! وأنتم تنظرون بدونية لما عداكم من الدول العربية والإسلامية والأفريقية ؟ يا شباب مصر ليس من شعب يستحق أن يلقب بشعب الله المختار لا أنتم ولا غيركم من شعوب العالم بل الشعوب مكملة لبعضها البعض ولكل منها مزاياه وعيوبه ومحاسنه ومساوئه .. أفلا تعقلون ؟! ومن يزعم غير ذلك فهو كذاب مغرور متكبر . وأين الأخوة ؟ وكيف تكون أخا لامرئ ولا تتمنى له أن يفوز عليك ولا تتمنى أن تضحى من أجله وأن تضع اللقمة فى فيه وأنت جائع وتؤثر على نفسك وتفرح لفوزه إن فاز عليك ؟! ثم تكون أخا لامرئ ثم تسبه ثم تتعالى عليه وتترفع عنه وترى أنك أعظم منه شأنا وأعلى منه قدرا ومقاما .. بل أنتم سواسية .. لا يعلو أحدكم على الآخر لأنكم أشقاء فى العروبة والإسلام والإنسانية وديننا يعلمنا أن لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أم أنكم جنس آرى صاحب دماء زرقاء !

كفاكم تفاهة وسفاهة وفوتوا الفرصة على مختلقى الفتن وداقى الأسافين وعودوا إلى العروبة والقومية والجوار والإسلام والجدية وانبذوا الأنانية والقطرية والشوفينية المتعصبة الضيقة . أقول لكم هذا بدافع الحرص عليكم . والله الموفق إلى سواء السبيل.    

إيقاف بث قناة "العالم" ... حجب حقيقة و ابتزاز سياسي

07
نوفمبر
2009
nermeen — @ 20:47

إيقاف بث قناة "العالم" ... حجب حقيقة و ابتزاز سياسي 05/11/2009

مقدم البرنامج: حسين مرتضى

الضيوف:

عبد الهادي محفوظ : رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان - بيروت


أحمد الحاج علي: كاتب و محلل سياسي - دمشق


جمال فهمي: عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين - القاهرة


د.حسن سلمان: رئيس هيئة أمناء شبكة الإعلام العراقي - عبر الهاتف


عبد الله السناوي: رئيس تحرير صحيفة العربي - عبر الهاتف

حسين مرتضى: السلام عليكم ... إلى أي حد أصبحت الكلمة و الحقيقة موجعة و يجب طمسها؟ هل دعم المقاومة و نصرة الشعب الفلسطيني و الدفاع عن الأقصى جريمة تجب المعاقبة عليها؟ و هل ممنوع في عالمنا كشف الحقيقة و إسماع صوت المضطهدين و هل الحاكم و الملك و المسؤول منزه يحرم انتقاده؟ ثم عن أي أخلاق يتحدثون ؟ هل القنوات الماجنة و الإباحية و الفاسدة تخدم المصالح العربية و الوحدة الإسلامية و تنمي المجتمع و تثقفه أم أنه لا ضير في ذلك لكون الحاكم بعيداً و المحكوم مشغولاً ؟ أين واقع الحرية و التعبير في العالم العربي و كيف تجب مواجهة القرصنة الفضائية ؟ هل ضاقت الأرض لبعض الأنظمة لينتقل القمع إلى الفضاء ؟


حسين مرتضى: سيد محفوظ، أبدأ من البيان الذي صدر قبل قليل من رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين يعتبر وقف بث قناة مستندة إلى قرارات سياسية. أريد أن أتحدث بداية عن هذه الخطوة ، ماذا تعني من وجهة نظرك و ما الهدف منها؟


عبد الهادي محفوظ: أعتقد أنه أمام تهيئة الأجواء على صعيد الإعلام الرسمي العربي و تحديداً من جانب جامعة الدول العربية عندما حصل قبل ما يزيد عن سنة و نصف مؤتمر لوزراء الإعلام العرب و خرج بشيء اسمه الوثيقة الإعلامية العربية التي حاولت أن تجعل المصادر الإعلامية المرئية و المسموعة حكراً على المصادر الرسمية و التي كرست منع انتقاد الحاكم و التي اعتبرت أن الإعلام ينبغي أن يكون تحت عباءة الأنظمة . في كل الأحوال، القوانين في العالم و الدساتير كلها تشدد على حرية الإعلام. كان هناك محاولة لمصادرة الحريات الإعلامية و للأسف أن هذه الوثيقة خرجت بإجماع الأنظمة على اختلافها رغم انه في تلك الفترة كانت السمة الغالبة على العلاقات العربية - العربية هي الخلافات و كان السؤال، لماذا حصل الإجماع حول هذه النقطة بالذات؟ و تبين أن الطرفين الأساسيين اللذين كانا وراء هذه الخطوة في الوثيقة الإعلامية العربية كانت مصر و السعودية. و الملفت للنظر أن البلدين واحد منهما يملك عرب سات و الآخر يملك نايل سات. المسألة المخالفة للقوانين التي وردت في الوثيقة الإعلامية العربية إضافة إلى تقييم مسألة الحريات الإعلامية العربية هي الخلط بين مؤسسات الخدمة الإعلامية و بين مؤسسات البث. المقصود بمؤسسات الخدمة الإعلامية عرب سات و نايل سات. و وسائل البث هي الفضائيات. في كل القوانين ليس هناك من خلط بين المؤسستين باعتبار أن لكل طرف مرجعية معينة. المؤسسات المرئية و المسموعة مرجعياتها القوانين المرئية و المسموعة و هي التي تحدد الإطار القانوني لسلوك هذه المؤسسات و لتحديد أين يمكن أن تقع هذه المؤسسة أو تلك في خطأ ما و تضع المعايير القانونية لمعالجة ذلك. أما مؤسسات خدمات البث فعملها في كل دول العالم تجاري . أي أنها تمضي عقداً مع مؤسسة معينة لتوفر لها مسألة البث الفضائي. إذاً، ليست هي في حد ذاتها محكمة أو تستطيع أن تتحكم في أي عمل تخضع لمسألة القوانين التجارية. الخطورة في الأمر أنه في الوثيقة الإعلامية العربية التي خرجت وقت ذاك أعطيت مؤسسات خدمة البث الحق في وقف البث. بالتالي، هذا القرار الذي صدر بوقف مؤسسة العالم هو قرار غير قانوني لأنه لم يخرج عن محكمة معينة . المسألة الثانية أنه في الوثيقة الإعلامية العربية اعتبر المرجع مبدئياً دولة البث.


حسين مرتضى: سيد أحمد، القرار غير قانوني، لم يخرج عن أي محكمة و عندما اتصلت قناة العالم مع إدارة القمر الاصطناعي عرب سات ، تحدث مدير القمر السيد نبيل و قال أن القناة ربما قامت بأشياء تسيء إلى بعض التقاليد و تنتقد بعض المسؤولين العرب و تتعارض و الأخلاقيات الدينية و السياسية. كيف تنظر إلى ذلك؟ بالمقابل، هناك حتى في إدارة عرب سات هناك تناقض. بعد هذا الكلام يتحدث الرئيس التنفيذي للمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية عرب سات في اتصال هاتفي مع إحدى الصحف العربية يقول أن المسألة مسألة لها علاقة بالعقد و ما شابه ذلك. المسألة هي أن قناة العالم عملياً هي لا تبرم العقد مع عرب سات و نايل سات . هناك إدارة الإذاعة و التلفزيون في الجمهورية الإسلامية. و إذا لاحظنا باقة القنوات الايرانية مازالت موجودة على عرب سات و نايل سات و فقط استثنيت قناة العالم . إذا كان هناك مشكلة تعاقدية فكيف بقيت القنوات الأخرى و تم حظر قناة العالم؟


أحمد الحاج علي: نحن الآن أمام حدث مهم له مدلولاته و معالمه و مقوماته الأساسية. أعتقد أن حدثاً من هذا المستوى يفوق حتى مسألة القرصنة التي تحدث الآن كما مارستها إسرائيل. لذلك، يجب أن لا نعطي أهمية للمسائل القانونية و الشكلانية و الحقوقية. فهذا تحجيم و تبريد للموضوع. القصة في أساسها تتصل في خطين كبيرين . الخط الأول أن الإعلام و الموقف السياسي الذي يحتضنه هذا الإعلام لا يمكن أن يخنق. في عالم اليوم و في عالم الأمس و في عالم الغد من يحاول أن يلقي القبض على العصافير و على الزهور و على الخير و على الجمال و على الحق، عليه أن يدرك بأنه يمارس بذلك لعبة نشر من حيث لا يدري و هو بذلك يساعد على أن يتم لفت الأنظار إلى هذا الحدث. كل العالم سوف تتساءل ، لماذا يحدث ذلك. هذا السؤال أكثر بكثير من أن يقال هناك خلل بالعقد أو أن هناك شيء ما قادم من الجهات العليا أو سوى ذلك. المحور الثاني هو أن المسائل السياسية حينما تتطابق مع المسائل الإعلامية في التعبير عنها تحدث حالة الانسجام أو التنافر. هل هناك مقومات مشتركة ؟ بقيت الحالات الفنية، بقيت القيم و التقاليد و الحالات البروتوكولية بأن هناك عرفاً و تقليداً في الإعلام العالمي بأنه لا يجوز أن يحدث كذا و كذا و لكن الجوهر السياسي و الفكري و الجوهر الموقفي مختلف تماماً. انت لك هوية و لهذه الأقمار و القنوات هوية أخرى.


حسين مرتضى: دكتور حسن، ما الذي تقوله من خلال إيقاف بث قناة العالم عبر القمرين عرب سات و نايل سات ؟ وصفت هذه العملية بعملية القرصنة الفضائية، ما الذي تقوله؟


د.حسن سلمان: نحن في العراق نعلن شجبنا و استنكارنا لكل مضايقة لأي وسيلة من وسائل الإعلام. أما بالنسبة لقناة العالم و هي قناة ينسبونها إلى إيران لكن هذه القناة تتكلم بالعربية و تلتزم قضايا الأمة العربية أكثر من القنوات العربية التي تلتزم القضايا العبرية و القضايا التي لا تخص الأمة العربية. أنا أعتقد أن هنالك قرار سياسي متخذ من دول إقليمية و خاصة من مصر و السعودية و تضع قناة العالم باعتبارها تمثل سياسة من السياسات التي تواجهها في مشاريعها السياسية التي تلتزمها إيران أو سوريا أو المقاومة بشكل عام. نحن نعتقد أن نايل سات و عرب سات يجب أن تقف على الحياد في مسألة الإعلام و إلا إذا كانت أرادت أن تحاسب العالم على مواقفها الدينية أو السياسية فيجب أن تحاسب أيضاً القنوات الأخرى التي تشجع على الإرهاب و تشجع على الدعارة أو تصنيع المتفجرات أو القنوات التي تشجع على نشر فتاوى الكفر و التكفير و دعم الإرهاب سواء في العراق أو باقي البلدان العربية. أنا أعتقد ، هذا القرار قرار سياسي ، قرار اتخذته جهات و أوعزت إلى ما يسمى بالهيئات التي يمكن أن تسيطر على ...


حسين مرتضى: سيد محفوظ، هناك قرار سياسي و المسألة ربما تكون ابعد من قناة العالم. هي موجهة ضد خط المقاومة ، دول الممانعة.


عبد الهادي محفوظ: على ما اعتقد ، هذا القرار الذي صدر في حق العالم هو جزء من سياسة رسمية. و قد يكون هنا من المهم رد هذه المسألة إلى الوثيقة العربية لأن هذه الوثيقة الإعلامية العربية التي خرجت عن الجامعة العربية عبر مؤتمر وزراء الإعلام العرب أسست قانونياً للجوء لمثل هذه الخطوة. و على ما أعتقد أن ما أصاب قناة العالم هو جزء من كرة ثلج سوف تكبر باتجاه محطات أخرى . قد تكون الآن عرب سات و نايل سات وراء هذا القرار عربياً . إنما غربياً أيضاً هناك محطتان مهددتان. واحدة منهما هي الأقصى و الثانية هي الرحمان. و قد يكون هناك نوع من تبادل في المصالح إذا صح التعبير على هذا الصعيد بين بعض الجهات الرسمية العربية أو بعض الجهات الغربية. لذلك، أعتقد أنه طالما الأرضية الشرعية كانت لصدور مثل هذا القرار عرب سات و نايل سات و لا يحق لهما اتخاذ مثل هذا القرار كان الوثيقة الإعلامية التي راعت مصلحة النظام العربي لابد من الأنظمة التي تعتبر نفسها أنها ساهمت في تشريع مثل هذه الوثيقة و التي لا تلتزم بالسياسات الغربية أن تأخذ موقفاً الآن ذلك انه هناك أمر مهم جداً أن هذه الوثيقة كانت لا يمكن أن تطبق إلا بعد أن تمر على البرلمانات العربية. لم تمر هذه الوثيقة على البرلمانات العربية و كان هناك اعتراض لإتحاد الإذاعات العربية على مثل هذه الوثيقة و اعتراض من مؤسسات مرئية محسوبة على كل الأنظمة. كرة الثلج هذه سوف تصيب الجميع و طالما أنها مثل هذه السياسات سوف تؤدي إلى سياسات موازية. إذا كان هناك الآن العالم ستكون هناك العربية أيضاً بالجانب الآخر إذا اقتضى الأمر التعامل بالمثل. إذاً، لابد من العودة إلى الالتزام بالقوانين و إيجاد رأي عام ضاغط لحماية الحريات الإعلامية لأنه نحن نعلم أن المنار تعرضت إلى مثل هذا الأمر و الجزيرة مهددة أن تتعرض لمثل هذا الأمر لأن الدولة الوحيدة التي اعترضت على الوثيقة العربية هي قطر. إذاً، مثل هذا الأمر يقتضي أولاً تضامن المؤسسات المرئية على اختلافها و ينبغي أن لا نقع في الأخطاء مثل الكلام الذي ورد الآن بأن بعض المؤسسات المرئية تعكس القضايا العبرية.


حسين مرتضى: دكتور أحمد، تحدث السيد نبيل من عرب سات و من جملة حديثه بأن ما تبثه القناة يتعارض مع الأخلاقيات الدينية و السياسية . سؤال يطرح، تترك القنوات الماجنة و الفاسدة و ما شابه ذلك و موجودة على عرب سات و نايل سات و يتم الحديث في هذا السياق. إلى أي حد ، يعني هي حالة تهرب إذا صح التعبير من قبل هذه المؤسسات؟


أحمد الحاج علي: بالتأكيد سيكون هناك ذريعة و إن كانت أحياناً تثير الضحك . اسأل الكثيرين في الشارع العربي سيقولون لك أن قناة العالم هي قناة عربية. بمعنى في مادتها و ليس في لغتها فقط و في أفكارها السياسية و في قضاياها المطروحة . العالم تطرح القضايا العربية بكثير من التكرار و التعمق و كثير من الشجاعة دون أن يكون ذلك توظيفاً لأي جهة أخرى . من هنا كانت لابد أن تدخل في حيثيات الصراع . و لأن المسألة تتصل أيضاً بالهوية السياسية. الوثيقة الإعلامية العربية هي لم تؤسس و لكنها كرست لهذه الحالة . بمعنى ، نقلت هذا التوجه من خلال أن يكون الإعلام قيماً و رأياً عاماً و تقاليد إلى أن يكون نصاً قانونياً يتيح لهذه الدولة أو تلك ، لهذا النظام أو ذاك أن يوقف أو أن يسمح حسب الرغبة و حسب التخدير السياسي. لكن الوثيقة نفسها و حتى النصوص القانونية ، كلها تنتمي للهوية السياسية. هناك صراع حقيقي الآن بين اتجاهين . الاتجاه الأول هو اتجاه العقل و الحرية و المنطق و الفاعليات . الاتجاه الثاني هو اتجاه التلقين و الإفساد و المحاولة في الدخول مرة في الإرهاب و مرة في الانحلال الأخلاقي . ثانياً في هذه العملية من تدجين الإنسان و اللعب على غرائزه و ترويج المستهلكات و إثارة كل ما هو ضار . و ضمن هذين الاتجاهين المتناقضين تماماً تدخل المسألة السياسية. الآن العالم ليس اتجاهاً سياسياً و إنما هي اتجاه أخلاقي أيضاً .


حسين مرتضى: سيد محفوظ، الآن الجميع يؤكد أن القرار هو قرار سياسي . هناك خط واضح تنتهجه قناة العالم و ما تمثله دول مقاومة و ممانعة و ما شابه ذلك و هناك من لا يريد أن يكون هناك دعم للقضية الفلسطينية و تسليط الضوء على قضايا الأمة. من وجهة نظرك من اتخذ القرار؟ من باستطاعته أن يأخذ مثل هذا القرار؟


عبد الهادي محفوظ: في تقديري الشخصي أنه عندما تم التحضير للوثيقة الإعلامية العربية كان هنالك أيضاً توجه أميركي يريد أن يحسب فعل الإعلام و تأثيره و تحديداً في تلك الفترة بعض الفضائيات و خصوصاً قد يكون الجزيرة و المنار التي كان لهما اثر معين في نقل معلومات حول قضايا تريد الولايات المتحدة و إسرائيل التستر عليها. إذاً، هناك توجه أميركي في هذا المعنى. قد تكون الحاجة لمثل هذا التوجه مرتبطة أيضاً بانكفاء المشروع الأمريكي. هناك مشروع أمريكي في المنطقة ينكفئ و تنكفئ معه السطوة السياسية للأنظمة التي راهنت على المشروع الأمريكي و على الدخول في سياق ما كانت تروج له الولايات المتحدة من مشروع شرق أوسط كبير تسقط فيه الممانعة و المقاومة و يتم حصار الأنظمة مثل إيران و سوريا. و قد نجحت سياسة الممانعة و المشروع الأمريكي نراه في تراجع و إلى مزيد من الانكفاءات . إذاً، الإعلام هنا مسألة مهمة . لا بد من محاصرة الإعلام المقاوم و الإعلام الممانع و الإعلام الذي يمكن أن يسلط الضوء على الحقيقة و الذي يحاول أن يوصل هذه الحقيقة إلى الرأي العام. إذاً ، المسألة الأساسية الآن في هذا القرار الذي اتخذ في حق مؤسسة العالم هناك أمر مهم جداً ينبغي أن نتسلح به انه في كل القوانين سواء الغربية أو العربية هناك تشديد على حق المواطن في الإطلاع و في الاستطلاع. إذاً، هناك عبر هذا القرار محاولة لمصادرة هذا الحق في الإطلاع و في الاستطلاع . المسألة الثانية، القرار عندما يصدر الآن عن مؤسسات خدمة البث التي لا يحق لها أن تصدر مثل هذا القرار ، هو يصدر قرار سياسي. و لكن هذا القرار السياسي يحاول أن يختبر ردود الفعل على مثل هذا القرار الذي اتخذ . لذلك، ليس من قبيل الصدفة في ما قرأتموه الآن و الذي صدر عن إحدى مؤسسات خدمات البث عبارة "ربما أن تكون المؤسسة ". و المسألة الثانية ، القرار يرتبط بعقد و ما شابه ذلك. إذاً، هم بدأوا ينتظرون ردود الفعل. و بالتالي يتركون المخرج الممكن و لذلك تم الاختباء وراء مؤسسات خدمة البث التي ندين موقفها في المجلس الوطني للإعلام و في كل مجالس الإعلام. أنا أنصح أولاً بمراجعة الجامعة العربية و بمراجعة الدول التي تحفظت على الوثيقة الإعلامية العربية . المسألة الثانية بخلق رأي عام ضاغط . المسألة الثالثة بعدم الدخول في المتاهات ، الانقسامات بين المؤسسات المرئية و المسموعة. كل المؤسسات المرئية و المسموعة سواء انتمت إلى هذا المعسكر أو ذاك هي مهددة و لها مصلحة بالحريات الإعلامية و ينبغي أن تتضامن .


حسين مرتضى: سيد فهمي، ما وصلنا إليه إيقاف بث قناة العالم على قمري عرب سات و نايل سات هو قرار سياسي و هذه الخطوة هي محاولة لحرمان المواطن العربي من حق المعرفة. ما الذي تقوله و كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟


جمال فهمي: واضح من السياق أنه قرار سياسي . لا يمكن أن تتفق مؤسستين على الأقل لا علاقة تجارية بينهما على إصدار قرار من هذا النوع و في موعد واحد إلا إذا كان الأمر يتعلق بقرار سياسي و قرار سياسي مثير للأسف وللأسى و هذا اعتداء على حق المواطن العربي في المعرفة و في الاتصال بوسائل إعلامية مختلفة و متعددة. لكن الأسوأ من هذا انه يبدو عزفاً رديئاً على الأنغام الأمريكية و الإسرائيلية و الغربية و هذا يزيد الأمر سوءاً في واقع الحال.


حسين مرتضى: سيد السناوي، هي مسألة واضحة سياسية و اتخاذ القرار من قبل الشركتين في نفس الوقت ، نفس الدقيقة و نفس الساعة دليل على أن هناك قرار سياسي. ما تم تسريبه اليوم أن هناك اجتماع عقد في قصر المؤتمرات بالرياض حضره وزراء و مسؤولين إعلام في كل من السعودية ، مصر ، المملكة الأردنية الهاشمية ، البحرين ، و الإمارات و هي الدول التي لديها أسهم في مدن إعلامية حرة و التي توجد فيها عرب سات و نايل سات. إلى أي حد وصل الواقع العربي حتى يكون مثل هذا الاجتماع و اتخاذ مثل هذا القرار لإيقاف صوت يدعم بالنهاية المقاومة و الصمود و الممانعة؟


عبد الله السناوي: ليس بوسعي أن أؤكد ما تسرب و لكنه قد يبدو منطقياً إلى حد كبير أو على الأقل استطلاعات وجهات نظر هذه الدول قبل اتخاذ الإجراء الذي حدث و هو إجراء سياسي بامتياز و يمثل عدوان على حق المعرفة خاصة و أن الأقمار العربية تحمل إلينا فضائيات روسية (روسيا اليوم) ، فرنسية 24 ساعة (فرنسا 24 ساعة) و بي بي سي البريطانية و الحرة الأمريكية . أنا أعتقد أن الجوار أولى و الحوار مع إيران أولى و الانفتاح على الأشقاء أولى. أما أن نتحول إلى ضرب الأشقاء و التفاعل الثقافي و الإنساني في الإقليم لصالح أجندة غربية و إسرائيلية ، أعتقد أنه ليس جيدا لحرية الإعلام العربي و لتقاليد الأقمار الصناعية في البث وفق قواعد مهنية و ليست قواعد سياسية.


حسين مرتضى: هل انتقل مرض أنفلونزا القمع من الأرض إلى الفضاء الآن ؟


عبد الله السناوي: هناك وثيقة البث الفضائي و كانت مقدمة منذرة بأن هناك قيود ليست فقط على الهواء و الفضائيات و إنما أيضاً تتعلق بالقنوات الأرضية و كان هناك أغراض ملتبسة حول عدم المس بالرموز السياسية و الدينية و إن هذا الكلام يمكن أن يؤول بعدم نقد على أي نحو أي من الرئاسات العربية أو أي من المواقف الرسمية العربية و هذا اعتداء على حق الإعلام و قمع صريح للإعلام . و نستطيع أن نقول أن الذين وضعوا هذا البند هم وزراء الداخلية العرب و ليسوا وزراء الإعلام العرب . أنا أشك في الخبر المسرب ، ربما يكون قد صدر عن جهات أمنية منسقة و ليست جهات إعلامية إلا إذا كانت الجهات الإعلامية قد جاءت إلى هذا الاجتماع و هي محملة بتعليمات أمنية نهائية في هذا الشأن.


حسين مرتضى: دكتور أحمد، السيد محفوظ تحدث عن أن هذه الخطوة ربما تكون كرة ثلج ربما تكبر في المرحلة القادمة و تطال بعض القنوات الأخرى. الآن ما هو المطلوب على الصعيد الرسمي ، على الصعيد الشعبي و على صعيد المؤسسات؟ كيف يمكن حماية الإعلام و الإعلاميين و المؤسسات الإعلامية؟


أحمد الحاج علي: هذا هو المنطلق و المنطق الصحيح في المعالجة لأن السؤال الآن ليس لماذا تم اختيار هذا الموقف و أخذ هذه الإجراءات. هذا أمر معروف و يجب أن لا نكون من السذاجة بحيث نبحث عن ذريعة و عن سبب و عن مبررات. المسألة معروفة . هناك مواقف متناقضة ، هناك خيارات سياسية ، هناك هوية معينة لابد أن تتناقض مع الهوية الأخرى. و هذا أمر مشرف بهذه المناسبة ، يعني من يحتج عليك و انت تملك ناصية الحق و تسير بخطى ثابتة فهو لك و ليس عليك. و أحب أن أقول لا يوجد احد في الدنيا اليوم يستطيع أن يصد الشمس بيده الصفراء أو بغرباله المثقوب. من هنا أقول أن القرار الذي اتخذ هو قرار عاطفي مهتز مهزوز . بمعنى أنه الحالة الإجبارية التي وجد فيها من يملك هذين القمرين أنهما في هذا الخيار من خلال السياسات التي ينتمون إليها . بمعنى، لم يجدوا أمامهم من تعبير المنفلت و الحاقد سوى هذا اللجوء. هم يعرفون أن هذه الخطوة تضعفهم و تثير عليهم الدنيا و انه لا يتقبلها أي أحد حتى ولو كان ضد العالم و ضد العروبة و ضد الاسلام و ضد أي شيء. و لكن يأخذون هذا الأمر بهذا الامتداد العاطفي النفسي الإجباري. أنهم تحت وطأة الأحقاد و السموم و قد عبرت هذه الوطأة عن نفسها باتخاذ مثل هذا القرار غير المسبوق و غير المشرف . لذلك، سيبقى السؤال، أين يصب هذا القرار في المآل؟ سيصب في حالة هجينة يثير التناقضات و يؤدي إلى التشريد . ما المطلوب الآن؟ المطلوب أولاً أن يكون هذا الأمر الذي أرادوه ، أردناه نحن أيضاً. بمعنى أن لا نترك الفرصة . لماذا لا نغتنم هذه الفرصة على المستوى الإعلامي و على مستوى هذه التنظيمات الإعلامية في الوطن العربي؟ هذه فرصة لكي نقول الحق .


حسين مرتضى: سيد فهمي، هل باستطاعة مالكي القمرين التحكم بما يعطى للمواطن العربي و كيف يمكن الآن الاستفادة و اغتنام هذه الفرصة؟


جمال فهمي: أود أن أضيف في البداية معلومة أكيدة. كان هناك في الأسبوع الماضي اجتماعاً مشتركاً سمي اجتماع مشترك للأجهزة الإعلامية الأمنية بأجهزة الإعلام العربية و تم هذا في تونس. و ربما على هامش هذا الاجتماع الذي واضح من اسمه أن أغراضه أمنية تماماً ، إقحام الأمن على الإعلام بطريقة مباشرة و فجة. ربما على هامش هذا الاجتماع اتخذ هذا القرار الذي هو بدون شك قرار سياسي بوضوح. أما طريقة مواجهته، أولاً كل وسائل الإعلام العربية بغض النظر عن توجهاتها لابد و أن تتضامن مع العالم في هذا الموقف . الحرية في جوهرها لا يمكن تجزئتها و لا يمكن أن أقف اليوم مع الحرية لأنها تساعدني و غداً لا أقف معها لأنها مع خصمي . فهذا نداء مني لكل أجهزة الإعلام العربية أن تتضامن مع العالم . و نفس الأمر فيما يخص المؤسسات المهنية و النقابات العربية بما فيها نقابة و اتحاد الصحفيين العرب. و أنا أناشد اتحاد الصحفيين العرب أن يتحرك بموقف واضح يدين هذا الاعتداء على حرية الإعلام و حرية الصحافة و يتضامن مع قناة العالم و يضغط من اجل العودة عن هذا القرار البالغ السوء الذي يدعو للخجل . أنا لو كنت مكان من أصدر هذا القرار لكنت قد شعرت بخجل حقيقي إذ أقف في المعسكر الأمريكي الاسرائيلي مباشرة .


حسين مرتضى: سيد محفوظ، هو قرار إسرائيلي . تحدث عن انه كان في تونس قبل فترة اجتماع لمسؤولي الإعلام في الأجهزة الأمنية. ربما يكون القرار قد اتخذ هناك. كيف يمكن الضغط على هذه المؤسسات و كيف يمكن حماية المؤسسات الإعلامية و إعادة الحقوق و الأمور إلى نصابها؟


عبد الهادي محفوظ: طالما أن الجهة المعنية مباشرة لإصدار هذا القرار لم تعلن عن نفسها و تركت الأمر لمؤسسات خدمات البث، فمن الممكن إيجاد قاعدة تضامنية كبيرة حتى من مؤسسات البث التابعة للأنظمة التي يمكن أن تكون وراء مثل هذا القرار. على ما أعتقد أن المصلحة الفعلية كانت حماية الحاكم و النظام السياسي باعتبار انه في الوثيقة الإعلامية ثمة إشارة إلى أن مصادر المعلومات ينبغي أن تكون مصادر سليمة ، أي المصادر الصادرة عن النظام و هذا يتناقض مع مبدأ أساسي في الإعلام تعتمده كل القوانين الإعلامية و هو أن المصادر السليمة بهذا المعنى تلغي مصادر سرية المعلومات. هذه مسألة قد تكون رسالة أيضاً لكل ما يمكن توصيفه تحت عنوان المعارضة . المعارضة من الممكن أن تكون احد مصادر المعلومات . إذاً، يقطع الطريق على أي موقف معارض بأن يكون مصدراً للمعلومات . ينبغي أن نلطف عباراتنا و لا نعتبر هذا القرار قرار إسرائيلي. أنا أتحفظ على مثل هذا الأمر . هذا القرار ربما يخدم إسرائيل و لكنه صدر عن جهة عربية تحاول ان تحمي مصالحها و هي تخالف القوانين . و هي قد تجد نفسها في مرحلة مقبلة . الآن ثمة من كان يسعى إلى أن ينقل العداء ، كون إسرائيل هي العدو إلى جعل إيران هي العدو. و بالتأكيد هذا خطأ لا يبرر باعتبار أن إيران التي كانت في النظام الشاهنشاهي حليفة إسرائيل أصبحت الآن في الموقع الأساسي المعادي لإسرائيل. في التوجه العام، هذا الموقف الذي تقف وراءه أنظمة معينة ، ستجد نفسها في المستقبل القريب تحاور إيران. الولايات المتحدة مجبرة الآن أن تحاور إيران و تعتبر في نهاية الأمر أن الذي يمكن أن ينقذها في ورطتها في العراق و في أفغانستان هو الجمهورية الإسلامية في إيران. بالتالي، إيران لا تتخلى لا عن ثوابتها في توجهها و لا عن حرصها على أن تكون علاقاتها ايجابية بالعالم العربي و بجيرانها الخليجيين . إذاً، هناك خطأ كبير ارتكب بحق هذه المؤسسة و على ما أعتقد ، التوجه العام هو لمراجعة هذا الموقف و هذه تجربة مهمة جداً لكل المؤسسات المرئية و المسموعة انه كيف يمكن أنه نثق بعرب سات و نثق بنايل سات. هذا القرار الذي اتخذ من قبل عرب سات و نايل سات يسيء لمستقبل هاتين المؤسستين مستقبلاً باعتبار انه لن تكون هناك ثقة لأي مؤسسة مرئية و مسموعة جديدة تنشأ إذا اعتبرت أنها سوف تكون تحت وطأة أي قرار تعسفي تتخذه هذه المؤسسات. أنا أعتقد أن المخرج هو أن على إيران أو حتى على سوريا مثلاً أن تفكر في قمر فضائي بديل كي نلجم مثل هذه القرارات.


حسين مرتضى: شكراً لك سيد محفوظ كما أشكر السيد الحاج علي و السيد جمال فهمي. و اشكر أيضاً السيد السناوي. أشكركم مشاهدينا على المتابعة و السلام عليكم.

القاهرة .. تاريخ قديم وعريق

07
نوفمبر
2009
nermeen — @ 12:27

القاهرة مدينة الألف مئذنة والألف عام .. مدينة بألف مدينة .. تحوى تاريخ مصر كله .. مدينة قبطية ورومانية و راشدية وأموية وعباسية وطولونية وإخشيدية فاطمية وأيوبية ومملوكية وعثمانية وخديوية .. ومدينة معاصرة ناصرية .. ومتحضرة .. أحياؤها قديمة وحديثة تحمل سمة جميع هذه العصور والدول . كورنيش نيلها من عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وحلوان وباب اللوق وميدان الأوبرا والتحرير وكوبرى قصر النيل والحلمية الجديدة والعباسية ومصر الجديدة من معالمها الخديوية .. والخليفة والقلعة من معالمها المملوكية والأيوبية .. وشارع المعز لدين الله والسروجية والمغربلين والخيامية من معالمها الفاطمية والمملوكية .. ومصر القديمة من معالمها القبطية والرومانية والراشدية .. وصحراء المماليك بالدراسة من معالمها الإسلامية المملوكية وتمتلئ بتحف وكنوز مزخرفة سواء مساجد أو مقامات .. مدينة عظيمة تطل على نهر النيل .. وتمتلئ بالكافيتريات والمطاعم الحديثة والفنادق .. وبواخر النيل . ومن معالمها الناصرية برج القاهرة والمجمع مجمع التحرير واستاد القاهرة ومبنى التلفزيون وأرض المعارض بالجزيرة و مدينة نصر . ومن معالمها الناصرية مصانع حلوان والمعادى الحربية .. ومدينة نصر. ومما كان قرى وتحول إلى أحياء فى القاهرة شبرا والمهندسين وبولاق الدكرور وإمبابة. مدينة تمتلئ بالمساجد الراشدية والطولونية والإخشيدية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية والخديوية العلوية والناصرية. مدينة تمتلئ بالمتاحف والتماثيل .. مثل تمثال لاظوغلى و طلعت حرب ومصطفى كامل وأحمد ماهر .. والمتحف المصرى والمتحف الزراعى و المتحف الحربى و متحف الحشرات ومتحف الفن الحديث ومتحف محمود مختار ومتحف أحمد شوقى و متحف عبد الناصر ومتحف محمود خليل .. ومن الكتب القيمة عن القاهرة : الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك .. وموسوعة القاهرة فى ألف عام للدكتور عبد الرحمن زكى .. و أسماء ومسميات من مصر القاهرة لمحمد كمال السيد محمد .


وتأتي القاهرة في عصر أسرة محمد علي لتشكل ملمحا جديدا ما زال كثير من آثاره باقية حتى الآن ، والذي بدأ من سنة ( 1220 هـ - 1805 م ) حتى قيام حركة الضباط في يوليو 1952 م حيث بلغت درجة كبيرة في الاتساع في عهد الخديوي إسماعيل ووصلت مساحتها إلى ألف فدان كما يذكر علي مبارك في خططه ، حيث أضيف إلى المدينة حي الإسماعيلية ( التحرير حاليا )، وفي سنة ( 1265 هـ - 1849 م) بدأت المدينة تشهد بعض مشاريع البنية الأساسية ، مثل مشروع توزيع المياه باستعمال المواسير وتوزيعها داخل البلد ، وبعض مشاريع الإضاءة ، ويعد محمد علي باشا أول من أدخل العمارة الغربية إلى "القاهرة" ، فأحضر بعض المهندسين الغربيين وبنوا له سراي القلعة وسراي شبرا وسراي الأزبكية ، ثم بنى ابنه إبراهيم باشا قصر القبة، وفي عهد الخديوي إسماعيل أنشئ كوبري قصر النيل، وأنشئت حديقة الحيوان على مساحة 30 فدانا، وعدد من السرايات منها سراي عابدين ، كما رصفت بعض الطرق ومدت خطوط السكك الحديدية والهاتف وأنشئت المدارس الحديثة. و في عهد الخديوي عباس حامية تم إنشاء حي العباسية و أحياء أخرى مثل الحلمية القديمة والجديدة (قرب السيدة زينب) و حلمية الزيتون و عين شمس. ومن معالم العمارة فى عهد أسرة محمد على : مبنى الأوبرا القديم الذى احترق وهدم ومكانه اليوم جراج العتبة. وجامعة القاهرة بمبانيها . ومبنى الشهر العقارى ومبانى كثيرة فى القاهرة الخديوية ، ومبنى الجامعة الأمريكية ، ومبنى كلية دار العلوم القديم بالمنيرة والمهدوم اليوم ، وقصور فى حلوان ، وقصر الفراء وقصور كانت فى الحلمية الجديدة وهدمت ، وقصور عابدين والمنتزه ورأس التين وقصر الجوهرة وسراى القبة وقصر الزعفران ، والجامع التوفيقى فى حلوان ، ومسجد مصطفى فاضل الملاصق للمدرسة الخديوية الثانوية بنين فى شارع بورسعيد . والمدرسة أيضا. ومسجد محمد على داخل قلعة صلاح الدين. ومسجد سليمان أغا السلحدار بالجمالية. ومسجد حسن باشا طاهر بميدان بركة الفيل. ومسجد الرفاعى.


أما القاهرة في عهد الثورة وما جاء بعدها حتى الآن فقد شهدت تطورات كبيرة ، فزادت مساحتها بدرجة كبيرة وأضيفت إليها أحياء ومدن جديدة تزيد مساحة بعض هذه المدن عن 400 كيلومتر مثل مدينة نصر والمهندسين و مدينة السادس من أكتوبر والسادات و15 مايو و العاشر من رمضان والسلام والشروق ، كما شهدت زيادة كبيرة في عدد الكباري ، و ازدياد خطوط مترو الأنفاق ، وازداد عدد سكانها. و في عهد عبد الناصر و السادات تم إضافة مدينة نصر التي نمت بشكل كبير للعديد من الأحياء في عهد مبارك. و في عهد مبارك تم إضافة القاهرة الجديدة. وما زال التاريخ يسجل أحداث القاهرة في الزمان والمكان. ومن المساجد فى العهد الناصرى : مسجد الفتح برمسيس ، ومسجد وضريح الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بمنشية البكرى.


تعد مدينة القاهرة من أكثر مدن الشرق التي استأثرت بالكتابة والتأريخ حيث أطلق عليها لقب " جوهرة الشرق " ، نظرا لأن عمر القاهرة يزيد على الألف عام بكثير .

فقد عرفت أجزاء من القاهرة الحالية في العصر الفرعوني باسم من نفر أى المدينة الجميلة وضاحيتها مدينة الشمس ( بالهيروغليفية : أون ). وتعتبر عاصمة مصر الموحدة منذ أن وحدها الملك نارمر منذ 3200 سنة ق.م.


فشواهد التاريخ تؤكد أن مكان هذه المدينة كان عاصمة لمصر في أغلب فترات تاريخها ، ففي تاريخ مصر الممتد عبر حوالي 50 قرنا كانت القاهرة بمعناها الواسع هي عاصمة مصر، إذ يرجع البعض اتخاذ القاهرة عاصمة إلى سنة 98 ميلادية عندما بني حصن بابليون الذي ما تزال بقاياه موجودة حتى الآن ، حيث أقيم هذا الحصن للدفاع عن الوجهين القبلي والبحري .

وعندما جاء عمرو بن العاص لفتح مصر أقام عاصمته الإسلامية الجديدة الفسطاط بالقرب من ذلك الحصن ، والتي كانت تعرف بمدينة مصر ، والمعروف أن نشأة الفسطاط كان على غرار المدن التي ينشئها سكان البادية ، فكانت أشبه بالحضر البدوي وكانت تشبه إلى حد كبير تخطيط المدينة المنورة ، حيث حدد مخططوها - الذين لم يكن بينهم مهندس - مواقع لكل قبيلة من تلك القبائل التي شاركت في الفتح.

وكان تنسيق الفسطاط يقوم على إعطاء كل قبيلة قطعة من الأرض تقيم فيها مساكنها ويفصل بينها وبين غيرها مساحة من الأرض الفضاء التي طواها فيما بعد التوسع العمراني الذي زحف على هذه الفراغات ، ويلاحظ أن العرب المسلمين الفاتحين تركوا مساحة بينهم وبين النهر كانت تسرح فيها دوابهم ، كانت تسمى ( المراغة ) ، يقول مؤرخ مصر الكبير ابن عبد الحكم ، "وقد كان المسلمون حين اختطوا تركوا بينهم وبين البحر ( النيل ) والحصن ( بابليون ) فضاء لتفريق دوابهم وتأديبها" ، وظلت الفسطاط حتى أحرقها الوزير الفاطمي شاور عند قدوم حملة أموري الصليبية.

تعتبر مدينة الفسطاط وجامع عمرو أول أثرين إسلاميين بمصر وأفريقيا ويرمزان لمرحلة محورية بل بداية عصر بكامله هو العصر الإسلامي. وكانت الإسكندرية عاصمة مصر منذ بناها الإسكندر الأكبر عام ( 332 ق.م ) مرورا بالإغريق البطالمة والرومان والبيزنطيين الروم. و كان عمرو بن العاص بين أمرين هما لو أبقي علي الإسكندرية كعاصمة فوجوده بها سيجعله معرضا من البحر لأي غزو وهذا ما حدث فعلا عندما غزا البيزنطيون المدينة من البحر بأسطولهم عام (646 م) . والأمر الثاني الذي جعله يختار مكان الفسطاط أنه بالإسكندرية سيكون بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الخلافة الإسلامية مما يصعب نجدته. وكان قرار الخليفة عمر لعمرو بعدم عزل القوات بمانع مائي وهو الفيضان والنيل وعدم سكناها المدن حتي لا يتقاعسوا عن مواصلة الفتح. لهذا اختار ابن العاص هذا المكان الصحراوي الذي يعتبر عسكريا موقعا إستراتيجيا شمال حصن بابليون وأقام فيه مدينة الفسطاط عام ( 21هـ – 641 م ) فوق عدة تلال يحدها جبل المقطم شرقا وخلفه الصحراء التي يجيد فيها العرب الكر والفر والحرب والنيل غربا ومخاضة بركة الحبش جنوبا وهما مانعان طبيعيان. شيد عمرو بن العاص مدينة الفسطاط كمدينة-حصن وبها حصن بابليون لتكون مدينة للجند وأقام بها المسجد الجامع مسجد عمرو بن العاص أول مسجد أقيم بمصر الإسلامية وبجواره دار الإمارة.

ثم تطورت هذه العاصمة بإنشاء مدينة العسكر التي يعد موقعها الحالي منطقة ( زينهم ) التي أقامها صالح بن علي أول وال للعباسيين في مصر سنة ( 133 هـ - 750 م ) وكانت في البداية مقصورة على الجنود العباسيين ، ولعل هذا السبب الذي جعل الناس يطلقون عليها العسكر ، واستمر ذلك الحال حتى جاء السري بن الحكم واليا على مصر عام (201 هـ - 816 م ) فأذن للناس بالبناء فتهافت الناس على البناء بالقرب من مقر الحكم ونمت المدينة حتى اتصلت بالفسطاط.

ثم نشأت القطائع التي ابتناها أحمد بن طولون سنة ( 256 هـ - 869 م ) مؤسس الدولة الطولونية التي استمرت 38 عاما ، وسميت بهذا الاسم لأن "ابن طولون" قطع الأراضي فيها ومنح كل قطيعة ( وهي تشبه الشارع أو الحارة في عصرنا الحالي ) إلى طائفة من القوم ، فكانت هناك "قطيعة النوبة" و"الروم" وغيرهما ، وازدهرت "القطائع" في عهد "ابن طولون" وابنه "خمارويه"، وأقام فيها "ابن طولون" جامعه الشهير الذي ما زال قائما حتى الآن، ثم تعرضت المدينة للتخريب بعد هزيمة "الطولونيين" أمام العباسيين عند "تنيس" سنة ( 292 هـ - 904 م ) ، وذكر بعض المؤرخين أنه أحرق بها حوالي مائة ألف بيت ، يقول المقريزي "إن القطائع قد زالت آثارها ولم يبق لها رسم يعرف".

أما القاهرة فهي المدينة التي أنشأها القائد الفاطمي جوهر الصقلي سنة ( 358 هـ - 969 م ) شمالي مدينة الفسطاط وبناها في ثلاث سنوات وأطلق عليها اسم "المنصورية" ثم جاء الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في 7 رمضان 362هـ= 11 يونيو 972م، وجعلها عاصمة لدولته، وسماها "القاهرة" وهو اسمها الحالي ، و أقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية و شهدت القاهرة أزهي أوقاتها آنذاك من الازدهار بحكم كونها عاصمة للدولة الفاطمية و كانت مساحتها على حوالي 340 فدانا، و شرع في تأسيس الجامع الأزهر وأحيطت العاصمة بسور من الطوب اللبن وجعل له أبوابا في جهاته المختلفة من أشهرها باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح.ولم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، وكان أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.

وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول.

وفي نهاية حكم الفاطميين شهدت مدينة الفسطاط الحريق علي أيدي الصليبيين أيام الخليفة العاضد عندما بلغوها بمراكبهم بالنيل وأسروا ونهبوا بقيادة الملك عموري ( أمالوريك ) عام ( 564 هـ – 1168 م ) ، فقد أمر وزيره بجمع العبيد وإحراق مدينة الفسطاط. ونزح الأهالي للقاهرة خوفا وهلعا ونزلوا بالحمامات والأزقة والمساجد. وظل الحريق بالفسطاط طيلة 45 يوما . وأصبحت الفسطاط بعد الحريق مدينة أشباح خاوية علي عروشها عدة قرون وفقدت أهميتها كعاصمة للمال والتجارة والصناعة ولم يبق منها سوي مسجد عمرو بن العاص والذي أنقذ من الحريق بأعجوبة. أو كما يقول المقريزي "أصبحت كيمان".

وعندما انتهت "الدولة الفاطمية" على يد صلاح الدين الأيوبي سنة ( 567 هـ - 1171 م )، وأقام مكانها الدولة الأيوبية التي استمرت 82 عاما حتى عام ( 648 هـ - 1250 م ) أنشأ فيها أبنية جديدة فزادت اتساعا، ولعل أهم ما أنشأه كان "قلعة الجبل" لتكون حصنا له يعتصم به من أعدائه الداخليين والخارجيين، وقد وكل عمارتها إلى بهاء الدين قراقوش، كما بنى سورا جديدا للقاهرة سنة ( 572 هـ - 1176 م ) ، وبنى قناطر الجيزة، غير أنه توفي قبل أن يكمل بعض هذه المباني الضخمة، وقد استخدم "قراقوش" الصليبين في بناء القلعة والسور، وأول خريطة يعتد بها للقلعة جاءت مع "الحملة الفرنسية" أي بعد بناء القلعة بحوالي ستمائة عام.
مسجد الحكيم في القاهرة

أما "الدولة المملوكية" التي بدأت سنة (648 هـ - 1250 م ) فقد شهدت اتساعا في "القاهرة" فأنشأت عددا من الآثار والتي ما تزال قائمة حتى الآن ، وأنشأت بعض المناطق الجديدة مثل ما يسمى حاليا باب اللوق التي سكنها عدد من فرسان التتر الذين أسلموا وبني عدد من المساجد والأسبلة، إلا أن عهد السلطان محمد بن قلاوون كان الأبرز في العمارة المملوكية.

قامت الفسطاط لتكون عاصمة ولاية تابعة للمدينة المنورة وقامت مدينة العسكر لتكون عاصمة إقطاعية مصر التابعة لبغداد وقامت مدينة القطائع لتكون عاصمة دولة مصر الطولونية. لكن قاهرة المعز قامت لتكون عاصمة خلافة مستقلة هي الخلافة الفاطمية. وهذه العواصم الأربعة قامت غرب المقطم بشرق النيل.

أما "القاهرة" في الدولة العثمانية التي بدأت في مصر بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانية سنة ( 923 هـ - 1517 م ) فقد بدأت تشهد عصرا جديدا، كذلك الحملة الفرنسية على مصر سنة ( 1213 هـ - 1798 م ) التي استمرت ثلاث سنوات والتي رسمت خرائط مهمة للقاهرة إضافة إلى عدد كبير من الرسوم التي تصور الحياة في تلك المدينة، والتي ضمها كتاب " وصف مصر " .

التفصيل :


كانت منف عاصمة استراتيجية لمصر القديمة طويلا (منف هى ميت رهينة وأون هى عين شمس) .. وبعد الفراعنة انتقلت عاصمة مصر إلى الإسكندرية فى عهد الإسكندر والبطالمة من بعده .. وظلت الإسكندرية عاصمة مصر طوال عصر الرومان والبيزنطيين وزادت على ذلك أن أصبحت مركز الكنيسة القبطية بعد دخول المسيحية إلى مصر .. وإن أنشأ الرومان حصن بابليون (بمصر القديمة حاليا) والمسمى قصر الشمع .. وملحق به الكنيسة المعلقة إحدى أقدم كنائس مصر وظل الحصن وما حوله مركزا مهما ونواة للمجتمع المسيحى القبطى فى مصر . حتى فتح عمرو بن العاص مصر ونقل العاصمة من الإسكندرية إلى مدينته الجديدة التى بناها وهى الفسطاط (مصر القديمة حاليا) وبنى فيها أول مسجد فى أفريقيا وهو مسجد عمرو بن العاص والذى لا يزال موجودا حتى الآن .


تتألف القاهـرة الحاليـة من أربع مدن قديمة ، كانت كل واحدة منها عاصمة حقبة من الزمان ، وتعاقبت فى الظهور ، الواحدة تلو الأخرى ، وتمثل كل منها طورا فى حياة العهد الإسلامى بمصر، والنظم السياسية، والحياة الاجتماعية والاقتصادية بها . هـذه المدن هـى على الترتيب : الفسطاط ، والعسكر ، والقطائع ، والقاهرة المعزية الفاطمية . والمشاهد أنها جميعا تقع فيما بين شاطىء النيل الشرقى وتلال المقطم . وكان طبيعيا أن تلى الواحدة الأخرى ناحية الشمال ، أو بعبارة أخرى أن يكون نمو القاهرة وامتدادها من الجنوب إلى الشمال ، مادامت تلال المقطم تقف حائلا دون نموها ناحية الشرق ، والنيل من ناحية الغرب . هذا إذا استـثنينا الأرض التى كان النيل يطرحها على شـاطئه الـشرقى ، بعد أن يتـحول ناحـية الـغرب ، إذ المعروف أن النيل كان يحف بجدران جامع عمرو وقت إنشائه ، ولكنه ابتعد عنه اليوم مسافة تزيد على خمسمائة متر .


فالفسطاط أول حاضرة لمصر الإسلامية ، وأقدم الحواضر الإسلامية بمصر جميعا . أنشأها عمرو بن العاص سنة20هـ الموافق (641م) وظلت مركز السيادة طوال عصر الخلفاء الراشدين ، والدولة الأموية . فلما أفل نجم الأمويين ، ودالت دولتهم، وقامت على أنقاضها دولة بنى العباس ، أنشأ أبو عون عبد الملك بن يزيد ، والى مصر من قـبـل الخليفة أبى العباس عبد الله السفاح ، أول الخلفاء العباسيين مدينة العسكر سنة 133هـ (751م) واتخذها قصبة لـولايته ولما آل حكم مصر إلى الأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية فى مصر ، أنشأ له عاصمة جديدة سنة 256هـ ( 870م) ، هـى مدينة القطائع ، وظلت كذلك طوال عصر الطولونيين والإخشيديين فلما فتح الفاطميون مصر لينقلوا دولتهم وعاصمة الخلافة من المغرب إلى مصر ، كان أول ما قام به جوهر الصقلى ، قائد الخليفة المعز لدين الله الفاطمى ، بعد أن امتلك زمام مصر ، وأخضعها لنفوذ الفاطميين ، أن أنشأ عاصمة جديدة سنة 358هـ (969م) . تلك هى القاهرة المعزية ، التى انتقلت إليها حاضرة ملك الفاطميين ، ومركز سيادتهم من شمالى افريقية . وانتشر فى الخافقين صيتها، وذاعت شهرتها ، حتى فاقت بغداد وقرطبة ، وصارت فى وقت من الأوقات عاصمة العالم الإسلامى بأسره ، ومركز تلاقى شعوبه ، ومبعث النشاط والثقافة والعلوم الإسلامية فلما أسقط صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية ، وأنشأ دولته الأيوبية ، شرع يجمع العواصم الأربع سنة 572هـ (1176م ) فى صعيد واحد بسور واحد ، ليتخذ منها عاصمة موحدة ، تتفق وجلال إمبراطوريته الممتدة حتى الشام ، وعظمة ملكه . ولهذا الغرض ، ولكى تكون قادرة على رد هجوم الأعداء ، والصمود أمام غارات المغيرين ، أخذ يحيطها بسور عظيم . ولكنه توفى قبل إتمامه ، فأتمه خلفاؤه من بعده . ويمتد من أثر النبى ، جنوبى الفسطاط وينتهى عند قلعة المقس .


ظلت القاهرة منذ عهد الفاطميين مرورا بالأيوبيين والمماليك والعثمانيين وأسرة محمد على وثورة يوليو حتى الوقت الحاضر عاصمة البلاد ، وحاضرة الملك ، ومركز السيادة فيها ، ولم يقتصر تخطيطها على الحدود التى حددت بها وقت أن أنشأها الفاطميون ، بل ظلت تمتد وتتوسع عبر العصور شمالا وغربا مسافات طويلة ، ولم يقف النيل عقبة فى سبيل امتدادها غربا ، بل إنها تزداد مساحة ، عاما بعد عاما ، ويتوالى زحفها باستمرار ، حتى تلاقت بحدود مديريتى الجيزة والقليوبية، وذلك بفضل ما أنشىء على النيل من قناطر ( كبارى ) ربطت بين شاطىء النيل ، وجعلت امتداد القاهرة ناحية الغرب أمرا ميسورا وضروريا ، لمقابلة الزيادة المطردة فى عدد السكان هذه نظرة عابرة ، تصور تاريخ القاهرة ، وأدوار تطورها .


الفسطاط:


لما أتم عمرو بن العاص فتح مصر سنة 20هـ )641م) ، وأجلى الروم عن الإسكندرية ، آخر معقل لهم بمصر ، وانقشع كل أمل لهم فى مزاحمة العرب على امتلاكها ، عندئذ انصرف القائد العربى إلى تنظيم البلاد تنظيما يتفق ومقتضيات العهد الجديد ، الذى تستقبله البلاد ، ألا وهو العهد الإسلامى المبارك . فكان فى مقدمة ما عنى به من الأمور تخير مكان يرابط فيه جيشه ، وليكون مقرا لحكم البلاد ، بعد أن نهاه الخليفة عمر بن الخطاب عن المقام بالإسكندرية ، حاضرة الروم فى مصر


اختيار موقع الفسطاط:


والواقع أن الإسكندرية وان اتفقت مع حكم الروم لمصر ، فلم تكن لتتفق بحال من الأحوال مع حكم العرب : فوقوعها فى أقصى شمال مصر ، جعلها أقرب إلى روما أو بيزنطة (القسطنطينية) من أى بلد مصرى آخر . ولكنها أبعد من أى بلد من البلاد المصرية ، بالنسبة إلى المدينة المنورة ، قصبة وعاصمة الدولة العربية ، التى صارت مصر لها تبعا . يضاف إلى ذلك أنها فى موضع يشق على الجنوب العربية أن تشخص منه إلى أطراف القطر ، إذا ما دعا سريع . كذلك الأمر بالنسبة للوالى ، فانه يصعب عليه أن يشمل جميعها بعين ساهرة ، من مكان قصى كالإسكندرية جال عمرو ببصره فى أنحاء البلاد ، فوقع اختياره على السهل الذى يلى بابليون الحصن الرومانى الشهير ، من ناحية الشمال ، والذى يحده جبل المقطم من شرقيه ، ويقع النيل فى غربيه ، وهو الذى كان يعسكر فيه بجنوده ، إبان فتح الحصن . وقد كانت تقوم تجاه هذا الموضع ، فى الضفة المقابلة للنيل ، مدينة منف القديمة ، فصار النيل يربط العاصمة القديمة بالعاصمة الحديثة ، وان فرقت بينهما القرون والأجيال وقد أطلق على ذلك المكان اسم الفسطاط ، وهو الذى صار نواة العاصمة الجديدة . وقبل أن نمضى فى تحديد موضع الفسطاط ، ووصف خططها ودورها ، والحياة بها ، يجدر بنا أن نعرض لهذه التسمية ومنشأها وما أحاط بها من آراء


تسـمية الفسـطاط :


يروى المؤرخون العرب فى تسمية الفسطاط بهذا الاسم قصة ملخصها أن عمرا لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية ، أمر بنزع فسطاطه – أعنى خيمته- فإذا فيه يمامة قد فرخت . فقال عمرو : ( لقد تحـرم منا بمتحـرم) فأمر به فأقـر كما هو ، وأوصى صاحب القصر به . فلما قفل المسلمون من الإسكندرية ، قالوا : ( أين ننزل ) قالوا (الفـسطاط) يعنون فسطاط عمرو ، الذى خلفه بمصر ، مضروبا لأجل اليمامة ، فغلب عليه ذلك ولكن مؤرخى الفرنجة ، ومن نحا نحوهم ، ينكرون هـذه القصة ، ويرون أنها من نسج الخيال ، ويشكون فى تأويل كلمة الفسطاط بالخيمة ومبعث ذلك عندهـم أنهم يرتابون فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم فى ذلك الوقت ويرجعون كلمة الفسطاط إلى اللفظ اليونانى ( فساطم) المشتق من اللفظ اللاتينى FOSSATUM والذى يطلقه الرومان على معسكراتهم الحربية ، أو المدن الحصينة ، وقد سمعه العرب من الروم عند فتح الشام ، أو حصارهم لحصن بابليون ورفض قصة اليمامة لمجرد شك من جانب مؤرخى الفرنجة هـو تعسف لا يبيحه منطق . بل إن الذى يؤيده التاريخ عكس ما يذهـب إليه هـؤلاء . فقليل من المعرفة بحياة البدو وعاداتهم لا شـك فى أن العرب اتخذوا الخيام مساكن لهم ، وبيوتا يأوون إليها فى الصحراء . وتلك ميزة تميز بها سكان البادية عن سكان الحضر ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين )


وإذا كانوا قد أفادوا من الخيام فى وقت السلم ، فأحرى بهـم أن يفيدوا منها فى حـروبهم ،لاسيما إذا كانوا يحاربون فى قطر غير قطرهـم وبلاد هـم غرباء عن أهـلها وليس لهم ما يأوون إليه فيها سوى ما يحملون من خيام ولا شك أن عـمـرا كان يتخذ لنفسه واحدة منها هـى التى أفرخت اليمامة فيها وهنالك مع ذلك أدلة تاريخية تثبيت أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم قبل فتحهم مصر فقد جاء فى السيرة الحلبية فى الكلام عن غـزوة الـطائف ما ننقله بحروفه ( وكان معه صلى الله عليه وسلم من نسائه أم سلمة وزينب رضى الله عنهما فضرب لهما قبتين وكان يصلى بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف وكانت ثمانية عشر يوما ودخل صلى الله عليه وسلم خيمة أم سلمة وعندها أخـوها عبد الله .. الخ)
فالشك فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم وقت فتحهم مصر مردود ولا محل له وليس فى أنه كان لعمرو فسطاط أو خيمة يقيم فيها أثناء حصار العرب لحصن بابليون وبذلك يسقط اعتراض مؤرخى الفرنجة على قصة اليمامة وهـى لا شك صحيحة ولا يضيرها أن كلمة فسطاط تعنى أيضا ( مجتمع الناس ) أو ( المدينة الحصينة ) , أن العرب سمعوا هـذه المعانى عند فتحهم الشام أو عند حصارهم لحصن بابليون وأن الحروف فى كلمة FOSSATUM تتفق وحروف كلمة فسطاط فليس ذلك يمنع من أن تكون قصة اليمامة صحيحة . ودخلت كلمات فارسية ورومية وحبشية إلى العربية ومنها ما ورد فى القرآن الكريم مثل سندس وصراط و قسطاس و طه و يس.


والآن نمضى إلى تحديد موقع العاصمة الجديدة وذكر كلمة عن خططها ومبانيها واتساع رقعتها وذيوع شأنها وليس من شك فى أنه من الصعوبة بمكان أن يحاول المرء رسم حدود دقيقة لمدينة انقضى على إنشائها نيف وثلاثمائة وألف سنة مثل مدينة الفسطاط لسببين رئيسيين :


أولا إن المدينة لم تظل على حالها الأول حين خططت فى عهد عمرو بن العاص فلم يكن عمرو يبغى منها سوى أن تكون مقرا لعسكره ومقاما لقواده وأعوانه ولم يدر أنه يضع أساس عاصمة جديدة للبلاد ما لبثت أن صارت مقر الحكومة ومبعث النشاط الإقتصادى فى القطر كله ومركزا هاما من مراكز الحياة العلمية والفنية فى العالم الإسلامى بأسـره فأخذ هـذا المعسكر بطبيعة موقعه الجغرافى يمتد شمالا إذ كان الجبل يحول دون امتداده شرقا كما يحول النيل كذلك دون امتداده غربا
ثانيا : اندثار كثير من المعالم التى يمكن الاستدلال بها على تحديد موقعها فالروايات التاريخية التى تحدد موقع مدينة الفسطاط وفى رواية المقريزى إنما تحدد موقعها بعد إنشائها بقرون عدة تزيد على ستة قرون وبعد أن وصلت إلى أوج عزها ثم توالت عليها صروف الزمان ونوائبه ومع بعد الشقة بين عصر المقريزى والعصر الذى بنيت فيه المدينة فقد كانت روايته فى تحديد موقع الفسطاط ومازالت أساسا لجميع من حاولوا الكشف عن آثارها وفى مقدمة هـؤلاء المرحوم على بهجت سنة 1914 م .


ويقول المقريزى : ( إن مدينة مصر محدودة بحدود أربعة فحدها الشرقى اليوم – أى سنة 820هـ ( 1417م) – من قلعة الجبل وأنت آخذ إلى باب القرافة فتمر من داخل السور الفاصل بين القرافة ومصر إلى كوم الجارح وتمر من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهى إلى الرصد حيث أول بركة الحبش تحت الرصد حيث انتهى الحد الشرقى فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التى يسميها أهل مصر القبلية وحدها البحرى من قناطر السباع حيث ابتدأ الحد الغربى إلى قلعة الجبل حيث ابتدأ الحد الشرقى فهـذا عرض مصر من جهة الشمال التى تعرف بمصر بالجهة البحرية وما بين هـذه الجهات الأربع يطلق عليه الآن مصر)


وقد انتهى المرحوم على (بك) بهجت بعد تطبيقه رواية المقريزى السابقة على بقايا الفسطاط ومقارنة المبانى التى وجدت فى وسطها بتلك التى وجدت فى أطرافها إلى تحديد الفسطاط على النحو الآتى :


الحد الشمالى : ويقع بين كوم الجارح وقنطرة السد


الحد القبلى : ويمتد بين الرصد – وكان قائما على ذروة الشرف المطل على بركة الحبش – وشاطىء النيل غـربا


الـحد الـغربى : الشاطىء الأيمن للنيل وهذا الحد كان ينتقل على تتابع السنين مع تنقل الجسر نحو الغرب


الحـد الـشرقى : وكان يمتد فيما وراء الحد الذى عينه المقريزى أى إلى حدود القرافة الحالية ويسير جنوبا حتى الرصد


ولقد استمرت الفسطاط عاصمة للديار المصرية ودارا للإمارة ينزل بها أمـراء مصر حتى بنيت العسكر فى دولة بنى العباس بظاهـر الفسطاط سنة 133هـ ( 751م) فنزل فيها أمراء مصر وسكنوها فلما شيد أحمد بن طولون مدينة القطائع سنة 256هـ (870م) وأقام فيها سكنها أمراء مصر أيضا ظلوا يسكنونها إلى أن انقرضت دولة بنى طولون فعادوا إلى العسكر وأقاموا بها إلى أن قـدم إلى مصر جوهـر الصقلى قائد المعز لدين الله الفاطمى وشيد القاهرة غير أن الرعية استمرت تسكن الفسطاط التى بلغت من وفـرة العمارة وكثرة السكان ما جعلها من أكبر المدن العالمية إذ ذاك.


حــريــق الـفســطاط


ومازالت الفسطاط فى نمو وازدهار حتى قـدم إلى مصر أمورى ملك الصليبيين ونـزل بجنوده على بركة الحبش يريد الاستيلاء على الفسطاط والقاهـرة فأمر شـاور بن مجير السعدى وزير الخليفة العاضد الفاطمى الناس بإخلاء الفسطاط واللحاق بالقاهـرة فارتحلوا عنها وساروا بأسرهـم إلى القاهـرة حاملين معهم ما خف حمله وغلا ثمنه ( وبلغ كراء الدابة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا وكراء الجمل إلى ثلاثين دينارا ونزلوا بالقاهرة فى المساجد والحمامات والأزقة وعلى الطرقات ) وأمر شاور بإحراق الفسطاط سنة 564هـ (1168م) وأرسل لذلك ( عشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرق ذلك فيها فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السماء فصار منظرا مهولا واستمرت النار تأتى على مساكن مصر لتمام أربعة وخمسين يوما ) فلما رحل أمورى عن البلاد أخذ الناس يعودون إلى الفسطاط ويصلحون ما تلف من أبنيتها شيئا فشيئا ولكن ذلك كان قاصرا على القسم الغربى من الفسطاط فيما بين جامع عمرو وشاطىء النيل أما القسم الشرقى منها فظل خرابا حتى يومنا هـذا وفى ذلك يقول المقريزى : ( ولم تزل الفسطاط فى نقص وخراب إلى أيامنا هـذه) أى حتى القرن الخامس عشر الميلادى


تـخـطـيط ـ الـفسـطاط


وبعد أن وضع عمرو بن العاص أساس جامعه سنة 21هـ (641- 642م)وكـل إلى أربعة من قـواده تخطيط الأرض حول الجامع إلى خطط وإنزال كل قبيلة بخطتها وهـم معاوية بن خديج التجيبى وشـريك بن سـمـى الغـطيفى وعمرو بن قحزم الخولانى وحيويل بن ناشرة المعافرى فأخذت كل قبيلة فى بناء مساكنها وكانت بسيطة فى عمارتها وتخطيطها بتكون كل منها من طابق واحد وكان لكل قبيلة مسجدها الذى تقام فيه الصلوات الخمس أما جامع عمرو فهو المسجد الجامع الذى تقام فيه الصلوات الجامعة وهـى صلاة الجمعة وصلاة العيدين كما كان يجتمع فيه الوالى بعماله وقواده للنظر فى شئون البلاد ويفصل فى المظالم التى ترفع إليه ويخطب الناس كلما اقتضى الأمر وكان يجلس فيه القضاة للقضاء بعد أن فصلت وظيفة القضاء عن الوالى ويحضر فيه الناس دروسا فى الدين والحديث والفقه عن أعلام المسلمين والمتفقهين فى الدين لتبصير الناس بأمر دينهم ودنياهم ومن تلك الخطط خطة مهرة وخطة تجيب وخطط لخم وجـذام وخـطة بنى بحر وهـم قوم من الأزد وخطة ثقيف وخطة غافق وخطة حضرموت وخطة يحصب وخطة المعافر وخطة سبأ خطة بنى وائل وخطة القـبض وخطة مـذحج وخطة بنى غطيف وبنى وعـلان وخطة بلى وخطة خـولان وخطة الصدف وخطة غنب وخطة سلامان وخطة السلف وخطة رعين وخطة الكلاع وخطة نافع وخطة مـراء وخطط الحمراوات والفارسيين وأغلب أصحاب تلك الخطط من عرب الجنوب أو اليمنية أما عرب الشمال أو قيس فكانوا أقلية ضئيلة وإنما تكاثروا فى عهد هشام بن عبد الملك ( 105- 125هـ) حيث انتقلت إلى مصر بطون كثيرة منها ولكنهم لم ينزلوا الفسطاط وإنما نزلوا الحوف الشرقى وقد عرف من بين تلك الخطط خطة أهل الراية وهـم جماعة من قريش والأنصار وخـزاعة وتمتد من جامع عمرو جنوبا حتى قصر الشمع وخطة مهرة وتقع إلى الجنوب الشرقى من خطة أهل الراية كما كان لها خطة أخرى على جبل يشكر وخطة تجيب وتقع إلى الجنوب الشرقى من مهرة وخطط لخم وهـى ثلاث أهمها تلك التى تقع فى الشمال الشرقى من جامع عمرو وخطة اللفيف وكانت تلاصق خطة أهـل الراية وخطة وعلان فى جنوبى قصر الشمع وقد أفرد لغير وهم الذين لقبوا بالحمراء خطط ثلاث تمتد من جامع عمرو حتى جبل يشكر الذى سكنته إحدى هـذه القبائل ولذا سمى باسمها وهـذه الخطط الثلاث هـى الحمراء العليا والحمراء الوسطى وتقعان داخـل حـدود الفسطاط والحمراء الدنيا أو القصوى وتقع خارج حـدود الفسطاط الأصلية من ناحية الشمال ولعله من المفيد أن نشير هـنا إلى لفظ خـط الذى ظل مستعملا إلى عهـد قريب هـو نفس لفظ خـطة الذى استعمل وقت الفتح وما تلاه ولكن بعد ضـم أوله وحـذف التاء من آخـره فقـد كان يقال خـط الـمغربلين وخـط السيدة نفيسة وخط الحسينية وهـكذا .


تــراجــع الـنيـل


ولا يتبادر إلى الذهـن أن شاطىء النيل الحالى من جـهة الشرق هـو نفسه الذى كان موجـودا وقـت إنشاء مدينة الفسطاط فالشـاطىء الـحالى يبـعد عن الشاطىء الـقديم بنـحو خمسمائة متـر انـتقلها الشاطىء القـديم نـحو الـغرب وهـذه ظاهـرة جغرافية تمتاز بهـا الأنـهار فى مجاريها الـدنيا إذ يضعف التيار هـنا فينحت فى الجانب الغربى ويبنى فى الجانب الشرقى بما يجلبه معـه من رواسب وطمى وبهـذا الشكل تـزداد مساحة الأرض فيما جاور الساحل الشرقى بينما يتسع المجرى فى الساحل الغربى وهـذا ما حـدث بالفعل للنيل فى المنطقة الممتدة حاليا من ساحل أثر النبى بمصر القديمة حتى روض الفرج فقد روت المصادر التاريخية أن حصن بابليون وقت الفتح وجامع عمرو كانا يشرفان على النيل كذلك قرية أم دنين التى تقع فى مكان جامع أولاد عنان الحالى كانت هـى الأخرى تشرف على النيل وأن المقوقس عندما شرع يفاوض عمرو بن العاص فى شروط التسليم خرج من باب الحصن الغربى الذى يعرف بباب الحديد وكان مشرفا على النيل وركب زورقا عبر به النيل إلى جزيرة الروضة الغربية وهـذا الباب الذى يوجد اليوم فى كنيسة المعلقة يبعد عن النيل حاليا بنحو خمسمائة متر كما يبعد جامع عمرو عن النيل بنفس المسافة


مــدينــة مــصـر :


ومن هـنا يظهر أن المنطقة ما بين جامع عمرو وسيالة الروضة قد استحدثت منذ الفتح الغربى لمصر وأن الفسطاط الأصلية تقع شرقى خط يمتد من جامع عمرو إلى قصر الشمع الذى تعرف بقاياه اليوم بالكنيسة المعلقة وقد شمل هـذا الاسم أيضا المنطقة المستجدة الواقعة غربى هـذا الخط حتى سيالة الروضة وقد ظلت هـذه التسمية حتى آخـر القـرن السابع الهجرى ( الثالث عشر الميلادى ) فلما استولى الخـراب على القسم الشرقى اختفى اسم الفسطاط وحل محله اسم مدينة مصر التى تعرف اليوم باسم مصر القديمة


جــامــع عــمــرو :


وجامع عمرو ويسمى تاج الجوامع أو المسجد العتيق هـو أول مسجد أنشىء فى مصر كانت مساحته وقت إنشائه ( 50x30ذراعا) أو ( 29X 17 مترا ) وأرضه يغطيها الحصى وكان سقفه المنخفض المصنوع من الجريد محمولا على دعامات من جذوع النخل ولم يكن له صحن أو مئذنة أو محـراب وقد شيد له عمرو منبرا ولكن الخليفة عـمر أمـره بإزالته قائلا له ( أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس عند عقبيك ؟) وكانت له ستة أبواب بابان فى كل جانب ماعدا جانب القبلة وبلغ الضيق بالمصلين أنهم كانوا يصطفون وقت الصلاة خارج المسجد وقد كان يحيط به من الخارج طريق عرضه سبعة أذرع فى بعض الجهات فأنت ترى من وصف جامع عمرو أنه كان بدائيا فى تصميمه وبنائه وإن البناء الحالى يختلف عن الجامع الأصلى اختلافا تاما فقد هـدم عدة مرات وفى كل مرة يعاد بناؤه ويزاد فى مساحته ويعدل تخطيطه ويضيق المقام هـنا عن تتبع المراحل التى مر بها حتى وصل إلى شـكله الحاضر ولكنه مما لا ريب فيه أن من أهـم التعديلات تلك التى أدخلت عليه فى عهـد ( قــرة بن شــريك ) والى مصر من قبل الخليفة الأموى الوليد ابن عبد الملك سنة 93هـ ( 710م) إذ هـدمه وزاد فى مساحته وأنشأ فيه محرابا مجوفا ( مقعرا) ومنبرا خشبيا ومقصورة وصار للجامع أربعة أبواب فى كل من الواجهـتين الشرقية والغربية وثلاثة فى الواجهة البحرية ولم يصل المسجد إلى مساحته الحالية ( 5ر112x 5ر120 مترا ) إلا فى سنة 212هـ ( 827م) فى عهد عبد الله بن طاهـر والى مصر من قبل الخليفة العباسى المأمون فقد زاد مساحته إلى الضعف وكانت هـذه الزيادة خاتمة الزيادات وقد توالت على هـذا المسجد عهـود من الرعاية وأخـرى من الإهمال ففى عهـد كان مكانا لاجتماع الباعـة ولعب الأطفال والمهرجين وفى النهاية ازيـن واستكمل زخـرفه وحفل بالمصلين وطلاب العلـم مما استحق معه أن يسمى بتاج الجوامع وقد زار ناصر خسرو الرحالة الفارسى مصر من سنة 437هـ إلى سنة 439هـ ( 1045- 1047م) فى عصر الخليفة المستنصر الفاطمى وشاهد جامع عمـرو ومما ذكـره فى وصفه ( أنه قائم على أربعمائة عمود من الرخام والجدار الذى عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التى كتب عليها آيات من القرآن بخط جميل وتحيط بالمسجد الأسواق من جهاته الأربع وعليها تفتح أبـوابه ) وقال أيضا ( وكان يوقد فى ليالى المواسم أكثر من سبعمائة قنديل ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من قنديل وهـو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل من فيه فى أى وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرهـا )


وفى سنة 564هـ ( 1168-1169م) لحق بجامع عمرو من جراء حـريق الفسطاط أضرار بالغة فلما آل مـلك مصر إلى صلاح الدين الأيوبى سنة 568هـ ( 1172م) رمـم الجامع وجـدد بعض أجـزائه وأعـاد بياضه وفى سنة 702هـ ( 1302-1303م) حدث زلـزال أضر بكثير من مبانى القاهـرة فتشقـقت جـدران جامع عمرو وانفصلت أعمدته بعضها عن بعض فعهد الناصر محمد قـلاوون إلى الأمير سـلار نائب السلطنة فى تعمير الجامع تعميرا شـاملا ومن آثار هـذه العمـارة الشبابيك الجصية بالواجـهة الغـربية والمحراب الجصى الخارجى فى هـذه الواجهة الحافل بالزخارف والكتابات النسخية وفى 1212هـ ( 1797م) أمر مـراد بك والى مصر بإصلاح المسجد إذ كانت الأعمدة قـد مالت وأواوينه قد سقطت غير اتجاه عقود الأروقة فجعلها عمودية على جدار القبلة وبذلك سدت الشبابيك والمنارتان الباقيتان إلى اليوم هـما من آثار عمارته التى تمت فى أواخـر شـهر رمضان من هـذه السنة فصلى فيه آخـر جمعة من ذلك الشهر فدرج ولاة مصر منذ ذلك التاريخ إلى عهد قريب على صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان فى هذا الجامع وقد كان هـذا التقليد متبعا أيضا فى عهد الفاطميين.


دار عمـرو الكبرى وداره الصـغرى :-


وكان عمرو قد بنى لنفسه دارا شـرقى المسجد عرفت باسم دار عمرو الكبرى وبنى عبد الله بن عمرو لنفسه دارا أخرى تلاصق دار أبيه من جهة الشمال وقد عرفت بدار عمرو الصغرى وفى غربى هـذه الدار بنى الزبير بن العوام لنفسه دارا ولكنها هـدمت جميعا ودخلت فى مساحة المسجد عندما ضاعف عبد الله بن طاهـر من مساحته


ظلت الفسطاط عاصمة للديار المصرية منذ نشأتها سنة 21هـ ( 641م) حتى سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة 133هـ (750م) وقد نشأت الفسطاط فى أول أمـرها بسيطة التخطيط والمبانى ولكنها ما لبثت أن ازداد عمرانها وكثرت دورها وحسنت عمارتها وتعددت شوارعها وطرقاتها وعمرت أسـواقها و تقـدمت صناعاتها وحفلت بالفقهاء والمحدثين وأهـل العلم وبالجملة فقد أصبحت مدينة عامـرة طار صيتها وطبقت الخافقين شهرتها واجتذبت إليها الزائرين والسائحين من مختلف أنحاء العالم


المبـانى :-


وكانت الدور فى أول الأمر تبنى من اللــبن ومن طبقة واحـدة كما هـو الحال اليوم فى كثير من ريف مصر ويحكى عن خـارجة بن حـذافة أنه بنى غـرفة فوق داره فنـهاه الخليفة عمر بن الخطاب عن ذلك وكتب إلى عمرو بن العاص يقول ( سلام أما بعد فانه بلغنى أن خارجة بن حذافة بنى غرفة ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابى هذا فاهـدمها إن شـاء الله والسلام )


ثم أخـذت عمارة الدور فى التقدم بالتدريج متمشية مع مقتضيات الأحوال وسنة التقدم والرقى وحاجيات السكان وقد دلت أعمال التنقيب التى قام بها المرحوم على بهجت سنة 1914م فى حفـائر الفسطاط أن الدور ( قوامها الآجر- الطوب المحروق – تتخلله لحامات ثخينة ومونة متخذة من الجير والقصرمل أو من الجير والحمرة وبلاط من الحجر الجيرى وأنابيب مصنوعة من الفخار وشباك من المجارير المنقورة فى الصخر ) وتشمل بعض هـذه الدور على أفنية بوسطها فسقيات تصل إليها المياه وتنصرف منها فى مجار مبلطة وتحيط بتلك الأفنية أروقة وقاعات وغرف بعضها لسكنى الحريم والبعض الآخر للاستقبال كما يحددها من الجنوب أحواض الزهور وتظللها من جهة الغرب الأشجار ولكن يجب أن يكون مفهوما أن الدور التى كشفت عنها هـذه الحفائر لا يمكن أن ترجع إلى عصر الفتح وإنما ترجع إلى عصر ازدهـار الفسطاط وبلوغها أوج عزها حـوا لى القرن الرابع الهجرى ( العاشر الميلادى ) وكانت المبانى تزخرف بوضع الآجـر على هيئات مخصوصة ومن ألـوان مختلفة فيوضع الحجر الأبيض والآجر ألأحمر على هـيئة تعاريج ومشبكات وكحلة اللحامات بمونة بيضاء ناصعة بارزة قليلا من وجه الجدار ولقد استعيض عن هـذه الطريقة فى العصرين الطولونى والفاطمى بطلاء الأبنية بالجص من الداخل والخارج فلما استخدم الحجر بدل الآجر فى أبنية القاهـرة منذ أواخر العصر الفاطمى قضى بطبيعة الحال على هـذه الطريقة وصارت الزخارف تحفر فى الأحجار وازدانت الفسطاط بكثير من الدور والقصور والبساتين من ذلك دار عمرو الكبرى ودار ابنه عبد الله التى عرفت بدار عمرو الصغرى وكانتا شرقى جامع عمرو كما أسلفنا ودار الزبير بن العوام غربى دار عبد الله بن عمرو وشيد عبد الله بن سعد بن أبى سرح لنفسه قصرا كبيرا كان يعرف بقصر الجن لكبره وضخامته كما أمر مروان بن الحكم ببناء الدار البيضاء التى سكنها فى أثـناء إقامته بمصر كذلك أمر عبد العزيز ابن مروان ببناء الدار الذهبية سنة 67هـ ( 686-687م) غربى المسجد الجامع وكان يطلق عليها المدينة لعظمها ومعروف أن الاسلام قد حض على النظافة حتى أنه اعتبرها من الإيمان [ النظافة من الإيمان ] فأمر بالوضوء قبل كل صلاة خمس مرات فى اليوم والاغتسال لذلك كثرت بالفسطاط الحمامات ويذكر المقريزى أنه كان يوجد بالفسطاط ألف ومائة وسبعون حماما وكانت حمامات القاهـرة فى عام 685هـ ( 1286م) ثمانين حماما فقط وبلغ عدد الطبقات فى الدور بالفسطاط وهـى فى أوج عـزها ثمانيا فبدت كالمنائر وأسفل الدور غير مسكون وربما سكن الدار الواحدة المائتان من الناس وهـذا يدلك على سعتها وعظم ارتفاعها ويقول ناصر خسرو الرحالة الفارسى المشهور ( وترى مصر من بعيد كأنها جبل وبها بيوت من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وبها أسواق وشوارع توقد فيها القناديل لأن ضوء الشمس لا يصل إلى أرضها لأنها مسقوفة ) وكان الحمالون يحملون الماء من النيل إلى المنازل فى الروايا [ القرب ] ويصعدون الدور كل طبقة بنصف دانق ويحكى ناصر خسرو أنه كان بمصر والقاهـرة عام 440هـ (1048-49 م) اثنان وخمسون ألف جمل لحمل قـرب ماء الشرب فى هـاتين المدينتين ومما ذكره أيضا أن ركوب الخيل كان وقفا على الجند والمتصلين بالجيش بينما كان سائر الآهلين ينتقلون على حمير ذات سروج جميلة وكان فى الفسطاط والقاهـرة نحو خمسين ألف حمار للتأجير يشاهـد المـرء عددا كبيرا منها عند مداخل الشوارع والأسواق


الحــالـة الاقـــتصادية :-


كانت الفسطاط مركزا اقتصاديا عظيما وسوقا تجاريا كبيرا بالإضافة إلى أنها قصبة الحكم وعاصمة البلاد ولم تفقد شهرتها كسوق تجارى عظيم حتى بعد بناء القطائع والعسكر بل والقاهـرة أيضا فظلت مركز الحركة التجارية والاقتصادية ذلك لسهولة اتصالها بداخلية البلاد وبالعالم الخارجى أيضا فقـد كانت على اتصال وثيق بداخلية البلاد بواسطة النيل فترد إليها الحاصلات والسلع من كل الوجهين القبلى والبحرى وفى ذلك يقول ابن بطوطة الرحالة المشهور (وان بنيل مصر من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية تمر صاعدة إلى الصعيد ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق ) كما ذكر ناصر خسرو أنه ( كان للباعة [بالقطاعى ] دكاكين بمدينة مصر[ الفسطاط] على ساحل النيل وكانت البضائع تفرغ على أبوابهم وكان الازدحام من الشدة بحيث كان يستحيل نقل البضائع على ظهور الدواب ) كانت الفسطاط تغص بالأسواق المليئة بمختلف السلع والمتاجر فقد بنى عبد العزيز بن مروان قيسارية العسل وقيسارية البال وقيسارية الكباش وقيسارية البز [ المنسوجات ] وقد أسهب ناصر خسرو فى الكلام عن الفسطاط وعظمتها وبيوتها الشاهـقة وجوامعها الكبيرة وحدائقهـا الغناء وصناعاتها الزاهـرة ووصف الثروة فى أسواقها والازدحام فيها وقال إن الحوانيت مملوءة بالسلع المختلفة والأقمشة الثمينة والذهب وسائر الحلى حتى أن المشترى لا يجد فيها محلا يجلس فيه وكان شديد الإعجاب بسوق القناديل بجوار جامع عمرو فقال انه لم يعرف مثله فى أى بلد آخـر وان التحف النادرة والثمينة كانت تحمل إليه من أصقاع العالم كله وترجع هـذه التسمية إلى أن سكان هـذا الحى كان لكل منهم قنديل على باب مسكنه كذلك تفد على الفسطاط السلع والمتاجر من بحر الروم ( البحر المتوسط) بواسطة النيل أيضا ومن بحر القلـزم ( البحر الأحمر ) بواسطة الدواب أو خليج أمير المؤمنين ومما تشتمل عليه سلع بحر الروم الجوارى والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف ومما تشتمل عليه متاجر بحر القلزم المسك والعود والكافور والدارصينى وغير ذلك مما يحمل من السند والهـند والصين


خــلـيج أميـــر المــؤمنـين :-


وخليج أمير المؤمنين ترعة كان قد أمر بحفرها نخاو فرعون مصر لتوصيل النيل بالبحر الأحمر (سيزوستريس) ثم ردمت في أواخر حكم الرومان لمصر فلما كان الفتح العربى جدد عمرو بن العاص حفرهـا سنة 23هـ ( 643- 44م) بأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهذا أطلق عليها اسم خليج أمير المؤمنين وكانت هـذه الترعة تخرج من فم الخليج شمالى مصر القديمة متجهة إلى الشمال حتى نهـاية القاهـرة وتمر بعد ذلك فى الأراضى الزراعية حيث مجرى الترعة الإسماعيلية إلى العباسية بمديرية الشرقية ثم إلى مدينة الإسماعيلية ومنها إلى القـلزم [ السويس ] على البحر الأحمر وقد أقيم على هذا الخليج فى العهود التالية كثير من القناطر ليتيسر للناس عبوره سنورد أسماء أشهـرها فى مواضعها وقد كان هذا الخليج عرضة للأهـواء السياسية فيـردم إذا أراد أحد الخلفاء الضغط السياسى على مصر وتجويع سكانها وتحويل تجارة الهـند عنها إلى بغداد ووادى الفرات كما فعل الخليفة المنصور العباسى


الـحـالـة الـعـلـميــة:-


اتخذت الحركة العلمية فى أوائل عصر الفتح شكلا دينيا حيث كان الناس بحاجة إلى من يفـقههم فى أمور دينهم ويعلمهم أصـول الدين الإسلامى أكثر من حاجتهم إلى العلوم الدنيوية والفلسفية تلك الأصــول التى اجتمعت فى القـرآن والسنة وكان من حظ مصر أن حضر إليها مع جيش المسلمين عدد كبير من الصحابة الذين تشربوا الدين خالصا عن النبى صلى الله عليه وسلم فتلقى عنهم أهـل مصر فصارت الفسطاط معقلا حصينا من معاقل الدين تنافس المدينة وبغداد والبصرة ودمشق وغيرها من أمهـات المدن الإسلامية ومن هـؤلاء الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرى والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة العدوى ومسلمة بن مخلد وكثير غيرهم ممن وفدوا على مصر بعد الفتح لكثرة خيراتها وخصب أرضها وطيب هـوائها وكانت معظم دروس الفقه والكلام تعطى فى المسجد والمستمعون على هـيئة حلقة بين المدرس وكان يتخذ مكانه إلى جانب عمود فى المسجد مستندا بظهـره إليه إن أمكن وقد أحصى المقدسى فى المسجد الجامع بالقاهـرة وقت العشاء مائة مجلس وعشرة من مجالس العلم وأشهر من عـلم بمصر من الصحابة بعد الفتح عبد الله بن عمرو بن العاص ويعتبر بحق مؤسس مدرسة مصر الدينية إذ أخذ عنه كثير من أهلها وكانوا يكتبون عنه ما يحدث وقد بلغ قرابة مائة حديث وممن اشتهر من علماء مصر وفـقـهائها الأمير عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى والى مصر المتوفى بحلوان والمدفون بالفسطاط سنة ست وثمانين هجرية ( 705م) وقد اشتغل برواية الحديث وله مناقب كثيرة ويزيد بن حبيب واسمه سويد الأزدى أبو رجاء المصرى وقد كان فـقيه مصر وشيخها ومفتيها ولد سنة اثنتين وخمسين بمصر وتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة وأبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمى الغافقى والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى وكان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر وتأثرت مصر بالمذاهب الإسلامية التى ظهرت فى العصر العباسى ففى ذلك العصر امتزجت العقلية العربية بالعقلية الفارسية واليونانية وارتفع مستوى الثقافة بين العلماء بفضل تشجيع بعض الخلفاء للعلماء والفقهاء والأدباء والشعراء وإقبال نخبة من العلماء على تعريب الكتب الأجنبية ودراستها وأهـم المذاهـب التى ذاعت فى العصر العباسى المذاهـب الأربعة والتى ما زالت باقية بمصر حتى اليوم وأقـدم هـذه المذاهـب مذهـب الإمام أبى حنيفة النعمان المولود بالكوفة سنة ثمانين هـجرية والمتوفى ببغداد سنة 150هـ وثانى هـذه المذاهب مذهب الإمام مالك ابن أنس المولود بالمدينة سنة 93هـ أو سنة 95هـ المتوفى بها سنة 179هـ والثالث مذهـب الشافعى وهـو الإمام محمد بن إدريس الشافعى المولود بغزة سنة 150هـ وقد حضر إلى مصر سنة 198هـ وكون بها مذهب الجديد وتوفى بها سنة 204هـ والرابع مذهـب الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المولود ببغداد سنة 164هـ والمتوفى بها سنة 241هـ وظل المصريون يتبعون المذهـب المالكى حتى قـدم مصر الإمام الشافعى وأنشأ مذهـبه الجديد بها فاتبعه كثير من المصريين ولم يمض قرن من الزمان حتى أصبح المذهب الشافعى منافسا للمذهـب المالكى فى مصر ومن أشهر فقهاء فى ذلك العهد أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى وقد جلس مكان الشافعى بعد وفاته وعبد العزيز بن عمران ابن أيوب الخزاعى المصرى والربيع بن سليمان بن داود الأزدى الجيزى نسبة إلى الجيزة وكان مركز الحركة العلمية فى مصر جامع عمرو مثله فى ذلك الجامع الأزهر اليوم فكان جامع عمرو ملتقى العلماء والفقهاء والأئمة إليه يلجأ الناس للاستفتاء واليه يفد الطلاب لتلقى العلوم التى كانت تدرس فى ذلك الحين وفيه يتخرج خيرة العلماء والفقهاء وأصبحت مصر مركزا علميا هـاما خصوصا فى أواخر عصر الولاة فكان يفد إليها الطلاب لتلقى العلم وخاصة من افريقية والمغرب والأندلس وبذلك أثرت مصر على الأندلس والمغرب فى المذاهب وفى العلوم الدينية التى كانت تدرس حينذاك وفى سنة 326هـ ( 938م) كان للمالكيين فى المسجد خمس عشرة حلقة وللشافعين مـثـلها ولأصحاب أبى حنيفة ثلاث حلقات فقط فى عهـد المقدسى تولى إمامة مسجد ابن طولون أحـد الشافعية لأول مرة ولم يتقدم فى محراب هذا المسجد إمام قط قبله إلا وهـو يتفقه لمالك وكان معظم الفقهاء بمصر من أصحاب مالك ويقول السيوطى أن أبا بكر النعالى المتوفى عام 380هـ ( 990م) كان إمام المالكية بمصر وكانت حلقته فى الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها


الــقضـاء :-


ونشأ القضاء فى عهـد الولاة بسيطا ثم ارتقى وتطور تدريجيا فمثلا لم يكن هـناك محكمة خاصة للفصل فى القضايا وإنما كانت مجالس القضاء تعقد فى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط للفصل فى قضايا العرب الفاتحين أو بين من يسلمون من أهـل البلاد أو بين الذميين الذين يحتكمون فى خصوماتهـم إلى القضاة المسلمين ويذكـر الكنـدى أن القاضى خير بن نعيم الحضرمى ( 120- 128هـ ) كان يقضى بين المسلمين فى المسجد ثم يجلس على باب المسجد بعد العصر فيقضى بين النصارى وكان القاضى محمد بن مسروق الكنـدى ( 177- 184 هـ ) يسمح للنصارى المتخاصمين بالدخول فى المسجد الجامع كالمسلمين ليقضى بينهم وكان القاضى يستمد أحكامه القضائية من مصادر التشريع الإسلامى وهـى القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد أو القياس ولم تكن أحكام القضاة تدون كذلك لم يكن للقاضى شىء تصان فيه كتبه وأوراقه بل كان كاتب القاضى يحضر ومعه الكتب فى منديل ويحمل محبرته [ دواته ] فى حزامه ولهذا كانت المحابر تصنع من المعدن ولها يد بحيث يمكن أن ترشق بين طيات الحزام وبالتدريج سجلت الأحكام فى سجلات وصارت تحفظ فى دواليب خاصة ومن التقاليد التى نشأت فى هـذه الفترة أيضا خروج القاضى فى نفر من أهل الصلاح لرؤية هـلال رمضان واثبات الرؤية وكانوا يخرجون لرؤيته فى الجيزة حتى لا يختلف الناس فى شهاداتهم وبعد ثبوت الرؤية تسير مواكب الناس حاملة المشاعل وهى تهتف : ( صيام! صيام! حسبما أمر قاضى الاسلام ) وما يزال هـذا التقليد متبعا حتى اليوم حيث يترأس الاحتفال بالرؤية فى القـاهـرة رئيس المحكمة الشرعية العليا ويهتف الصبية بما هتف به أسلافهم من قبل


الـصنـاعـات والـفـنـون :-


لما فتح العرب الأقطار العديدة وأخضعوا لحكمهم كثيرا من الأمم أثـر العرب فى تلك الأمم فنشروا بينهم لغتهم وآدابها ومختلف فنونها كما نشروا بينهم دينهم وأثرت تلك الأمم بدورها فى العرب فقد كانت لهم علوم وفنون توفر عليها العرب بالدرس والتحميص بفضل ما أوتوه من حس مرهـف وذوق سليم واختاروا أصلحها وأكثرها اتفاقا مع تقاليدهم ودينهم وصاغوا من كل ذلك ثقافة عالية وفنا إسلاميا جميلا أفاد منهما العالم قرونا طويلة ولقد كان للعرب فى حكم الشعوب أساليب ناجحة وطرائق قويمة ففضلا عن إطلاقهم حرية العبادة وكثيرا من الحريات الأخرى فقد أبقوا دفة الحكم فى أيدى حكام منهم ما خلا الوظائف الخطيرة والمناصب الرئيسية كذلك تركوا للناس صناعاتهم وحرفهم يزاولونها فى حرية واطمئنان بل إنهم أولوهم كثيرا من التشجيع والمؤازرة واكتفوا بالتوجيه السديد حسبما تقضيه الأوضاع الجديدة والدين الجديد فانصرف الناس إلى أعمالهم يحدوهم الاطمئنان وتملأهم الثقة ويحفزهم ذلك إلى الجد والإتقان ولقد دخل المصريون فى دين الله أفواجا واعتنق أكثرهم الاسلام وزاول الصناع صناعاتهم سواء منهم من أسلم ومن لم يسلم فنرى منتجات الفنون الإسلامية فى عصورها الأولى وقد تأثرت بالمنتجات الفنية القبطية نظرا لاعتماد العرب على الصناع والفنيين القبط ولأن التطور فى أساليب الصناعية كان بطيئا ولم يصل الفن إلى الطراز الإسلامى البحت إلا فى العصر الفاطمى بعد أن اجتاز مرحلة انتقال امتدت منذ الفتح العربى لمصر واشتملت على العصرين الطولونى والإخشيدى وإن كان قد تأثر فى العصر الطولونى بالأساليب العراقية التى أتى بها أحمد بن طولون من مدينة سامراء التى نشأ فيها وشب وترعرع ولم تقتصر استعانة العرب بالصناع المصريين فى صنع كل ما يلزمهم من حاجيات ومن بناء ما كانوا يحتاجون إليه من أبنية على مصر وحدها بل إننا نجد فى الوثائق التاريخية ما يدل على إرسال العمال والصناع المصريين إلى الشام وبلاد العرب للعمل فى بناء المساجد أو زخرفتها بالفسيفساء والجص وغير ذلك وقد ذخرت الفسطاط بالمصانع من كل نوع تنسج المنسوجات وتصنع المصنوعات المعدنية والخشبية والأوانى والخزفية والأدوات المنزلية ووجدت فى حفائر الفسطاط بقايا من تلك المصنوعات كما يوجد بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة نماذج قليلة منها .

العسكر :


مـنى مروان الثانى آخـر خلفاء بنى أمية بهزيمة ساحقة أمام جيوش بنى العباس فى موقعة الزاب بالقرب من الموصل فركن إلى الفرار واتجه صوب دمشق ثم التجأ إلى مصر ليتخذ منها قاعدة لمهاجمة العباسيين واستعادة ملكه المسلوب وعرشه المتداعى ولكن أبا عون وزميله صالح بن على القائدين العباسيين لم يتركا له فرصة لتحقيق أمـله وظلا يطاردانه حتى قبضا عليه فى قرية أبى صير من أعمال الجيزة حيث قتلاه وبذلك انقطع آخر خيط فى نسيج دولة الأمويين واندك ملكهم وقامت على أنقاضه دولة العباسيين الذين ورثوا حكم مصر ضمن ما ورثوه من أملاك الدولة البائدة وكما نقل العباسيون قصبة الخلافة من دمشق التى ارتبطت بذكر الأمويين إلى بلاد العراق حيث شيدوا لهم حاضرة جديدة هـى بغداد كذلك شرع القائدان أبو عون وصالح سنة 133هـ ( 750م) فى بناء عاصمة جديدة لمصر بدل الفسطاط سمياها العسكر فى الفضاء الذى عسكرت فيه جنودهما وتجمعت عند مطاردتهما لمروان الثانى وكانت تقع شمالى الفسطاط ويشرف عليها جبل يشكر الذى شيد فوقه أحمد بن طولون فيما بعد جامعه المشهور .


موقـع الـعـسـكـر :-


يـؤخذ من وصف المقريزى لموقع العسكر فى خططه أنها كانت تمتد وبمحاذاة الشاطىء الشرقى للنيل يحف بجدران جامع عمرو إذ ذاك ويحدها جنوبا قناطر المجرى [ العيون ] وشمالا شارع مراسينا إلى ميدان السيدة زينب حيث قناطر السباع أمام المشهد الزينبى وغربا السد والديورة وشرقا خط وهمى يمتد من مصطبة فرعون بجوار مسجد الجاولى بشارع مراسينا إلى باب السيدة نفيسة المعروف قديما بباب المجدم.


امــتـداد الــعسـكر :-


أمر أبو عون أصحابه بالبناء فيها وشيد صالح بن على دارا للأمارة كما شيد الفضل بن صالح بن على مسجدا جامعا عرف بجامع العسكر ومازالت العمارة تزداد فيها حتى اتصلت المبانى بالفسطاط وصارت العسكر مدينة { ذات محال وأسواق ودور عظيمة } واستمرت العسكر حاضرة البلاد إلى أن قدم مصر أحمد بن طولون فوجدها لا تتسع لجنده وحاشيته وما اعتزم تشييده من منشآت متعددة فاستقر عزمه على تشييد عاصمة أخرى واختط لهـذا الغرض مدينة القطائع التى شغلت حيزا كبيرا من العسكر بل وتدخلت فيها ولم يبق من معالم العسكر فى أيام المقريزى شىء يذكر وهنا يقول ( ولم يبق الآن من العسكر ما هـو عامر سوى جبل يشكر الذى عليه جامع ابن طولون وما حوله من الكبش وحدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات وخط قناطر السباع إلى جامع ابن طولون ) .

القطائع :


قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس كما هـو معروف لذا كانت لهم الحظوة عند خلفائها الأولين فقوى نفوذهم وعلا شأنهم وصار منهم الوزراء والقواد وكبار الدولة الذين إليهم المرجع فى كل صغيرة وكبيرة من شئونها ولما اشتدت وطأة النفوذ الفارسى حاول الخلفاء المتأخرون التخلص من ذلك النفوذ فاستبدلوا بالفرس قوادا وحراسا من الأتراك وسرعان ما انتشر نفوذ هـؤلاء وصاروا أصحاب الحول والطول فى مقر الخلافة بل وفى أقاليمها وممتلكاتها فآلت مصر إلى واحد من أولئك الأتراك هـو الأمير بقبق أو بايكباك ثم إلى الأمير برقوق وأناب كل منهما عنه فى حكم مصر أحمد بن طولون وهـو تركى الأصل مثلهما من إقليم بخارى فى بلاد ما وراء النهر وكان الأول زوج أم أحمد والثانى حماه أى أبا زوجته قدم أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ (868م) وبين جنبيه آمال كبار فهو يريد أن ينشىء من مصر دولة تنافس الخلافة قوة وعظمة وأن يؤسس لها حاضرة تماثل ( سـر من رأى ) أى سامراء قصبة الخلافة فى عهده والتى ولد فيها وترعرع وأعجب بجمال قصورها ورحابة ميادينها وعظمة مساجدها ومنشأتها لذلك عـول منذ أن وطئت قدماه أرض مصر على إقامة العاصمة المرجـوة فكان له ما أراد وأسماها القطائع ذلك لأنه أقطعها قطعا بين خدمه وحاشيته ورجال دولته وشيد فيها القصور والمستشفيات والملاجىء وأقام مسجده الجامع الذى ما زال يطاول الزمن ببقائه درة فريدة بين مساجد القاهرة والذى يستحق بلا ريب أن يطلق عليه اليوم اسم شيخ جوامع القاهـرة إذ لا يزال تخطيطه ومبانيه على الحال الأولى التى وجد عليها فى عهد منشئه .


مــوقــع الـقـطائــع :-


فالقطائع ثالثة العواصم الإسلامية فى مصر كانت تقع شمالى الفسطاط ( وكان موقعها من قبة الهواء التى صار مكانها الآن قلعة الجبل إلى جامع ابن طولون وهـو طول القطائع وأما عرضها فانه كان من أول الرملية من تحت القلعة إلى الموضع الذى يعرف الآن بالأرض الصفراء عند مشهد الرأس الذى يقال له الآن زين العابدين وكانت مساحة القطائع ميلا فى ميل ) وقد حدد العلامة الأثرى المرحوم محمد رمزى هذه المدينة كما يلى ( الحد البحرى ويبدأ من جامع سنجر الجاولى حتى باب العزب بالقلعة والحد الشرقى سور القلعة من باب العزب حتى جامع السلطان الأشرف قنصوه الغورى عند باب اليسار المعروف الآن بباب الجبل والحد القبلى ويبدأ من جامع الغورى المذكور حتى جامع سيدى على زين العابدين والحد الغربى من جامع سيدى على زين العابدين وينتهى بجامع سنجر الجاولى ) وقد تدخلت القطائع فى العسكر وشغلت الجزء المعروف الآن بقلعة الكبش وبتلول زينهم .


قصـــر أحمـد بن طــولــون :-


وقد بدأ ابن طولون فى بناء القطائع فى شعبان سنة 256( يوليو سنة 870) بأن شيد قصره الذى كان بمثابة نواة للمدينة وكان يقع فى الفضاء المعروف الآن بميدان صلاح الدين والذى عرف بالرملية وقـره ميدان والمنشية والذى كان يمتد إلى ما وراء جامع السلطان حسن الآن تحت المرتفع الذى كانت تقع عليه قبة الهواء التى فى مكانها بنى صلاح الدين قلعته المعروفة بقلعة الجبل وقد حول ابن طولون السهل الواقع بين القصر وجبل يشكر إلى ميدان كبير يضرب فيه بالصوالجة فسمى القصر كله الميدان وكان للقصر عدة أبواب منها باب الميدان الكبير وكان منه دخول الجيش وخروجه وباب الخاصة وباب الجبل الذى يلى جبل المقطم وباب الحرم وباب الدرمون وباب دغناج وسميا كذلك نسبة إلى حاجبين بهذين الاسمين كانا يجلسان أمامهما وباب الساج لأنه كان مصنوعا من خشب الساج وباب الصلاة الذى يخرج منه ابن طولون للصلاة وكان على الشارع الأعظم وكان يعرف أيضا بباب السباع إذ كانت صورتا سبعين من جبس وكانت هذه الأبواب لا تفتح كلها إلا فى يوم العيد أو يوم عرض الجيش أو يوم صدقة وما كانت تفتح إلا بترتيب فى أوقات معروفة وكان للقصر شبابيك تفتح من سائر نواحى الأبواب تشرف كل جهة على باب وكان للقصر مجلس يشرف منه ابن طولون يوم العرض ويوم الصدقة لينظر من أعلاه من يخرج ويدخل وكان الناس يدخلون من باب الصوالجة ويخرجون من باب السباع وكان على باب السباع مجلس آخـر يشرف منه ابن طولون ليلة العيد على القطائع ليرى حركات الغلمان وتأهبهم وتصرفهم فى حوائجهم .


تـخطيط الـقـطائع :-


بعدئذ تقدم أحمد بن طولون إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لأنفسهم حول القصر والميدان فاختطوا وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة الفسطاط ثم قطعت القطائع وسميت كل قطيعة باسم من سكنها فكانت للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم وللفراشين قطيعة مفردة بهم ولكل صنف من الغلمان قطيعة مفردة تعرف بهم وبنى القواد فى مواضع متفرقة فعمرت القطائع عمارة حسنة وتفرقت فيها السكك والأزقة وبنيت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمامات والأفران وسميت أسواقها فقيل سوق العيارين وكان يجمع العطارين و البزازين وسوق الفاميين ويجمع الجزارين والبقالين والشوايين فكان فى دكاكين الفاميين جميع ما فى دكاكين نظرائهم فى المدينة وأكثر وأحسن وسوق الطباخين ويجمع الصيارف والخبازين والحلوانيين ولكل من الباعة سوق حسن عامر فصارت القطائع مدينة كبيرة أعمر و أحسن من الشام وامتدت هذه المبانى إلى العسكر والفسطاط حتى أصبحت المدن الثلاث بلدا واحدا عامرا لاتصال مبانيها بعضها ببعض .

الجــامـــع:-


طلب ابن طولون إلى مهندس سنعرض بعد قليل إلى جنسيته أن يشيد له مسجدا له لا تأتى عليه النيران أو تهدمه مياه الفيضان ( فإن احترقت مصر بقى وإن غرقت بقى ) فحقق المهندس رغبته فبناه جميعه من الآجر الأحمر ورفعه على دعامات من الآجر أيضا ولم يدخل فى بنائه أعمدة من الرخام سوى عمودى القبلة ( لأن أساطين الرخام لا صبر لها على النار) ويؤخذ من اللوحة التذكارية الموجودة بالجامع أن الفراغ من بنائه كان سنة 265هـ ( 878-879م) وقد استغرق بناؤه عامين وجامع بن طولون مربع الشكل تقريبا ( 50ر162×73ر161 مترا ) يتوسطه صحن مكشوف تحيط به من جوانبه الأربعة أروقة مسقوفة وقد اتبع هذا التخطيط كثيرا بعد ذلك فى بناء المساجد فى العهود المتوالية ويتكون إيوان القبلة من خمسة أروقة أما الأواوين الثلاثة الأخرى فيتكون كل منها من رواقين ويحيط بالجامع فيما بين جدرانه والسور الخارجى من جهاته الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والغربية الجنوبية ثلاثة أروقة خارجية عرفت بالزيادات وتلك ميزة أخرى انفرد بها جامع ابن طولون بين مساجد القاهـرة والدعامات التى ترتكز عليها العقود مستطيلة الشكل محلاة فى أركانها الأربعة بأعمدة من نفس مادة الدعامات أى من الآجر وتيجانها كورنثية يطلق على أوراقها شوك اليهود أما العقود فمن الطراز الستينى ولم تستعمل فى مصر قبل ذلك ويوجد بين كل عقدين فوق الدعامة طاقة صغيرة بقصد التخفيف عن الدعامات وعقدها ستينى أيضا كالعقود الكبيرة وقد طليت جميع جدران المسجد ودعاماته وعقوده بطبقة من الجص وزخرفت واجهات العقود بزخارف نباتية متصلة كما حليت بواطن العقود حول الصحن بزخارف قوامها خطوط متداخلة وخطوط لولبية وأشرطة وخطوط منكسرة كلها معروفة فى الفن البيزنطى ومنه تسربت إلى الفن القبطى وفنون العراق ويدور تحت السقف إزار من ألواح خشبية نقشت عليها بحروف كوفية بارزة من طراز الكتابة الطولونية التى سادت هذا العصر سورتا البقرة وال عمران وبالجزء العلوى من الجدران صف من الطاقات مركب عليها شبابيك من الجص مخرمة يتكون من تخريمها أشكال هندسية بسيطة جميلة تنوعت أشكالها تدور حول جدران المسجد الأربعة وأربعة فقط من هذه الشبابيك موجودة بجدار القبلة زخرفتها معاصرة لإنشاء المسجد وللمسجد خمسة محاريب عدا المحراب الأصلى المجوف الموجود فى جدار القبلة ولقد أنشئت المحاريب الخمسة فى العصور التالية لإنشاء المسجد اثنان أحدهما فى منتصف حبل الطارات الثانى مما يلى الصحن الأيمن عمل فى عهد المستنصر الفاطمى والثانى فى عهد حسام الدين لاجين المملوكى واثنان فى النصف الثالث من حبل الطارات بجانبى دكة المبلغ ومحراب خامس وهو فى جدار القبلة على يسار المحراب الكبير وجميع هذه المحاريب من الجص ومزينة بالكتابة الكوفية أو النسخية والزخارف النباتية .
وكانت توجد وسط الصحن نافورة ماء أنشأها ابن طولون كى يشرب منها المصلون وسط حوض من الرخام تعلوها قبة مذهبة مقامة على ستة عشر عمودا من الرخام ولكنها تهدمت وأعيد بناؤها فى العصر الفاطمى ثم تهدمت ثانيا وأقيم مكانها البناء الحالى جدده السلطان حسام الدين لاجين سنة 696هـ ( 1297م) كما يدل على ذلك كتابة على لوح من خشب مثبت فى قاعدة القبة ضمن ما جدده من بناء المسجد وأثاثه مما سيأتى ذكره بعد ولكن النافورة خرجت هذه المرة عن الغرض الذى أنشئت من اجله أولا فقد صارت الآن ميضأة يتوضأ فيها المصلون وكان ابن طولون قد أبى أن تكون مكانا للوضوء خيفة أن تصبح مصدرا [ للنجاسة ] والقذارة فلما أخذ على المسجد خلوه من مكان للوضوء أقام ميضأة بالزيادة الغربية بعيدا عن داخل المسجد كما أنشأ بهذه الزيادة صيدلية بها الأدوية وعليها الخدم وفيها طبيب يجلس يوم الجمعة لإسعاف من يصاب من المصلين بحادث وقت الصلاة ولهذا المسجد مئذنة فريدة فى شكلها لا نظير لها بين مآذن مساجد القاهـرة وهى ميزة أخرى امتاز بها جامع بن طولون فهى مربعة فى جـزئها الأسفل اسطوانية فى جزئها الأوسط مثمنة فى جزئها العلوى وهـى بهذا تحمل بعض الشبه لمئذنة جامع المتوكل بسامراء المعروفة بالملوية ويحيط بالمسجد بموازاة الأروقة الثلاثة الخارجية أسوار مبنية من الآجر الذى بنيت منه جدران المسجد تعلوها شرافات مخرمة شبهها بعضهم بعرف الديك وبهذه الأسوار أبواب يقابل كل منها بابا من الأبواب المسجد وعدة هذه الأبواب جميعا أربعون بابا


مـهـنـدس الـجـامــع :-


ولما كان اسم مهندس هذا الجامع مجهولا فقد أدى ذلك إلى كثير من التكهنات حول جنسيته فذكر بعض المؤرخين أنه كان بيزنطيا وقال آخرون انه كان قبطيا وقال فريق انه كان عراقيا غير أن الشبه الكبير بين هذا المسجد ومسجد المتوكل فى سر من رأى يحمل على الاعتقاد بأن مهندسه عراقى ولا عبرة بأن يكون مسلما أو نصرانيا قدم إلى مصر يحمل معه أساليب العراق وفنونه فاستخدمه ابن طولون فى تنفيذ بناء مسجده.


الـتجديـدات الـتى أدخـلـت على هـذا الـمسجـد :-


وقد أدخلت على هذا المسجد إصلاحات كثيرة فى العهود التالية يضيق المقام عن حصرها وأهم هـذه الإصلاحات ما قام به حسام الدين لاجين السلطان المملوكى سنة 696هـ ( 1297م) منها النافورة التى سبق ذكرها والمنبر الخشبى الجميل
وما زال موجودا حتى اليوم والقبة التى فوق المحراب الكبير ولكن أهـم ما أدخل عليه من تجديد فى العصر الحديث هـو ما قامت به لجنة حفظ الآثار العربية منذ سنة 1882م من جهود فى سبيل إعادته إلى حالته الأولى فهدمت المنازل والعشش التى أطبقت عليه من كل جانب ورممت المتداعى من جدرانه وطلتها بالجص معيدة زخارفه سيرتها الأولى .


قــناطــر الميـــاه :-


ولكى يمد ابن طولون قطائعه بالماء أمر بحفر بئر فى الجنوب الشرقى من القطائع فى الموضع الذى يعرف اليوم بالبساتين وشيد عليها قناطر يرفع إليها الماء بواسطة ساقية ومد تلك القناطر حتى القطائع فصار ينحدر عليها الماء فى سهولة ويسر إلى القطائع وقد بنيت هـذه القناطر من الآجر الذى بنى منه الجامع فيما بعد كما أن عقودها ستينية كذلك لهذا يعتقد أن المهندس الذى شيدها هـو نفس المهندس الذى شيد الجامع ولا تزال بقية منها باقية حتى اليوم


توفى أحمد بن طولون عام 270هـ ( 884م) وخلفه على ملك مصر ابنه أبو الجيش خمارويه وقد كان مسرفا إلى حد السفه ميالا إلى الأبهة والعظمة ولا أدل على ذلك من تجهيزه ابنته قطر الندى للخليفة العباسى المعتضد سنة 281هـ( 894م) جهازا لم تجهز به عروس من قبل حتى صار مضرب الأمثال فى البذخ والترف مما أفقر الدولة وجر عليها الخراب والدمار فلما قتل سنة 283هـ ( 896م) ترك خزائنها خاوية مما أدى إلى زوال دولة بنى طولون ومما يدل على بذخه وإسرافه أنه أحال ميدان أبيه الفسيح إلى بستان غرس فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر ( ونقل إليه النخل اللطيف الذى ينال ثمره القائم ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار النخل وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورود وزرع فيه الزعفران وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعهدهـا البستانى بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة وزع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والجنوى العجيب وأهـدى إليه من خراسان كل أصل عجيب وطعموا شجر المشمش باللوز وأشباه ذلك مما يستظرف ويستحسن وكسا أجسام النخل نحاسا مذهـبا حسن الصنعة وجعل بين النحاس وأجسام النخل مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر فكان يخرج من تضاعيف قوائم النخل عيون الماء وتنحدر إلى مساق معمولة ويفيض منها الماء إلى مجار تسقى سائر البستان وبنى فيه برجا من الخشب الساج فكانت هـذه الفوارات والبرك والعيون المائية الصناعية ــ على طريقة المصريين القدماء فى عمل البساتين إلى جانب أبراج الخشب مما يزيد البستان جمالا) وسرح فى البستان من الطير العجيب كالطواويس ودجاج البش ونحوها شيئا كثيرا وعمل فى داره مجلسا برواقه سماه بيت الذهب طلى حيطانه كلها ذهـب وجعل فيه مقدار قامة ونصف صورا فى حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياه والمغنيات اللاتى تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق وجعل على رءوسهن الأكاليل من الذهـب الخالص الإبريز فكان هـذا البيت من أعجب مبانى الدنيا وجعل بين يدى هـذا البيت بركة من زئبق يقال انها خمسون ذراعا طولا فى خمسون ذراعا عرضا وملأهـا بالزئبق وعمل فرشا من أدم ( جلد) يحشى بالريح ( الهواء ) حتى ينتفخ فيحكم حينئذ شده وينزل خمارويه فينام عليه فلا يزال الفراش يرتج ويتحرك بحركة الزئبق ما دام عليه حتى ينام متغلبـا على الأرق الذى كان مصابا به وقد ازدادت عمارة القطائع فى عهده وازينت ولم تصبح فقط مقر الأمير وبطاتنه ورجال حكومته بل اتسع نطاقها وأنشئت فيها المساجد الجميلة والحمامات والأفران والطواحين والحوانيت واختطت فيها الشوارع وصارت مدينة زاهـرة عامرة جديرة بأن تكون عاصمة لدولة بنى طولون العظيمة وبعد مقتل هـارون بن خمارويه سير المكتفى بالله الخليفة العباسى محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر فوصلها فى سنة 292هـ ( 905م) وانقض على آثار الطولونيين بالهـدم والتخريب إذ بلغ حقده عليهم مبلغا دفعه إلى محو آثارهم جملة ولولا حرمة مساجد الله وقداسة بيوته لهـدم أيضا المسجد الجامع ولكنا فـقدنا بذلك أثـر ا عظيما من أهـم الآثار الإسلامية بمصر أما القطائع فـقد ظلت عامرة إلى نهاية المستنصر الفاطمى حين وقعت الشدة العظمى من 457 إلى 464هـ ( 1065-1072م) فخربت هـى والعسكر وتهدمت وتحولت إلى تلال وكيمان فيما بين مصر والقاهـرة .


الـحيـاة الاقـتـصـــادية :-


لما قبض أحمد بن طولون على ناصبة الأمور فى مصر واستقل بحكمها عن الخلافة العباسية عنى بشئونها واهـتم بتحسين مواردها حتى تضاعف دخلها وكثر ثراؤهـا وفاقت الخلافة نفسها عمرانا ورخاء ومنعة وقوة ومما يدل على ثروة مصر ورخائها فى عهد ابن طولون أن خراجها قد بلغ فى أيامه أربعة آلاف ألف وثلاثمائة دينار هـذا مع كثرة صدقاته وإنفاقه على مماليكه وعسكره وأنفق على البيمارستان ستين ألف دينار وعلى حصن الجزيرة ثمانين ألف دينار وعلى الميدان خمسين ألف دينار وحمل إلى الخليفة المعتمد فى مدة أربع سنين ألفى دينار ومائتى ألف دينار وقد وصفنا لك بستان خمارويه وألمحنا إلى تجهيز ابنته قطر الندى للخليفة المعتضد العباسى جهازا لم نجهز به عروس من قبل أو من بعد ذلك الجهاز الذى تكلف مليون دينار أو ما يقرب من نصف مليون جنيه مصرى ومما اشتمل عليه ذلك الجهاز أربعة آلاف منطقة مرصعة بالجواهر وعشرة صناديق مملوء بالجواهر وألف هـاون من الذهب لسحق العطور وألف تكة بلغت تكاليف الواحدة عشرة دنانير كما بنى لها على طول الطريق بين القطائع وبغداد وعلى رأس كل مرحلة من مراحل الطريق منزلا تأوى إليه أعد فيه من أسباب الراحة والترف ما يصلح لمثلها فى حالة الإقامة فلا تحس بوعثاء السفر حتى لكأنها لم تتعد أسوار قصر خمارويه فى القطائع ولقد أولى ابن طولون البلاد كل عناية وتعهدها بالإصلاح والتعمير وعنى بصفة خاصة بأعمال الرى وأصلح مقياس النيل فى جزيرة الروضة .


الـحـيـاة الاجـتماعية :-


واتسعت رقعة البلاد وترامت أطرافها فعم الرخاء أرجاءها ويسر العيش بها وازينت القطائع بالقصور الفاخرة والدور العامرة ولقد تغلب على مشكلة المرض فأنشأ أول مستشفى فى مصر جنوبى القطائع فسبق بهـذا عصره بأحد عشر قرنا وقد انفق على بنائه وتجهيزه ستين ألف دينار وعنى بالمرضى عناية فائقة ولم يقتصر على مدهـم بالدواء بل أمدهـم بالغذاء والكساء وشرط ألا يعالج فيه جندى ولا مملوك وقصره على أفراد الشعب والفقراء من الناس وألحق به حمامين : أحدهـما للرجال والآخـر للنساء وقد حبس على مسجده الجامع وقناطره ومارستانه دخل بعض الأبنية ولعل ذلك كان بدء نظام الوقف ذلك النظام الذى كان له أخطر أثر فى الحياة الاجتماعية فى الاسلام بعد ذلك


الــحـالـة الـعـلمـية :-


انحصرت الثقافة فى علوم القرآن والدين وما يتصل بها من فنون اللغة كالنحو والصرف وكان جامع ابن طولون منتدى العلماء والفقهـاء والمحدثين ومن أشهر المحدثين والفقهاء فى العهد الطولونى وقبله الربيع ابن سليمان المرادى بالولاء ( 174-270هـ/ 790-883م) وقد امتاز بسعة الحفظ وجمع الرواية خصوصا رواية مذهب الشافعى وقد كان يدرس فى جامع الفسطاط ثم استدعاه أحمد بن طولون إلى التدريس فى مسجده لما بناه ويروى أن ابن طولون أعطاه فى أول درس ألقاه فى جامعه كيسا به ألف دينار وكان المحدثون يفدون على مصر من الأقطار المختلفة ليأخذوا عنه إذ كان يعتبر إمام الشافعية فيها كذلك كان أبو جعفر الطحاوى إمام الحنفية فيها ( 229-321هـ/ 843-933م) وكان من اسبق المؤلفين المصريين فى فنون مختلفة من بينها علوم القرآن والتاريخ وأكبر من كان يمثل الثقافة الدينية فى مصر فى هذا العصر أبو بكر بن الحداد فـقد كان يلقب بفقيه مصر وفصيحها وعابدها توفى سنة 344هـ(955م) ومن أشهر الفقهاء علما فى ذلك العصر [ سيبويه المصرى ] فقد كان يعلم كثيرا من معانى القرآن وقراءاته وغريبه وإعرابه وأحكامه ويعرف من النحو والغريب ما لقب بسببه سيبويه .


ومن أشهر المؤرخين ابن يونس ( 281-347هـ / 894-958م) فـقد عنى بنشر مفاخر مصر ورجالها مع العناية بحوادثها وقد جمع لها تاريخين أحدهما وهـو الأكبر ويختص بالمصريين منشأ والآخر صغير فيمن ورد على مصر من الغرباء وكان محمد بن يوسف الكندى ( 283-350هـ / 896-961م) من أعلم الناس بتاريخ مصر وأهلها وأعمالها وثغورها وهـو مصرى نشأ بمصر ومات بها وهـو صاحب كتاب ( الولاة والقضاة) وهـو من أهـم مصادر تاريخ مصر وكتاب ( فتوح مصر والمغرب والأندلس ) وهـو أيضا من أهـم المراجع فى تاريخ تلك البلاد ومن اشهر مؤرخى هـذا العصر أيضا ابن زولاق الحسن بن إبراهيم الليثى بالـولاء عنى كذلك بتاريخ مصر فأكمل أخبار قضاة مصر للـكندى وعنى بخططها فألف فيها وكانت خططه أساسا لمن أتى من بعده ومن بينهم المقريزى ومن أشهر المؤرخين وان لم ينتموا إلى العصر الطولونى وإنما ينتمون إلى العصر الأخشيدى المؤرخ المشهور المسعودى وقد كان مؤرخا جغرافيا ممتاز على من سبقه بدقة نظره وسعة إطلاعه وكثرة رحلاته ومشاهداته فقد أضاف الى الثروة التاريخية كثيرا مكن الكتب والمراجع النفيسة وتوفى سنة 346هـ (957م) ومن أشهر مؤلفاته ( مروج الذهب ومعادن الجوهـر ) وقد ترجم إلى الفرنسية


عـــلــم الــطــب :-


وسبق أن ذكرنا أن أحمد بن طولون أنشأ بيمارستانا على أرض العسكر للعناية بالمرضى ألحق به صيدلية وحمامين أحدهما للرجال والآخر للنساء ورتب له الأطباء و الصيادلة والخدم للعناية بالمرضى من مختلف الأديان والأجناس ويدلك إنشاء هـذا المستشفى وما كان عليه من تنظيم وحسن ترتيب واهـتمام أحمد بن طولون نفسه بالمرضى والعناية بهم على مدى تقدم فن الطب والتمريض فى عهده وفى الواقع أن مصر اشتهرت فى هـذا العصر بطائفة من الأطباء ومن هـؤلاء سعد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون وكان نصرانيا وإبراهيم بن عيسى والحسن بن زيرك وكان من أطباء ابن طولون أيضا .


الــفــنــون :-


كذلك كان للدولة الطولونية الفضل الأول منذ الفتح الإسلامى فى جعل مصر مركزا مشهورا للفنون ومقرا لبلاط فخم ويعتبر الجامع الطولونى ذخيرة للفنون فى هـذه الحقبة من تاريخ مصر بما حفل به من نقوش وزخارف كانت معنيا لدارسى الفنون عند الطولونيين ولو أن يد محمد بن سليمان الكاتب امتدت إليه أيضا بالتخريب والتدمير كما امتدت لقصور القطائع وحماماتها وبساتينها وسائر أبنيتها لفقدنا حلقة هامة فى سلسلة الفنون الإسلامية فى مصر ولاضطررنا أن نضرب فى بيداء الحدس والتخمين تجاه تلك الفنون .


الـزخـارف الـجصية:-


واتخذ الطولونيون الجص ( الجبس ) مادة لطلاء أبنيتهم وزخـرفوها بزخارف تستمد كثيرا من عناصرها من الأشكال ومن الرسوم النباتية تلك الرسوم التى قوامها الفروع النباتية تخرج منها أوراق العنب وعناقيده كما يرى فى واجهات عقود الجامع الطولونى أو الخطوط المتداخلة والخطوط اللولبية واللآلىء والأشرطة أو الخطوط المنكسرة كما فى بواطن العقود


الأخشاب الـمحـفورة :-


واستخدام الطولونيون الأخشاب فى مبانيهم وقصورهم ومساجدهم ولقد أفادوا من خبرة القبط فى صناعة الأخشاب تلك الصناعة التى توارثوها عن المصريين القدماء فاستخدموا الخشب فى عمل السقوف والأبواب والمنابر والدكك وأشرطة الكتابة التاريخية أو الزخرفية وقد وصلت إلينا قطع من الخشب ذى الزخارف الطولونية مصدرها إما المسجد الجامع أو القصور أو الأبنية الطولونية البائدة ويشبه ما عليها من الزخارف الجصية وهـى محفورة حفرا عميقا منحرف الجوانب قوامها الفروع والخطوط الحلزونية التى تغطى الأرضية كلها وقد يغطى التربيعة من الخشب الطولونى رسم تخطيطى أو آخـر موضوعاته نباتية تحيط به أشرطة من أقراص صغيرة محفورة أو فروع مستديرة أو مربعات أ و أشكال مستطيلة وذكرنا فى وصف بستان خمارويه ما كان يحلى قصر الذهـب من تماثيل خشبية له ولمحظياته على مقدار قامة ونصف وللأسف لم يصل إلينا شىء منها أما الزخارف الجصية والأخشاب المحفورة فبالمتحف الإسلامى بالقاهرة نماذج كثيرة منها وذكرنا فى وصف الجامع الطولونى الإزار الذى يدور تحت سقفه المصنوع من الألواح الخشبية والمنقوش فى وسطه آيات من القرآن الكريم بحروف كوفية من طراز الكتابة الكوفية التى سادت العصر الطولونى وهـى المكونة من الحروف المربعة ذات الزوايا القائمة .


الـــخــزف :-


وقد وجدت فى أطلال الفسطاط قطع من الخزف ذى البريق المعدنى تحمل شبها كبيرا للخزف المصنوع فى سامرا مما يؤدى إلى الظن بأن هـذا الخزف نقل إلى مصر بواسطة أحمد بن طولون وقلـد فى المصانع التى أنشأهـا فى الفسطاط لهذا الغرض ويذهـب فريق من الباحثين فى دراسة الخزف ذا البريق المعدنى نشأ على ضفاف النيل ثم أخذ ينمو ويترعرع فى العصر الإسلامى فى مصر وقد ذكر المرحوم على بهجت فى كتابه عن الخزف الإسلامى فى مصر أن الخزف الطولونى أرق طينة من النوع الذى ينسبه الى ما قبل العصر الطولونى كما يمتاز بزخارفه ذات البريق المعدنى ذى اللون الأصفر أو الزيتونى على أرضية بيضاء مشربة بالصفرة أو ( كريم) وفى أكثر القطع الخزفية الطولونية خط يحيط بالزخارف الرئيسية فيكون منطقة تزين ما يخرج عنها ثلاثية الشكل أو دوائر صغيرة فى وسط كل منها نقطة وفى المتحف الإسلامى بالقاهـرة صحن فيه زخارف هـندسية صفراء وسمراء وعلى أرضيته البيضاء النقط المعروفة فى زخرفة الخزف العراقى بسامراء.


الــمنسـوجــات :-


وقد كان لمصر شهرة عظيمة فى صناعة المنسوجات قبل الفتح الإسلامى وظل المصريون يزاولون تلك الصناعة كغيرهـا من الصناعات الأخرى طوال العصر الإسلامى ولكنها أخذت تتطور تدريجيا بما يلائم ذلك العصر والتقاليد الإسلامية وتشتمل مجموعة المتحف الإسلامى بالقاهـرة على عدد من القطع النسيج بأسماء الخلفاء العباسيين والأمراء الطولونيين والمعرف أن الجزية التى كانت ترسلها مصر إلى بلاط الخليفة العباسى ثم الهدايا التى أرسلها احمد بن طولون إلى الخليفة المعتمد والتى أرسلها خمارويه من بعده إلى الخليفة المعتضد – كان فيها شىء كثير من الأقمشة الثمينة والمنسوجات النفيسة ولابد أن نشير هنا إلى مصانع النسيج كانت على نوعين : أهـلية وهـى التى تصنع المنسوجات الشعبية ويطلق عليها طراز العامة وتشرف عليها الحكومة . ومصانع حكومية تصنع بها المنسوجات للخليفة ورجاله بلاطه وخاصته وهـى التى يطلق عليها طراز الخاصة وقد كانت أسماء الخلفاء والأمراء تكتب على تلك المنسوجات ويقرن باسم الخليفة ألقابه وبعض عبارات الأدعية وكثيرا ما يذكر فيها اسم المدينة التى فيها الطراز واسم الوزير وصاحب الخراج وناظر الطراز .


صـناعـات أخــرى:-


وتذكر المصادر التاريخية أن عدة جيش ابن طولون كانت مائة ألف جندى فالمعقول أنه كانت توجد فى الفسطاط مصانع تصنع ما يحتاج إليه هـذا الجيش العظيم من أسلحة وعتاد وان لم يصل إلى أيدينا شىء منها كذلك تروى تلك المصادر أن دنانير ابن طولون كانت من الصفاء بحيث استعملت خاصة للتذهيب ومعنى ذلك أنه كانت بمصر دار لسك النقود كما كان بها مصانع للزجاج تصنع الأوانى الزجاجية والخواتم والأختام التى كان يطبع بها على الأوانى لبيان أحجامها المختلفة .

القاهرة :


استتب الأمر للفاطميين فى شمال إفريقيا وصار ملكهم يمتد من حدود مصر شرقا حتى ساحل المحيط الأطلنطى غربا ورنا الخلفاء الفاطميون ببصرهم إلى مصر وتمنوا أن تدخل فى حوزتهم وتنطوى تحت سلطانهم لمـا لهـا من مكانة ممتازة فى العالم الإسلامى فحاولوا غزوهـا فى عهد القائم بأمر الله سنة 324هـ ( 935م) ولكن حال دون تحقيق هـذه الأمنية قوة محمد الإخشيد - حاكم مصر إذ ذاك – ووقوفه لهم بالمرصاد وظلوا يتربصون بمصر الدوائر حتى واتتهم الفرصة عندما أخذ نجم بنى الإخشيد فى الأفول وتسرب الوهـن إلى ملكهم وتولى أمر مصر من ذراريهم حثالة من ضعاف الملوك لا حول لهم ولا قوة عندئذ اقتنص الفرصة المـعـز لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين فأنفذ إليها سنة 358هـ ( 968م) جيشا كبيرا على رأسه قائده الأول جوهـر الصقلى مجهزا بأحسن العدد والأدوات ووضع لذلك الخطط المحكمة والترتيبات الموفقة ليتحقق الأمل المنشود هـذه المرة وكان قد سبق الغزو الفاطمى دعاية للفاطميين واسعة النطاق واستمالة الفاطميين للمصريين بشتى الوسائل لذلك لم يجد جوهر فى فتحها كبير عناء وسرعان ما صارت مصر درة فى تاج الفاطميين وانتقل إليها كرسى الخلافة الفاطمية وعلا قدرهـا وذاع صيتها وطمست بشهرتها الخلافة العباسية فى الشرق والأموية فى الغرب وتعالت القاهـرة المعزية على بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية وصارت قلب العالم الإسلامى النابض ومحور نشاطه الـدافق .


وكان فى مقدمة ما عنى به الفاطميون شأنهم فى ذلك شأن من سبقهم من الأسرات الإسلامية اتخاذ قاعدة جديدة للحكم تحمل طابعهم وتتميز عما سبقها من قصبات الحكم لذا حرص جوهر ليلة وصوله الفسطاط فى 17 شعبان سنة 358هـ ( 7يوليو سنة 968م) على إنشاء الحاضرة المرتقبة أنه كان ينفذ رغبة من رغبات سيده المعـز .


تســميـة الــقاهــرة :-


وهنا ينشط القصاص كعادتهم فى نسج قصة طريفة اقترن بها بناء العاصمة الجديدة : فيروون أن جوهرا نظر إلى السهل الرملى الواقع شمالى الفسطاط وكان خلوا من المبانى إلا القليل الملحق بالبستان الكافورى ودير فسيح يطلق عليه دير العظام وحصن صغير يسمى الشوك فاختط فيه مدينته وأحـاطها بسياج من الأعمدة الخشبية وأوصلها جميعا بالحبال التى تتدلى منها أجراس قصد بها أن تدق جميعا فى لحظة واحدة عندما تعطى الإشارة بذلك لكى تكون إيذانا بوضع الأساس وقـد ترقبوا مرور كوكب ميمون الطالع فى سماء المدينة الجديدة ليوضع الأساس عند إشراقه تفاؤلا بمستقبل سعيد مرموق لها ولكن حدث ما لم فى الحسبان إذ حط فوق أحد الحبال غراب فدقت الأجراس لفورها فوضع العمال الأساس وفقا للتعليمات المعطاة واتفق أن ظهر فى تلك اللحظة كوكب المريخ قاهـر الفلك كما يطلقون عليه فلما رفع الأمر للخليفة المعز عند قدومه إلى مصر فى 5 رمضان سنة 362( 10 يونيو 972) وكان عالما فى التنجيم وافق على نسبة المدينة الجديدة إلى كوكب القاهـر الذى كان يتعهد فيه يمن الغدوات وبركة الروحات وأضيف إليها اسم المعز فصارت تعرف باسم القاهرة المعزية أو قاهـرة المعز ومهما يكن من أمر فليست هـذه القصة وأضرابها بالشىء الجديد فى عالم العواصم القديمة فقليل منها من لم يقترن إنشاؤه بقصة طريفة من هـذا النوع لتكسبها روعة وجدة على مر العصور والأزمان .


ســـــور الـقـاهــرة :-


وليس بعجيب أن يكون أول شىء يبدأ به جوهر فى بناء العاصمة الجديدة بناء السور إذ كان المقصود بالمدن فى العصور الوسطى أن تكون قلاعا حصينة يحتمى وراءهـا السكان ضد الغزاة الفاتحين ونواة الأبنية فى تلك المدن قصور الخلفاء والوزراء وملحقاتها من دور الحكومة والدواوين ثم المساجد وأماكن العبادة وغيرها وهـذا ما حدا بالمقريزى أن يذكر أن بناء القاهـرة إنما قصد به أن تكون ( منزل سكنى للخليفة وحـرمه وجنـده وخواصـه ومعقل قتال يتحصن به ويلجأ إليه ) وقـد شغلت القـاهـرة أول قطعة من الأرض مساحتها 340فدانا على شكل مربع طول ضلعه 1200مـترتقريبا وكانت تمتد من منارة جامع الحاكم شمالا حتى باب زويلة جنوبا وأحاطها جـوهـر بسور من الـلبن كما تقدم بقيت منه بقية إلى عهد المقريزى ( أى إلى أوائل القرن التاسع الهجرى والخامس عشر الميلادى) فوصفها بقوله ( وفـد أدركت من هذا السور الـلبن قطعا وأخـر ما رأيت منه قطعة كبيرة كانت فيما بين باب البرقية ودرب بطوط هـدمها شخص من الناس فى سنة 803هـ فشاهدت كبر لـبنها ما يتعجب منه فى زمننا حتى أن الـلبنة تكون قدر ذراعا فى ثلثى ذراع وعرض جدار السور عدة أذرع يسع أن يمر به فارسان وكان بعيدا عن السور الحجر الموجود الآن وبينهما نحو الخمسين ذراعا وما أحسب أنه بقى الآن من هـذا السور الـلبن شىء )


أبــواب الـقـاهــرة :-


ويحد المدينة من الشرق تلال المقطم ومن الغرب الخليج الكبير ومن الجنوب مدينة القطائع ويقع فى هذا السور ثمانية أبواب هـى : باب زويلة وباب الفرج فى الجنوب وباب الفتوح وباب النصر فى الشمال وباب القراطين – الذى عرف فيما بعد بباب المحروق وباب البرقية فى الشرق وباب سعادة ويقع فى موضعه الآن محكمة الاستئناف العليا ثم باب القنطرة فى الغرب ( وسمى كذلك لأن جوهرا بنى تجاهـه على الخليج قنطرة ) وقـد جـدد هـذا السور بدر الجمالى وزير المستنصر سنة 480هـ ( 1087م) ولا تزال ثلاثة من أبوابه باقية حتى اليوم وهى : باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة وقد بنيت فى مواضع قريبة من أبواب جوهر القديمة ولكنها لم تبن من الـلبن وإنما بناها بدر الجمالى من الأحجار الضخمة كما ترى اليوم فى أماكنها الحالية وكما ترى بقية ضئيلة من سور بدر الجمالى فى شارع الجيش فى منتصفه تقريبا .


الـقـصـر الـشـرقى الـكبير :-


واختط جوهـر أيضا قصرا كبيرا لإقامة المعـز عند قدومه إلى مصر وكان يقع بالقرب من السور الشرقى ولذا أطلق عليه اسم القصر الشرقى الكبير وكل ما نعلمه عن ذلك القصر مستمد من المصادر التاريخية إذ لا أثـر له اليوم يمتد من الموضع الذى يوجد به المشهد الحسينى الآن إلى الجامع الأقمر تقريبا وكانت له تسعه أبواب : ففى الناحية الشرقية كانت توجد أبوا ب العيد والـزمرد وقصر الشوك وفى الناحية الغربية كانت توجد أبواب البحر والذهـب والزهومة وفى الناحية القبلية كانت توجد أبواب تربة الزعفران والديلم وفى الناحية البحرية كان يوجد باب واحد هـو باب الريح وكانت أسماء هـذه الأبواب تدل على معان خاصة فسمى باب العيد كذلك لأن الخليفة كان يخرج منه فى يومى العيد إلى المصلى التى كانت خارج باب النصر وموضع هـذا الباب اليوم بشارع قصر الشوك وباب الزمرد كان يتوصل منه إلى قصر الزمرد وموضعه اليوم بشارع حبس الرحبة بالجمالية وباب البحر كان يخرج منه الخليفة عندما يقصد التوجه إلى شاطىء النيل بالمقس وموضعه اليوم مدخل حارة القاضى تجاه جامع الملك الكامل بشارع بين القصرين وباب الذهـب كانت تدخـل منه المواكب وجميع رجال الدولة وكان تجاه البيمارستان المنصورى وباب الزهومة وسمى كذلك لأنه باب مطابخ القصر فتمر منه اللحوم وحوائج الطعام فتنبعث منه رائحة اللحوم وكان يتوصل من باب قصر الشوك إلى القصر المسمى بهذا الاسم ( قصر الشوك ) وموضعه الآن مدخل عطفة القزازين بدرب القزازين وباب التربة وكان يتوصل منه إلى مقابر الخلفاء التى كانت بداخل القصر وموضعه الآن وكالة القطن بسكة البادستان بخان الخليلى وباب الريح ويظهر أنه سمى كذلك لهبوب رياح الشمال الرطبة من خلاله لوقوعه فى الواجهة البحرية للقصر وموضعه الآن وكالة سالم وسعيد بازرعة بشارع التمبكشية بجوار جامع جمال الدين وباب الديلم وكان يدخل منه إلى المشهد الحسينى من شرقيه ويقع اليوم تجاه الباب الأخـضر الشرقى للمشهد المذكور .


الـقـصـر الـغــربــى الــصغيــر :-


وشيد العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله قصرا آخر غربى القصر الكبير لذا سمى بالقصر الغربى الصغير ويشغل مكانه اليوم مستشفى قلاوون للرمد وكل المساكن التى تجاوره إلى شارع الخليج لذا عرف أيضا بقصر البحر بالإضافة إلى اسم القصر الغربى ( وكان يشرف على البستان الكافورى ويتحول إليه الخليفة من البركة التى كان يقال لها بطن البقرة ومن البستان المعروف بالبغدادية وغيره من البساتين التى كانت تتصل بأرض اللوق وجنان الزهـرى ) وكان بين القصر الشرقى والقصر الغربى فضاء متسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر ما بين فارس وراجل يطلق عليه ما بين القصرين كما كان يصل القصرين سرداب تحت الأرض يسلكه الخليفة ممتطيا بغلته عندما ينتقل من القصر الشرقى إلى القصر الغربى متخفيا عن أعين الناس .


تـحف الـقصر الـكبير وطـرائفه :-


وقد زاد الخلفاء المتعاقبون من قاعات القصر الشرقى وأبهائه وأفرطوا فى تزيينه وزخرفته فقد وصف هذا القصر فى أواخر عهد الدولة الفاطمية بعض السائحين الأجانب ممن قدر لهم زيارة القاهـرة وصفا شائقا فذكروا أن أرضه كانت مرصوفة بالفسيفساء وأسقفه تزينها الزخارف الذهبـية الجميلة وفى وسط أفنيته النافورات التى يجرى منها الماء فى أنابيب من الذهب والفضة إلى أحـواض وقنوات مرصوفة بالرخام كما تكثر بحدائقه الطيور البديعة والحيوانات الغريبة أما الستائر فكانت مصنوعة من الحرير الموشى بالذهب ومرصعة بالجواهـر واليواقيت وعليها رسوم الحيوان والطيور وبعض صور آدميـة وقـد حشد الخلفاء الفاطميون فى هـذا القصر من التحف والطرائف ما يكاد يصدقه العقل وقـد جمعوا كل ذلك فى خزائن كان بعضها فى داخل القصر والبعض الآخـر فى مبان ملحقة به وكان يقوم على حفظها والعناية بمحتوياتها خـدم وموظفون اختصوا بهذا العمل وحده وقد وصف المقريزى فى خططه تلك الخزائن ومحتوياتها وصفا مسهبا ومن هـذه الخزائن : خزائن السلاح وخـزانة الكتب وخـزانة الكسوات وخـزائن الجوهـر والطيب والطرائف وخـزائن الفرش والأمتعة وخـزائن السروج وخزائن الشراب وخزائن التوابل وقد نمت القاهـرة وعلا شأنها وطار صيتها وازداد عمرانها وتعددت أبنيتها فأعجب بها الرحالة الفارسى ناصر خسرو الذى زار مصر سنتى  439 و441هـ ( 1047-1049م) فذكر أن حوانيتها لم تقل عن عشرين ألفـا وخاناتها وحماماتها لا يمكن حصرها وكانت أبنيتها أعلى من الأسوار الحصينة وفى كل منها خمس أو ست طبقات وكانت البيوت فى المدينة مبنية بناء نظيفا محكما وكانت مفصولة بعضها عن عن بعض بحدائق يرويها مياه الآبار


الــمنـاظـــــر :


وكان للخلفاء الفاطميين مناظر كثيرة بالقـاهـرة ومصر والروضة والقرافة وبركة الجيش وظواهر القـاهـرة وهـى عبارة عن بساتين أشبه شىء باستراحة الملوك فى عصرنا الحاضر أثثت بأفخر الأثاث والرياش وأحيطت بأجمل المناظر وأبهاهـا خصوصا تلك التى كانت تقع على النيل أو الخليج الكبير وكان يقصدها الخلفاء للنزهـة والتريض أو حضور الاحتفالات أيام المواسم والأعياد أو المناسبات الخاصة كتوديع الجيش والأسطول أو استقبالهما وكان فى تلك المناظر بناء عال يرتقـيه الخليفة ليرى ما يدور حـوله دون أن يراه أحد فإذا كان الوقت ليلا أو قدت فيه النيران ليرى على ضوئها المنظر جميعه ومن هنا جاءت تسمية البناء المفرد بالمنظرة واهـم تلك المناظر : منظرة الجامع الأزهـر : وكانت بجوار الجامع الأزهـر من قبلية .. وكان يجلس فيها الخليفة لمشاهـدة ليالى الوقود ومنظرة اللؤلؤة : وكانت تقع على الخليج بالقرب من باب القنطرة ويطلق على القصر المحيط قصر اللؤلؤة ويصفه المقريزى بأنه أحد منتزهـات الدنيا لفخامة بنائه وفاخر أثاثه وجميل موقعه إذ كان يشرف من شرفته على البستان الكافورى ويطل من غربيه على الخليج وما يشرف عليه من بساتين وبرك وقـد بناه العزيز بالله ومنظرة الغزالة : وكانت تقع بجوار منظرة اللؤلؤة ومنظرة السكرة : وكانت توجد على الشاطىء الغربى للخليج وكان لها بستان عظيم وقـد بناها العزيز بالله أيضا ( ويجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج هـو والوزيـر وقـد فرشت المعدة لها فنفتح إحدى طاقات المنظرة ويطل منها الخليفة على الخليج ومن طاقة تقاربها يتطلع أستاذ من الخواص ويشير بالفتح فيفتحه عمال البستان بالمعاول فتدق الطبول وينفخ فى الأبواق من البــرين ) ومنظرة الدكة وكان لها بستان عظيم بجوار المقس فيما بينه وبين أراضى اللوق وقـد عمر البستان بالمبانى فيما بعد وصار يعرف بخط قنطرة الدكة ومنظرة المقس ومنظرة التاج ومنظرة باب الفتوح ومنظرة الصناعة ومنظرة بركة الجيش .

المـسـاجـد الـفـاطميـة

الجامع الأزهــر :


احتط جوهـر فى المدينة الجديدة أيضا مسجدا جامعا أسوة بجامع عمرو فى الفسطاط وجامع أحمد بن طولون فى القطائع لكى تقام فيه الصلوات الجامعة ولكى يدرس فيه المذهـب الشيعى الإسماعيلى وتعاليمه وقـد بدأ فى بنائه فى جمادى الأولى سنة 359( أبريل سنة 970) وكان الانتهاء منه فى رمضان سنة 361 ( يونيو سنة 972) وربما كانت تسمية بالأزهـر نسبة إلى فاطمة الزهـراء ابنة النبى صلى الله عليه وسلم وزوج على بن أبى طالب كرم الله وجهه والتى تنسب إليها الدولة الفاطمية أو إلى اللون الأبيض المزهـر الذى طليت به جدران المسجد كما كانت عادة الفاطميين فى دهـان مساجدهـم بشمال أفريقيا قبل رحيلهم إلى مصر والمسجد الحالى يختلف عن جامع جوهـر كل الاختلاف كما يحدث نفس الشىء لجامع عمرو الأصلى نتيجة للإضافات والتعديلات التى أدخلت عليه فى العصور المتعاقبة والتى أحالته إلى مسجد يخالف المسجد القديم تمام المخالفة ولكن لا تزال ثمة بقية من جامع جـوهـر باقية فيصبح بذلك أقدم أثر من آثار الفاطميين فى مصر .


تخطيط الجامع الأزهــر :


كانت مساحة الأزهر عند بنائه نصف مساحته الحالية التى تبلغ الآن  12000 متر مربع فتضاعف على مر العصور بل أضيف إليه من مبان فى العهود المختلفة وكان يتكون أول الأمـر من أربعة أواوين يتوسطها الصحن وكان الإيوان الشرقى – إيوان القبلة – يتألف من خمسة أروقة أو بائكات أما الإيوانان القبلى والبحرى فيتألف كل منهما من ثلاثة أروقة والإيوان الغربى من رواق واحد يدور حول الصحن أنشأه الحافظ لدين الله وكان الباب يتوسط هـذا الـرواق وترتكز عقود البائكات فى إيوان القبلة على أعمدة رخامية من طراز مختلفة بينما ترتكز عقود البائكات خلف الرواق المشرف على الصحن على أكتاف مبنية وجميع العقود مدببة وليست من النوع المعروف بالعقود الفارسية وهـذه لا يوجد إلا فى الرواق المحيط بالصحن ويخطىء بعض الكتاب إذ يظن أن العقد الفارسى ميزة من ميزات العمارة الفاطمية الأولى نقلت إلى مصر ولكن الحقيقة هـى أن العقد الفارسى ميزة من ميزات العمارة الفاطمية المتأخرة والعمارة الأيوبية الأولى فى مصر فهو لا يوجد فى جامع الحاكم ولا فى جامع الجيوشى ومن أهم ما امتازت به العمارة هـذا المسجد المجاز الذى يخترق الصحن إلى المحراب والذى تنتهى عنده العقود من كلا الجانبين وهـذا المجاز هـو الأول من نوعه فى مساجد القـاهـرة وقـد كانت توجد قبتان فى ركنى إيوان القبلة إحداهما فى الركن الأيمن عن يمين المحراب والمنبر وتقابلها قبة أخرى فى الركن الأيسر وقـد اتبع هـذا النظام فى بناء جامع الحاكم وفتحت بأعلى الجدران شبابيك جصية مفرغة بأشكال هندسية تتخللها مزخرفة أحيطت بإفريز مكتوب فيه بالخط الكوفى المزخرف آيات من القرآن ومازالت بقايا من هـذه الشبابيك موجودة فى جدران إيوان القبلة ولا يعرف شىء عن مئذنة الجامع الأصلية بل ولا يعرف مكانها والمحراب الحالى ليس هـو المحراب الأصلى وفى سنة 1934م كشفت إدارة حفظ الآثار العربية عن المحراب الأصلى للجامع وكان حجمه محراب من خشب يظن أنه عمل فى عهد الظـاهـر بيبرس فأصلحت الزخارف الجصية للمحراب القديم هـذا هـو الجامع الأزهـر الذى بناه جـوهـر لأداء الصلوات الخمس والصلوات الجامعة ولكى تدرس فيه أصول المذهب الشيعى ومن ثـم تنتشر فى طول البلاد وعرضها ولكنه ما لبث فى عهد العزيز أن اتخذ طريقه فى أن يصبح جامعة كبرى فابتنى بجواره دارا لجماعة من الفقهاء عدتهم خمسة وثلاثون فكانوا يجتمعون فيه بعد صلاة الجمعة ويقرءون القرآن إلى صلاة العصر وقد أجرى عليهم الخليفة الأرزاق وأغـدق عليهم وزيره يعقوب بن كلـس الأموال ونقل الحاكم نصف ما كان بدار الحكمة من كتب كما زاد فى بنائه وزاد على ما وقفه عليه أبوه من قبل من أوقات وما تقدم له من هبات وقـد تعطلت صلاة الجمعة فى الأزهـر فى عهد الأيوبيين مدة قرن من الزمان ثم عاد إليه بهاؤه ورونقه فى عهد المماليك واستأنف نشاطه وأقيمت صلاة الجمعة فى عهد الملك الظاهـر بيبرس ومنذ ذلك الوقت يهـرع إليها المسلمون من جميع أركان المعمورة لينهلوا من معانيه وليتفقهوا فى الدين وليسترشدوا بعلم أئمته وشيوخه الأعلام .


جــامــع الــحاكــم :


ثم جاء العزيز بالله نزار فشرع فى سنة 379هـ ( 989م) فى بناء مسجد آخر خارج باب الفتوح ولكنه توفى قبل إتمامه فأتمه ابنه الحاكم 403هـ ( 1012-1013م) لذا نسب إليه وصار يعرف بجامع الحاكم ويبلغ طوله 5ر120 مترا وعرضه 113مترا فمساحته اقل من مساحة جامع عمرو وفى نهايتى واجهته البحرية ( الشمالية الغربية ) وتوجد المئذنتان ويحيط بهما قاعدتان عظيمتان هـرميتا الشكل وتتركب كل قاعدة من مكعبين يعلو أحدهما الآخر والمكعب العلوى موضوع إلى الخلف قليلا فوق السفلى ويبلغ ارتفاع الأخـير ارتفاع أسوار الجامع وتبرز من كل من المكعبين العلويين مئذنة مثمنة الشكل وفى منتصف هـذه الواجهة البحرية وبين المئذنتين يوجد مدخل الجامع الأثرى وهـو أول مدخل بارز بنى فى جامع القـاهـرة يغطيه قبو إسطوانى عرضه 48ر3 مترا وطوله 50ر5مترا وفى نهايته باب عرضه 21ر2مترا ومعقود بعقد أفقى من الحجر وهـذا العقد والحائط الموجود فيه حديثا البناء ويوجد فى المدخل عن اليمين وعن اليسار بقايا نقوش بديعة ارتفاعها 60ر1مترا تكون طبانا فى المدخل ويؤدى المدخل إلى صحن الجامع الذى تحيط به أواوين هـى على الترتيب الآتى : الإيوان الجنوبى الشرقى ( إيوان القبلة) ويتكون من خمسة أروقة وبكل رواق 17عقدا ويقابله الإيوان الشمالى الغربى ويتكون من رواقين وبكل رواق 17 عقدا أيضا والإيوانات الشمالى الشرقى والجنوبى الغربى ويتكون كل منهما من ثلاثة أروقة وبكل رواق عقود وكل تلك العقود محمولة على أكتاف تشبه أكتاف الجامع الطولونى اذ توجد فى الأركان الأربعة لكل كتف أعمدة مثل أعمدة الجامع الطولونى غير أنها أثخن ولا تيجان لها وقد كانت جميع العقود مغطاة بسقف مسطح من الخشب ويحيط بالسقف من أسفله فيما بينه وبين العقود إزار جصى من الكتابة الكوفية البديعة وجميع الأكتاف والأعمدة من طوب داكن يشبه الطوب المستخدم فى بناء جامع بن طولون ويربط الأكتاف بعضها بعض مـيـد ( أربطة خشبية ) مكسوة بألواح مزخرفة بنقوش محفورة فى الخشب كما كانت تعلو الأعمدة فرشات من الخشب المسطح مكونة من قطعتين أو ثلاث قطع وتوجد فى نهايتى حائط القبلة قبتان محمولتان على مثمن كما توجد قبة ثالثة فوق المحراب وقد هـدمت القبة الشرقية بسبب إقامة السور الذى بناه بدر الجمالى ملاصقا للجدار الشرقى للجامع كما سدت جميع النوافذ فى هـذا الجدار أيضا لنفس السبب المتقدم وقـد كان يوجد عن يمين المدخل الحالى بابان آخران وقد سدت جميعها كما كان يوجد بابان فى الجانب الشرقى ( باب فى الوسط وباب ملاصق للمئذنة ) وباب فى منتصف الجانب الغربى وباب للخطيب بجوار المنبر فيصير مجموع الأبواب تسعة أما الشبابيك فى هـذا الجامع فموضوعة على محور كل عقد بخلاف شبابيك الجامع الطولونى فإنها منحرفة عنه قليلا وينتج عن ذلك أنه كان يوجد فى الجامع الحاكم 16 شباكا وفى كل من الحوائط الجانبية و17 شباكا فى كل من إيوان القبلة والحائط المقابل له وقد سدت المئذنتان شباكا من كل جهة فيصبح بذلك عدد الشبابيك 16 فقط ويوجد شباكان فى الحائط الخلفى لإيوان القبلة على يسار المحراب والزخرفة فى هـذين الشباكين لا تشمل على زخرفة هندسية بل تتكون من زخارف نباتية متداخلة بعضها فى بعض وكما ذكرنا كان يوجد إزار جصى يحيط بالجامع من الخط الكوفى البديع لا تزال آثاره باقية إلى اليوم فى إيوان القبلة كذلك كانت القباب والشبابيك مزينة بزخارف جصية بديعة وحتى المـيـد الخشبية كانت مزينة محفورة فى الخشب ولا يزال بعضها موجودا فى إيوان القبلة وقـد توالت صروف الزمان على هـذا المسجد فاعتدى عليه بدر الجمالى فسد منافذ الجدار الشرقى ببنائه السور ملاصقا لهذا الجدار كما أصابه زلزال سنة 702هـ ( 1303م) بتلف شديد فتهدم كثير من العقود والأكتاف الحاملة لها وسقط السقف كما هـوت قمتا المئذنتين وتوالت عليه المصائب حتى تهدمت جميع أواوينه ما عدا بعض عقود فى الإيوانين القبلى والشرقى فاستخدمته وزارة الأوقاف مخزنا وحفظت فيه التحف والآثار الإسلامية قبل نقلها إلى الدار الحالية وتشغله الآن مدرسة السلحدار الابتدائية وقـد أصلحت إدارة حفظ الآثار العربية أكتاف النصف الغربى من الإيوان القبلى وعقوده ولكن لا تزال حالة الجامع تبعث على الأسى والأسف مما لا يتناسب مع مكانته كأثر من الآثار الإسلامية الجديرة بالعناية والاهـتمام وقـد شيد الحاكم مسجدين آخرين هما جامع راشدة سنة 393هـ ( 1003م) الذى اشتق اسمه من الخطة التى بنى فيها وهـى خطة راشدة وجامع المقس الذى شيده على شاطىء النيل بالمقس ميناء القـاهـرة النهرى فى ذلك الحين وليس لهما أثر اليوم .


جــامــع الـجـيوشــى :-


يقوم هـذا المسجد أو الزاوية كما يسميه النقش الموجود فى أعلى مدخله على حافة جبل المقطم خلف القلعة والذى أمـر ببنائه هـو الـوزير أميـر الجيوشى بدر الجمالى سنة 478هـ ( 1085م) أما أهمية هـذا الجامع الأثرية فترجع إلى أنه :-


أولاــ أول بناء اشتمل على جامع ومقبرة فى نفس الوقت


ثانيـا ــ أنه أول جامع فى القـاهرة بنى بالحجر .

وليس ذلك غـريبا إذا عـرفنا أنـه مبنى فوق تل المقطم يحيط تلال جميعها من الحجر الجيرى الحيد وهـو منحرف نحو الشمال الغربى والجنوب الشرقى ولكن بناءه منسجم كما يظهر من تخطيطه بالرغم من عدم انتظام خـارجه وبحذف الإضافة الخارجية نجد أن هـذا الجامع مبنى على مستطيل مساحته 18×15مترا والمدخل فى منتصف الواجهة الشمالية الغربية أسفل المئذنة وهـو عبارة عن باب معقود مدبب يؤدى إلى ردهـة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى وعلى الجانب الأيسر من هـذه الـردهـة حجرة مربعة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى أيضا تحتوى على صهريج ماء وعلى الجانب الأيمن حجرة أخـرى مربعة مفتوحة إلى السماء بها سلم يـؤدى إلى السقف المسطح ويدخل الإنسان من الردهة إلى الصحن الجامع بواسطة قبو آخر مدبب ومساحة الصحن 45ر6×60ر5مترا وعلى كل من جانبيه حجرة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى وعلى الضلع الجنوبى الشرقى للصحن توجد واجهة إيوان القبلة ذات الثلاثة العقود : عقد كبير يكتنفه عقدان صغيران ويتكىء العقد الأوسط على زوجين من الأعمدة الرخامية لها تيجان على هـيئة ورق اللوتس وقـواعد من ورق اللوتس المقلوب ويؤدى هـذا العقد إلى ردهة طويلة ذات عقد متقاطع تنتهى بعقد ثلاثى آخر يؤدى إلى القبة التى توجد أمام المحراب والتى يكتنفها من كل من جانبيها إيوان معقود متقاطع والمحراب الذى يبلغ ارتفاعه 15ر3مترا هـو قطعة فخمة من الزخرفة الجصية كما يزين القبة من أسفلها شريط من الكتابة الكوفية المزخرفة يجرى حول رأس المربع المقامة عليه القبة وترتكز القبة على مثمن فى كل ضلع من أضلاعه شباك ومنطقة الانتقال بين المربع والمثمن تتخللها حنيات أما المئذنة فقائمة فى منتصف الضلع الشمالى ويبلغ طولها 20مترا تقريبا وتتركب من قاعدة مربعة تنتهى بمقرنص يعلوه مربع آخـر فمثمن يحمل قبة وجميع حـوائط الجامع لغاية السقف المسطح مبنية من الحجر وجميع العقود وكذا الجزء من المئذنة الذى يعلو السقف المسطح وتوجد فى المبانى أربطة من جذوع النخل ويؤخذ من النقش الموجود على مدخل الجامع أن أمير الجيوش بدر الجمالى أمـر ببنائه سنة 478هـ ( 1085م) .


الــجـامـع الأقمر :-


يوجد هـذا الجامع فى شارع النحاسين وقـد بناه الـوزيـر المـأمون بن البطايحى بأمر من الخليفة الآمر بأحكام الله أبى على منصور سنة 519هـ ( 1125م) وهـو أول جامع فى الـقاهـرة حوت واجهته تصميما هندسيا بديعا وهـو أول جامع أيضا فيه الواجهة موازية لخط تنظيم الشارع بدل أن تكون موازية للصحن ذلك لكى تصير القبلة متخذة وضعها الصحيح ولهذا نجد أن داخل الجامع منحرف بالنسبة للواجهة وهـو مكون من صحن صغير مربع مساحته عشرة أمتار مربعة تقريبا يحيط به رواق واحد من ثلاثة جوانب وثلاثة أروقة فى الجانب الجنوبى الشرقى أى فى إيوان القبلة وعقود الأروقة محلاة بكتابات كوفية مزخرفة ومحمولة على أعمدة رخامية قديمة ذات قواعد مصبوبة وتيجان مختلفة تربطها مـيـد خشبية وأجمل شىء فى هـذا الجامع واجهته التى لا يضارعها فى زخارفها البديعة واجهة أخرى فى جوامع الـقاهـرة ويرى فى مدخله لأول مرة فى عمارة المساجد العقد المعشق الذى انتشر فى العمارة المملوكية فى القرن الخامس عشر الميلادى وفوق هـذا العقد يوجد العقد الفارسى وهـو منشأ على شكل مروحة تتوسطها دائرة فى مركزه واهـم ميزة فى تصميم الجامع استعمال المقرنصات ولم تستعمل قبل ذلك إلا فى مئذنة جامع الجيوشى كما سبق تفصيله تلك الزخرفة التى عــم انتشارها جميع العمارة الإسلامية تقريبا بعد هـذا الجامـع .


جــامـع الـصــالــح طـلائــع بن رزيـــك : -


يوجد هـذا الجامع على رأس تقاطع شارع الدرب الأحمر بقصبة رضوان وتجاه زاوية فـرج بن برقوق أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وزيـر الخليفة الفائز بنصر الله الفاطمى ثم الخليفة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية والمتوفى سنة 556هـ (1161م) فكان جامعه هـذا أثر انشىء فى عهد الدولة الفاطمية وقيل فى سبب بنائه انه بنى لتلقى رأس الحسين وقـد كانت قبلا مدفونة فى عسقلان التى أصبحت فى خطر من مهاجمة الصليبيين لها ولكن هـذا القول مردود لأن المشهد الحسينى أنشىء سنة 549هـ (1154م) أى قبل بناء الجامع بنحو ست سنوات وهـو جامع صغير بالنسبة لجامعى ابن طولون والأزهـر ويحيط بالصحن أواوين مرتبة على نسق أواوين الجامع الأقمر : فيتكون إيوان القبلة من ثلاثة أروقة ويتكون كل من الأواوين الثلاثة الأخرى من رواق واحد فقط وعقود هـذه الأروقة محمولة على أعمدة من الرخام وله أربع واجهات مبنية بالحجر أهمها الواجهة الغربية وبوسطها المدخل الرئيسى للمسجد وقـد أقـيم أمامـه رواق محمول على أربعة أعمدة رخامية وحليت عقوده بزخارف بديعة كما صدر هـذا الرواق وجانباه بزخارف على هيئة مروحة ونقشت بأفاريزه آيات قرآنية كتبت بالقلم الكوفى المـزهـر ويمتاز هـذا المسجد بأنه من المساجد المعلقة إذ أن أرضيته كانت أعلى من مستوى سطح الشارع بمقدار 80ر3مترا ويرتكز على أقبية كانت ولا تزال تستعمل كحوانيت ويوصل إلى الأبواب سلالم عمودية على الواجهات والى عهد قريب كانت هـذه الأقبية مختبئة لارتفاع سطح الشارع عما كان عليه من قبل بنحو ثلاثة أمتار تقريبا وقد عادت إلى الظهور بعد أن أزيل الـردم وجدرانه الأربعة مبنية من الخارج بالحجر المحلى بزخارف وكتابات كوفية محفورة فى نفس الحجر وواجهته الغربية الخارجية لا نظير لها فى مساجد الـقاهـرة من حيث تصميمها ويزيد فى جمالها تلك العقود المملوءة بزخارف على هيئة مروحة والمنبر الموجود حاليا بالمسجد صنع بأمـر الأمـير بكتمر الجوكندار سنة 699هـ ( 1299م) وكان قـد جدد مئذنته عقب سقوط المئذنة الأصلية بسبب زلزال 702هـ ( 1302-1303م) وبناء الجامع فى هـذا الموضع تجاه باب زويلة خطير من الوجهة الحربية على المدينة فلو أن عدوا مهاجما استولى عليه لأمكنه أن يهددهـا من هـذه الناحية ولاتخذ منه نقطة ارتكاز جيدة لاقتحام باب زويلة نفسه ثم المدينة بعد ذلك وقد شعر الصالح طلائع بهذا الخطأ قرب وفاته لذلك قال ( ما ندمت قط فى شىء عملته إلا فى ثلاث : الأولى بنائى هـذا المسجد على باب الـقاهـرة فإنه صار عونا عليها ... إلخ ) وظل هـذا الجامع حافظا لكيانه حتى سنة 882هـ ( 1477م) ثم أخذ يتهدم شيئا فشيئا حتى لم يبق منه سنة 1920م سوى إيوانه الشرقى فأخذت لجنة حفظ الآثار العربية منذ سنة 1915م فى تجديده وإعادته إلى سابق عهده وبذلت فى سبيل ذلك جهدا كبيرا وقـد وفـقت فى مهمتها إلى حد كبير .

الـحالـة الاقتصـادية فى عهـد الفاطميين

الاستقرار وأثره فى انتعاش الحياة الاقتصادية :-


لم تنفذ دولة إلى صميم الشعب وتتغلغل بين طبقاته مثل ما فعلت الدولة الفاطمية فى مصر ولم يكن ذلك غريبا فهى دولة إسلامية شيعية قبل كل شىء ولم يكن للمصريين سابق عهد بالتشيع وقـد رأينا كيف تمكنت المذاهـب الأربعة خصوصا المذهـب الشافعى فى مصر قبل الدولة الفاطمية فكان حتما على الفاطميين أن يروجوا لمذهـبهم بكل الأساليب ويـزينوا للناس الأخذ به والانضواء تحت لوائه فأضفوا على الحياة بهجة بما احتفلوا من أعياد ومواسم إسلامية جميلة ما يزال أغلبها باقيا حتى اليوم وقد انقضى على عهدهم نيف وعشرة قرون مثل : أول العام الهجرى ومولد النبى صلى الله عليه وسلم ويوم عاشوراء ووفاء النيل والعيدين :عيد الفطر والعيد الأضحى وخروج قافلة الحج إلى الحجاز بل ذهـبوا إلى أبعد من هـذا فقد احتفوا أيضا ببعض الأعياد القبطية مشاركة للقبط فى أفراحهم كليلة الغطاس والنيروز وخميس العهد وكانوا يولمون الولائم وينثرون الذهـب على الناس وتلبس القـاهـرة حلة قشيبة من البهجة والزخرف وترفرف عليها أعـلام الفرح والسرور ومهما يكن من أمر فقد نعمت مصر فى عهد الفاطميين بما لم تنعم به من قبل ، نعمت لأول مرة منذ عهد الفراعنة بالاستقلال الكامل والحرية التامة وأصبحت لأول مرة عاصمة ودار الخلافة الإسلامية بل إنه دعى للخلفاء الفاطميين فى صلاة الجمعة فى جميع المساجد من المحيط الأطلسى إلى البحر الأحمر وفى اليمن ومكة ودمشق وفى ذات مرة فى بغداد وفى الموصل ونعمت بالاستقرار الشامل والسلام المقيم اللذين حفلت البلاد فى ظلالهما بالرخاء والثراء وبحبوحة العيش ولا يغيب عن البال ما كانت تحدثه احتفالات الفاطميين من انتعاش فى الحركة الاقتصادية فى البلاد عموما وفى القاهـرة بصفة خاصة هـذا فضلا عما تضفيه عليها من ألوان البهجة والسرور وتقدمت القول أنه بالرغم من إنشاء القـاهـرة فقد ظلت الفسطاط تشغل المركز الأول فى الصناعة والتجارة بها دور الصناعة العديدة والمتاجر الغنية المتنوعة وقد حفلت بالمنتجات المحلية والسلع الشرقية والغربية ولحظ ناصر خسرو أن التجار فى مصر كانوا يبيعون بأثمان محدودة وإذا ثبت على أحدهم الغش فانه يركب جملا ويوضع فى يده جرس يدقه ويطاف به فى البلد ويرغم على أن يصيح بأعلى صوته ( قـد كذبت وها أنذا أعاقب وكل يقول الكذاب فجزاؤه العقاب )


لم تستفد مصر من ولاتها الذين حكموها منذ الفتح الإسلامي قدر ما استفادت وانتفعت من الفاطميين على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية وأن بناء القاهرة والجامع الأزهر لهما خير دليل على ذلك . . والتاريخ يحدثنا عن نهضة واسعة في الحياة الفكرية والأدبية في العصر الفاطمي كما يحدثنا عن ازدهار العلوم الفلسفية والرياضيات والفلك والتنجيم والطب .

ويقول الدكتور محمد كامل حسين : . . في العصر الفاطمي نرى تطورا جارفا في الحياة الفكرية ولا سيما في العلوم الفلسفية على اختلاف ألوانها وفنونها . إذ ازدهرت هذه العلوم ورعاها الخلفاء الفاطميون .

بل كان هؤلاء الخلفاء من العلماء المبرزين في بعض هذه العلوم . وخاصة في الإلهيات والفلك . . وقد اهتم الفاطميون برصد النجوم واهتموا بعلماء الرياضيات اهتماما خاصا . . كما اهتموا بالشعر واتخذوه وسيلة من وسائل دعوتهم السياسية .

وكان الفاطميون أساتذة فن الدعاية واتخذوا لها كل الوسائل الممكنة في عصرهم وجندوا للدعاية كل من يفيدهم في هذا المضمار . . ولا أكاد أعرف دولة من الدول الإسلامية أقامت للشعراء هذا التمجيد . أو اهتمت بهم هذا الاهتمام فلا غرو إذا إن ازدهر الشعر المصري ازدهارا لم يعرف من قبل .

ويقول الدكتور عبد المنعم الماجد : . . ويرجع الفضل إلى الفاطميين في خلق أهمية مركز مصر الدولي للتجارة . إذ أنهم عرفوا مزايا الموقع الجغرافي لمصر في مفترق القارات لتربط بين عالمين ولكي يسهل الفاطميون نقل التجارة بين الشرق والغرب فتحوا القنال بين النيل والبحر الأحمر وهو ما عرف في عهد المستنصر بالخليج الحاكمي نسبة إلى الحاكم بأمر الله .

وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو عندما مر بمصر في تلك الفترة : أن المصريين كانوا في حالة حسنة جدا . وأنه رأى أموالا يملكها بعض المصريين لو ذكرها أو وصفها لما صدقه أحد . فهي لا تقع تحت تحديد أو حصر . وهي للنصارى والمسلمين على السواء .

وذكر أيضا : وقد رأيت الأمن والعدل فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع : الأول بالدشت أيام نشكر خان . والثاني بالديلم أيام أمير الأمراء جستان بن إبراهيم والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين . والرابع بطبس أيام الأمير أبي الحسن بن محمد . فلم أسمع على كثرة ما سافرت بهذه الجهات عن الأمن ولم أره .

لقد أصبحت مصر لأول مرة في التاريخ مركز الحكم والتوجيه وتحولت القاهرة إلى عاصمة للعالم الإسلامي كما أصبحت منارة العلم وقبلة المتعلمين وذلك بفضل الفاطميين الشيعة .

وكانت الدولة الفاطمية تمتد من أقصى المحيط الأطلسي إلى الفرات وبلغت دعوتها إلى أقصى انتشارها ووصل غناها إلى الذروة . وهكذا كان حال الدولة الفاطمية حين تسلمها المستنصر بالله الخليفة الثامن من خلفاء الفاطميين .

وكانت الدولة الفاطمية في خلافة الظاهر والد المستنصر في غاية الاستقرار والرفاهية ولأجل ذلك مال الظاهر إلى الدعة والراحة ولما جاء المستنصر ركن إلى هذا الحال .

وقد ازدهرت الحركة العمرانية في عهد الفاطميين كما ازدهرت صناعة النسيج واشتهرت مصر بصناعة أنواع خاصة من النسيج .

وكانت الحكومة تقوم بكسوة موظفيها في الصيف والشتاء وكسوة العامة من الفقراء والمحتاجين . ولم تكن المواكب المترفة غاية الترف التي كانت تخرج في شوارع القاهرة في المناسبات الدينية كعيد الفطر والأضحى وبداية رمضان وكذلك في عيد ميلاد الخليفة - هذه المواكب تشير في دلالة واضحة إلى حالة الرخاء والسعة التي كانت تعيشها في تلك الفترة . وجميع أفراد الشعب كانوا يتأنقون لهذه المواكب فيلبسون أغلى الملابس وأروعها والتي كانت تصنع في دور الطرز المصرية . وهي أماكن لصناعة الملابس أغلبها مذهبة . يشملها زي مصري عام ذو أكمام واسعة . . وقد بلغت الناس غاية التأنق في عهد الظاهر .

وكان الخليفة العزيز يقول : أحب أن أرى النعم عند كل الناس ظاهرة . وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر. ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار. وأن يكون ذلك كله من عندي.

ويروي المؤرخون الكثير عن عدل المستنصر ورحمته بالناس فقد كان يعطي الدواء لمن يطلبه المجان ويخالط الناس ويسمع شكواهم وقد أحبته الرعية حبا شديدا .

كما يروى أن النفقة على قافلة الحج في عهد المستنصر بلغت مائتي ألف دينار ولم تبلغ هذه النفقة مثل ذلك في دولة من الدول حيث كانت تشمل ثمن الطيب والشمع والحماية والصدقة وأجرة الجمال ومعونة خدم القافلة ومن يسير معها من العسكر الذين بلغت نفقاتهم في عهد المستنصر ستين ألف دينار زيادة على مرتباتهم أو ألف دينار في اليوم .

وقد أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395 ه‍ وزودها بالكتب من كل نوع في العلوم والآداب والعقائد وكان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار . فكانت أشبه بجامعة تتكون من عدة كليات .. وكانت خزانة الكتب في زمن المستنصر لا نظير لها في جميع بلاد الإسلام وهي تتكون من أربعين خزانة فيها أكثر من مائتي ألف كتاب وعدد كبير من الكتاب والنساخ . وبلغ عدد المساجد في مصر آنذاك ستة وثلاثون ألف مسجد في جميع المدن والقرى ولكل مسجد يقع في حدود الدولة من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها الخليفة المستنصر من زيت وحصير وسجاجيد للصلاة ورواتب للقوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم .

واعتاد خلفاء الفاطميين أن يقيموا في قصورهم الولائم الفاخرة في الأعياد لعامة الناس حيث تقدم لهم الفطرة وهي حلوى من دقيق وفستق ولوز وبندق وتمر وزبيب وعسل وهي تنشر كالجبل الشاهق على مائدة طويلة بالإيوان الكبير .

وفي عيد الأضحى كان الخليفة ينحر بنفسه الأضاحي إيذانا منه ببدء النحر . وكانت تنحر في فترة العيد ما يزيد على الألف رأس توزع لحومها على الموظفين وطلبة العلم والقائمين بشئون الجوامع .

إن الدولة الفاطمية التي استقرت بمصر فكانت أوفرها بين الدول بهاء وأبقاها أثرا وما زال الجامع الأزهر غرس الدولة الفاطمية اليانع يقوم منذ ألف عام أثرا خالدا ورمزا باهرا لهذا العصر الزاهر وهذه الدولة المستنيرة العادلة .

وربما كان العصر الفاطمي بين عصور مصر الإسلامية الغابرة أجودها من هذه الناحية بالدرس والتمحيص وأحفلها بالمواقف الشائقة وأكثرها سحرا وفتنة وأبعثها إلى التأمل والعطف لأن الخلافة الفاطمية بالرغم مما كان يحيق بأصولها وأمامها من الريب فقد كانت بنظمها الطريفة ورسومها الفخمة وخلالها الباهرة تنثر من حولها فيض من العظمة والبهاء وتطبع العصر بطابع عميق من روحها الباذخ كما يحدثنا التاريخ .

وفي أيام هذه الدولة أخذت أنوار الحضارة الإسلامية تنبثق من هذه المدينة الزاهية على أرجاء الأرض . وأخذ الفن المصري الإسلامي يتألق في جميع نواحيه .

وفي رعاية هذه الدولة وثبت العمارة الإسلامية وثبة قوية حتى قاربت الكمال لأن خلفاءها تباروا في إنشاء وتأسيس المساجد الكبرى والحصون والقصور والمناظر والحدائق والبساتين .

وفي هذا العصر الزاهي انتشر الزخرف في واجهات المساجد وانتعش التصوير ونبغ المصورون وترقت ودقت صناعة الجص والأخشاب . . وكانت أيامهم كلها أعيادا بما ابتكروه من حفلات جمعت بين جلالة الملك وطرب الشعب وبهجته .

العادات الرمضانية الشهيرة :


كان الخليفة الفاطمي يصلي أيام الجمع الثلاث, الأولى والثانية والرابعة على الترتيب التالي, الجمعة الثانية في جامع الأزهر، والثالثة في مسجد الحاكم, أما الجمعة الرابعة التي تعرف بالجمعة "اليتيمة" فكان يؤديها في جامع عمرو بالفسطاط. وكان يصرف من خزانة التوابل الند وماء الورد والعود برسم بخور الموكب والمسجد, وعقب صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان يذاع بلاغ رسمي عرف بـ"سجل البشارة"!


غرة الشهر


قبل رمضان كان يخرج القاضي ومعه أتباعه لتفقد المساجد وتزويدها باللازم حتى تستقبل المصلين، فإذا كان الأسبوع الأخير من شهر شعبان عهد إلي قضاة مصر بالطواف بالمساجد في القاهرة وباقي الأقاليم لتفقد ما تم إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق المسارج والقناديل.


ويصف الرحالة ناصر خسرو الذي زار مصر في القرن الخامس الهجري. التنور الثريا الذي أهداه الخليفة الحاكم بأمر الله إلي مسجد عمرو بالفسطاط بأنه كان يزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة. كما يقول عن جامع عمرو: إنه كان يوقد في ليالي المواسم والأعياد أكثر من سبعمائة قنديل. وإن المسجد يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض.
وإذا ما انتهي شهر الصوم تعاد تلك التنانير وكذا القناديل والمشكاوات إلي مكان أعد لحفظها فيه داخل المسجد. كذلك كانت الدولة تخصص مبلغا من المال لشراء البخور الهندي والكافور والمسك الذي يصرف لتلك المساجد في شهر رمضان.
وكان لخلفاء الدولة الفاطمية عادات ورسوم في جميع المناسبات, ومنها ما اشتهر بـ"ركوب أول رمضان", وهو من الأيام المشهودة في مصر الفاطمية, فكان موكب الخليفة في زيه وبنوده وقبابه يحتشد بباب الذهب داخل سور القصر الكبير الشرقي وقد امتطى أكرم الجياد, مرتديا "شاشية موكبية مكملة مذهبة" وبيده "قضيب الملك" متوجا بعمامة ضخمة، يحيط به إخوته وبنو عمه مترجلين وكبار أمراء الدولة وأرباب السيوف والمقدمين أصحاب ركاب الخليفة, ثم طوائف العسكر، وما يضاف إليهم من الأجناد نحو سبعة آلاف, كل طائفة منهم بزمام وبنود ورايات وتشد فوق رأس الخليفة "المظلة" وهي من أفخر أنواع الحرير المطرز بالذهب والجوهر, ولابد أن يكون لونها من نفس لون ملابس الخليفة!


فانوس رمضان


يظل الفانوس رمزاً مميزاً لشهر رمضان، ومن القصص التي تُروى عن أصل الفانوس: إنه في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي كان محرماً على نساء القاهرة الخروج ليلاً, فإذا جاء رمضان سمح لهن بالخروج لأداء التراويح في المساجد, بشرط أن يتقدم السيدة أو الفتاة صبي صغير يحمل في يده فانوساً مضاء ليعلم المارة في الطرقات أن إحدى النساء تمر, فيفسحون لها الطريق, وبعد ذلك اعتاد الأولاد حمل هذه الفوانيس في رمضان.‏


وقصة أخرى عن أصل الفانوس, تقول: إن الخليفة الفاطمي العاضد كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال شهر رمضان وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق, كل طفل يحمل فانوسه مرددين بعض الأغنيات التي تُعبر عن سعادتهم بقدوم شهر رمضان.‏


والبعض يقول أن المصريين عرفوا فانوس رمضان عام 358 هجرية, وهو اليوم الذي وافق دخول المعز لدين الله الفاطمي القاهرة ليلاً, فاستقبله أهلها بالمشاعل والفوانيس الملونة وهتافات الترحيب عند صحراء الجيزة حتى وصل إلى قصر الخلافة, ومن يومها ارتبط الفانوس بالاحتفال بشهر رمضان, حيث قام الأطفال بالتجول في الشوارع والأزقة وهم يحملون الفوانيس ويطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون, كما صاحب هؤلاء الأطفال بفوانيسهم المسحراتي ليلاً لإيقاظ الصائمين وقت السحور, وهي عادات استمرت حتى بعد زوال الدولة الفاطمية, وبدء عصر الدولة الأيوبية وما تلاها من عصور.‏


"سماط" الخليفة!


وبالإضافة إلى إحياء ليالي رمضان وتزويد المساجد بالوقود اللازم لإضاءتها طوال ليالي رمضان، كان القائمين على قصر الخليفة يوفرون راتبا كبيرا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان الكنافة والقطايف وغيرها، كما يقول د. أيمن فؤاد.
ويضيف: هناك أيضا دار الفطرة ومهمتها إعداد الكعك وما شابه لتوزيعه في ليالي الفطر والعيد، وتعد بالقناطير لتوزع على مجموع المصريين في القاهرة. كما كان يحرص الخليفة على إقامة مائدة إفطار رمضان تسمى "سماط" بحضور رؤساء الدواوين، الحاكم، والوزراء. وكانت في هذا الوقت القاهرة مدينة خاصة للخليفة وخاصته، وفرق الجيش المختلفة.
وتعددت الأسمطة الرسمية التي كان يحضرها الخليفة الفاطمي بنفسه, فكان السماط يمد في "قاعة الذهب" بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان وفي العيدين وليالي الوقود الأربعة والمولد النبوي وخمسة موالد: الحسين, السيدة فاطمة, الإمام علي, الحسن, الإمام الحاضر, بالإضافة إلى "سماط الحزن" في يوم عاشوراء.


فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان, رتب عمل السماط كل ليلة بقاعة الذهب إلى السادس والعشرين منه, ويستدعى له قاضي القضاة ليالي الجمع توقيرا له, فأما الأمراء ففي كل ليلة منهم قوم بالنوبة ولا يحرمونهم الإفطار مع أولادهم وأهاليهم, ويحضر الوزير فيجلس في صدر السماط, فإن تأخر كان ولده أو أخوه, وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب.


ويقول العلامة "المقريزي" عن سماط رمضان بقاعة الذهب: "… وكان قد تقرر أن يعمل أربعون صينية، حلوى وكعك وأطلق برسم مشاهد الضرائح الشريفة, لكل مشهد سكر وعسل ولوز ودقيق وشيرج, ويعمل خمسمائة رطل حلوى تفرق على المتصدرين والقرّاء والفقراء.


ثم يجلس الخليفة في منظرة القصر, ويتوافد كبار رجال الدولة فيقبلون الأرض بين يديه ويتلو المقرئون القرآن الكريم, ثم يتقدم خطباء: الجامع الأنور وجامع الأزهر وجامع الأقمر, مشيدين في خطبتهم بمناقب الخليفة, ثم ينشد المنشدون ابتهالات وقصائد عن فضائل الشهر الكريم".


وترجع فكرة "موائد الرحمن" إلى الولائم التى كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في أيام الفاطميين.
يروي لنا د. أيمن أنه من ضمن مظاهر الاحتفالات والعادات الرمضانية كان سحور رمضان الذي كان احتفالية أخرى تبدأ منذ صلاة العشاء حتى السحور الذي كان يتبناه الخليفة في الـ 26 ليلة الأولى فقط من رمضان


وعن مراسم سحور الخليفة قال ابن المأمون:


في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان, كان القصر الفاطمي يشهد احتفالاً خاصا بـ"ختم القرآن الكريم" وفيها تخرج الأوامر بمضاعفة ما هو متخصص للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختام الشهر الكريم.
ويحضر الوزير لتناول طعام الإفطار مع الخليفة, كما يحضر العلماء والمقرئون وترسل سيدات القصر موكبيات وأواني ماء مثلج ممزوج بماء الورد ملفوفة في الديباج وتوضع بين المقرئين لتشملها "بركة ختم القرآن الكريم", ويتناوب المقرئون قراءة القرآن من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ثم يخطب بعض العلماء مكثرين من الدعاء إلى الله في هذه الليلة, ثم يأخذ المنشدون في إنشاد القصائد الصوفية، وتقدم أجفان القطائف والحلوى, وتحمل أواني الماء إلى دور صاحباتها فيهدين منها على سبيل البركة, ثم تفرق الخلع الشريفة وصرر الدنانير والدراهم على العلماء والمقرئين والمؤذنين, فينالهم من هذه الليلة ومن كل ليالي رمضان الخير العميم.

مظاهر تسامح الفاطميين :


التسامح الديني والمذهبي سمة السياسة الفاطمية

على الرغم من حملة التشويه الكبرى لتاريخ الفاطميين التي اضطلع بها خصومهم ـ لا سيما فيما يتعلق بمظاهر القمع تجاه المخالف ـ نلاحظ ثمة الكثير من المفارقات في تلك الأحكام التاريخية. فتارة يصفونهم بأنهم لا دين لهم وأنهم ملاحدة، إنما غايتهم تدمير الدين وأنهم أصحاب انحلال ومجون وفسوق. وتارة يصفونهم بأنهم أهل تشدد في تفاصيل الاعتقاد. وهذا يكفي لبيان تطوّح الطريقة التي تعاطى بها المؤرخ مع هذا المفصل التاريخي الهام. والحال أن مظاهر التسامح ظلت بادية في السياسة الدينية الفاطمية. لا بل لو تأملنا كل السياسات الدينية الشيعية مغربا ومشرقا سنجدها غاية في التسامح مع المخالف. فالبويهيون أبقوا على العباسيين وتسامحوا مع معتقدات الأهالي ولم يقعوا في الشطط في استعمال السلطة تجاه الأقليات. ومثله فعل الأدارسة كما فعل الفاطميون. كل الأخبار التي تحدثت عن مواقف صارمة تجاه المخالفين هي مواقف فردية يمكن أن نجد لها أمثلة كثيرة في كل مراحل وأشكال السلط على مر تاريخنا العربي والإسلامي.

وأما ما قيل حول ما لقيه الفقيه المالكي أبي العرب على يد المهدي الشيعي، فهو مما له صلة بموقف سياسي وليس دينيا. وما حمل المهدي على أبي العرب إلا لأن هذا الأخير ما فتئ يؤلب على الخليفة، ويدعوا لاستئصال الفاطميين. فاللاّتسامح انطلق من خطاب أبي العرب. فهو ممن روى حديثا طبقه على الفاطميين:" سيأتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة إن أصبتموهم فاقتلوهم لأنهم كفار". ولكن الفاطميين بعد أن أخمدوا الثورة التي فجرها أبو يزيد وكان لأبي العرب أثر في تحريض الناس على الثورة، لم يفعل الفاطميون أكثر من أن زجّوا به في السجن ولم يقتلوه. فالذي ضاق بالمختلف هو أبو العرب وليس الفاطمي.

وانظر مثلا إلى الطريقة التي تصرف بها أحد عمالهم الغادرين المعروف بالمعز بن باديس حينما استقل ببلاده. فقد وضع على غلاف المصحف الذي هداه إلى مسجد القيروان عبارة جاء فيها:" يا إلهي العن بني عبيد أعداءك وأعداء رسولك ليجعلنا الله نستفيد من الحقد الذي نكنه لهم..."

وطبيعي إذا ما انبرى فقيه يكفر الحاكم والدولة ويخرجها من الإسلام ويؤلب عليها الدهماء أن يلقى المصير نفسه في كل دولة وفي كل جيل. يؤكد "الفريد بل" على ذلك التسامح من خلال قوله:" هكذا كانوا (الفاطميون) متسامحين إلى حد معقول مع أهل السنة وخصوصا من كانوا على مذهب أبي حنيفة (...) وكثير من الزهاد والعلماء المالكية عاشوا تحت حكمهم في القيروان وغيرها متبعين مذهب أهل السنة بل وكانوا يدرسونه أحيانا دون عائق جدي".

فلم نر تجاه عموم الفقهاء من مختلف المذاهب من واجه مضايقة من قبل الفاطميين. وفي اعتقادي أن الدولة متى ما فكرت في أن تحل محل الخلافة في الشرق كانت أكثر تسامحا مع المخالفين لها في المذاهب ومتى ما أصبحت منزوية على حدودها التقليدية فإنها تتشدد تبعا لذلك في أمر المذهب. وهكذا ذكروا أنه كان للمالكية في الأزهر في العهد الفاطمي خمس عشر حلقة كما للشافعية مثلها وللحنفية ثلاث حلقات. فضلا عن تعيين شيخين من أهل السنة في دار العلم في عهد الحاكم بأمر الله، أحدهما أبو بكر الأنطاكي.

يكفي ما جاء في قول الشاعر الذي كان يجهر بخلاف اعتقادهم مثل عمارة اليمني وهو صاحب البيت:

مذاهبهم في الجود مذهب سنة
وإن خالفوني في اعتقاد التشيع

بل ومن عظيم شأن هذا الشاعر السني الكثير الوفاء للدولة الفاطمية وهو ليس من جنس الشعراء المتملقين وإلا لما حافظ على مذهبه وجاهر به. فلقد قتل بسبب رثاءه دولة الفاطمي في قصيدته الرائعة حيث جاء فيها:

لهفي ولهف بني الآمال قاطبة على فجيعتها في أكرم الدول
مررت بالقصر والأركان خالية من وفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد من الأعادي ووجه الود لم يحل
أسلت من أسف دمعي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل
أبكي على ما تراءت من مكارمكم حال الزمان عليها وهي لم تحل
دار الضيافة كانت أنس وافدكم واليوم أوحش من رسم ومن طلل

ويختمها عمارة اليمني بقوله:

والله ما زلت عن حبي لهم أبدا ما أخر الله لي في مدة الأجل

ولقد قتل حسب المقريزي في خططه بسبب هذه القصيدة.

وعموما لقد كانت حالات الاعتدال والتطرف شخصية في ردود الفعل من قبل الدعاة. حتى أن منهم من لم يكن سلوك بعض الدعاة محل رضا منه. ولم يكن حتما ذلك سياسة للدولة وخلفائها الفاطميين الذين رفع فيهم الداعي شعار:"إن دولتنا دولة حجة وبيان وليست دولة قهر واستطالة". وتعود حكاية هذا الشعار إلى منع أبي عبد الله أخاه أبا العباس أن يستغل السلطة في إكراه الناس على إتباع مذهبه. وكما ينقل النويري:" ولما وصل أبو العباس، أراد أن ينفي عن القيروان من يخالف مذهبه، فقال أبو عبد الله: إن دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاترك الناس على مذاهبهم".

وهذا يدل دلالة جلية على مدى تسامح الدولة الفاطمية مع المخالف سواء في المذهب كما ذكرنا أو حتى في الدين لما بلغنا من حسن سيرتهم مع الأقباط في مصر. حيث شاركتهم دولة المعز لدين الله الفاطمي وغيره أعيادهم، كيوم الغطّاس وخميس الجسد وعيد الميلاد.ومثل هذا الموقف لم نر له مثيلا في التاريخ السياسي الإسلامي.

ولم يكن تشييع الأهالي مطلبا للفاطميين، فلقد أصدر المهدي فيما يورد المقريزي في اتعاظ الحنفا، للدعاة أمرا بالكف عن طلب التشيع من العامة.

وما عليك مما جاء من مبالغات من أرخ لهم من الخصوم ولا من تلك الصور التي نقلها أمثال ابن العذاري. وحتى لا نطنب في ذلك يكفي ردود المنصفين، كما يكفي ما عالجه العقاد من أشكال التحامل الرخيص على تلك الدول.

وأما ما بدا من مظاهر التسامح الديني في مستوى القضاء والفقه فإن ذلك مرده إلى اختصاص الفقه الشيعي بكثير من الآراء الفقهية الميسرة والعقلانية فضلا عن بعض ما كان يصدر عن الدعاة والخلفاء الفاطميين من آراء فقهية إزاء بعض النوازل.

الــحـالـة الــفنيـــة


حيــاة التــرف :-


ولقد نافست الخلافة الفاطمية فى عهد العزيز خلافة بغداد وامتلأت خزانة الدولة ذهـبا ونضارا ولا أدل على ذلك من حياة الترف والنعيم التى كان يحياهـا الخلفاء الفاطميون فى قصورهـم التى وإن عفت آثارهـا واندثرت معالمها إلا أن كتب الرحالة والتاريخ سجلت لنا وصفا لها ولمحتوياتها مما تحار منه الألباب وتدهـش له العقول


شـاهـد عيان يصف القصر الفاطمى :-


ولقد أوفد الملك أمورى حاكم بيت المقدس إلى الخليفة العاضد سنة 562هـ ( 1167م) رسولين فى قصره ليعقدا معه باسم سيدهما محالفة يدفع بمقتضاها مائتى ألف دينار معجلة ومثلها مؤجلة نظير دفاع الصليبيين عن مصر ولقد أعجب الرسولان بعظمة ما شاهداه فى القصر أيما إعجاب ووصف غليوم رئيس أساقفة صور زيارة هـذين الرسولين ولخص هـذا الوصف الكاتب الفرنسى جوستاف شلمبرجيه والمؤرخ الإنجليزى لين بول ونقل المرحوم الأستاذ زكى محمد حسن فى كتابه { كنوز الفاطميين } إلى العربية تلخيص الكاتب الفرنسى كما نقله أيضا الأستاذ محمد فريد أبو حديد فى كتابه { صلاح الدين وعصره } تلخيص المؤرخ الإنجليزى وننقل إليك ترجمة المرحوم الأستاذ الدكتور زكى محمد حسن بنصها فيما يلى ( وسار السفراء الفرنج يقودهـم الوزير شاور بنفسه إلى قصر له رونق وبهجة عظيمان وفيه زخارف أنيقة نضيرة وكان هؤلاء المبعوثون متأثرين بما حولهم جد التأثير دون أن يتطرق إلى نفوسهم أى خوف أو رهـبة ووجدوا فى هـذا القصر حراسا عديدين وسار الحراس فى طليعة الموكب وسيوفهم مسلولة وقادوا الفرنج فى ممرات طويلة وضيقة وأقبية حالكة مظلمة لا يستطيع الإنسان أن يتبين فيها شيئا وربما كان المقصود بذلك بعث الهيبة إلى قلوبهم وزيادة التأثير فيهم فلما خرجوا إلى النور اعترضتهم أبواب كثيرة متعاقبة كان يسهر على كل منها عدد من الحراس المسلمين الذين كانوا ينهضون عند اقتراب شاور ويحيونه باحترام ثم وصل الموكب إلى فناء مكشوف تحيط به أروقة ذات أعمدة وأرضيته مرصوفة بأنواع من الرخام متعددة الألوان وفيها تذهـيب خارق العادة بنضارته وبهـائه كما كانت ألواح السقف تزينها الزخارف الذهـبية الجميلة وكان كل ذلك مونقا رائعا وبهيا رائعا بحيث لا يملك أشغل الناس بالا وأكثرهم هما إلا أن يقف للإعجاب به وكان فى وسط الفناء نافورة يجرى الماء الصافى منها فى أنابيب من الذهـب والفضة إلى أحواض وقنوات مرصوفة بالرخام وكانت ترفرف فى الفناء أنواع لا حد لها من الطيور الجميلة ذات الألوان المفرطة فى الندرة مجلوبة من شتى أنحاء الشرق ولم يكن يرى هـذه الطيور دون أن تصيبه الحيرة والدهـشة إعجابا بها ودون أن يقول أن الطبيعة كانت تمرح وتلعب حين كونت هـذه المخلوقات الجميلة ومن هـذه الطيور ما كان يلزم النافورة ومنها ما كان يظل بعيدا عنها كل بحسب طبيعته وكان لكل منها من الغداء ما يوافقه وهـنا استأذن فى الرجوع الحراس الذين كانوا يسيرون فى معية الفرسان الفرنج حتى ذلك الوقت وحل محلهم بعض العظماء من الأمراء المقربين إلى الخليفة نفسه وسار هـؤلاء الأمراء بالسفيرين الفرنجيين فى أفنية جديدة أشد جمالا وإبداعا ثم إلى حديقة لطيفة وغناء لم تكن الحديقة الأولى شيئا بجانبها ورأوا فى هـذه الحديقة أنواعا من الحيوانات ذوات الأربع غربية بحيث يتهم المرء بالكذب إذا وصفها أو تحدث عنها وبحيث لا يستطيع أى مصور أن يتخيل أو أن يحلم بمثل هـذه الحيوانات ولم يكن يعرفها إلا بما كان يسمع من الأقوال وبعد أن عبروا أبوابا عديدة أخرى وساروا فى تعاريج كثيرة كانوا يرون فيها أشياء جديدة تزيدهـم دهـشة وإعجابا وصل الفرنج إلى القصر الكبير حيث يقطن الخليفة وفاق هـذا القصر كل ما وراء قبل ذلك وكانت أفنيته تفيض بالمحاربين المسلمين متقلدين أسلحتهم وعليها الزرد والدروع تلمع بالذهـب والفضة وعليهم سيماء الافتخار بما كانوا يحرسون من الكنوز وأدخل المبعوثون فى قاعة واسعة تقسمها ستارة كبيرة من خيوط الذهـب والحرير المختلف الألوان وعليها رسوم الحيوان والطيور وبعض صور أدميه وكانت تلمع بما عليها من الياقوت والزمرد والأحجار النفيسة ولم يكن فى القاعة أحـد لكن شاور خر راكعا فور دخوله ثم نهض واقفا ثم قبـل الأرض ثانية وخلع السيف الذى كان يلبسه فى عنقه ثم خر ساجدا مرة ثالثة فى ذلة وخشوع كأنه يسجد لله وارتفعت الحبال فجأة وانكشفت الستارة الحريرية الذهـبية بسرعة البرق كأنها ملاءة خفيفة وظهر الخليفة الطفل ( السلطان العاضد) لأعين الفرنج المبعوثين وكان على وجه هـذا الأمير نقاب يخفيه تماما وهـو جالس على عرش من الذهـب مرصع بالجواهـر والأحجار الثمينة)


وصـف لـشـاهـد آخـر :-


وهـناك وصف ثان لشاهـد عيان آخـر زار مصر فيما سنتى 439و441هـ ( 1047-1049م) ذلك هـو الرحالة المشهور ناصر خسرو المتقدم ذكره فقد ذكر أن قصر السلطان كان يقع فى وسط القـاهـرة وبينه وبين الأبنية المحيطة به فضاء يفصله عنها وكان يحرسه فى الليل خمسمائة حارس من الفرسان وخمسمائة حارس من الرجالة وكانت أسواره عالية فلا يستطيع أحد رؤيته من داخل المدينة بينما يبدو من خارجها كالجبل وكان فى القصر ألوف من الخدم والنساء والجوارى وله عشر بوابات فوق الأرض وباب يقود إلى ممر تحت الأرض يعبره الخليفة راكبا ليصل إلى قصر آخر وكان كل كبار الموظفين فى قصور الخليفة من الروم أو السود


خـزائــن الـقصـر :-


تقدم القول أنه كان بالقصر الكبير عدة خزائن منها خزانة الكتب وخزانة البنود ( الأعلام) وخزائن السلاح وخزائن الفرش وخزائن الكسوات وخزائن الخيم وخزائن الجوهـر والطيب والطرائف وغيرهـا مما لا يتسع المقام لوصفها وشرح محتوياتها وكان لكل خزانة عامل يدير شئونها وصناع يشتغلون فيها إن كانت محتوياتها مما يتطلب ذلك وفراش يقوم هـو ومساعدوه بتنظيفها والسهر على محتوياتها والسهر على محتوياتها ولكل هـؤلاء مرتب يتقاضونه من بيت المال


خــزائن الجـوهـر والطـيب :-


ولقد حوت خزائن الجوهـر والطيب والطرائف ما يحار له العقل من لآلىء وأحجار كريمة وتحف صنعت من الذهـب والفضة والنحاس المكفت ونفائس غالية تجلى فيها الحذق والمهارة الفنية ولقد روى المؤرخون فى ذلك أخبار لا يكاد يصدقها العقل إلا إذا أخـذ فى اعتباره ما كانت تنعم به البلاد فى عهد الفاطميين من ثروة وغنى ورخاء ويسر وهـدوء وأمن شهـد به الرحالة ممن وفدوا على مصر وأقـاموا فيها ردحا من الزمن ورأوا بأعينهم العز الذى ينشر ألويته على ربوعها ويعم جميع أرجائها


الـتحف الـمعدنية :-


فقد كان من بين تلك التحف حصيرة مصنوعة من الذهـب تزن ثمانية عشر رطلا ( أى ما يساوى سبعة كيلوجرامات ) يقال أن بوران بنت الحسن بن سهل جلست عليها يوم زواجها بالخليفة المأمون وكانت توجد ثمان وعشرون صينية من المينا المحلاة بالذهـب وقد قدرت كل صينية منها آلاف دينار واستولى عليها ناصر الدولة الذى كان قائد الجند فى ذلك الحين وكانت هـناك أيضا صـناديق مملوءة مرايا من حديد محلاة بالذهـب والفضة وبعضها مكلل بالجواهـر النفيسة وله محفظات أو غلف من الكيمخت وهـو نوع من الجلد المتين وأخرى من الأقمشة الحريرية النفيسة وكان للمرايا المذكورة مقابض من العقيق وقد أخذت من خزائن القصر آلاف الآلات المصنوعة من الفضة المكفتة بالذهـب ذات النقش العجيب والصنعة الدقيقة كما وجدت كميات كبيرة من قطع الشطرنج والنرد المصنوعة من الجوهـر والذهـب والفضة والعاج والأبنوس ولها رقاع من الحرير المنسوج بخيوط من الذهـب واستولى الجنود – فيما استولوا عليه من نفائس القصر وتحفه فى أثناء الشدة العظمى فى عصر المستنصر- استولوا على أربعمائة قفص مملوءة بالأوانى الفضية الثمينة المكفتة بالذهـب وقد سبكت كلها ووزعت على الثوار .. واستولوا كذلك على أربعة آلاف قنينة مذهـبة للنرجس وعلى ألفى تنينة للبنفسج ووجد من السكاكين الثمينة ما بيع بأبخس الأثمان وبلغت قيمته على الرغم من ذلك ستة وثلاثين ألف دينار أى خمسة عشر ألف جنيه


الـنفـائـس :-


ومن أجمل النفائس التى كانت تزين القصر الكبير تحف على شكل حيوانات وطيور منها طاووس من ذهـب مرصع بالجواهـر النفيسة عيناه من ياقوت أحمر وريشه من الزجاج المموه بالمينا على ألوان ريش الطاووس ومنها ديك من الذهـب له عرف كبير من الياقوت الأحمر المرصع بالدر والجواهـر منها غزال مرصع أيضا بالجواهـر النفيسة ومائدة كبيرة واسعة من اليصب أو حجر الدم الذى يشبها العقيق وأخـرى من العقيق ونخلة من الذهـب مكللة ببديع الدر والجوهـر يمثل أجزاءها وما تحمله من بلح وقد بلغ من غرام الفاطميين بجمع التحف الفنية أن الأميرات كن ينافسن الأمراء فى هـذا الميدان وأن بعضهن تركن كنوزا ثمينة فرشيدة ابنة المعز توفيت سنة 443هـ ( 1051م) وتركت تحفا تقدر قيمتها بنحو مليون وسبعمائة ألف دينار : منها ثلاثون ثوبا من الخز الثمين ( أى من قماش الصوف والحرير ) كما وجد فى خزائنها بعض العمامات المرصعة بالجواهـر مما يذكر بعمامات الأمراء الهنود . ويقال أيضا أنها كانت تمتلك الخيمة التى توفى فيها هـارون الرشيد بمدينة طوس وقد كانت من الخز الأسود وقد ضمت كل كنوزها إلى خزائن القصر بعد وفاتها فى عهد المستنصر ومن التحف التى تركتها الأميرة عبدة بنت المعز التى توفيت سنة 442هـ( 1050م) نحو أربعمائة سيف محلى بالذهـب ونحو أردب من الزمرد !! وغيرهـا من الجواهـر والأقمشة النفيسة والأباريق والطسوت من البلور الصافى .


التحف المصنوعة من البلور :-


وقد كان بخزائن القصر شىء كثير من البلور والتحف الفنية الزجاجية المحكمة الصنع والمموهـة بالذهـب وغير المموهـة وقد قال أحد المستخدمين فى بيت المال أن صندوقا من الصناديق التى نهبت من القصر ذات يوم كان مملوءا بأباريق من البلور النفيس بعضها منقوش بزخارف ورسوم جميلة وبعضها غير منقوش والظاهـر أنها كانت لشراب الفقاع ( وهـو نوع من البيرة كان منتشرا فى القـاهـرة فى العصور الوسطى )


الـخـزف اللامــع :-


وقد سلم لنا القليل من هـذه التحف معروض الآن بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة بين آنيـة من الخزف اللامع المعروف بالخزف ذى البريق المعدنى من أصص وأطباق وصحون وبرانى تزينها الزخارف النباتية ورسوم الطير والحيوان مرسومة بأيدى أشهر فنانى ذلك العصر مثل سعد ومسلم واسترعت صناعة الخزف فى مصر انتباه الرحالة الفارسى ناصر خسرو بصفة خاصة فذكر أن المصريين كانوا يصنعون أنواع الخزف المختلفة وأن الخزف المصرى كان رقيقا وشفافا حتى لقد كان ميسورا أن ترى من باطن الإناء الخزفى اليد الموضوعة خلفه وكانت تصنع بمصر الفناجين والقدور والبرانى والصحون والمواعين الأخرى وتزين بألوان تشبه لون القماش المسمى بوقلمون وهـى ألوان تختلف باختلاف أوضاع الآنية وساعات النهار وذكر أيضا عن استخدام التجار والبقالين الأوانى الخزفية فيما يستخدم فيه التجار الورق فى العصر الحاضر أنهم كانوا يصنعون فيها ما يبيعونه ويأخذه المشترون بالمجان ولعمرى أن هـذا ليدل على مدنية ورقى لم تبلغهما الصناعة أو التجارة حتى فى يومنا هـذا .


التحـف الـخشبية:-


كذلك معروض بهـذا المتحف الخشبية المحفورة من أبواب وألواح ومحاريب متنقلة وحشوات تخلفت من القصور الفاطمية من أبدع تلك التحف ألواح خشبية كانت تزين القصر الفاطمى محفور عليها مناظر تمثل الحياة اليومية على أرضيته من زخارف نباتية بديعة وتحف مصنوعة من العاج كقطع من الشطرنج والتماثيل الصغيرة .


الأقـمشــة :-


وتوجد بالمتحف السالف الذكر أيضا قطع من القماش كتانية وحريرية وصوفية عليها كتابات كوفية باسم الخليفة الحاكم وعليها رسوم نباتية وحيوانية وكلها مما لا يغنى فيه الوصف عن المشاهـدة فهـى قطع فنية رائعة تدل على مبلغ ما وصل إليه الذوق الفنى الرفيع عند الفاطميين من التقدم والسمو .


الـتصـويـر :-


وكان للفاطميين فى ميدان التصوير باع طويل فزاولوا التصوير على مدى كبير فصوروا الإنسان والحيوان والنبات على الخزف والأخشاب وعلى الجص والمنسوجات وخلا ما هـو موجود على قطع الخزف اللامع والأخشاب والمنسوجات المحفوظة بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة لم تصل إلينا لوحات من التصوير الفاطمى ما عدا بعض صور مرسومة على الجص وجدت على جدران حمام فاطمى بجهة أبى السعود جنوبى القـاهـرة نقلت إلى المتحف الإسلامى أهمها صورة إنسان تحيط برأيه هـالة وهـى ملونة بالأحمر والأسود وعليه عمامة جميلة وفى يده اليمنى كأس يحمله على النحو الذى نراه كثيرا على نقوش الخزف والأوانى الفارسية الساسانية من فضة ونحاس وقد حدثنا المقريزى عن المباراة بين المصورين ابن عزيز وقصير وعن المنافسة التى كان يذكيها بينهما اليازورى الوزير الفاطمى المشهور وحدث أن جمعها اليازورى يوما فى مجلسه وقال ابن عزيز : ( لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها خارجة من الحائط ) فقال قصير ( لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها داخلة فى الحائط) فقال الحاضرون هـذا عجب . وأمر اليازورى المصورين أن يصنعا ما وعدا به فرسما الصورتين فى حنيتين متقابلين وكان رسم قصير راقصة بثياب بيض فوق أرضية الحنية بينما كان رسم ابن عزيز راقصة بثياب أحمر فوق أرضية الحنية التى دهنها باللون الأصفر فظهرت الراقصة كأنها بارزة من الحنية فاستحسن اليازورى ذلك وخلع عليهما كثيرا من الذهـب .

الـحالـة العـلميــة:-

كان فى مقدمة ما عنى به الخلفاء الفاطميون جمع الكتب مما يستدل معه على ميلهم إلى إحياء العلوم وشغفوا بصفة خاصة بجمع النادر من الكتب فى كل علم وفن وكثيرا ما كانوا يحرصون على اقتناء نسخ من مختلف الكتب بخط مؤلفيها ويدفعون فى سبيل ذلك أغلى الأثمان مبالغة فى التحقيق والتدقيق هـذا فضلا عن تنسيق تلك الكتب وتبويبها والمحافظة عليها وفق نظام دقيق تيسيرا للرجوع إليها والاغتراف من مناهلها


خــزانـة الـكتـب :-


وذكرنا فى معرض الكلام عن خزائن القصر أنه كان من بينهما خزانة للكتب وقد ذكر المقريزى فى خططه أنها كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب – أى مليون وستمائة ألف وكانت فى أحد مجالس المارستان العتيق – أى أنها كانت فى الموضع الذى أنشىء فيه مارستان قلاوون بعد ذلك وكانت تتألف من أربعين قسما ويحتوى كل قسم على عدة رفوف فى دور ذلك المجلس العظيم . والرفوف مقطعة بحواجز وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل ومن بين ما تحتوى عليه كتب فى الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة وكتب الحديث والتواريخ وسير الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء والمصاحف الكريمة بخط ابن مقلة ونظائره كابن البواب وغيره وثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة وألفان وأربعمائة ختمة قرآنية فى ربعات بخطوط منسوبة زائدة الحسن محلاة بذهـب وفضة وغيرهما وأن جميع ذلك ذهـب فيما أخـذه الأتراك فى واجباتهم – أى أجورهم ومرتباتهم – ببعض قيمته أيام الشدة الكبرى فى عهد الخليفة المستنصر ومن طريف ما ذكره المقريزى فى هـذا الشأن : أن رجلا حمل إلى العزيز بالله نسخة من كتاب الطبرى اشتراهـا بمائة دينار فأمر العزيز أمناء المكتبة فأخرجوا من الخزائن ما ينيف عن عشرين نسخة من تاريخ الطبرى منها نسخة بخط يده ولعله فعل ذلك لكيلا يركب الرجل متن الشطط فى تقدير ثمن الكتاب ونقل المقريزى عن صاحب الكتاب الذخائر : ( قال وكنت بمصر فى العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة فرأيت فيها خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محمولة إلى دار الوزير أبى الفرج محمد بن جعفر المغربى فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذهـا من خزائن القصر هـو والخطير بن الموفق فى الــدين بإيجاب وجببت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الجبليين )


شـغـف الـخلـفاء بالـعـلـم :-


ولم يكن اقتناء الكتب والمحافظة عليها حبا فى الزينة وجريا وراء المظاهـر البراقة وإنما كان الخلفاء الفاطميون يدمنون القراءة والمطالعة بل قد عرف عن بعضهم أنهم كانوا من أعلم أهـل زمانهم كالمعز لدين الله الذى كان عالما وفقيها وعلما من أعلام الدين والأدب بليغ الأسلوب ملما بكثير من اللغات وما رئى فى مجلس أو عابرا طريقا إلا وبيده كتاب وكان هـو وكثير من أسرته من بعده ومن بينهم الحاكم بأمر الله يشتغلون بعلوم النجوم ويميلون إلى علوم الأوائل ويقربون إليهم أهلها ويفرضون العلم على أولادهـم ومماليكهم وكثيرا ما كان الخليفة يزور خزانة الكتب فيجىء راكبا ثم يترحل ويتخذ مجلسه فوق دكـة منصوبة ويمثل بين يديه أمين المكتبة ويأتيه بمصاحف كثيرة مكتوبة بأقلام مشاهـير الخطاطين وغير ذلك مما يقترحه من الكتب فإن عــن له أخذ شىء منها أخذه ثم أعاده


عنــاية الـوزراء بالـعـلـم:-


ولم يكن الخلفاء وحدهـم يشتغلون باقتناء الكتب وينقبون عنها ويدمنون القـراءة ويطيلون البحث فيها بل إن وزراءهـم كانوا يقتفون آثارهـم وينهجون نهجهم فقد روى عن يعقوب بن كلس وزير العزيز أنه كان يرتب فى داره الكتاب والأطباء وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين وأجرى عليهم الأرزاق وألـف كتبا عدة فى الفقه والقراءات ونصب له مجلسا فى داره يحضره الفقهاء والمتكلمون وأهـل الجدل يتناظرون بين يديه وكان فى داره كذلك عـدة كتـاب ينسخون القـرآن الكـريم والفقه والطب وكتب الأدباء وغيرهـا من العلوم فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت


الـجوامـع كمـراكـز لنشـر الـعـلـم :-


ولم تقف جهود الخلفاء الفاطميين فى أحياء العلوم ونشر المعارف عند اقتناء الكتب والمحافظة عليها بل إنهم نشروا العلم وشجعوا الناس على الاغتراف منه بكل الوسائل والطرق فلقد ظل العلم يلقى فى جامع عمرو فى حلقاته العلمية والأدبية التى كانت تعقد بانتظام ويشهدها عدد كبير من الأساتذة والطلاب والأدباء والشعراء كما كان يحدث فى عهد الدولتين الطولونية والإخشيدية وأوقف عليه الخلفاء الفاطميون وعلى غيره من المساجد الأوقاف والهدايا وقد كان يصيب هـذا الجامع لهـذا السبب كثير من الترميمات والإصلاحات بين آن وآخر كذلك كان الخلفاء الفاطميون يشملون الطلاب بالرعاية والعطف وترتب لهم نفقات مأكلهم ومشربهم فضلا عما يقدم لهم من الأطعمة والحلوى فى جميع المواسم والأعياد ومن أشهر الفقهاء الذين جلسوا للتدريس فى جامع عمرو فى عهد الفاطميين على بن نصر بن سليمان الزنبقى اللغوى وقرىء عليه كثير من الكتب الأدبية واللغوية والنحوية وأبو أسامة جنادة بن محمد النحوى وأبو الحسن طاهـر بن بابشاذ وكان كلاهـما عالما فى اللغة والنحو


الـجوامع كمـراكـز لنشـر الـمذهـب الشيـعى :-


غير أنه لا يغيب عن البال أن الخلفاء الفاطميين كانوا يتخذون من الجوامع مراكز لنشر المذهـب الشيـعى وإشاعة عقائدهـم بين الناس فقد جلس بجامع عمرو كثير من الفقهاء درسوا فيه الرسالة الوزيرية التى ألـفها الوزير يعقوب بن كلس فى الفقه الشيعـى فى عهد العزيز كما قام فيه بتدريس العلوم الشيعية فى زمن الحاكم بأمر الله القاضيان الحسين بن على بن النعمان وعبد العزيز بن محمد بن النعمان كذلك أدى جامع ابن طولون دوره كمعهد علمى غير أنه لم يتح له من النشاط والشهرة مثلما أتيح لجامعى عمرو والأزهـر إذ لم يرو لنا التاريخ أسماء لامعة قامت بالتدريس فيه مثل روى ممن أسماء العلماء والأدباء والفقهاء الذين حاضروا فى الجامعين المذكورين


الـجامع الأزهر :-


أما لجامع الأزهر فقد عقدت له الزعامة الثقافية والعلمية والدينية على غيره من الجوامع ومعاهـد العلم وذلك لما كان يختصه به الخلفاء الفاطميون من رعاية وعناية وما يخلعونه عليه من زخرف وزينة وما يضاء به فى المواسم والأعياد من أنوار ساطعة فهـو مسجدهـم المفضل الذى يخطب فيه الخليفة وتعقد فيه مجالس الدروس وتنتشر منه تعاليم المذهـب الفاطمى وينعم فيه الأساتذة والطلاب بالأرزاق الوفيرة والهـدايا الحسنة ولقد اختصه الحاكم بوقفيه ملكية هـى أول وقفية صدرت للإنفاق على هـذا المسجد وقف فيها ريع كثير من ممتلكاته من دور وحوانيت ومخازن للإنفاق على أثاثه وخدمه وأئمته وعلى إنارته وإصلاحه لذلك لم يكن غريبا أن يصبح أكبر جامعة إسلامية فى الشرق يفد عليه الطلاب من كل حدب وصوب يتلقون فيه مختلف العلوم الدينية والفلسفية والمنطق وبعض الرياضيات والطب على يد علماء ذلك العصر مثل أبى على بن محمد بن الحسن بن الهيثم الذى رحل إلى مصر فى زمن الحاكم وظل إلى أن توفى سنة 430هـ ( 1038-1039م) وهـو أشهر علماء المسلمين فى الطبيعة والبصريات ويعرف عند الأوربيين باسم { الهازن } ومن أشهر كتبه فى البصريات المسمى ( كتاب المناظر ) الذى يعتبر أساس علم الضوء حتى وقتنا هـذا وقد ضاع أصله العربى ولكن بقيت ترجمته اللاتينية والحوفى إمام العربية والنحو وابن بابشاذ المتوفى سنة 469هـ ( 1076م) وغيرهـم من علماء الفقه والدين واللغة العربية ونحوها وصرفها وآدابها ولقد قصد الفاطميون من إنشائهم الجامع الأزهـر أن يكون جامعة شيعية ولم يدروا أنهم يضعون أساس أكبر جامعة إسلامية سنية بل وأعظم قلعة حصينة يذاع منها الاسلام فى مشارق الأرض ومغاربها فما دالت دولة الفاطميين إلا وحمل الأزهر الأمانة وظل طوال القرون التالية حتى اليوم حصن الاسلام الحصين وركنه الركين وانعقدت لعلمائه فى تاريخ مصر الحديث الزعامة والرياسة فى توجيه الرأى العام وقد وصف المقريزى حركة العلم فى الأزهر فقال : ( ولم يزل فى هـذا الجامع منذ بنى عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه وبلغت عدتهم فى هـذه الأيام – أيام المقريزى – 750 رجلا ما بين عجم وزبالقة ومن أهـل ريف مصر ومغاربة ولكل طائفة رواق يعرف بهم فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن ودراسته والاشتغال بأنواع العلوم والفقه والحديث والتفسير والنحو والمجالس الوعظ والإرشاد وحلق الذكر فيجد الإنسان إذا دخل هـذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده فى غيره وصار أرباب الأموال يقصدون هـذا الجامع بأنواع البر من الذهـب والفضة والفلوس وإعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى وكل قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلويات ولاسيما فى المواسم


دار الحـكمة أو الـعـلـم :-


لم تقف جهود الفاطميين فى نشر العلم على المساجد بل تعدت ذلك إلى إنشاء المعاهـد التى انفردت بنشره فقد انشأ الحاكم فى سنة 400هـ ( 1009-10م) دار العلم أو دار الحكمة وكانت تلاصق القصر الغربى وأمدها بالأثاث ورتب لها الخدم والفراشين وحمل إليها من خزانة القصر عددا كبيرا من الكتب فى مختلف العلوم والفنون وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة للإنفاق على الطلاب والأساتذة والأدوات وذكر المقريزى أنه ( حصل فى هـذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التى أمر بحملها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها وحضرهـا الناس على طبقاتهم فمنهم من يحضر لقراءة الكتب منهم من يحضر للنسخ ومنهم يحضر للتعليم وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر ) وظلت دار العلم تؤدى رسالتها طوال العهد الفاطمى ما عدا فترات قصيرة أغلقت فيها ثم يعاد فتحها إلى أن دالت الدولة وقامت على أنقاضها دولة بنى أيوب فأحالها صلاح الدين الأيوبى وكان قد أوقف جهوده على القضاء على المذهـب الإسلامى الشيعى إلى مدرسة لتعليم الإسلام وفق المذهـب الشافعى .


مـجالـس الـمناظـرة فى الـقصـر :-


وفى القصر كانت تعقد مجالس المناظرة تحت إشراف الخليفة ووزرائه وبحضور العلماء والأدباء وكبار رجال دولته فيتناظر العلماء فى مختلف .المسائل وفى النهاية المناظرة ينهض الشعراء ينشدون ويتبارون فى مدح الخليفة والإشادة بمجد آبائه وأجداده ولا غرو إذا وفد على مصر كثيرا من الشعراء من مختلف الأقطار يسعون إلى مجلس الخليفة ينشدون عطاءه ويبتغون كرمه من هـؤلاء أبو حامد الأنطاكى ومحمد ابن القاسم بن عاصم وأبو الحسن عبد الواحد البغدادى المعروف بصريع الدلاء وأبو الحسن على بن نوبخت وعبد الوهاب بن نصر المالكى وقد مدح ابن هانىء الأندلسى المعز لدين الله الفاطمى فى قصائد رنانة غالى فيها فى مدح المعز وكان يزمع الرحيل إلى مصر فى أثر المعز بعد رحيله من بلاد المغرب ولكنه توفى فى الطريق فحزن عليه المعز كثيرا .

الــحـالــة الاجـتمـاعـيـة


المجتمـع المصـرى :-


كان المجتمع المصرى فى عهد الفاطميين ينقسم بصفة عامة إلى مسلمين سنيين وهـم جمهـرة المصريين قبل وفود الفاطميين إلى مصر وشيعيين وهـم الذين وفدوا إليها من بلاد المغرب وقد تحول كثير من السنيين بل ومن النصارى واليهود إلى المذهـب الشيعى طمعا فى الهبات والعطايا التى كان الفاطميون يغرون بها الناس للانضمام إلى مذهـبهم وتقليد كثير من اليهود بعد إسلامهم وتشيعهم أرقى المناصب فى الدولة ومن بينها منصب الوزارة وبالإضافة إلى السنيين وهـم أهل مصر والشيعيين وهـم المغاربة أو من اعتنق هـذا المذهـب من المصريين كانت توجد طبقة الأتراك الذين تكاثروا منذ عهد أحمد بن طولون التركى الجنس والسودانيون الذين استكثر منهم كافور الإخشيدى وقد ظهر أمرهـم فى عهد الحاكم حيث استعان بهم على الجنود الأتراك فأحرقوا القـاهـرة عقابا للمصريين الذين كانوا يحنقون عليه لسوء سياسته وقد استمر العراك بين الأتراك والسودانيين طوال العصر الفاطمى


الإدارة :-


وقد كانت الإدارة فى عهد الفاطميين تتبع النظام العباسى وكان الجيش مكونا من ثلاث طبقات :-


1-الأمراء ومن بينهم كبار الضباط وحملة السيوف من حرس الخليفة


2-ضباط الحرس وهـؤلاء يشملون الأساتذة والخصيان


3-الفرق المختلفة التى كانت تحمل أسماء منسوبة إلى أحد الخلفاء أو الوزراء أو إحدى الجنسيات مثل الحافظية والجيوشية والسودانية


كبـار المـوظفيـن :-


وكان الوزراء من طبقات متعددة أرقاهـم رجال السيف الذين يشرفون على الجيش والحرب ثم سادة الباب أو كبار الحجاب وكانت وظيفتهم تقديم السفراء الأجانب أما رجال القلم فكان من بينهم القاضى والمحتسب الذى يشرف على الموازين والمكاييل والمقاييس والآداب العامة وخازن الدولة الذى يشرف على بيت المال وكانت أقل مرتبة فى طبقة رجال القلم الموظفون المدنيون ومن بينهم الكتــاب والسكرتارية فى مختلف الدواوين


الأعيـاد والـمواســـم :-


وقد كان للخلفاء الفاطميين عناية خاصة بالأعياد والمواسم وقد ذكرنا فيما سبق أسماء المواسم التى احتفلوا بها والتى مازال كثير منها باقيا حتى اليوم نحتفى به ونحييه وفى تلك الأعياد خصوصا عيدى الفطر والنحر كانت الأسمطة { الموائد } وتعد ألوان الطعام الوفيرة ويدعى الناس إليها من جميع الطبقات لا فرق ولا تميز ليأكلوا هـنيئا ويشربوا مريئا مما لـذ وطاب وهـم إنما يلتمسون من وراء ذلك رضا الشعب ومحبته واجتذاب الناس إلى المذهـب الشيعى الذى كانوا يحاولون بشتى الطرق تثبيت دعائمه ونشر لوائه ( ففى يوم عيد الفطر كان يقام السماط مرتين وفى عيد النحر مرة واحدة فى قاعة الذهـب إحدى قاعات القصر الفاطمى ويعبى السماط فى الليل وطوله ثلاثمائة ذراع فى عرض سبعة أذرع وعليه من أنواع المأكل أشياء كثيرة فيحضر إليه الوزير أول صلاة الفجر والخليفة جالس فى الشباك ومـكـنت الناس منه فاحتملوا ونهبوا ما لا يأكلونه يبيعونه ويدخرونه وهـذا قبل صلاة العيد فإذا فرغ من صلاة العيد مـد السماط المقدم ذكره فيؤكل ثم سماط ثان من الفضة يقال له المدورة عليها أوانى الفضة والذهـب والصينى فيها من الأطعمة الخاص ما يستحى من ذكره والسماط بطول القاعة وهـو خشب مدهـون شبه الدكك اللاطية عرضه عشر أذرع ويحط فى وسط السماط واحد وعشرون طبقا وفى كل طبق واحد وعشرون خروفا ‍‍‍‍‍‍!! ومن الدجاج ثلاثمائة وخمسون طائرا ومن الفراريج – الدجاج – مثلها ومن فراخ الحمام مثلها وتتنوع الحلوى أنواعا ثم يمد بخلل تلك الأطباق – أى فيما بينها- أصحن خزفيات فى جنبات السماط فى كل صحن تسع دجاجات فى ألوان فائقة من الحلوى والطباهـجة – وهـو ضرب من قلى اللحم المشرح – الفتقة بالمسك الكثير – أى المحشوة به – وعدة الصحون خمسمائة صحن مرتب كل ذلك أحسن ترتيب ثم يؤتى بقصرين من حلوى – أشبه شىء بالتورتة اليوم – قد عملا بدار الفـطرة زنة كل واحد سبعة عشر قنطارا!! فيمضى بواحد من طريق قصر الشوق إلى باب الذهـب ويشق بالآخر من الجانب بين القصرين فينصبان أول السماط وأخر ثم يخرج الخليفة راكبا فينزل على السرير عليه المدورة الفضية وعلى رأسه أربعة من كبار الأساتذة المحنكين وأربعة من خواص الفراشين ثم يستدعى الوزير فيجلس عن يمينه والأمراء ومن دونهم فيجلسون على السماط فيتداول الناس السماط ولا يرد أحد عنه حتى يذهـب عن آخره فلا يقوم الخليفة إلا قريب الظهر ثم يخرج الوزير ويذهـب داره ويعمل سماطا يقارب سماط الخليفة وهـكذا يقع عيد النحر فى أول يوم منه ) وكان يمد سماط عظيم فى سرادق رحب على شاطىء النيل على مقربة من المنظرة المعروفة بمنظرة السكرة كما كان يصنع فى موسم مولد النبى صلى الله عليه وسلم عشرون قنطارا من الحلوى توضع على ثلاثمائة خوان – صينية – وتوزع على الناس فى الأزهـر وما زالت الحلوى إلى اليوم تصنع وتباع فى مولد النبى وأولياء الله الصالحين فى طول البلاد وعرضها .


ركــوب الـخـلفـاء الـفاطـمييـن:-


وكان الخلفاء الفاطميون فى موكب يخرجون فى مواكب غاية فى الفخامة والأبهة للاحتفال بالأعياد والمواسم أو الصلاة فى المساجد أو لتوديع فرقة من الجيش أو لإحياء مناسبات أخرى وكان ركوب الخلفاء لا ينقطع من أول العام حتى شهر رمضان


الاحـتفـال بأول الـعـام الـهجرى :-


وأفخم مواكبهم يوم الاحتفال بأول العام الهجرى حيث توضع الترتيبات والتنظيمات وتفتح خزائن الفرش والكسوات والأسلحة والأعلام والبنود والسروج والتجميل وتمد كل فئة بحاجتها من العدد والأدوات مما تستلزمه تلك المناسبات
( ويخرج الخليفة فى جمع زاخر من أفراد أسرته وغلمانه وبطانته ووزرائه وموظفى دولته وجنوده من مختلف الأسلحة والأجناس راجلين وراكبين يحملون السيوف والرماح وينشرون الأعلام والبنود ويلبسون الملابس الفاخرة ويركبون الجياد المطهمة ويسيرون وفق نظام دقيق وترتيب موضوع ويصطف الأمراء والوزراء على باب النصر حتى يهل عليهم الخليفة بطلعته وحوله الأستاذون المحنكون ودابته تمشى على بسط مفروشة خيفة أن تزلق على الرخام فعندها يقترب من الباب يقترب رجل ببوق من ذهـب لطيف معوج الرأس بصوت عجيب يخالف أصوات الأبواق الموكب وتنتشر المظلة ويخرج الخليفة من الباب فيقف مقدار ما يركب الأساتذة المحنكون وأرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة ويكون لباسه البياض يزين رأسه تاج مرصع بالجوهـرة اليتيمة وهـى جوهـرة عظيمة لا تعرف لها قيمة حولها ما دونها من الجواهـر وهـى موضوعة فى هـلال من ياقوت أحمر ليس له مثال فى الدنيا زنته أحد عشر مثقالا وقيل أكثر يقال له الحاضر فتنظم فى خرقة من حرير أحسن مايمكن من الوضع ويخاط على التاج بخياطة خفيفة فيكون ذلك بأعلى جبهة الخليفة وبدائرهـا قصب الزمرد الذبابى العظيم القدر ) ثم يسيرون والمظلة على يسار الخليفة وصاحبها يبالغ ألا يزول عنه ظلها وصبيان الركاب منهم جماعة كبيرة من الشكيمتين وجماعة أخرى فى عنق الدابة وجماعة أخرى فى ركابيه فالأيمن مقدم المقدمين هـو صاحب المقرعة التى يناولها للخليفة ويتناولها منه ويؤدى عن الخليفة الأوامر والنواهـى مدة ركوبه) .


{ والمظلة تشاكل بذلة الخليفة وعمودهـا من الزان ملبس بأنابيب الذهـب ورأسها كالرمانة ويعلوه أيضا رمانة صغيرة كلها ذهـب مرصع بجوهـر ولها رفرف دائر عرضه أكثر من متر ونصف }


( ويسير الموكب وبأوله أخلاط بعض العساكر ثم الأماثل ثم أرباب المناصب ثم أرباب الأطواق ثم الأستاذون المحنكون ثم حاملا لوائى الحمد من الجانبين ثم حامل الدواة ثم صاحب السيف وهمت فى الجانب الأيسر وكل من تقدم ذكره بين العشرة والعشرين من أصحابه وأهـل الوزير من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنكين ثم الخليفة وحوله صبيان الركاب المذكورة بقرقرة السلاح منهم وهـم ما يزيد على ألف رجل وعليهم المناديل الطبقيات ويتقلدون بالسيوف وأوساطهم مشدودة بمناديل والسلاح مشهور بأيديهم من جانبى الخليفة كالجناحين وبينهم فـرجة لوجه الدابة ليس فيها أحد وبطول الموكب والى القـاهـرة رائح وعائد يفسح الطريق ويسير الفرسان فيلقى فى عوده الاسفهسالار – القائد العام – كذلك فى حث الأجناد فى الحركة وينكر على المزاحمين ويلقى أيضا فى عوده صاحب الباب بمن فى زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الاسفهسالار فيعود لترتيب الموكب )


{ وخلف دابة الخليفة قوم من صبيان الركاب لحفظ أعقابه وخلفهم أيضا آخر يحمل كل واحد سيفا فى خريطة ديباج أحمر وأصفر بشراريب يقال لها ( سيوف الدم ) لضرب الأعناق ثم صبيان السلاح الصغيرة أرباب الفرنجيات }


( ثم يأتى الوزير وفى ركابه قوم من أصحابه وقوم يقال لهم صبيان الزرد من أقوياء الأجناد يختارهم لنفسه نحو خمسمائة رجل من جانبيه كأنه على قلق من حراسة الخليفة ويجتهد ألا يغيب عن نظره وخلفه الطبول والصنوع والصفافير بحيث تدوى منهم الدنيا فى عدد كثير ثم يأتى حامل الدرقة والرمح ثم طوائف الراجل من الركابية والجيوشية وقبلهما المصامدة ثم الفرنجية ثم الوزيرية زمرة بعد زمرة فى عدد وافر يزيد على أربعة آلاف نفر ثم أصحاب الرايات ثم طوائف العساكر من الآمرية والحافظية والحجرية الكبار والحجرية الصغار والصقلية ثم الأتراك المصطنعون ثم الديلم ثم الأكراد والغز المصطنعة وهـم البحرية ويقدم هـذه الفرسان عدة وافرة من المرجلة أرباب قسى اليد وقسى الـرجل فى نيف وخمسمائة نفر وهـم المعدون للأساطيل وجملتهم نحو ثلاثة آلاف وأكثر وهـؤلاء الذين ذكرناهـم بعض من كل لا جميع عسكر الخليفة ثم يدخلون من باب الفتوح ويقفون بين القصرين كما كانوا )


{ فإذا وصل الخليفة إلى موضع جامع الأقمر الآن وقف وقفة وانفرج الموكب واتجه الخليفة إلى القصر يحف به الوزير والأمراء والأستاذون المنحكون وهـم مشاة إلى أن يصل إلى باب القصر فينزل الخليفة وينصرف الوزير والباقون وينتظرون فى بيوتهم فتأتيهم دنانير ذهـبية كانت قد ضربت فى العشر الأخير من ذى الحجة عليها تاريخ السنة التى ركب فيها فيحمل للوزير شىء كثير منها والى أولاده وأقاربه ثم إلى أرباب الرتب من أرباب السيوف والأقلام من عشرة دنانير إلى رباعى إلى قيراط والى دينار واحد فيقبلون ذلك تبركا)


ركـوب الـخليفـة إلى مصر { الفسطاط }


( وكان أكثر ركوب الخليفة إلى { الفسطاط } فإذا ركب ركب الوزير وراء الخليفة فى أقل جمع مما تقدم ذكره فى ركوب أول العام فيشق الخليفة القـاهـرة إلى جامع أحمد بن طولون إلى المشاهـد { كمشهد زين العابدين ومشهد السيدة نفيسة ومشهد السيدة أم كلثوم } إلى درب الصفا ويقال له الشارع الأعظم إلى دار الأنماط { وتعرف بدار الحصر } إلى جامع مصر { جامع عمرو } ثم يسير الخليفة إلى دار الملك فينزلها والوزير معه وكلما مر من القصر إلى دار الملك بمسجد أعطى قيمـه دينارا ماعدا شيخ جامع عمرو فيعطيه ثلاثين دينارا له وللقامة والمؤذنين خاصة ثم تأتى المائدة من القصر وعليها كل ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية فيحمل الخليفة إلى الوزير منها جزءا وافرا ويعطى الأمراء ومن حضر ثم يوصل إلى أهـل مصر { الفسطاط} من ذلك كثيرا من الفضلات )


( ثم يصلى الخليفة العصر ويتحرك إلى العــود والناس فى الطريق جلوس لنظره وزيه فى هـذه الأيام لبس البياض المذهـبة والملونة وهـى العمامة والمنديل مشدود وشدته مفردة عن شدات الرعية وذؤابته تقرب من الجانب ألأيسر ويتقلد السيف العربى المجوهـر بغير حنك ولا مظلة ولا يتيمة ولذلك أوقات مخصوصة فلا يمر بمسجد فى طريقه إلا ويعطى قيمة دينار كما جرى فى الرواح وينعطف من باب الخرق { المعروف اليوم بباب الخلق } فيدخل من باب زويلة ويشق القـاهـرة إلى القصر .

قــاهــرة صــلاح الــديــن


أدرك الوهـن دولة الفاطميين فى أواخر أيامها منذ عهد الشدة العظمى فى عهد الخليفة المستنصر أى منذ سنة 450هـ ( 1058م) ودب الضعف فى أوصالها فترنحت وهـوت سنة 567هـ ( 1171م) وقامت على أنقاضها الدولة الأيوبية التى شيدها صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قدوم صلاح الدين إلى مصر بصحبة عمه أسد الدين شيركوه سنة560هـ ( 1164م) حضرا تلبية لاستغاثة الوزير شاور أحد وزراء العاضد آخر الخلفاء الفاطميين وكان شاور فى نزاع مع ضرغام أبى الأشبال أحد أمراء البرقية الذى ظل يترقى حتى صار صاحب الباب ولم يستطيع أحد منهما التغلب على عدوه إلا بالاستعانة بقوة خارجية وفى هـذا ما يدلك على مبلغ انحطاط الوطنية والأخلاق عند وزراء ذلك العهد الذين بلغ عددهـم أربعين وزيرا فى مدة تسع سنوات فاستعان ضرغام بالصليبيين وهـم جماعة من مسيحيى أوربا استولوا على بيت المقدس سنة 492هـ ( 1099م) وأنشأوا لهـم إمارات على طول ساحل الشام وكانوا يتمنون لو استطال ملكهم فشمل مصر أيضا لذلك رحبوا بدعوة ضرغام لهم لمناصرته على شاور وسارعوا إلى الزحف على مصر ليحققوا الأمل الذى داعب خيالهم أما شاور فقد استعان بنور الدين محمود بن زنكى صاحب حلب وقد أدرك هـذا ما سيبلغ الصليبيون من قوة إن هـم استولوا على مصر لذلك سارع هـو الآخر إلى تلبية نداء شاور عندما استغاث به ضرغام الذى كان قد هـزم شاور فهرب الأخير إلى الشام يطلب العون من نور الدين وقد استمرت مصر ردحا من الزمان ميدانا للتنافس بين نور الدين والصليبيين يرسل كل منهما جيشه إليها فيتحاربون ثم يغادرون البلاد بشروط يشترطها كل فريق مع حليفه من الوزيرين ثم يعودون إليها وهـكذا وانتهى الآمر بقتل كل من ضرغام وشاور وخلصت مصر لأسد الدين شيركوه وحل فى الوزارة محل شاور ولكن لم يلبث أن عاجلة الموت بعد شهرين من توليه أمرها فخلفه صلاح الدين وحل محله فى الوزارة فى جمادى الآخر سنة 564هـ ( مارس سنة 1169م)ولم يكن صلاح الدين ليغبط على مركزه إذ كان فى الواقع مركزا شاذا تحفه كثير من الصعاب فبينما كان وزيرا للعاضد الشيعى كان فى نفس الوقت نائبا عن نور الدين محمود السنى هـذا بالإضافة إلى قيام الفتن والثورات التى كان يشعل نارها الحاقدون عليه من شيعة ومغاربة وسودانيين ولكن صلاح الدين وقد حالفه الحظ ولازمه التوفيق وبما وهبه الله من سعة الحيلة وبعد النظر ذلل جميع ما اعترضه من عقبات فتوفى العاضد سنة 569هـ ( 1171-1172م) ثم أعقبه نور الدين محمود فتوفى سنة 569هـ ( 1173-1174م) فخلا له الجو وخلص له ملك مصر وصار صاحب الحول والطول فيها بلا منازع وقضى على الشيعة وشتت شملهم وأخذ فى إحلال المذهـب السنى محل المذهـب الشيعى مستعينا فى ذلك بأهله وأقاربه ورجال دولته وبعد أن استتب له الأمر فى مصر وثبتت أقدامه أخذ يعد العدة للقضاء على الصليبيين وتوجيه ضربة قاصمة لهم تزلزل أقدامهم وتهد كيانهم وقد أتيح له ذلك فى موقعة حطين الحاسمة ( 25ربيع الثانى 583/5 يوليو سنة 1187) حيث أنزل بالصليبيين هـزيمة ساحقة وانتزع منهم بعد ذلك بيت المقدس ثم أجلاهم عن بقية مدن الشام وفلسطين ولم يبق فى أيديهم سوى بعض المدن الساحلية الصغيرة وأهمها صور وبذلك صار جلاؤهـم عن بلاد الشرق جلاء نهائيا أمرا محتوما والواقع أنه لم يتفق لملك من ملوك الشرق أو زعيم من زعمائه ما اتفق لصلاح الدين من بطولة وشجاعة وشدة بأس وعلو همة وبعد نظر وثاقب رأى وصفاء نفس واستمساك بالعدل والإنصاف والرحمة بالناس غير مفرق بين عدو وصديق أو بين مسلم ومسيحى مما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء وأجمع عليه المؤرخون بالرغم من تباين أجناسهم واختلاف نحلهم ونزعاتهم هـذا إلى تفقه فى الدين ورسوخ كعب فى الأدب ومصاحبة للعلماء والأدباء وبعد حياة حافلة الأعمال توفى صلاح الدين إلى رحمة الله ورضوانه فى 27من صفر سنة 589 ( 4 مارس 1193) بعد أن أصيب بالحمى الصفراء التى لم ينقذه منها علاج ودفن فى دمشق ومع انه كان صاحب الكلمة النافذة فى إدارة شئون البلاد وليس من ينازعه فى أى أمر من أمورهـا أو يراجعه فى أى شأن من شئونها فقد مات ولم يخلف فى خزائنه من الذهـب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية ودينارا واحد ذهـبا صوريا كما ذكر ابن شداد ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولابستانا ولا مزرعة وقال ابن شداد أيضا يصف وقع موت صلاح الدين فى نفوس الناس : ( وكان يوم موته يوما لم يصب الاسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين – رضى الله عنهم – وغشى القلعة والمـلك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى وقد علمت من نفسى ومن غيرى أنه لو قـبـل الفداء لفدى بالأنفس ) ألا رحم الله صلاح الدين رحمة واسعة وأنزله منازل المجاهـدين المكافحين والأبـرار والصديقين الذين رفعوا لواء الاسلام عاليا وذادوا عن حياضه واستماتوا فى الدفاع عنه حتى النفس الأخير .


الـقـاهـرة فى عهـد صـلاح الـدين :


رأينا فى المقدمة ما كانت تعنى به أية دولة عند بدء قيامها إنشاء عاصمة جديدة لها تتفق ومكانتها وتجتمع فيها مقومات عظمتها وتفتـتح بها صفحة جديدة فى تاريخها ولما كان صلاح الدين يدين بالمذهـب السنى وينقم على المذهـب الشيعى فقد آل على نفسه أن يطمس آثار الفاطميين وألا يترك سبيلا لإحياء ذكراهـم واستعادة سلطانهم لذلك فإنه لم يبق على قصورهـم وما احتوت عليه من تحف وطرائف فأسكنها أتباعه وحاشيته وضباط جيشه وأقاربه وأهمل مدينتهم التى التصقت بها ذكراهـم وارتبطت بمنشآتها شهرتهم وعول منذ اللحظة الأولى على يدمج القـاهـرة والعواصم التى سبقتها بعضها فى بعض ويوحـد بينها فيحيطها جميعا بسور عظيم لتصبح حاضرة دولته وعاصمة إمبراطوريته على أن يشيد له فوق رابية المقطم قلعة حصينة لإقامته ولتشرف على تلك العاصمة الموحدة تحمى ذمارها وتدفع عنها غارة العدو المهاجـم وأى عدو لمصر فى ذلك الحين غير الصليبيين الذين أجلاهـم عن أرضها بعد أن كادت تقع لقمة سائغة فى حلوقهـم والواقع أن صلاح الدين هـو الذى وضع أساس القـاهـرة الحالية بعد أن وحـد بين العواصم الأربع القديمة وهـو الذى مهـد لها كى تصبح أكبر مدينة فى الشرق جديرة بما لمصر من مركز الصدارة بين دول العالم الإسلامى ودول الشرق الأوسط ورسم طريق تقدمها فى مستقبلها العظيم الذى كان ينتظرها فى العهود التالية وفى العصر الحديث وبعد أن كانت قاهـرة الفاطميين مقصورة على سكنى الخلفاء وحاشيتهم فقـد شجع صلاح الدين أفراد الشعب على سكنى القـاهـرة وإقامة المنازل فيها فنقلوا الأنقاض من مدينة مصر { الفسطاط} التى تخلفت عن حـريق شاور فى 30ربيع الأول سنة 564هـ (أول يناير سنة 1169م) ذلك الحريق الذى استمر 54يوما واستعملوا الأنقاض فى تشييد مبانيهم ولما كان صلاح الدين دائم التنقل بين القاهـرة والشام للإشراف على أعماله الحربية ضد الصليبيين فقد وكل إلى وزيره ( أبو سعيد قراقوش ابن عبد الله الأسدى الملقب ببهاء الدين ) إنفاذ خططه والإشراف على أعمال البناء فأنقذ تلك الخطط بكل نشاط وإحكام ومن هـنا جاءت شهرته بالصرامة وعـلـق باسمه الاستبداد فلقبـه الناس بقراقوش ومعناها الطائر الأسود { العقاب } عنوانا على الصرامة والاستبداد وشبهوا كتابا عن بهاء الدين عنوانه ( الفاشوش فى أحكام قراقوش ) ضمنه كثيرا من الأمور التى يبعد وقوعها منه ولم يمتد أجل صلاح الدين ليتم جميع أعماله الإنشائية فأتمها خلفاؤه من بعده وعلى الرغم من أنه لم يقم طويلا فى القـاهـرة إلا أن أحدا ممن سبقوه من الحكام لم يترك فيها مثلما ترك من آثار


منشآت صـلاح الـديـن :-


الســور:- كانت نفقات حروب صلاح الدين تستنفد جانبا كبيرا من ميزانية الدولة لذلك رأى توفيرا للنفقات الكثيرة التى يستلزمها بناء سور جديد أن يمد سور بدر الجمالى من شماليه ويتجه به غربا حتى شاطىء النيل الشرقى حيث أقيم حصن المقس المنيع كذلك رأى أن يمده جنوبا حتى باب الوزير بالقرب من سور القلعة الجديد ثم هـو يتمم هـذا السور بمده جنوبا ليحيط بمدينة مصر { الفسطاط } حتى يلتقى بالنيل ثانية جنوبى الفسطاط ولم يكتمل بناء السور فى أثناء حياة صلاح الدين وإنما أتمه خلفاؤه من بعده وكل ما تم منه فى عهـده ما يأتى :


1-السور الشمالى :- ويمتد من غرب باب الفتوح ويسير غربا ثم إلى الجنوب الغربى ثم يتجه إلى الغرب ثانية ويسير باطراد ماعدا قطع واحد بالقرب من شارع الخليج المصرى { شارع بورسعيد حاليا } وبعد ذلك يمكن للإنسان أن يتتبعه وهـو يسير خلف سكة الفجالة وشارع الطلبة حتى ميدان المحطة مصر { ميدان رمسيس الآن } حيث تجد بقايا منه على طول هـذا الاتجاه الذى ينتهى بقلعة المقس وقد زالت ولم يبق لها أثر اليوم وكان قد شيد بجوارها جامع المقس الذى يعرف اليوم بجامع أولاد عنان .


2-الجزء من السور الشرقى :- ويمتد من باب النصر فدرب المحروق حتى باب الوزير بالقرب من سور القلعة الجديد ويوجد فى هـذا الجزء برج الظفر وعند وفاة صلاح الدين لم يكن بدىء فى بناء السورين الجنوبى والغربى كما لم يكن السور الشرقى قد اتصل بعد بباب الوزير ومما تجدر الإشارة إليه أن هـذا السور بنى من الأحجار بخلاف سور جوهـر الذى بنى من اللبن كذلك يمتاز سور صلاح الدين بوجود الأبراج الدائرية الخالية من الحجرات الداخلية والمنافذ والفتحات ولا يزال ممكنا تتبع أجزاء من هـذا السور بين المنازل القديمة أو خلال تلال المقطم .


الــقــلعــة:-


وقد شرع صلاح الدين فى نفس الوقت الذى كان يبنى فيه السور فى تشييد القلعة فوق جبل المقطم فى موضع كان يعرف بقبة الهـواء قيل أن حاتم بن هـرثمة هـو أول من بناهـا ثم صار موضعها مقبرة فيها عدة مساجد ولم يعرف أن صلاح الدين سكنها لأنه توفى قبل إتمام مبانيها وإنما تمت فى عهد الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب فكان أول من سكنها واتخذهـا دار الملك فى الديار المصرية واستمرت كذلك فى جميع العهود التالية حتى عهد محمد على وبعض خلفائه من بعده وقد هـدم صلاح الدين بعض الأهـرام الصغيرة فى الجيزة واستعمل أحجارهـا فى بناء القلعة والسور واستخدم كثيرا من أسرى الفرنجة فى أعمال النحت والبناء وقد قيل فى سبب بناء القلعة أن صلاح الدين أراد أن يحتمى بها من الفاطميين وأشياعهم ولكن المعقول أن يكون قد قصد بنائها تحصين البلاد ضد عدو أشد خطرا ألا وهـو الصليبيون وقد شاهـد فى أثناء تجواله فى سوريا أن لكثير من البلاد فيها قلاعا حصينة تحميها فلم ير بدا وهـو بصدد تحصين القـاهـرة بسور عظيم أن يزيد فى مناعتها ويضاعف من قوتها بإقامة قلعة حصينة فوق جبل المقطم وأسوة بمدن سوريا التى شاهـدهـا من قبل وأعجب بقلاعها وحصونها وقد بلغ طول هـذا السور حسب تقدير المقريزى 29302ذراعا هـاشميا وقد بدىء فى بناء القلعة سنة 572هـ ( 1176م) وتمت فى عهد الملك الكامل سنة 614هـ ( 1207-1208م) وفى الضلع الغربى للقلعة يوجد الباب المدرج وفوقه كتابة تاريخية كتبت بعد البدء فى إنشاء القلعة بست سنوات ولا يزال موجود حتى اليوم وهـذا نصها ( بسم الله الرحمن الرحيم ، أمر بإنشاء هـذه القلعة الباهـرة المحاورة لمحروسة القـاهـرة التى جمعت نفعا وتحسينا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه وتحصينا مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محيى دولة أمير المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين على يد أمير مملكته ومعين دولته قراقوش ابن عبد الله الملكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة ) ويقابل هـذه السنة سنة 1183-1184م)


الـقـلـعة بعـد صلاح الدين :-


ولم يبق من منشآت صلاح الدين بالقلعة سوى بعض أجزاء السور والأبواب ذلك لأنه أدخلت عليها كثير من التغييرات والإضافات فى العصور التالية : فقد أنشأ الكامل قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل حجما من سورها الأول كما أنشأ الظاهـر بيبرس برجا كبيرا وطباقا للمماليك وقصرا فخما لوالده الملك السعيد وأنشأ الأشـرف خليل بن قلاوون مقعدا فخما شاهقا يطل على الجيزة والنيل وأنشأ الناصر محمد بن قلاوون برجا مربعا كبيرا لا يزال باقيا إلى الآن بالقرب من الناحية البحرية الشرقية أسفل جامع محمد على كما بنى قصره المعروف بالقصر الأبلق الذى لا تزال توجد بقية منه أنشأ أيضا مسجدا وأنشأ الناصر حسن بن محمد قصره المسمى بالبيبسرية سنة 1160هـ ( 1359-1360م) وقيل انه جعل شبابيك من الذهـب وفى سنة 791هـ ( 1388-1389م) جدد السلطان الظاهـر برقوق سور القلعة وقد شيد السلطان الغورى إيوانا كبيرا جمع كثيرا من بدائع الفن وحوالى سنة 1160هـ ( 1747م) أنشأ الأمير رضوان كتخدا الجلفى باب العزب المشرف على ميدان صلاح الدين وقد أصلح محمد على جانبا كبيرا من سورها وأبراجها وأبوابها وأنشأ الجامع وسراى الجوهـرة والعدل ودار الضرب ودار المحفوظات المقابلة للباب الجديد الذى أنشأه سنة 1241هـ ( 1825م)


بـئـر يـوسـف الـحـلـزونـى:-


وحفر صلاح الدين فى القلعة بئرا يستقى منها الجيش وسكان القلعة إذا منع الماء عند حصارهـا وهـى من أعجب ما تم من أعمال فى عهد صلاح الدين إذ أنها محفورة فى الصخر على عمق 90مترا تقريبا من مستوى أرض القلعة ولا يخفى ما يتطلبه هـذا العمل من جهد وتتركب هـذه البئر من طابقين لكل منهما ساقية ترفع المياه منها بواسطة الدواب التى خصص لها منحدر لتسهيل النزول والصعود وقد فتحت بجانبه فتحات لإيصال النور إلى هـذا الممر ولا تزال توجد السواقى بمعداتها أسفل البئر حتى الآن .

القاهرة بعد صلاح الدين :


خلف صلاح الدين سبعة عشر ولدا وفتاة واحدة وقد اقتسم أولاده وإخوته مملكته العظيمة فوقعت مصر من نصيب ابنه عماد الدين عثمان الذى لقب بالملك العزيز ولكنه لم يعمر طويلا إذ توفى فى 21محرم سنة 595هـ ( 24نوفمبر سنة 1198م) أى بعد ست سنوات من ولايته فخلفه ابنه ناصر الدين محمد وعمره ثمانى سنوات ولقب بالملك المنصور فأقام الملك العادل بن أيوب نفسه وصيا عليه وما لبث أن خلعه فى شوال سنة 596هـ ( 15 يوليو سنة 1200م) وانفرد بحكم مصر بل إنه سرعان ما مد نفوذه على بلاد الشام أيضا وسائر دولة صلاح الدين فعادت البلاد إلى حظيرة سلطان واحد وتحت قبضة يد واحدة ويظهر أن هـذا الحل الموفق كانت تقتضيه أحوال ذلك العهد وما لابسه من ظروف خطيرة فالصليبيون لم يلبثوا بعد وفاة صلاح الدين أن أخـذوا يستعيدون نشاطهم ويمنون أنفسهم باستعادة ممتلكاتهم بعد أن أجلاهـم عنها صلاح الدين فاشتبك العادل معهم فى عدة حروب بالشام ولكنهم حولوا وجوهـهم شطر مصر واستولوا على دمياط فى 4 ربيع الأول سنة 615هـ ( أول يونيو 1218م) وتوغلوا فى أرض الوجه البحرى وكان العادل قد توفى حينذاك فتصدى لهم الكامل بن العادل وهـزمهم بعد قتال عنيف هـزيمة ساحقة فى 7 رجب سنة 618هـ (  6 سبتمبر سنة 1231م) فى الموضع الذى أطلق عليه فيما بعد [ المنصورة ] ثم أجلاهـم عن أرض مصر ولكنهم عادوا إليها فى عهد ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان قد تولى الملك فى 25ذى القعدة سنة 636هـ ( أول يوليو 1239م) ولكنه توفى قبل أن يتم النصر عليهم فقام بهذه المهمة ابنه المعظم غياث الدين توران شاه وهـزمـهم هـزيمة ساحقة عند المنصورة أيضا وأسر ملكهم لويس التاسع سنة 648هـ ( 1250م) وفى نفس العام توفى توران شاه وبموته انقرضت دولة الأيوبيين وانتهى عـهدهـم  


القلعة والأسوار :-


ذكرنا أن الملك الكامل أكمل بناء القلعة سنة 614هـ ( 1207م) وأنشأ بها قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل ارتفاعا من سورهـا الأول ثم اتخـذهـا مقرا لملكه


قـبة الإمام الشافعى :-


ولقد أنشأ صلاح الدين فيما أنشأه من مدارس مما سيأتى ذكره قريبا المدرسة الصلاحية سنة 572هـ ( 1176م) وأنشأ بجوارهـا ضريحا للإمام الشافعى وفى سنة 574هـ ( 1178م) أنشأ التابوت الخشبى الذى يعلو تربة الشافعى وهـو مصنوع من خشب الساج الهندى ومقسم إلى حشوات هـندسية منقوشة نقشا غاية فى الإتقان ومكتوب عليه آيات قرآنية وترجمة حياة الشافعى واسم الصانع الذى صنعه وذلك بالخط الكوفى والنسخى وبجوار قبر الشافعى دفنت الأمير { شمس } زوج صلاح الدين والملك العزيز عثمان ابنه ووالدة الملك الكامل لذا شيد ولدهـا الكامل فى جماد الأولى سنة 608هـ ( أكتوبر 1211م) قبة ضمت قبر الشافعى وبعض أفراد الأسرة الأيوبية وتمتاز هـذه القبة بما فيها من نقوش وزخارف ويوجـد فوقها من الخارج فى مكان الهلال مركب صغير من النحاس يقال أنها تسع من الحب قدر أردب لإطعام الطيور ويغلب على الظن أن تكون هـذه المركب رمزا لعـلم الشافعى الذى شبه بالبحر الزاخر ثم انه أنشأ تابوتا من الخشب فوق تربة والده لا يقل دقة عن تابوت الشافعى وركب على باب القبة مصاريع خشبية تماثل صناعتها صناعة التابوت ولا تزال هـذه القبة الجميلة المرتفعة قائمة إلى اليوم تعلو قبر الإمام الشافعى المجاور لمسجده بشارع الإمام الشافعى بالقرافة ولما تسرب الوهـن إلى المدرسة الصلاحية وتعطلت إقامة الشعائر الدينية بها هـدمهـا الأمير عبد الرحمن كتخدا وأنشأ مكانها مسجدا عظيما سنة 1176هـ ( 1762-1763م) وضم إليه ضريح الإمام الشافعى وقد أصاب هـذا المسجد بعد ذلك تصدع وخلل فرممه على الصورة التى هـو عليها الآن الخديو محمد توفيق سنة 1309هـ ( 1890-1891م).


تـربـة الـصالـح نـجـم الدين أيوب :-


وتوجد بشارع مابين القصرين فى الجهة البحرية الغربية للمدرسة الصالحية وقد أنشأتها الملكة شجرة الدر ليدفن بها زوجها الصالح نجم الدين أيوب وبها تابوت خشبى بلغت صناعته الدقيقة درجة عظيمة من الإتقان كذلك تعد شبابيكها النحاسية المفرغة ورخام المحراب من أقدم النماذج التى من نوعها


الحالة الاجتماعية فى عهد الأيوبيين


نعمت البلاد فى عصر صلاح الدين بأمن مستتب وهـدوء شامل وعدل مقيم ورخاء عميم ولا يظن ظان أن انشغال صلاح الدين طوال حياته بالحرب والنضال قد صرفه عن تعهد البلاد بكل ما تحتاجه من إصلاح والواقع انه حفر الترع وطهر القديم منها فأينع الزرع وكثر الرزق وعمت الخيرات


انـتشـار الـعـدل :-


وكان محبا للعدل يجلس فى كل يوم اثنين وخميس فى مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء ويصل إليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز وما استغاث به أحد إلا أجابه وكشف ظلامته


الـحمـامـات :-


ولقد زار مصر فى عهد صلاح الدين وبعد وفاته عبد اللطيف البغدادى الرحالة المشهور فأعجب بكل ما شاهـد فى القاهرة من غرائب الأبنية ووسائل الراحة وأطنب فى وصف حماماتها فقال ( وأما حماماتهم فلم أشاهـد فى البلاد أتقن منها وصفا ولا أتم حكمة ولا أحسن منظرا ومخبرا أما أولا فان أحواضها يسع الواحد منها مابين راويتين إلى أربع روايا وأكثر من ذلك يصب فيها ميزابان ثجاجان حار وبارد وقبل ذلك يصبان فى حوض صغير جدا مرتفع فإذا اختلطا فيه جرى منه إلى الحوض الكبير وهـذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره فى عمقها ينزل إليه المستحم فيستنقع فيه وداخل الحمام مقاصير بأبواب وفى المسلح أيضا مقاصير لأرباب التخصص حتى لا يختلطوا بالعوام ولايظهروا على عوراتهم وهـذا المسلح بمقاصيرة حسن القسمة مليح البنية وفى وسطه بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة وجميع ذلك مزوق السقوف مفوف الجدران مبيضها مرخم الأرض بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه وترخيم الداخل يكون أبدا أحسن من ترخـيم الخارج وهـو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الآذاج جاماته مختلفة الألوان صافية ألأصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثر الخروج منه لأنه إذا بالغ بعض الرؤساء أن يتخذ دارا لجلوسه وتناهـى فى ذلك لم تكن أحسن منه ) وإذا كثرت الحمامات فى بلد كان ذلك عنوانا على النظافة أبدان أهـله وصحة أجسامهم وسلامة عقولهم وبالتالى دليلا على رقيهم وتقدمهم وقد كان هـذا الحال أهـل القـاهـرة فى عهد صلاح الدين وفى عهد خلفائه من بعده


رعـايـة المـرضـى :-


وقد شمل صلاح الدين المرضى وذوى العاهات برعايته وعنايته فأنشأ لهم دورا لعلاجهم والعناية بهم من ذلك بيمارستان بالإسكندرية وآخـر بالقـاهـرة كان يطلق عليه البيمارستان العتيق الذى أشأه سنة 577هـ ( 1181-82م) محل قاعة بالقصر الكبير بناها العزيز بالله الفاطمى سنة 284هـ ( 897م)وكانت آيات من القران مكتوبة على جدرانها وموضع هـذا البيمارستان اليوم مجموعة المبانى الواقعة خلف دورة مياه المشهد الحسينى من الجهة البحرية إلى عطفة القزازين وقد أوقف على كلا البيماستان الأوقاف الجيدة شأنه فى ذلك شأن جميع المدارس التى أنشأهـا بمصر والشام والتى سيأتى الكلام عنها عاجلا وقد أصاب مصر فى عهد هـذه الدولة قحط مما يتهدد البلاد دواما فى العصور الوسطى من جراء انخفاض النيل وافتقار الأرض إلى مياه الرى فيجف الزرع ويقل القوت وتنتشر المجاعة ويعقبها حدوث الأويئة التى تفتك بالناس وتحصدهم حصدا فإذا ما ارتفع النيل بعد ذلك لم يجد الأيدى التى تفلح الأرض وتستنبت النبات فيمتد القحط بالبلاد عدة سنوات ربما بلغت سبعا كما حدث فى عهد المستنصر الفاطمى مما سبق وصفه قبل الآن


الـقحـط فى حـكـم الـعـادل :-


وقد حدث فى السنوات الأولى من حكم الملك العادل ( 596-615هـ / 1200-1218م) قحط لا يقل هـولا عما حدث فى عهد المستنصر الفاطمى وقد وصف عبد اللطيف البغدادى الذى عاصر الدولة الأيوبية هـذا القحط بقوله : ( يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وأشعر أهلها البلاء وهـربوا من الخوف الجوع وانضوى أهـل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا فى البلاد أيدى سبا ومزقوا كل ممزق ودخل إلى القـاهـرة ومصر [ الفسطاط ] منهم خلق كثير واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيفة والكلاب والبعر والأرواث ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بنى أدم فكثيرا ما يعثر ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل ورأيت صغيرا مشويا فى قفة وقد أحضر إلى دار الوالى ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر باحراقهما)


وقد اجتاح الوباء أهـل مصر ( حتى أن القرية التى كان فيها خمسمائة نفس لم يتأخر بها سوى اثنين أو ثلاثة وكانت الأزقة كلها بالقـاهـرة ومصر لا يرى فيها من الدور المسكونة إلا القليل وعدمت الحيوانات جملة فبيع فروج بدينارين ونصف دينار وبيع الرأس الواحـد من البقر بسبعين دينارا.. فلما أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد أحد يحرث أو يزرع فخرج الأجناد بغلمانهم وتولوا ذلك بأنفسهم )


الـحالـة الـعلمـية والـثقافـية


الــمـدارس :-


أراد إحلال المذهب السنى محل المذهب الشيعى فأنشأ صلاح الدين المدرسة الناصرية سنة 566هـ (1170م) بجوار الجامع العتيق [ جامع عمرو ] لتعليم الدين وفق المذهـب الشافعى وكان حينئذ يتولى وزارة مصر للخليفة العاضد وهـى أول مدرسة أقيمت بمصر وأنشأ فى نفس السنة مدرسة أخرى بجوار الجامع نفسه عرفت بالمدرسة القمحية لتعليم الدين وفق المذهـب المالكى وإنما عرفت بهذا الاسم لأنه أوقفت عليها ضيعة بالفيوم يوزع قمحها على الطلاب وشيوخهم وفى سنة 571هـ ( 1176م) أنشأ المدرسة الصلاحية بجوار قبر الإمام الشافعى برسم فقهاء الشافعية وبنى مدرسة ثالثة مجاورة للمشهد الحسينى وفى 572هـ ( 1177م) أمر بإنشاء مدرسة لتعليم الدين وفق المذهـب الحنفى هـى مدرسة السيوفية وهـى أول مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر وهـى من جملة قصر الوزير المأمون البطائحى ووقف على مستحقيها اثنين وثلاثين حانوتا بخط سويقة أمير الجيوش وباب الفتوح وحارة برجوان كما أنشأ بالإسكندرية سنة 577هـ ( 1181م) مدرسة أخرى ولكى يضمن ازدهـار هـذه المدارس واستمرارها فى أداء رسالتها أوقف عليها كما رأيت الخيرات والأرزاق وعنى بالطلاب والشيوخ على حد سواء وكما ابتدع صلاح الدين إنشاء المدارس فى مصر تلك المدارس التى أخذ خلفاؤه من بعده يتبارون فى إنشائها فانه كان أول من أدخل تصميم بناء المدرسة إلى مصر نقلا عن المدارس فى سوريا وقد أخذ هـذا التصميم فى الانتشار أيضا من بعده حتى غلب تصميم المدرسة على المسجد فأنشىء على مثالها الكثير من المساجد حتى لو لم تخصص لتدريس المذاهـب الأربعة وقد اندثرت هـذه المدارس جميعا ولم يبق لها اليوم أدنى أثر فالمدرسة الصلاحية دخلت فى بناء جامع الإمام الشافعى والمدرسة التى كانت بجوار المشهد الحسينى أدخلت أيضا فى هـذا المشهد وأصبح فى محلها الإيوان الشرقى عند المحراب الحالى للجامع ومدرستا الشافعية والمالكية بجوار جامع عمرو قد زالتا وأصبح مكانهما أرض فضاء فى الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من الجامع المذكور ومشغولة بقمائن الجير والفواخير


الـمدارس فى عهـد خلفـاء صلاح الدين :-


ولم يبق من مدارس خلفاء صلاح الدين سوى الإيوان الشمالى الغربى من المدرسة الكاملية الموجودة على الجانب الغربى من سوق النحاسين اليوم بجوار جامع السلطان برقوق من بحريه وكان قد أنشأهـا الملك الكامل بن العادل بن أيوب لتدريس الحديث سنة 622هـ ( 1225م) لذا عرفت بدار الحديث الكاملية وهـى أول دار أنشئت بمصر لهذا الغرض وثانى دار فى الشرق بعد دار الحديث التى أنشأهـا الملك العادل نور الدين محمود زنكى بدمشق وقد بنى الكامل هـذه الدار وأوقفها على المشتغلين بالحديث النبوى ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية وتعرف اليوم باسم جامع الكاملية أو جامع الكامل وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك قد أنشأ سنة 641هـ ( 1243-44م) مدرسة خصصت لدراسة المذاهـب الأربعة وهـى أول مدرسة يجتمع فبها تدريس المذاهـب الأربعة وكان إنشاؤها على قطعة أرض من جملة القصر الشرقى الفاطمى مساحتها 6000مترا مربعا تقريبا ودخل فيها باب الزهـومة أحد أبواب القصر وكانت تتكون من قسمين : أحدهما على يمين الداخل من الباب العمومى والثانى على يساره وكان بكل قسم إيوانان ويتوسط القسمين صحن كبير يدرس الطلاب بكل إيوان مذهـبا من المذاهـب الأربعة ولم يبق من مبانى هـذه المدرسة سوى واجهتها التى بها الباب العمومى المشرف على شارع مابين القصرين وتعلوه مئذنتها ولكن يحجب هـذه الواجهة الأثرية الجميلة الحافلة بالزخارف والكتابات سبيل خسرو باشا وما يجاوره من دكاكين حقيرة بشارع بين القصرين وقد نقل الباب الخشبى لهذه المدرسة إلى المتحف الإسلامى بميدان أحمد ماهـر بالقـاهـرة وقد تخلف من الجزء البحرى الإيوان الغربى الملاصق لتربة منشىء المدرسة وبقايا بسيطة من الإيوان الشرقى وأما النصف القبلى فقد أغصبت أواونيه ولم يبق منه سوى الواجهة وتحتله وكالة الجواهـرجية


الأدب والثـقـافـة :-


وقد كان للأدب والثقافة فى دولة بنى أيوب شأن ذلك لأن صلاح الدين كان يجالس سوى الأدباء والفقهاء والعلماء ويجزل لهم العطاء ويصلهم بالمنح والمكافآت بل إن وزارته كانت تضم اثنين من كبار الأدباء : أحدهما القاضى الفاضل والآخر عماد الدين الكاتب الأصفهانى اللذان اشتهرا بحسن الأسلوب ورشاقة الرسائل وكان أخر سكرتير خاص له بهاء الدين بن شداد الذى كتب تاريخ حياته ( وقد كانت تحيط به جمهرة من الأذكياء الذين لم يقتصروا على وزرائه الباهـرين بل أيضا أشخاصا متميزين كطبيبه اليهودى ابن ميمون والعالم المبدع العراقى عبد اللطيف البغدادى ( 1162-1231م) الذى يعتبر وصفه لمصر من أهـم المؤلفات الطبوغرافية التى كتبت فى العصور الوسطى


عمـاد الدين الـكاتب :-


وقد كان العماد كاتبا مجيدا وشاعرا مفلقا ومؤرخا عالما وله مؤلفات كثيرة منها { كتاب خريدة القصر وجريدة العصر } جمع فيه تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس وهـو يدخل فى عشرة مجلدات وكتاب ( البرق الشامى والفتح القسى فى الفتح القدسى ) وكتاب ( السيل على الذيل ونصرة الفطرة وعصرة القطرة فى أخبار الدولة السلجوقية ) وقد رثا صلاح الدين بقصيدة عامرة جاء فيها :


شمل الهدى والملك وعم شتاته والدهـر ساء وأقلعت حسناته
بالله أين الناصر الملك الذى لله خالصة صفت نياته
أين الذى مد لم يزل مخشية مرجوة رهـبانه وهـباته
أين الذى كانت له طاعاتنا مبذولة ولربه طاعاته
أين الذى زال سلطانا لنا يرجى نداه وتنقى سطواته
أين الذى شرف الزمان بفضله وسمت على الفضلاء تشريفاته
لا تحسبوه مات شخصا واحدا قد عـم كل العالمين مماته
ملك عن الاسلام كان محاميا أبدا لماذا أسلمته حماته


الـقـاضـى الـفـاضـل :-


أما القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى فقد كان شاعرا استشهد علماء البديع بكثير من شعره فى أنواع كثيرة ومن شعره الذى جرى مجرى الأمثال قوله :


وإذا السعادة لاحظتك عيونها نم فالخاوف كلهن أمـان
واصطد بها العنقاء فهى حبائل واقـتد بها الجوزاء فهى عنان


وقال فيه ابن خلكان { وبرز فى صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين وله فيه الغرائب مع الإكثار أخبرنى أحد الفضلاء الثقاة المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله فى المجلدات والتعليقات فى الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهـو مجيد فى أكثرها } وكفاه فخرا ما كان يقوله فيه صلاح الدين [ لا تظنوا أنى ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل ] ومن شعراء هـذا العصر الشيخ شرف الدين أبو حفص وأبو القاسم عمر ابن أبى الحسن على بن المرشد بن على المعروف بابن الفارض الحموى الأصل المصرى المولد والدار والوفاة الصالح الشاعر المشهور أحد البلغاء الفصحاء الأدباء يروى أن الملك محمد الكامل أراد أن يصله بالعطاء فأبى كما أنه رفض مقابلته وقد قصد الملك الكامل داره وذلك لزهـده وبعده عن زخرف الدنيا وله ديوان شعر جمع أشهر قصائده ومن عيون تلك القصائد البائية التى منها :


سائق الاظعان البيد طى منعما عـرج على كثبان طى
وبذات الشيخ عنى إن مررت بحى من عريب الجزع حى
وتلطف وأجر ذكرى عندهم عنهم أن ينظروا عطفا إلى
قل تركت الصب فيكم شيخا ماله مما يراه الشوق فى


ومن مقطعات شعره قوله :


وحياة أشواقى إلـيــــك وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرت عينى سواك ولا صبوت إلى خليل


وقد توفى بالقـاهـرة فى جماد الأولى سنة 632هـ ( يناير سنة 1235م) ودفن بجهة الأبجية بسفح المقطم بمسجده المعروف بمسجد عمر بن الفارض


عبد اللطيف الـبغـدادى :-


أما عبد اللطيف البغدادى فقد ولد بغداد سنة 557هـ ( 1162م) ودرس الطب والفلسفة وعلوم اللغة وتنقل بين الشام ومصر والعراق واتصل بصلاح الدين وغيره من الأمراء الأيوبيين واجتمع بأعلام الأساتذة ولم يكن ( يأخذ بقلبه ويملآ عينه ) إلا النفر القليل منهم وقد لقى القاضى الفاضل فى معسكر صلاح الدين بظاهـر مدينة عكا فأرسله إلى مصر بتوصية منه إلى وكيله ولكن عبد اللطيف لم يلبث أن غادر مصر ورحل إلى القدس للقاء صلاح الدين يمم شطر دمشق وقدم مصر ثانية بعد وفاة صلاح الدين واشتغل بالتدريس فى الأزهـر ومن مؤلفاته [ الإفادة والاعتبار فى الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر ] وهـو يشتمل على وصف رحلته إلى وادى النيل فى نهاية القرن السادس الهجرى { الثانى عشر الميلادى } وهـو على اختصاره يمتاز بدقة الوصف والاتجاه العلمى وليس هـذا بعجيب من عالم طبيب كالبغدادى وقد وصف فيه خواص مصر العامة وما تختص به من النبات والحيوان وما فيها من الآثار القديمة مثل الأهـرام وأبى الهول والمسلات والمعابد فى مصر العليا ومنارة الإسكندرية وعمود السوارى


مـوسـى بـن مـيـمـون:-


وموسى بن ميمون ويعرفه العرب بأبى عمران عبيد الله فهو يهودى الأصل ولد فى مدينة قرطبة بالأندلس سنة 530هـ ( 1135م) ولما شب تلقى العلم على علماء قرطبة وفلاسفتها من المسلمين ويهود ثم نزح إلى بلاد المغرب سنة 555هـ ( 1160م) وأقام بمدينة فاس ثم رحل إلى عكا بفلسطين سنة 561هـ ( 1165م) وبعد أن أقام بها نصف سنة رحل إلى مصر فى أواخر عهد الدولة الفاطمية وقد ظل بها إلى حين وفاته سنة 601هـ ( 1204م) وقد أقام بمدينة الفسطاط يلقى المحاضرات فى علوم الرياضة والفلك والفلسفة وقد شهد سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية وعاصر أكثر ملوكها وقام بتطبيبهم وتطبيب أفراد أسرتهم ومداواة الناس على اختلاف مللهم ولم يمنعه كل ذلك عن التدوين والتصنيف فى الفلسفة والطب والمنطق والدين اليهودى وقد انتهى به الأمر إلى أن أصبح رئيس الطائفة اليهودية بمصر


الـحالـة الـفـنـية


انطبع العصر الأيوبى كما رأيت بالطابع الحربى الذى استلزمه مقاومة الصليبيين والقضاء على أطماعهم كما انطبع أيضا بالطابع السنى وقد استلزم ذلك حماية البلاد من عودة الفاطميين إلى امتلاكهم مصر ونشر تعاليمهم فيها وكان لذلك كله أثره الواضح فى سير الفنون واتجاهـاتها:-


الـمـبـانـى :-


ففى المبانى انتشر بناء الأسوار والحصون وقد أتينا قبل الآن على وصف قلعة صلاح الدين وأسوار القـاهـرة وما تخللها من أبراج وحصون وكل ذلك لتحصين الخطر الصليبى الذى كان يهدد البلاد فى ذلك العهد


الـمـدارس :-


كذلك انتشر بناء المدارس لتعليم الدين وفق المذاهـب الأربعة دفعا للمذهـب الشيعى وقضاء عليه وقد استتبعت هـذه السياسة الدينية الجديدة إجراء تعديل فى تخطيط المسجد فقد كان المألوف فى تصميم المسجد قبل إنشاء هـذا المدارس أن يتكون من أربعة أواوين مسقوفة فى الغالب ومحمولة عقودهـا على عمد أو أكتاف أكبرهـا إيوان القبلة ويتوسط الأواوين صحن مكشوف تتوسطه أحيانا قبة تحتها فسقية أما تصميم المدرسة فيشمل على إيوانين أو أربعة أواوين معقودة متقابلة تكون شكلا متعامدا Cruiform أكبرهـا إيوان القبلة وأصغرهـا الإيوانان الجانبيان ويتوسطها غالبا صحن مكشوف به قبة الفسقية ويلحق به عادة مدفن للمنشىء وسبيل يعلوه كتـاب ومساكن للطلاب ولما صغر حجمها غطى الصحن واستغنى عن الفسقية وعن قبتها وقد ساد هـذا التصميم فى عصر المماليك


الـفـنـون :-


ازدهـرت فى بعض نواح مثل الحفر على الأخشاب والخزف المطلى بالمينا


الأخشاب المـحفورة :-


أما الحفر على الأخشاب فقد بلغ الذروة فى عهد الأيوبيين يرى ذلك فى ثلاثة توابيت : أحدهـا على قبر الإمام الشافعى والثانى على قبر الملكة شمس زوج صلاح الدين الموجودة بجانب قبر الشافعى والثالث كان موضوعا فوق الإمام الحسين رضى الله عنه وهـو الآن موجود بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة وهـذه التوابيت الثلاثة المتخلفة عن العصر الأيوبى تتكون من ترابيع خشبية قوامها حشوات صغيرة يربط بعضها البعض { سقاسات } من الخشب بهذه الترابيع فى مجموعها شريط من كتابات كوفية يليه شريط آخر من كتابات نسخية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات فروع نباتية وأوراق ذات فصوص عناقيد العنب وهـى تذكرة إلى حد كبير بالزخارف الموجودة على جوانب محراب السيدة رقية وفى ظهره


الأبواب :-


وبقية ضريح الإمام الشافعى وكذلك بمسجد الإمام الليث بن بابان يرجعان إلى العصر الأيوبى مؤرخان سنة 608هـ ( 1211-12م) وقوام الزخرفة فى هـذين البابين أطباق نجمية تتكون من الحشوات الصغيرة المدقوقة ( أيـمـه ) تحيط بها السقاسات مما مهد لانتشار هـذا النوع من التصميم فى الأبواب أيام المماليك ويوجد بالمتحف الإسلامى باب مخلف من قبة الإمام الشافعى مصفح بالنحاس مثبت به حشوات نحاسية فى أطباق نجمية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات أوراق وفروع نباتية والحشوات هنا مسطحة ليس بها بروز وهـذا الباب هـو النموذج الثانى من نوعه إذ أن النموذج الأول هـو باب مسجد الصالح طلائع المنشأ سنة555هـ ( 1160م) والموجود الآن بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة


الأبواب الـنحـاسية :-


ولقد كان ظهور مثل هـذه الأبواب النحاسية تمهيدا لانتشار مثل هـذه الأبواب ذات الحشوات البارزة فى أيام المماليك وخير مثل لهذا النوع من الأبواب الباب النحاسى لمسجد السلطان حسن سنة 764هـ ( 1362-63م) والذى نقله المؤيد سنة 818هـ ( 1415م) إلى مسجده الذى فرغ من بنائه فى نفس السنة والقائم خلف باب زويلة


الـخـزف :-


ويظهر فى العصر الأيوبى نوع جديد من الخزف والزخرفة فى هـذا النوع الجديد منقوشة تحت الطلاء والكتابة عليه بالخط النسخى وهـو يخالف الخزف الفاطمى أو الطولونى المعروف بالخزف ذى البريق المعدنى luster pottery
والذى كانت الكتابة عليه بالقلم الكوفى ويوجد بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة من الخزف الأيوبى منها : قطعة قوام زخرفتها رسم باللونين الأزرق والأسود يمثل شخصين فى قارب مزين بمربعات سوداء وزرقاء وأخرى قوام زخرفتها رسم حيوان باللون الأسود وتمتاز بتصرف وحرية يجعلانه يشبه بعض الرسوم الزخرفية فى العصر الحديث وثالثة عليها رسم أرنبين باللون الأزرق الفاتح وكل منهما يولى الآخر ظهره وبينهما رسوم زهـور باللون الأحمر ومما يلفت النظر فى هـذه التحفة التماثل والتقابل فى رسم الأرنبين ثم الحركة التى تبدو فيهما ورقة الرسوم النباتية

الــقــاهـــرة فى عــهــد الــممـالـيـك

لما تولى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل سابع ملوك الدولة الأيوبية سلطنة مصر فى 25 من ذى القعدة سنة 636( أول يوليو سنة 1239) استكثر من شراء المماليك وجعل منهم أمراء دولته وخاصة بطانته والمحاطين بدهـليزه ودعاهـم بالحلقة إشارة إلى أنه لا يبرح محاطا بهم كيفما توجه كما فعل الخليفة المعتصم العباسى من الاستكثار من المماليك والأتراك وأنشأ لهم فى جزيرة الروضة سنة 638هـ ( 1240-41م) قلعة قرب المقياس عرفت بقلعة الروضة وقد أنفق فى عمارتها أموالا كثيرة حيث بنى فيها الدور والقصور وعمل لها ستين برجا وبنى بها جامعا ثم اتخذهـا دار ملك وسكن فيها بأهـله وحرمه وأسكن فيها مماليكه وكانت عدتهم نحو ألف مملوك وقد عرفوا بالمماليك البحرية لسكناهـم هـذه الجزيرة الواقعة فى [ بحر] النيل وقد درست هـذه القلعة بما كان فيها ولم يبق لها أثر اليوم وتوفى الصالح فى 14شعبان سنة 647هـ ( نوفمبر سنة 1249) بالمنصورة فى أثناء قتاله ضد حملة لويس التاسع فأخفت جاريته شجرة الدر أو شجر الدر خبر وفاته وكانت أمـة تركية أو أرمنية من بين نساء الخليفة المستعصم العباسى ثم دخلت فى خدمة الملك الصالح الذى أعتقها بعد أن أنجبت له ولدا يسمى خليل وكانت امرأة أريبة راجحة العقل بعيدة النظر كثيرا ما عهد إليها الصالح بإدارة الأحكام فى أثناء غيابه فى حملاته الحربية فلما رأت دقة موقف الجيش المصرى وهـو يحارب الأعداء وخشيت وقوع الفرقة والاضطراب بين قواده إذا هـم علموا بوفاة الملك الصالح كتمت هـذا الأمر وأخذت البيعة لابنه الملك المعظم غياث الدين توران شاه واستقدمته على جناح السرعة وكان متغيبا بالشام فحضر وقاد الجيش ضد الفرنسيين حتى هـزم لويس التاسع واندحر جيشه ولما أراد توران شاه أن يكافىء مماليكه الذين أحضرهـم معه من الشام وقدم بعضهم على مماليك أبيه وكان هـؤلاء ذوى أنفة وغطرسة لا يطأطئون الرأس لأحد ويرون أنفسهم أحق بملك مصر لما أحرزوه من نصر على الفرنسيين ولما اشتدت إهاناته وتحقيره لهم وثب به أربعة منهم وفتكوا به ويمكن القول أنه منذ هـذه اللحظة بدأت تبزغ إلى الوجود دولة المماليك البحرية فلما رأت شجرة الدر ما حل بتوران شاه ورأت كفة المماليك الراجحة تواطأت مع عز الدين أيبك التركمانى أتابك العسكر { القائد العام للجيش} وكان أقوى المماليك نفوذا وأعظمهم شأنا وكان يربطها به ود قديم منذ أيام الملك الصالح فأخذت لنفسها البيعة من الأعيان والأمراء وقبضت على ناصية الأمور فى 10صفر سنة 648هـ ( مايو سنة 1250) وتكنت بعصمة الدين أم خليل ونقـش اسمها على النقود ودعـى لها على المنابر بعد الدعاء للخليفة بما نصه( احفظ اللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ذات الحجاب الجميل والستر الجليل والدة المرحوم المستعصمية زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب ) وعينت عز الدين أتابكا عندهـا لتدبير المملكة ولكن الأمر لم يستقم لها طويلا اذ يحدث قبل أن حكمت المسلمين امرأة وعاب الخليفة المستنصر العباسى ذلك على أهـل مصر وقد كانت شجرة الدر كما تقدم إحدى جواريه قبل أن يشتريها الصالح فبعث برسالة لاذعة إلى أمراء مصر يقول لهم فيها ( إن كان الرجال قد عدموا عندكم فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا ) فخلع المماليك طاعتها ووثب إلى العرش عز الدين أيبك التركمانى وبويع بالسلطنة فى آخر ربيع الثانى سنة 648( يولية 1250) ولقب بالملك المعز الجاشنكير التركمانى الصالحى وتزوج من شجرة الدر وينسب إليها أنها أول من أرسلت المحمل من مصر إلى مكة عـز على شجرة الدر أن ينفرد أيبك بالملك من دونها وأن يشرع فى الزواج من سيدة أخرى فيقضى على مركزها كسيدة مصر الأولى ويلقى بها فى زوايا النسيان فأكل الحسد أحشاءهـا وسرعان ما دبرت له مؤامرة فانقض عليه نفر من عبيدهـا وقتلوه وهـو فى الحمام فلما تولى ابنه نور الدين على قبض على شجرة الدر وعهد بها إلى نساء بيته فانهلن عليها ضربا بالقباقيب حتى لفظت أنفاسها وألقى بجثتها فى خندق بالقلعة وأخيرا دفنت قرب مدفن السيدة نفيسة .

الـحـالـة الاقـتصـاديـة

الـزراعة :-


كانت الزراعة مصدرة الثروة الرئيسى فى عهد المماليك وكانت الأرض تنبت جميع المحاصيل المعروفة اليوم من حبوب وبذور وخضر وفاكهة وأزهـار ومما كان يعوق تقدم الزراعة وازدهـارهـا كثرة الضرائب التى كان المماليك يثـقلون بها كاهـل الفلاحين والتجار واستعمال القسوة والتعذيب فى جبايتها لذلك كان الفلاحون يمتنعون أحيانا عن عرض محاصيلهـم فى الأسواق ويخفى التجار متاجرهـم فى الحواصل والمخازن فرارا من قسوة الجباة وظلمهـم وإلحاح السلاطين فى جمع أكثر ما يمكن جمعه من الأموال لكى يحصلوا على المال اللازم لحملاتهـم الحربية ونفقات بلاطـهم وحفلاتهـم ومواكبهـم ومبانيهـم العظيمة ومن هـذه الضرائب : ضريبة الأرض أو الخراج وزكاة الدولة والجوالى ومقرر جباية الدينار والمكوس والرسوم الجمركية وموارد الديوان الخاص وضريبة التركات وما يتحصل من دار ضرب النقود بالقاهـرة وما يجبى عند وفاء النيل


الـصنـاعـة :-


وازدهـرت فى عهد المماليك كثير من الصناعات أيمـا ازدهـار وبلغت درجة عظيمة من التقدم والرقى ولقد تركزت معظم هـذه الصناعات فى مديـنـتى مصر والقـاهـرة وأحرز الصناع مهارة تستحق الإعجاب وإنما ساعدهـم فى بلوغ ذلك شيوع نظام الطوائف فقد كان لكل حرفة طائفة ولكل طائفة شيخ يـهيمن على شئون أفرادهـا ويـوجهـهم التوجيه الفنى الصحيح ويرعـى مصالحـهم ولابد للصبى قبل أن يصبح صانعا ماهـرا أن يسلك عدة خطوات ثم يحصل بعد ذلك من شيخ الطائفة على شهادة بأنه حذق الصنعة فينادى به الشيخ معلما ويصبح عضوا فى طائفة حرفته وكان لكل حرفة مشايخها وأعلامها وطبولها وتمثل فى الاحتفالات العامة كمولد النبى ووفاء النيل ورؤية هـلال رمضان وتمثل هـذه الطوائف اليوم نقابات العمال إلى حـد ما ومن أهـم الصناعات التى ازدهـرت بالقاهـرة فى عصر المماليك صناعة المنسوجات والفرش والستور والخيم والسروج وصناعة الأوانى النحاسية المكفتة كالأباريق والصحون والطسوت والموائد والـثريات والمقالم ... الخ وصناعة الزجاج خصوصا المطلى بالمينا فصنعت منه المشكاوات والدوارق وصناعة الخزف والبلور الصخرى والتحف الخشبية المطعمة بالسن والأبنوس مما سيأتى ذكره عند الكلام على الفنون فى عهد المماليك هـذا بالإضافة إلى الصناعات الحيوية التى تتصل بمعاش الناس وحياتـهم كصناعة السكر والحلوى وعصر الزيوت وصناعة القلل والأزيار والبرانى وصناعة الحصر والبناء وصبغ المنسوجات وغير ذلك من الصناعات التى لا تزال موجودة حتى اليوم كذلك قامت بالقـاهـرة صناعة الأسلحة وأدوات الحرب كالسيوف والرماح والسهام والأقواس والدروع وأدوات الرياضية والصيد وصناعة السفن


الـتجـارة :-


ولقد نعمت مصر فى عهد المماليك بمصدر آخـر من مصادر الغنى والثروة ملأ خـزائنـهم بالأموال الطائلة وهـيأ لـهم حياة العز والنعيم ومكنهم من بناء القصور الفخمة والمساجد العظيمة ذلك هـو التجارة الشرقية التى كانت تخترق مصر أو الشام فى طريقها إلى أوربا وكان كلا الطريقين فى حوزة المماليك فيجبون على تلك التجارة ما شاءوا أن يجبوه من المكوس والضرائب الباهـظة ولم تكن فائدة مصر من مرور التجارة الشرقية بأراضيها قاصرة على الضرائب الفادحة التى كان المماليك يجبونها عليها بل إنها كانت تعمر الأسواق فى القاهـرة فتنشط حركة البيع والشراء ويثرى التجار بدورهم وقد نعم هـؤلاء بالغنى والثروة أيضا حتى أصبح لهم مركز ممتاز بين طبقات الشعب ومكانة ملحوظة فى سياسة البلاد وسير الأمور فيها وقد استلزم تفاقم حركة النشاط التجارى بناء الخانات والفنادق والأسواق ففى الخانات والفنادق ينزل التجار ببضائعهـم وسلعهـم ودوابـهم ويختزنون بضائعهـم فى المخازن والحواصل وتؤدى لهم الأعمال المصرفية وتفد عليهم تفد عليهم تجار التجـزئة لشراء حاجياتـهم من البضائع التى يعرضونها للبيع فى حوانيتهم بالأسواق


الـخـانـات :-


ومن أشهر الخانات ( خان مسرور ) وقد كان فى الحقيقة خانين : أحدهـما كبير والثانى صغير وكان موضعه خـزانة الدرق إحدى خـزائن القصر الفاطمى الكبير وكان قبل تشييده ساحة لبيع الرقيق وقد أدرك المقريزى هـذا السوق ( فى غاية العمارة تنـزله أعيان التجار الشاميين بتجاراتهم ) ومسرور كان خادما لصلاح الدين وهـو الذى بنى هـذا الخان و( فندق بلال المغيثى ) فيما بين خط حمام خشبية وحارة العدوية أنشأه الأمير الطواشى الحبشى حسام الدين بلال المغيثى خادم الصالح نجم الدين أيوب وكثير من سلاطين المماليك بعده وآخـرهـم الناصر محمد ابن قلاوون ( وما برح هـذا الفندق يودع فيه التجار وأرباب الأموال صناديق المال المملوءة بالذهـب والفضة ) و ( خان منكورش ) بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهـر أنشأه منكورش احد مماليك السلطان صلاح الدين الأيوبى وعرف بعد ذلك بخان النشارين .و ( وكالة قوصون ) وهـذه الوكالة تدخل فى عداد الفنادق والخانات ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب والرب ونحو ذلك وموضعها فيما بين الجامع الحاكمى ودار سعيد السعداء وقد شـهدهـا المقريزى ودهـش لكثرة ما هـنالك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها ويعلو هـذه الوكالة رباع تشتمل على ثلاثمائة وستين بيتا عامرة كلها بالسكان ويقدر سكانها بنحو أربعة آلاف نفس مابين رجـل وامرأة وصغير وكبير . و( فندق دار التفاح ) ومكانه تجاه باب زويلة وكان يرد إليه الفواكه على اختلاف أصنافها مما ينبت فى بساتين ضواحى القاهـرة ومن التفاح والكمثرى والسفرجل الواصل من البلاد الشامية ومنها ينقل إلى سائر أسواق القـاهـرة ومصر ونواحيهما وأنشأ هـذه الدار طقوزدمر بعد سنة أربعين وسبعمائة وبظاهـر هـذه الدار عدة حوانيت تباع فيها الفاكهة ( تذكر رؤيتها وشم عرفها بالجنة لطيبها وحسن منظرهـا وتأنق الباعة فى تنضيدهـا واحتفافها بالرياحين الأزهـار وما بين الحوانيت مسقوف حتى لا يصل إلى الفواكه حر الشمس ) .و( وكالة باب الجوانية ) ومكانها تجاه باب الجوانية من القاهـرة فيما درب الرشيدى ووكالة قوصون كان موضعها عدة مساكن فابتدأ الأمير جمال الدين محمود بن على الاستادار بهـدمهـا سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وبناهـا فندقا وربعا بأعلاه فلما كملت رسم الملك الظاهـر برقوق أن تكون دار وكالة يرد إليها ما يصل إلى القاهـرة وما يرد من صنف متجر الشام فى البحر كالزيت والرب والدبس وما يرد فى البر يدخـل به على عادته إلى وكالة قوصون .و( خان الخليلى ) وقد أنشأه الأمير جـهاركس الخليلى أميراخور السلطان الظاهـر برقوق المتوفى فى سنة 791هـ ( 1389م) فى مكان تربة الخلفاء الفاطميين التى كانت تجاور القصر الشرقى الكبير والتى كانت تعرف باسم تربة الزعفران فلما رغب جهـاركس فى بناء هـذا الخـان نبش تربة الزعفران حقدا على الفاطميين وتعصبا وألقى بما كان بها من عظام على التلال الموجودة خارج القاهـرة معتذرا عن ذلك بأن الفاطميين كانوا كفارا وهـذه الدعوى الفاجرة التى لا تمت للإسلام بصلة من غير شك لا تنهض عذرا لهذا العمل الشنيع ولا لما يقتضيه جلال الموت من احترام للموتى ورفاتهم ومع ذلك فقد أوقف هـذا الخان وغيره من المبانى على فقراء مكة وجعل ريعها خبزا يوزع عليهم ثم استبدل بالخبز نقودا وهـذا عمل آخر من أعمال السوء التى كان يرتكبها بعض المماليك ثم يكفرون عنها بإنشاء المبــرات وأعمال الخير فاتفق للخليليّ في موته أمر فيه عبرة لأولي الألباب وهو أنه لما ورد الخبر بخروج الأمير بلبغا الناصريّ نائب حلب ومجيء الأمير منطاش نائب ملطية إليه ومسيرهما بالعساكر إلى دمشق أخرج الملك الظاهر برقوق خمسمائة من المماليك.وتقدّم لعدّة من الأمراء بالمسير بهم فخرج الأمير أحمد بن بلبغا الخاصكيّ والأمير ندكار الحاجب وساروا إلى دمشق فلقيهم الناصري ظاهر دمشق فانكسر عسكر السلطان لمخامرة ابن بلبغا وندكار وفرّ أيتمش إلى قلعة دمشق وقتل الخليليّ في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وترك على الأرض عاريًا وسوءته مكشوفة وقد انتفخ وكان طويلًا عريضًا إلى أن تمزق وبلي عقوبة من الله تعالى بما هتك من رمم الأئمة وأبنائهم.


وفى ربيع الثانى سنة 917( يوليو 1511) هـدم السلطان الغورى خان الخليلى وأنشأ مكانه حواصل وحوانيت وربوعا ووكالات يتوصل إليها من ثلاث بوابات وقد هـدمت هـذه الحواصل وتلك الحوانيت وأعيد بناء الخان بعد ذلك ويغص اليوم بحوانيت التحف والطرف حيث يقوم الصناع بتقليد بعض الصناعات المملوكية خصوصا المصنوعات المعدنية المحلاة بالزخارف الهندسية والنباتية ويحتل خان الخليلى مركزا عالميا اليوم فالسائحون الذين يفدون على مصر كل عام من شتى أنحاء العالم لا يغادرونها قبل هـذا الخان لشراء بعض التحف تذكارا لزيارتهم القاهـرة من البضائع الشرقية كالأقمشة الحريرية المطرزة بالقصب والخيم والأوانى النحاسية المكفتة والتحف العاجية والأخفاف ( المراكيب ) والحقائب الجلدية والسجاجيد


الأســواق :-


وقد عقد المقريزى فى خططه فصلا لأسواق القاهـرة ذكر فيه أسواقها التى كانت موجودة فى عصره وقد تتبعها منذ أيام الفاطميين ووصف أماكنها وذكـر ما كانت تعج به من سلع ومتاجر وقال فى مفتتح هـذا الفصل : ( وقد كان بمدينة مصر [ الفسطاط ] والقاهـرة وظواهـرهـا من الأسواق شىء كثير جدا قد باد أكثرهـا وكفاك دليلا على كثرة عـددهـا أن الذى خرب من الأسواق فيما بين أراضى اللوق إلى باب البحر بالمقس اثنان وخمسون سوقا أدركناهـا عامـرة فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتا وهـذه الخطة من جملة ظاهـر القـاهـرة الغربى فكيف ببقية الجهات الثلاث مع القاهـرة ومصر !! ) وسمع المقريزى ممن أدركهـم من المعمرين أن بشارع القصبة وهـو أعظم أسواق مصر والذى كان يمتد مابين أول الحسينية والمشهد النفيسى كان يوجد اثنا عشر ألف حانوت وقد أدرك هـذه المسافة عامرة بالحوانيت وسوق القصبة هـذا هـو عبارة عن الشارع الأعظم الذى كان يعرف بقصبة القاهـرة أو شارع القاهـرة ويمتد من باب الفتوح إلى باب زويلة وكان أكبر شوارع القاهـرة وأكثرها عمرانا بالحوانيت والخانات وأشدهـا زحاما بالناس وهـذا الشارع المعروف اليوم باسم شارع المعز لدين الله ويدخل ضمنه من بحريه جزء من الفضاء العظيم الذى كان واقعا بين القصرين الفاطميين وقد تضاءل هـذا الفضاء بما أقيم على جوانبه من مساجد ومدارس وأضرحة ومبان أخرى فى عهد الأيوبيين والمماليك وانتهى به الحال إلى الطريق الضيق المعروف بخط بين القصرين وقد كان يتفرع من شارع القصبة يمينا ويسارا عدة أسواق فهو يشبه فى ذلك النهر الأعظم وما يتفرع منه من نهيرات وجداول وقد تخرب تلك الأسواق وقدر البقاء للبعض الآخر ونجتزىء هـنا بذكر أشهر الأسواق معتمدين فى ذلك على ماورد فى فصل أسواق القاهـرة سابق الذكر ( سوق باب الفتوح ) فى الداخل باب الفتوح وبه حوانيت اللحامين والخضريين والفاميين والشرايحية وغيرهـم ( سوق المرحلين ) عند رأس حارة بهاء الدين وهـو مملوء برحالات الجمال وأقتابهـا وسائر ما تحتاج إليه ولو أراد الإنسان تجهـيز مائة جمل وأكثر فى يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك و ( سوق خان الرواسين ) على رأس سويقة أمير الجيوش وكان يشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل . ( سوق حارة برجوان ) وهـى حارة برجوان الى قريب الجامع الحاكمى وكانت من أعظم أسواق القاهـرة لوفـرة الأطعمة بها نيئة ومطبوخة وأنواع المتاع المختلفة وبها الحمامات والأفران وكان فيه قبانى برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع .. ( وسوق الشماعين ) بالقرب من الجامع الأقمر وحوانيته عامرة بالشموع الموكبية والفانوسية وكان به فى شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يشترى ويكترى من الشموع الموكبية التى تزن الواحدة منها عشرة أرطال فما دونها ومن الشمع الذى يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه .. و ( سوق الدجاجين) ويلى سوق الشماعين وكان يباع فيه الدجاج والإوز شىء كثير جليل للغاية وفى كل يوم جمعة يباع فيه بكرة أصناف القمارى والهزازات والشحارير والببغاء والسمان ومن السمان مايبلغ ثمنه المئات الدراهـم وكذلك بقية طيور المسموع يبلغ الواحد منها نحو الألف درهـم لتنافس الناس فيها وتوفر عدد المعتنين بها وكان يقال لهم غواة طيور المسموع سيما الطواشية فانه كان يبلغ بهم الترف أن يقتنوا السمان ويتأنقوا فى أقفاصه ويغلوا فى أثمانه حتى يبع الطائر من السمان مرة بألف درهـم فضة وآخر بنحو الخمسين دينارا من الذهـب كل ذلك لإعجابهم بصوته على وزن قول القائل طقطق وعوع وكلما كثر صياحه كانت المغالاة فى ثمنه ..و ( سوق بين القصرين ) وكان فى الدولة الفاطمية براجا واسعا يقف فيه عشرة آلاف مابين فارس وراجل ثم لما زالت الدولة ابتذل وصار سوقا يعجز الواصف عن حكاية ماكان فيه وقد تضاءل بعد ذلك وقـلـت حوانيته فى عهد المقريزى .. و ( سوق السلاح ) ويقع فيما بين مدرسة الظاهـر بيبرس وبين قصر بشتاك وقد استجد فيما بعد الدولة الفاطمية فى خط مابين القصرين وجعل لبيع القسى والنشاب والزرديات وغير ذلك من آلات السلاح ..


و ( سوق القـفيصات ) تجاه شبابيك القبة المنصورية حيث كان يجلس أناس على تخوت فوقها أقفاص صغار من حديد مشبك فيها الطرائف من الخواتم والفصوص [ وأساور النساء وخلاخيلهن ] وغير ذلك . وهـذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التى عليها مباشرة المارستان المنصورى .. و ( سوق باب الزهـومة ) وسمى كذلك تبعا لباب الزهـومة أحد أبواب القصر الفاطمى وكان أجمل أسواق القاهـرة وأفخرهـا موصوفا بحسن المآكل وطيبها .. و ( سوق المـهامزيين ) وهـو مما استجد من الأسواق بعد الدولة الفاطمية وكان بأوله سوق العنبر الذى أنشأه المنصور قلاوون ويقابله المارستان والوكالة ودار الضرب وهـذا السوق معد لبيع المهاميز وقد أدرك المقريزى الناس وهـم يتخذون المهماز كله – قالبه وسقطه – من الذهـب الخالصة وهـؤلاء هـم المترفون وإلا فيتخذ القالب من الحديد ثم يطلى بالذهـب أو الفضة ويتخذ السقط من الفضة وكانت تباع بهذه السوق البذلات الفضة التى كانت برسم لجم الخيل وسلاسل الفضة والطرف التى فيها الفضة والذهـب كالسكاكين والأقلام ونحوهـا .. و ( سوق اللجميين ) ويباع فيه آلات اللجم ونحوهـا مما يتخذ من الجلد والسروج وتعمل ملونة ما بين أصفر وأزرق وفيها ما يعمل سيورا من الجلد البلغارى الأسود ويركب بهذه السروج القضاة ومشايخ العلم اقتداء بعادة بنى العباس فى استعمال السواد ولما تسلطن الملك الظاهـر برقوق اتخذ سائر الجند السروج المفرقة وهـى التى جميع قرابيسها – جمع قربوس وهـو حلقة تركب فى السرج – من ذهـب أو فضة إما مطلية أو ساذجة وكثر عمل ذلك حتى لم يبق من العسكر فارس الا وسرجه هـكذا ..و ( سوق الجوخيين ) ويلى سوق اللجميين وهـو معد لبيع الجوخ والمجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والستائر وثياب السروج وغواشيها وقلما كان الناس يلبسون الجوخ وإنما يلبسه الرؤساء والأكابر وقت المطر فقط فإذا ارتفع المطر نزع الجوخ .. و ( سوق الشرابشيين ) نسبة إلى الشرابيش – مفردهـا شربوش وهـو شىء يشبه التاج مثلث الشكل يجعل على الرأس بغير عمامة – وكان السلطان برقوق إذا أمر أحدا من الأتراك ألبسه الشربوش وقد كان لباس الرأس يتغير شكله بتغير السلطان : ففى عهد المنصور قلاوون كان يلبس خاصكيته – خواصه – ومماليكه الكلوتات – الطواقى – الجوخ والصفر وفى عهد الأشرف خليل استبدل بها الكلوتات المزركشة وفى عهد الناصر محمد قلاوون استجد العمائم الناصرية وهـى صغار وفى عهد الأمير يلبغا العمرى الخاصكى عمل الكلوتات اليلبغاوية وكانت كبارا واستجد الأمير سلار فى أيام الملك الناصر محمد القباء الذى يعرف بالسلارى فلما تملك الظاهـر برقوق عمل الكلوتات الجركسية وهـى أكبر من اليلبغاوية وفيها عوج أما الشربوش فكان برقوق إذا أمر أحدا من الأتراك وخلع عليه ألبسه الشربوش كما تقدم ذكره وقد بطل الشربوش فى الدول الجركسية وكان يباع فى هـذه السوق الخلع التى يلبسـها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهـم .. و ( وسوق الحلاويين ) وكان يصنع فيه السكر أمثال خيول وسباع وقطط وغيرهـا تسمى العلاليق – واحدتها علاقة – ترفع بخيوط على الحوانيت فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل تشترى للأطفال فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهـله وأولاده .. و ( سوق الشوايين ) أى بائعى الشواء أو اللحم المشوى .. و ( سوق الشرايحيين ) أى بائعى الشرائح وهـى أحزمة الخيول وأدوات السروج .. و ( سوق الغرابليين ) وفيه حوانيت لعمل مناخل الدقيق والغرابيل .. و ( سوق أمير الجيوش ) وبها حوانيت الرفائين والحياكين والرسامين – المطرزين – والغرايين – بائعى الغراء – والثياب المخيطة والأمتعة من الفرش ونحوهـا .. و ( سوق الجمالون الصغير ) وتباع فيه الثياب القطنية والكتانية وبه حوانيت لغسل الثياب وكيها .. و ( سوق المحايريين ) وفيه حوانيت لعمل المحاير – مفردهـا محارة – التى يسافر فيها إلى الحجاز وغيره و ( الصاغة ) وما تزال إلى اليوم فى مكانها القديم و( سوق الكتبيين ) . و( سوق الصنادقيين ) . و( سوق الحريريين ) . و ( سوق الخراطين ) لبيع المهد – مفردهـا مهد – الذى يربى فيه الطفل .و ( سوق الفرايين ) وتباع فيه انواع الفراء كالسمور والوشق والعمائم والسنجاب . و ( سوق الخلعيين ) بالقرب من باب زويلة والخلعيون جمع خلعى وهـو الذى يتعاطى بيع الثياب الخليع وهـى التى قد لبست وقد كانت من أعمر أسواق القاهـرة لكثرة ما يباع فيها من ملابس أهـل الدولة وغيرهـم . و( سوق الاخفافيين ) ويباع فيه أخفاف ( النسوان ) ونعالهن . و( سوق الكفتيين)ويشتمل على عدة حوانيت لعمل الكفت وهـو ما تطعم به أوانى النحاس من الذهـب والفضة ولا تكاد تخلو دار بالقاهـرة ومصر من عدة قطع نحاس مكفت ولابد أن يكون فى شورة العروس – أى جـهازهـا – دكة نحاس مكفت والدكة عبارة عن شىء يشبه السرير يعمل من خشب مطعم بالعاج والأبنوس أو من خشب مدهـون وفوق الدكة دست طاسات من نحاس أصفر مكفت بالفضة وعدة الدست سبع قطع بعضها أصغر من بعض ببلغ كبراهـا ما يسع نحو الأردب من القمح وطول الأكفات التى تقشت بظاهـرهـا من الفضة نحو الثلث ذراع فى عرض إصبعين ومثل ذلك دست أطباق عدتها سبعة بعضها فى جوف بعض ويفتح أكبرهـا نحو الذراعين وأكثر وغير ذلك من المنابر والسرج وأحقاق الأشنان والطشت والإبريق والمبخرة فتبلغ قيمة الدكة من النحاس المكفت زيادة على مائتى دينار ذهـبا وكانت العروس من بنات الأمراء أو الوزراء أو أعيان الكتاب أو أماثل التجار تجهـز فى شورتها عند بناء الزواج عليها سبع دكك : دكة من فضة ودكة من كفت ودكة من نحاس أبيض ودكة من خشب مدهـون ودكة من صينى ودكة من بلور ودكة كداهـى وهـى من ورق مدهـون تحمل من الصين

الـفـنـون فى عصـر الـمماليـك

أوضحنا فيما مضى كيف أن فن العمارة فى عهد المماليك بلغ شأوا عظيما لم يبلغه فى الزمن السابق أو الزمن اللاحـق لعصر المماليك وذكرنا أمثلة لذلك بعض المساجد الشهيرة التى خلدت ذكـرهـم وازدانت بها القاهـرة وما تزال ووصفناهـا وصفا موجزا بقدر ما سمحت به صحائف هـذا الكتاب ووصفنا ما حفلت به من نقوش وزخارف وما اشتملت عليه من تحف فنية وطرف غالية والواقع أن ما أدركه فن البناء من تقدم امتد أيضا إلى بقية الفنون الإسلامية فى هـذا العهد فازدهـرت وارتقت أيما ارتقاء وغصت قصور المماليك وبيوتهم بالتحف الثمينة من خشبية وخزفية وزجاجية وبلورية وعاجية ونحاسية وفرشت بالطنافس والأبسطة والرياش الثمينة ولقد سلمت لنا نماذج كثيرة من كل ذلك محفوظة الآن بالمتحف الإسلامى بميدان أحمد ماهـر بالقاهـرة ننصح القارىء ألا يفوته زيارتها واستجلاء محاسنها والاستمتاع بجمالها الفنى والآن نأتى على وصف نماذج من تلك التحف معتقدين أن ذلك سيستهوى القارىء لرؤيتها فى المتحف الإسلامى المذكور رأى العين


الـتحـف الـخشـبـيـة :-


اشتملت التحف الخشبية فى العصر المملوكى على بناء المنابر والكراسى والدكك والمشربيات والسقوف والأبواب والصناديق وتمتاز كل هـذه التحف بالأشكال الهندسية البديعة المحفورة عليها من مربعات ومعينات ومنحرفات ونجوم تتداخل بعضها فى بعض وهـى وإن كانت لا يتكون منها موضوع كامل متماسك إلا يتكون منها تراكيب غاية فى الرشاقة والإبداع وقد نشأت فى العصر المملوكى بعض أساليب جديدة فى صناعة التحف الخشبية كتطعيم الحشوات بخيوط أو أشرطة رفيعة ( مستريكات ) من نوع آخر من الخشب أغلى ثمنا وأندر وجودا أو بالعاج والعظم كما كانوا فى بعض الأحيان يكسون الخشب بطبقة دقيقة من الفسيفساء أو الزردشان مكونة من قطع صغيرة من الأبنوس والسن والقصدير ويوجد فى المتحف الإسلامى بالقاهـرة نماذج كثيرة لكل من الأنواع السابقة من أجملها الكرسى المستحضر من مسجد السلطان شعبان ( 770هـ 1369م) وهـو على شكل منشور سداسى من خشب شوح تركى مكسو بالفسيفساء الدقيقة من السن والأبنوس وزخرفته على شكل عقود فى الحشوات العليا والسفلى من الجوانب والقاعدة فيها برامق مخروطة من ابنوس وسن تشاهد على أرجله كذلك وكانت هـذه الكراسى تستعمل فى قصور المماليك لوضع موائد الطعام عليها وفى المساجد لحمل الشموع التى توجد بجانب المحراب عند الصلاة ليلا وشهد عصر المماليك ازدهـار صناعة المشربيات المصنوعة من الخشب المخروط الدقيق الصنع وقد كانت المشربييات تمتد من جدران البيوت إلى الطريق فيختفى النساء وراءهـا عن أعين المارة فى الطريق كما ساعدت على تجميل بعض شوارع القـاهـرة وطرقاتها وعلى إكسابها طابعا فنيا جميلا ويفسر بعض المشتغلين بالفنون الإسلامية كلمة مشربية بأنها مشتقة من الشرب ويذكر أن القلل كانت توضع خارجها فيبرد ماؤهـا ولكن لأستاذنا الجليل الأستاذ محمد فؤاد مرابط أستاذ تاريخ الفنون بجامعة القـاهـرة تفسيرا مقبولا فهو يذكر أن كلمة مشربية قد حرفت عن كلمة مشرفية التى تشتق من الشرافات التى تعلو البناء وتشرف عليه كالشرافات التى تعلو أسوار الجامع الطولونى وكلمة مشربية أيسر فى النطق عند العامة من كلمة مشرفية ومن هـذا القبيل تحريفهم اسم ( باب الخرق ) إلى ( باب الخلق) وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على الميادين التى أنشأهـا المماليك للعب الأكرة إذ أن الاسم الأخير أكثر سهولة فى نقطة وأكثر تدولا وإن كان أبعد عن المعنى المقصود من التسمية


التحف النحاسية :-


وقد امتـد تطور الزخرفة فى التحف النحاسية الى الزخارف النباتية والهندسية التى رأيناها فى الحفر على الخشب ولكن فضلا عن ذلك يشهد العصر المماليك تطورا آخر فى التحف النحاسية وذلك بتطبيقها أو تكفيتها بالذهـب والفضة وسبق أن ذكرنا فى أسواق القـاهـرة انه كانت بها سوق خاصة لهذة الصناعة هـى ( سوق الكفتيين ) وذكرنا طرفا من المصنوعات النحاسية المكفتة ولاشك أن القرن الثالث عشر الميلادى هـو العصر الذهـبى للتحف النحاسية الفاخرة المكفتة وزخارف هـذه التحف ذات نضرة وبهاء يكسبان التحفة بريقا ولمعانا تظهر فيها الأساليب الفنية الايرانية ولقد انتقلت هـذه الصناعة إلى القاهـرة من الموصل بعد سقوطها فى يد المغول ولقيت فى مصر رواجا عظيما حتى أن كل شخص كان يحرص على اقتناء بعض الأوانى النحاسية ويقول المقريزى : ( انه كان لايخلو بيت بالقاهـرة ومصر من عدة قطع نحاس مكفت ) وبالمتحف الاسلامى بالقاهـرة مجموعة كبيرة من تلك الآوانى بمختلف أنواعها من صوان وكراسى وشماعد ومقالم وتنانير وشبابيك وأبواب ومن أجمل هـذه التحف كرسيان من عهد الناصر محمد قلاوون مصنوعان من النحاس المخرم والمنقوش ويحمل أحدهـما اسم صانعه محمد بن سنقر البغدادى السنانى وتاريخ صنعه وهـو سنة 728هـ ( 1327م) فى عهد الناصر محمد بن قلاوون ولما كانت وسائل الإضاءة قديما تعتمد على استعمال الزيوت والشموع فقد قامت صناعة المشكاوات والشماعد والتنانير( الـثريات ) وكلها قد تناولها الصناع بالنقش والزخرفة فصارت كل قطعة منها تحفة فنية رائعة ومن أجمل الشماعد المحفوظة بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة شمعدان صنع بأمر السلطان قايتباى سنة 887هـ ( 1482م) ليهدى إلى الحرم النبوى الشريف بالمدينة وقوام زخارفه كتابات تظهر بوضوح على أرضية من سيقان وفروع نباتية وزهـور وتنتهى حروف الكتابة بأشكال تشبه المقص ومن أجمل المقالم مقلمة من النحاس مكفتة بالذهـب والفضة باسم السلطان الملك المنصور محمد المتوفى سنة 764هـ ( 1363م) ومن أجمل التنانير تنور باسم السلطان حسن مؤرخ سنة 763هـ ( 1361م) مصنوع من النحاس على شكل منشور مثمن وفوق التنور قبة التنور قبة صغيرة وهـلال ولا تزال كثير من مساجد المماليك تحتفظ بشبابيكها وأبوابها المكفتة بالذهـب والفضة كأبواب مدرسة السلطان حسن ومصراعى باب جامع السلطان برقوق


الـخزف والـقاشـانـى :-


ولقد تأثرت صناعة الخزف فى عصر المماليك بصناعة الخزف الإيرانى فبعد أن كانت الطريقة السائد هـى صناعة الخزف ذى البريق المعدنى انتشرت صناعة الخزف ذى الزخارف تحت الطلاء واللونان المفضلان هـما والأخضر أو الأسمر والزخارف متنوعة جدا والصور الآدمية نادرة جدا أما الحيوانات فمرسومة فى أوضاع جامدة ومن أشهر صناع الخزف فى هـذا العصر غزيل وغزال ودهين وعيبى والأستاذ المصرى ولكل من هـؤلاء بالمتحف الإسلامى قطع من آنية تنسب إليه وجدت فى حفائر الفسطاط حيث كانت توجد مصانع الخزف وعلى أكثرهـا زخارف نباتية من أوراق شجر وغصون مختلفة الأشكال محفورة تحت الطلاء مما امتاز ت به زخرفة الخزف فى هـذا العصر ونهاية القرن الخامس عشر تظهر فى مصر صناعة القاشانى الذى تكسى به الجدران ومن أمثلة هـذا القاشانى قرص مصنوع فى مصر وهـو باسم السلطان قايتباى سنة 1496م وحروف كتابته بيضاء على أرضية زرقاء والإطارات المستديرة والمقسمة إلى ثلاث مناطق بوساطة خطين أفقيين فيها توجد كثيرا على العمارات والتحف الفنية فى عصر المماليك ومثلها قرص السلطان قايتباى السابق ذكره ونص الكتابة عليه ( عز لمولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عز نصره )


الـتحف الـزجـاجيـة :-


ولقد صنع الفنانون فى عصر المماليك من الزجاج والقوارير والأباريق والكؤوس والمصابيح والزجاجات وكانت صناعته منتشرة فى مصر وبلاد الشام خصوصا فى حلب ودمشق ولكن أجمل ما صنع منه فى ذلك العصر المشكاوات وتعد بحق فخر عصر المماليك فى صناعة الزجاج ومن حسن الحظ أن أبقى الزمان على مجموعة كبيرة منها محفوظة بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة تعد أكبر وأنفس مجموعة من المشكاوات فى العالم وهـذه المشكاوات مطلية بالمينا وعليها زخارف قوامها أشرطة تملؤهـا كتابات أو جامات وفروع نباتية تقليدية ولكن بعضها تغطى سطحه بأكمله رسوم زهـور ونباتات شبيهة بما يرى فى زخارف الديباج فتبدو كأنها ملفوفة فى زخارف فاخرة من الزهور والأوراق النباتية ويرى منقوشا على بدن المشكاة وغيرهـا من التحف الخزفية والمعدنية رسوم أشعرة أو ( رنوك ) تحمل شارات السلاطين والأمراء ورؤساء الجند فى دولتى المماليك الذين صنعت لهم هـذه لهم هـذه التحف كالكأس والدواة والسيف والصولجان وقد وردت على كثير من المشكاوات الآية القرآنية الكريمة : ( الله نور السماوات والأرض . مثل نوره كمشكاة فيها مصباح . المصباح فى زجاجة . الزجاجة كأنها كوكب درى ) وأكثر أسماء السلاطين ورودا على هـذه المشكاوات اسم السلطان حسن الذى جلب من مسجده أكبر عدد منها ثم الناصر محمد بن قلاوون ثم السلطان برقوق والأشراف أبو النصر قايتباى ومن الأمراء الأمير سلار والأمير ألماس وآق سنقر وطغيتمر وشيخو ومن بين هـذه المشكاوات مشكاة وكرتها من زجاج بالميناء تظهر كأنها محاطة بشبكة من حبال مجدولة معقدة بالتماثل نشأ منها جامات غير منتظمة تحتوى على زهـور أوراقها مختلفة الألوان من أزرق وأخضر وأحمر والكرة والمشكاة هـما باسم السلطان حسن سنة 764هـ ( 1363م)


الـمنـسوجات :-


اضمحل نسج الكتان بمصر فى عصرى الأيوبيين والمماليك وزادت العناية بنسج الحرير وتطريزه وبتزيين المنسوجات بالزخارف المطبوعة المتنوعة التى تشبه الزخارف التى نراهـا على التحف الخزفية والمعدنية فى العصر نفسه ومما تجب ملاحظته أن نسج الحرير فى عصر المماليك قد تأثر إلى حد كبير بمنتجات الشرق الأقصى التى أدخلها المغول فى العصر الإسلامى إلى الأقطار الإسلامية إما عن طريق التجارة أو عن طريق الهدايا فقد ذكرت المصادرة التاريخية أخبار بعثات تبودلت بين المماليك والمغول تحمل الهدايا القيمة من المنسوجات النفيسة لذلك توجد قطع عليها أسماء سلاطين المماليك ولكن يصعب الجزم بأنها من صناعة مصر أو عمال مصريين ومع انحطاط المنسوجات الكتانية فى عصر المماليك وجد قليل منها مثال ذلك قطعة محفوظة بالمتحف الإسلامى من القرن السابع الهجرى ( الثالث عشر الميلادى ) يبدو فى زخرفتها ما امتاز به هـذا العصر من استعمال خط النسخ فى كتابة العبارات الدعائية مثل ( العز الدائم والإقبال ) و( سيادة مؤبدة ونعمة مخلدة ) فضلا عن الإقبال على الزخارف النباتية والأشكال الهندسية من مثلثات ودوائر ومعينات ورسوم القطعة المذكورة مطرزة بالحرير الأسود والأزرق .

ومن المساجد فى العصر المملوكى :


- جامع السلطان الظاهر بيبرس فى حى الضاهر 665-667 هجرية = 1267 -1269م.
- مسجد ومدرسة السلطان قلاوون وقبته فى الغورية 683-684 هجرية = 1284-1285م.
- مسجد ومدرسة السلطان الناصر محمد بن قلاون 695-703 هجرية = 1295-1304م.
- مسجد سلار وسنجر الجاولى بشارع مراسينا 703 هجرية = 1303/ 4م.
- خانقاه السلطان بيبرس الجاشنكير 706- 9 هجرية = 1306/ 7 -1310م.
- قبة حسن صدقة بشارع السيوفية أمام مستشفى الخليفة العام 715 هجرية = 1315م.
- جامع الأمير ألماس الحاجب فى شارع الحلمية القديمة 730 هجرية = 1330م.
- جامع السلطان الناصر محمد بالقلعة 735 هجرية = 1335م.
- جامع الماردانى 739/ 40 هجرية = 1338/ 39-40م.
- مسجد أنصلم السلحدار قرب باب المحروق ومسجد فاطمة النبوية 745- 746 هجرية = 1344-1345م.
- جامع آق سنقر -إبراهيم أغا مستحفظان 747-748 هجرية = 1346-1347م.
- مسجد ومدرسة الأمير صرغتمش فى شارع شيخون 757 هجرية = 1356م.
- مسجد ومدرسة السلطان حسن 757-764 هجرية = 1356-1363م.
- مسجد ومدرسة السلطان شعبان 770 هجرية = 1368/ 69م.
- مسجد ومدرسة ألجاى اليوسفى 774 هجرية = 1373م.
- مسجد ومدرسة السلطان برقوق 786-788 هجرية = 1384-1386م.
- مسجد وخانقاه السلطان برقوق 801-813 هجرية = 1398/ 99 -1411م.
- جامع السلطان المؤيد 818-823 هجرية = 1415-1420م.
- مسجد ومدرسة القاضى عبد الباسط 823 هجرية = 1420م.
- مسجد ومدرسة الأشرف برسباى بشارع المعز لدين الله 826-827 هجرية = 1423-1424م.
- مسجد الأشرف برسباى وضريحه بقرافة المماليك 835 هجرية = 1432م.
- جامع الأشرف برسباى بالخانكة 841 هجرية = 1437م.
- مسجد ومدرسة الأمير تغرى بردى بالصليبة 844 هجرية = 1440م.
- مسجد القاضى يحيى 848 هجرية = 1444م.
- مسجد السلطان إينال وضريحه بقرافة المماليك 855-860 هجرية = 1451-1456م.
- مسجد السلطان قايتباى وضريحه بقرافة المماليك 877-879 هجرية = 1472-1474م.
- مسجد ومدرسة أبو بكر مزهر 884 هجرية = 1479/ 80م.
- قبة الفداوية بالعباسية 884/ 86 هجرية = 1479/ 81م.
- مسجد قجماس الأسحاقى - أبو حريبة 884/ 86 هجرية = 1479/ 81م.
- مسجد الأمير أزبك اليوسفى 900 هجرية = 1494/ 95م.
- مسجد الأمير خاير بك 908 هجرية = 1502/ 3م.
- مسجد قانباى أميرا خور 908 هجرية = 1503م.
- مسجد ومدرسة السلطان الغورى وقبته 909/ 10 هجرية = 1503/ 4م.

القــاهـرة  فى عهـد الـعثمـانيين

من سنة 922-1213هـ ( من 1517-1798م)


لم يفت العثمانيين بالرغم من توغلهم فى شرق أوربا واستيلائهم على كثير من أقطارهـا ما عليه دول الشرق الإسلامية من رغد وغنى وما تجنيه الدولة العثمانية من قوة وشدة بأس وثبوت قدم من وراء الاستيلاء عليها بالإضافة إلى الغنى والثروة التى كانت تزخر بهما تلك الدول ولم يغب عن العثمانيين ما كان للشرق من حضارة عظيمة استضاء العالم بنورهـا ردحا من الزمان وأن مصر كانت مركز تلك الحضارة فلما تولى السلطان سليم الأول عرش آل عثمان سنة 918هـ ( 1512م) إلا وأخذ يعد العدة وينتحل الأسباب لغزو الدولتين العظيمتين فى الشرق الإسلامى ألا وهـما مصر وإيران فبدأ بالثانية حيث تقابل مع الشاه إسماعيل الصفوى فى جمادى الآخرة سنة 918هـ ( أغسطس سنة 1512) بالقرب من تبريز وأنزل بالشاه إسماعيل هـزيمة ساحقة ثم رجع إلى بلاده غالبا منصورا لم يكن بعد ذلك ريب فى أن سليما سيكر الكرة على مصر ولم يصعب عليه أن يتصيد بعض المعاذير للاعتداء عليها والفتك بها والاستيلاء على وادى النيل وبلاد الشام فهـو ينعى على السلطان الغورى ارتباطه مع الشاه إسماعيل الصفوى بمحالفة سرية كما يتهمه بايواء الأمراء العثمانيين الفارين من بطشه وجبروته ولكى يظهر استهانته بحكومة مصر استولى على احدى الأمارات الواقعة على حدود الشام التى كانت تستظل بحماية المماليك وهـى إمارة ذى الغادر ( دلغادر ) سنة 921هـ ( 1515م) لما أحس الغورى بشرر العدوان يتطاير من القسطنطينية خرج وكانت سنه قد أوفت على السبعين فى جيش كبير لملاقاة سليم على حدود الشام قبل أن يتوغل فى أرض مصر فتـتعذر مقاومته وكان سليم قد جهـز جيشا كبيرا كامل العدد والعدة واصطحب معه فضلا عن ذلك شرذمة من الجواسيس والخونة المارقين من المماليك ليدلوه على مواطن الضعف فى الجبهة المصرية وليستميلوا قواد الجيش إلى جانب العثمانيين فتتحقق هـزيمة الجيش المصرى بقوة السلاح وبفعل الختل والخديعة ولقد استطاع سليم فعلا أن يشترى ذمم بعض المماليك أمثال خاير بك الجركسى نائب حلب وجان بردى الغزالى ويونس العادلى والسمرقندى بأن مناهـم بأجل المناصب وأرفعها وتقابل الطرفان فى مرج دابق على مسيرة يوم شمالى فى رجب سنة 922هـ ( 29 أغسطس 1516م) والتحم الجيشان فى وقعة حامية وكادت الدائرة تدور على العثمانيين لولا أن سعى الجواسيس بالفتنة بين صفوف الجيش المصرى ولولا أن تقهقر خاير بك بميسرة الجيش وانهزام ميمنته فبقى الغورى فى المعركة بمفرده وانفض الجميع من حوله وقتل تحت سنابك الخيل وانجلت الوقعة عن انتصار العثمانيين انتصارا حاسما فتقدم سليم إلى حلب واستولى عليها ثم إلى دمشق التى فتحت أبوابها وأصبح الطريق إلى مصر ممهدا ميسورا وصلت أخبار الهزيمة إلى القاهـرة فأخذ طومان باى نائب السلطنة يستحث المماليك إلى الخروج لملاقاة العثمانيين قبل أن يطبقوا عليهم فى القاهـرة ويستنفرهـم للقتال ولكنه لم يلق منهم إلا تقاعسا وصدودا وأخيرا وصلت مقدمة الجيش العثمانى إلى الصالحية وأصبح الخطر ماثلا لعيونهم فهبوا لملاقاة الغزاة الفاتحين ودارت بين طوماى باى وسليم وقعة أعظم من وقعة مرج دابق بميدان الريدانية فى 28 ذى الحجة سنة 922هـ ( 22يناير 1517) قتل فيها من العثمانيين خلق كثير ولكنهم استماتوا فى القتال وانقسموا إلى فريقين : أحـدهما جاء من تحت الجبل الأحمر وهاجم القسم الآخر معسكر الريدانية ولم تمض سوى ساعات معدودات حتى حاقت الهزيمة بالمماليك فولوا الأدبار ظل طوماى باى يحارب فى نفر قليل من العبيد والمماليك السلحدارية ولما لم تجد المقاومة ولى هـو الآخر هـاربا وقد عمل الخونة عملهم فى هـذه الوقعـة أيضا ونقلوا إلى العثمانيين أسرار الجيش وأخباره وفى 25 يناير نقل سليم معسكره من شمال الريدانية إلى بولاق ثم دخل القاهـرة فى اليوم التالى من باب النصر ودهـم طومان باى المعسكر العثمانى مرتين ولكن دون جدوى فاضطر أخيرا للتسليم بالهـزيمة واختبأ لدى أحد المشايخ العربان فى البحيرة وكان لطوماى باى عليه أياد كثيرة وفضل سابق إلا انه لم يرع شيئا من كل ذلك وسلم طومان باى للعثمانيين فشنقه سليم على باب زويلة فى 23ربيع الأول سنة 923( 15 ابريل 1517) وترك جثته معلقة ثلاثة أيام تشفيا منه وانتقاما ثم دفنت بعد ذلك ولقد بكاه الناس كثيرا لشجاعته وإبائه ونبله وكان عمره إذ ذاك أربعين عاما استتب الأمر إذن لسليم الأول وخلص له ملك مصر وقضى على دولة المماليك وكافأ خاير بك جزاء خيانته ونذالته بالولاية على مصر كما تولى النذل الآخر جان بردى الغزالى أمر بلاد الشام وشرع سليم بعد ذلك يضع لها نظاما لإدارتها بحيث تظل أبد الدهـر مستعمرة عثمانية وكبلها بالقيود التى لا فكاك لها منها والتى تقضى على حضارتها الغابرة وتزج بها فى دياجير البؤس والشقاء ولا عجب أن يصف المؤرخون عهد الاحتلال العثمانى لمصر الذى استمر قرابة ثلاثة قرون بالعهد المظلم فى تاريخ مصر وكان من نتائج سقوط مصر فى أيدى الأتراك العثمانيين أن قبض السلطان سليم الأول على الخليفة العباسى وأجبره على الرحيل معه إلى القسطنطينية وبذلك لم تفقد مصر استقلالها وحريتها فحسب بل قضى أيضا على الخلافة التى انـتـقلت إلى مصر منذ عهد الظاهـر بيبرس وأصبح السلطان العثمانى يلقب منذ ذلك الحين ( بمالك البرين والبحرين وكاسر الجيشين وسلطان العراقين وإمام الحرمين الشريفين ) ظلت مصر خاضعة للعثمانيين منذ سنة 1517م حتى سنة 1798م حين غزاهـا الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت ولم تدخر وسعا طوال هـذه القرون الثلاثة فى نفض السيطرة العثمانية عن كاهلها واستعادة حريتها واستقلالها ولكن تعذر ذلك عندما كانت الدولة العثمانية ما تزال فى عنفوانها وكامل قوتها فلما دب الضعف فى أوصالها سنحت لها الفرصة لإدراك بغيتها وكان البطل الذى نادى باستقلالها هـو على بك الذى لقب فيما بعد بعلى بك الكبير .


العمارة فى عهد العثمانيين


وصفنا فيما سبق كثيرا من المنشآت فى عصر المماليك وشرحنا مبلغ ما وصل إليه فن البناء من تقدم وازدهـار ولا نغالى إذا قلنا انه وصل إلى قمة التقدم وذروة الرقى فلما وقعت مصر تحت سيطرة العثمانيين دخل فن البناء فى فترة ركود عميق وانحطاط ظاهـر وليس فى ذلك شىء من الغرابة فالمشاهد أن تقدم فن البناء وغيره من الفنون رهن بتشجيع القادة والأمراء وذوى اليسار فإذا ما انقطع هـذا التشجيع أدرك الركود والانحطاط تلك الفنون والسلطان سليم فيما وضعه من أنظمة للبلاد بعد أن تمت له السيطرة عليها لم يكن ليعنى برفاهيتها وتقدمها بقدر اهـتمامه بربطها بعجلة الإمبراطورية العثمانية واستنزاف مواردهـا وابتزاز أموالها وإذلال أهلها ولم يكن ليهـمه مطلقا أن تتابع القاهـرة تقدمها وان تزدهـر العمارة فيها وتسير فى الطريق التى رسمها لها صلاح الدين والمماليك من بعده بل أكثر من هـذا كان يهـمه أن يأفل نجم القاهـرة وأن ينحط شأنها وألا يتحدث الناس بأخبارهـا فى مشارق الأرض ومغاربها وأن ينزع من يديها مشعل الحضارة الذى ظلت تحمله عدة قرون وان يتحول اهـتمام الناس عنها إلى القسطنطينية مركز السلطنة الجديد ومستقر خلافة المسلمين الحديث يؤيد ذلك مذكره ابن إياس المؤرخ المصرى الذى عاصر حوادث الغزو العثمانى لمصر من أن سليما عندما عزم على العودة إلى القسطنطينية وسافر الإسكندرية أمر بحبس ألفين من المصريين من رجال الحرف والصناعات وكبار المباشرين والتجار إلى جانب من القضاة والأعيان والأمراء والمقدمين حبسهم فى أبراج الإسكندرية وخاناتها انتظار لقيام المراكب بهم إلى القسطنطينية وكان قد نزع من بيوت مصر والقاهـرة أثمن ما فيها من منقول وثابت حتى الأخشاب والبلاط والرخام والأسقف المزيكة والأعمدة السماقية بألوان القلعة ومجموعة من المصاحف والمخطوطات والمشاكى والكراسى النحاسية والمشربيات والشمعدانات والمنابر فعل سليم السفاح بالقاهـرة ما فعله هولاكو الجبار ببغداد فى منتصف القرن الثالث عشر وتيمور لنك العاتى بالشام فى أواخر القرن الرابع عشر من سلب ونهب وإزهاق للأرواح وسفك للدماء وعمل على طمس معالم الحضارة فى القاهـرة كما طمسها التتار البرابرة فى بغداد من قبل وكان الولاة الذين تبعث بهم القسطنطينية إلى القاهـرة فى الغالب طغمة من الأتراك القساة الذين يجهلون ألوان الحضارة الإسلامية ولا يقيمون لها وزنا ولا ينتظر منهم تشجيع لها أو الإسهام فى تقدمها هـذا فضلا عن قصر مدة بقائهم فى ولاية مصر حتى لا يحدث الواحد منهم نفسه بالاستقلال بها عن الإمبراطورية لذلك لم يكن للوالى التركى هم سوى جمع المال وابتزاز التحف والهدايا من الناس فلم يكن يعنى بتخليد ذكره بإنشاء أية مبرة فى القاهـرة تذكر المصريين بعهده السعيد‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! لأنه راحل عما قريب إلى وطنه مشيعا باللعنات لما اقترف من جرائم وآثام ومهما يكن من أمر فقد ظل قبس من نور الماضى يلمع فى أفق القاهـرة وتشبه قليل من الولاة وبعض السراة والتجار والأعيان برجالات مصر فى العهد السابق وشيدوا بعض المساجد والقصور والوكالات والخنقاوات والأسبلة والكتاتيب ولكنها كانت دون مثيلاتها المملوكية روعة وجمالا ولا تدانيها فى فخامتها وأبهتها


ممـيزات العـمارة فى هـذا الـعهـد :-


ويغلب الطابع البيزنطى على المساجد هـذا العهد هـذا الطابع الذى جلبه الولاة الأتراك معهم من القسطنطينية والذى كان يتمثل فى كنيسة أيا صوفيا التى حولها الأتراك إلى مسجد بعد فتحهم القسطنطينية فى عهد محمد الفاتح سنة 857هـ ( 1453م) ويتجلى بصفة خاصة فى جامع سليمان باشا بالقلعة وجامع سنان باشا ببولاق وجامع الملكة صفية وجامع محمد أبى الذهـب وجامع محمد على بالقلعة ففيها نرى المآذن الممشوقة الرفيعة الاسطوانية الشكل والتى تنتهى دائما بمسلة مخروطية مكسو ظـاهـرهـا بألواح من رصاص وكثرة القباب والمسجد غالبا عبارة عن قبة كبيرة أمامها حوش مكشوف تحيط به أروقة ذات قباب صغيرة ولكن مع ذلك وجدت عدة تصميمات جديدة للمسجد فمن مربع تتوسطه أربعة أعمدة تحمل السقف إلى مستطيل مكون من إيوانين تتوسطه قاعة إلى مساجد مثل المساجد الجامعة يتوسطها صحن مكشوف ووجدت عناصر جديدة للزخرفة لم تكن شائعة قبل ذلك من هـذا كسوة القباب والجدران بالقاشانى وتغطية الأرضية والوزرات بالرخام الملون ونقش الأسقف بالألوان البراقة وانتشر إنشاء السبيل يعلوه الكتاب منفردا وغير ملتحق بالمسجد كما انتشر إنشاء الدور ذات المقاعد والمشربيات الجميلة

أهــم الـمنشـآت


ومن أهـم المساجد التى شيدت فى هـذا العهـد:-


مـسجد الـمحموديـة :-


ويوجد بميدان صلاح الدين أمام باب العزب أحد أبواب القلعة وشرقى مسجد السلطان حسن وقبلى مدرسة قـانى باى الرماح أنشأه محمود باشا أحد الولاة الأتراك سنة 975هـ ( 1567- 1568م) وهـو مرتفع عن مستوى الشارع ويصعد إليه بسلم وداخل هـذا المسجد عبارة عن مربع يتوسطه أربعة أعمدة كبيرة من الجرانيت تحمل منورا كبيرا مرتفعا عن السقف وحول الأعمدة أسقف المسجد وهـى ممـوهـة بالذهـب والألوان وفى جدار المحراب باب يوصل إلى قبة ملحقة بالمسجد وبارزة عنه وهـذا التصميم مقتبس من مسجد السلطان حسن كما اقتبس منه أيضا قاعدة المئذنة من حيث الوضع والشكل وان جـزؤهـا العلوى تركى الطراز


مسجد الـملكة صفية :-


بشارع القلعة ( شارع محمد على سابقا ) وقد أمرت بإنشائه الملكة صفية والدة السلطان محمد خان الثالث سنة 1019هـ ( 1610م) وهـو مرتفع عن مستوى الشارع كالمسجد السابق ويصعد إليه بسلالم دائرية ويتكون من جزءين : أحدهـما الصحن والثانى القبة التى توجد شرقى الصحن وهـى محمولة على ستة عقود تحملها ستة أعمدة من الجرانيت وبوسط الجانب الشرقى فجوة بها محراب ومنبر من الرخام المزخرف والجامع كبقية المبانى التركية فى مصر مبنى بالحجر الأحمر


مسجد الـبرديـنى :-


وهـو بشارع الداودية أنشأه كريم الدين أحمد البردينى سنة 1025-1038هـ ( 1616-1629م) وقد بلغ بناء هـذا المسجد درجة من الإتقان لا تشاهـد فى العصر التركى وإنما ترجع إلى العصر المملوكى الزاهـر فالجدران مكسوة بوزرة من الرخام الدقيق المختلف الألوان بها كتابات بالخط الكوفى المربع ومنتهية بطراز من الرخام الدقيق والمحراب من الرخام البالغ حد الإتقان والشبابيك من الجص المحلى بزجاج ملون وبجوار المحراب منبر صغير مطعم بالصدف والسن وبالجهة الغربية دكة المبلغ ودرابزينها من الخرط اللطيف وسقف الجامع محلى بنقوش مذهـبة وتختلف المئذنة عن مآذن المساجد التركية بأنها مكونة من ثلاث دورات مملوءة بالكتابات والنقوش فهى والحالة هـذه مصرية الطراز


مسجد سنان باشا :-


وهـو موجود بشارع السنانية ببولاق أنشأه سنان باشا بن على عبد الرحمن أحد ولاة مصر الأتراك سنة 979هـ ( 1571م) وهـو يتكون من قاعة واسعة تعلوهـا قبة شاهـقة يحيط بها من ثلاثة جوانب أواوين صنعت أسقفها من قبوات صغيرة محمولة على عقود متكئة على أعمدة رخامية ويحلى القبة من داخلها ومن خارجها شبابيك جصية بها زجاج ملون وزواياهـا الأربع مكونة من طاقة كبيرة بداخلها مقرنص يتوسطه لفظ الجلالة والمحراب من الرخام الدقيق ويجاوره منبر من الخشب ومئذنة هـذا المسجد بسيطة الشكل مقامة فى الطرف الشرقى القبلى للواجهة


جامع محمد أبو الذهـب :-


وشيده محمد بك أبو الذهـب سنة 1187هـ ( 1773م) وله واجهتان : أحدهما شرقية وتواجه الجامع الأزهـر والثانية بحرية تطل على ميدان الأزهـر وبكل الواجهتين باب يصعد إليه بسلم بحرى والمسجد عبارة عن قبة يحيط بها ثلاثة أروقة مسقوفة بقبوات محمولة على عقود متكئة بأطرافها على أعمدة من رخام ويحيط بالأروقة الثلاثة طرقة مكشوفة وبالقبة محراب مكسو بالرخام يجاوره منبر مطعم بالصدف وبرقبة القبة مجموعة من النوافذ المغطاة بشبابيك من الجص والزجاج الملون وباطن القبة محلى بنقوش مذهـبة وتختلف مئذنة هـذا المسجد الموجود بنهاية الطرقة القبلية عن المآذن التركية كل الاختلاف إذ أنها مربعة ومنتهـية بخمسة رءوس وغربى دورة المياه سبيل وتكية ملحقان بالجامع وقد عمل هـذا المسجد على مثال جامع سنان باشا


تجديد المساجد وإصلاحها


بالإضافة إلى ما ذكر آنفـا من المساجد التى تم إنشاؤها فى العهد التركى فقد حظيت بعض المساجد القديمة برعاية الأمراء والولاة الأتراك فتعهدوهـا بالتجديد والإصلاح ولم يكن إصلاح المبانى مما ينجح دائما فكثيرا ما كانت التعديلات التى أدخلها الأتراك على التحف والروائع القديمة سببا فى تشويهـها ومن المساجد التى جددت مسجد المؤيد الذى كان متهدما فقد أصلحه أحمد باشا أحد الولاة الأتراك سنة 1102هـ ( 1690م) كما جدد مسجد الظافر الفاطمى المعروف باسم الفكهانى سنة 1148هـ ( 1735م)


تجديد الجامع الأزهـر :-


ولكن أضخم تجديد حظى به مسجد فى القاهـرة هـو ما قام به الأمير عبد الرحمن كـتخدا من إصلاحات بالجامع الأزهـر وما رتبه من خيرات ومبرات مما استحق معه أن يطلق عليه اسم ( المصلح الكبير والمحسن العظيم ) وقد جاراه فى هـذا المضمار الأمير عثمان كـتخدا الـقزدوعلى فقد بنى هـذا أيضا سنة 1148هـ ( 1735م) زاوية بالأزهـر يصلى فيها العميان سميت بزاوية العميان وجدد رواق الأتراك ورحبته ورواق السليمانية ( الافغانيين ) وأنشأ مسجده بميدان الأوبرا أما عبد الرحمن كـتخدا فقد أجرى فى الأزهـر عمارات وخيرات عظيمة فزاد فى سعة الجامع بمقدار النصف تقريبا خلف المحراب القـديم وأنشأ قبلة للصلاة ومنبرا للخطابة وشيد مدرسة لتعليم اليتامى وعمل صهريجا للمياه وشيد له قبرا دفن فيه وتصدق على الفقراء المجاورين بالطعام والكساء ويقول الجبرتى انه ( أنشأ مقصورة فى الجامع مقدار النصف طولا وعرضا وتشتمل على خمسين عمودا من الرخام تحمل مثلها من البوائك المقصورة المرتفعة المتسعة من الحجر المنحوت وسقف أعلاهـا بالخشب النقى وبنى محرابا جديدا ومنبرا وأنشأ له بابا عظيما جهة كتامة ( المعروفة بالدوادارى ) وهـو المشهور بباب الصعايدة وبنى بأعلاه مكتبا له قناطر معقودة على أعمدة له من الرخام لتعليم الايتام من أطفال المسلمين القرآن الشريف وجعل بداخله رحبة متسعة وصهريجا عظيما وسقاية لشرب العطاش وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة وجعل عليه قبة معقودة وتركيبة من الرخام البديع الصنع منقوش عليها أسماء العشرة المبشرين بالجنة ووصف للنبى عليه الصلاة والسلام وبعض الأشعار )


( وبنى أمام المدفن المذكورة رواقا مخصوصا بمجاورى الصعايدة المنقطعين لطلب العلم وبه مرافق ومنافع ومطبخ ومخادع وخـزائن كتب ... وبنى بجانب ذلك الباب منارة وأنشأ بابا آخر جهة المطبخ الجامع ( وهـو المشهور بباب الشورية ) وجعل أيضا عليه منارة وجدد المدرسة الطيبرسية وجعلها مع المدرسة الأقبغاوية المقابلة لها من باب المزينين الكبير الذى أنشأه خارجها جهة القبو الموصل الى شارع السكة الجديدة بجوار المشهد الحسينى وهـذا الباب مؤلف من بابين عظيمين كل باب بمصراعين وجعل على يمينه منارة ( وقد تهدمت سنة 1315هـ ) وفوقه مكتب وبداخله ميضأة ووراء ذلك درج المنارة ورواق البغداديين والهنود وقد جاء هـذا الباب الكبير وما بداخله من المدرسة الطيبرسية والأقبغاوية والأروفة من أحسن المبانى فى العظمة والفخامة وزاد فى رواق الشوام ووقف عليه وجدد رواق الـمكيين والتكروريين وأجرى زيتا للمصابيح وزاد فى مرتبات الجامع وأخبازه ولاسيما فى يومى الاثنين والخميس فضلا عما رتـبه لرمضان من وسائل الرفاهـة والتوسيع فكان مجموع ما عمله فى الأزهـر مما تقصر عنه هـمم الملوك) ولقد بلغ ما بناه عبد الرحمن كتخدا أو أعاد بناءه ثمانية عشر مسجدا إلى جانب الأضرحة والسبل والمدارس والجسور وغير ذلك من الأبنية ومع هـذا فقد نفاه على بك إلى بلاد العرب غيرة منه وحسدا لتعلق الناس به وحبهم إياه وبقى فى منفاه اثنتى عشرة سنة وأخيرا أعيد إلى مصر حيث لم يعش سوى أيام قلائل وتوفى فى سن السبعين سنة 1191هـ ( 1776م) ودفن بمدفنه السابق الذكـر


ومن أهـم القـصور التى شيدت فى هـذا الـعهد


منزل جمال الدين الذهـبى :-


بحارة خـو شـقدم بالغورية أنشأه جمال الدين الذهـبى كبير التجار بمصر سنة 1047هـ ( 1637م) ويدل تخطيطه وتناسق أجزائه على براعة مهندس فقد راعى أن تحيط جميع غرفه بالحوش الذى توجد بوسطه الآن فسقية من الرخام ليستمتع سكانه فى كل فصل من فصول السنة بمزاياه الخاصة فيوجد فى الجهة القبلية مقعد ذو عقدين متكئين على عمود من الرخام وفى الجهة الشرقية قاعة كبرى ذات إيوانين وبالجهة البحرية إيوان ذو مشربيات وأسفال جدران القاعة الكبرى مكسوة بوزرة جميلة من الرخام الدقيق الصنع المختلف الألوان وبها جزء على هـيئة محراب وبصدرهـا مشربية لطيفة مطلة على الشارع تعلوهـا شبابيك صغيرة من الجص المحلى بقطع من الزجاج الملون وسقفا القاعة والمقعد محليان بالدهـان المملوء بالذهـب


منزل الشيخ عبد الوهـاب الطبلاوى :-


بالدرب الأصفر وهـو المشهور ببيت السحيمى وهـو مكون من قسمين : القبلى وقد أنشأه الشيخ عبد الوهـاب الطبلاوى سنة 1058هـ ( 1648م) وأهـم مشتملاته القاعة الكائنة على يمين الداخل ثم القاعة الكائنة على اليسار وأرضيتها مغطاة بالرخام الدقيق وواجهة المنزل المشرفة على الدرب الأصفر مكونة من مجموعة قيمة من المشربيات والشبابيك الخرط الدقيقة الصنع .


أما القسم البحرى فقد أنشأه الحاج إسماعيل بن الحاج إسماعيل شلبى سنة 1211هـ ( 1796-1797م) وأدمجه فى القسم الأول وجعل منهما منزلا واحدا وأفخم حجرات هـذا القسم الحجرة البحرية الكبرى الراكبة على ( تختبوش ) محمول على عمود من الرخام وهـى مكونة من ايوانين تتوسطهما ( درقاعة ) والأجزاء السفلية من جدرانها مكسوة بالقاشانى المنوع وبصدرى الإيوانين دواليب دقيقة تعلو هـا أرفف وضعت عليها مجموعة عليها من الأوانى الخزفية


مــنازل أخـــرى :-


ومن منازل هـذا العهد أيضا منزل محمد بن الحاج سالم الجزار المعروف بمنزل الجريدلية وقد أنشىء سنة 1041هـ ( 1632م) ويتصل به منزل آخر بواسطة ساباط ( مـمـر ) ذو سقف محمول على عقد ستينى يعرف بمنزل آمنة بنت سالم ويقعان شرقى جامع أحمد بن طولون وقد استأجره سنة 1935م ( جاير أندرسون ) أحد ضباط الإنجليز الذين كانوا يعجبون بالفن الإسلامى وقد جمع فيه مجموعة نفيسة من التحف والطرف الإسلامية ويعرف الآن بمختلف جاير أندرسون وسراى المسافرخانة بدرب الطبلاوى وقد أنشأهـا محمود محرم أحد أعيان التجار سنة 1193هـ ( 1779م) ومنزل إبراهيم كتخدا السنارى بحارة منج بالسيدة زينب وقد أنشأه إبراهيم كتخدا السنارى سنة 1209هـ ( 1794م) وسميت الحارة بهـذا الاسم نسبة إلى منج أحد علماء الحملة الفرنسية الذين أقاموا بهذا المنزل عند احتلالها مصر ومن منازل ذلك العهد التى اندثرت منزل رضوان بك الجلفى وكان يشرف على بركة الأزبكية وكانت تعلو ردهـاته قباب بديعة الزينة فيها نقوش عربية من الذهـب وكانت له حديقة غناء تناثرت فيها الأكشاك الجميلة وبجانب منزل رضوان بك كان هـناك على بحيرة الأزبكية منزل آخـر يملكه أحمد الشرايبى أحد مشهورى التجارة فى ذلك العهد وقصر محمد بك الألفى الذى اتخذته قيادة الجيش الفرنسى مقرا لها فى أثناء احتلالها مصر وقتل كليبر خليفة نابليون كما تقدم


الـحـالـة الاقـتصـاديـة


ذكرنا أن تحول التجارة الشرقية عن مصر إلى جنوبى أفريقيا كان له اثر بارز فى تدهـور الحالة الاقتصادية فى مصر فقد كانت هـذه التجارة ينبوع ثروة لا ينضب معينه فى عهد المماليك سواء مما كان يجبى عليها من ضرائب أو مما كان يجنيه المصريون من وراء الاتجار فيها من أرباح وقد تبع هـذا الحادث غـزو الأتراك العثمانيين مصر وما كان يبتزه السلطان والولاة الأتراك والبكوات المماليك من أموال ناء بها كاهـل الشعب وعـم بسببها البؤس وانتشر الفقر وقد كانت أمارات الفقر أكثر ما تكون ظهورا فى القـاهـرة حيث يقيم الوالى وأعضاء الديوان وجنود جيش الاحتلال التركى والبكوات المماليك والجميع فى تطاحن مستمر خصوصا البكوات المماليك الذين كان القتال بينهم وبين بعض لا يخمد أواره فلا تلبث الشوارع والحارات والدروب أن تنقلب إلى ميدان قتال فيتخلل ذلك نهب المنازل وسلب الحوانيت والمتاجـر ووقوف حركة البيع والشراء وكساد التجارة ولم يمسك المصريون عن الثورة طوال الحكم التركى من فساد هـذا الحكم واستبداد الحكام الأتراك والبكوات المماليك وانتشار الرشوة وكثرة ما أثـقلوا به كاهـل المصريين من ضرائب وإتاوات وكان أهـل القاهـرة يتزعمون الثورة ضد العثمانيين ويرفعون راية العصيان فى وجـوهـهم كلما اشتد بهم الضيق وازداد بهم الضنك ومن أمثلة ذلك ما حدث فى أوائل ذى الحجة من سنة 1209 ( يونيه1795م) عندما اشتدت مظالم مراد بك وإبراهيم بك فى فرض الإتاوات وجمع الجبايات فاجتمع علماء الأزهـر وأغلقوه وأبطلوا الدروس وأمروا الناس فأغلقوا الحوانيت والأسواق وتجمعوا فى بيت الشيخ السادات وحضر إليهم مندوب إبراهيم بك فطالبوه برفع المظالم وإبطال المكوس والضرائب والحكم بمقتضى الشرع والعدل فأبى وقال : ( لا يمكن الإجابة إلى هـذا كله فإننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش ) فقال له المشايخ : ( إن هـذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك والأمير يكون أميرا بالعطاء لا بالأخـذ ) وتجمهر الناس وركب المشايخ إلى الأزهـر وبات الجميع بالمسجد وانتشرت الثورة فى كل مكان فخشى مراد بك وإبراهيم بك عاقبة الأمر ولاطفا المشايخ والتمسا منهم الصلح واجتمع الوالى والأمراء بالمشايخ وأعلن الأمراء أنـهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم وتعهدوا برفع المظالم والضرائب والمكوس والكشوفيات والتفاريد وأن يكفوا أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس ويسيروا فى الناس سيرة حسنة ولم يقتصر الأمر عند حد الوعد بل إن القاضى – وكان حاضرا – كتب وثيقة بهذه المبادىء الدستورية وقعها مراد بك وإبراهيم بك وفرمن عليها الباشا – أى وقع الوالى عليها

****


القاهرة الخديوية: رحلة في عبق تاريخ القاهرة الخديوية

أعد الملف نشوي الحوفي


١٣/ ١١/ ٢٠٠٨ : المصرى اليوم

نسير فيها فلا نعير جمالها اهتماما، تحتضننا شوارعها عابرين فيها صباحاً ومساءً، دون أن نقف لحظة لنري ما تركه القدماء لنا، وما جنته أيدينا به. هي القاهرة الخديوية، التي تكاد بناياتها تنطق بقيمتها الأثرية والمعمارية، وحالها مزيج من الاعتزاز بالنفس، والحسرة علي ما آلت إليه.

في هذا الملف نحاول إلقاء الضوء علي تاريخ تلك المنطقة التي شهدت العديد من الأحداث، والمواقف التاريخية التي لا تزال متجسدة في الأذهان. وما بين القاهرة الخديوية «المكان»، والقاهرة الخديوية «الكتاب» كانت الرحلة بين الواقع والوثائق.

رحلة في عبق تاريخ القاهرة الخديوية

ليست مجرد عمارات وطرق وشوارع وممرات وحدائق، لكنها حالة فنية تحكي تاريخ العمارة في تلك المنطقة، لتخلد حقبة زمنية أصيلة حاول فيها حاكمها تجميل ابنة المعز وتطويرها، ليحاكي بها عاصمة النور الفرنسية، ويستقدم من أجلها خيرة مهندسي الغرب ومصمميه، ليجعلوها قبلة للجمال المعماري في الشرق الأوسط، رغم ما أصابها من شيخوخة، أحالت وجهها المشرق في الماضي، إلي وجه متجعد، شائخ الآن.

تلك هي القاهرة الخديوية، والمعني بها المنطقة التي صمم معمارها الخديو إسماعيل، وتبدأ من كوبري قصر النيل، حتي منطقة العتبة، بما حوته من دار للأوبرا احترقت في العام 1971، ومبني للبريد، ومقر لهيئة المطافئ، إلي جانب ما تفرع منها من شوارع وطرق، باتت كشبكة عنكبوتية تشكل قلب القاهرة.

وعلي الرغم من أن التطوير عرف طريقه إلي قلب القاهرة الحديثة في عهد محمد علي باشا، إلا أن النهضة العمرانية الحقيقية، بدأت بها بشكل جدي ومدروس ومخطط له، في عهد الخديو إسماعيل بن إبراهيم باشا، أكبر أبناء محمد علي.

وتقول: «القاهرة في عهد محمد علي باشا عرفت التنظيم والتطوير من خلال تركيز الصناعات والحرف في منطقة السبتية، بشمال شرق بولاق، وإزالة الأنقاض والقمامة من حولها، وردم البرك والمستنقعات المنتشرة فيها، وتحويل مساحات شاسعة منها إلي حدائق ومتنزهات،

حتي إن محمد علي أصدر قراراً عام 1831 ميلادية أمر فيه بتعمير الخرائب، وتحديد مساحتها، كما أنشأ في العام 1843 مجلساً أوكل إليه مهمة تجميل القاهرة وتنظيفها. وفي العام 1846 تم توسعة شارع الموسكي، وترقيم الشوارع وإطلاق الأسماء عليها.

كما عمل علي تشييد القصور الملكية الفخمة الموقعة بأسماء مصممين معماريين من إيطاليا وفرنسا، مشترطاً عليهم أن يعلم كل خبير هندسي منهم، ٤ مصريين، فنون العمارة والتشييد. وكان في مقدمة تلك القصور، قصر محمد علي باشا بحي شبرا الذي تم تجديده من قبل وزارة الثقافة منذ عدة سنوات، وقصر الجوهرة في قلعة صلاح الدين الأيوبي، وقصر النيل، وقصر القبة».

وعلي الرغم من توالي ثلاثة خلفاء علي حكم مصر بعد محمد علي باشا، بدءاً من العام 1847 الذي تولي فيه إبراهيم باشا الحكم، مروراً بعباس الأول عام 1848، وسعيد باشا عام 1854، إلا أن إسهاماتهم في مجال العمارة لم تكن بالشيء الملموس الذي يمكن التأريخ له إلا فيما ندر، مثل قصر الروضة في عهد إبراهيم، وإنشاء حي العباسية في عهد عباس الأول، وحفر قناة السويس في عهد سعيد. علي عكس عهد إسماعيل باشا الذي تميز بانفجار معماري علي المستويات كافة.

تقول الدكتورة سهير حواس: «يبهرني الخديوي إسماعيل الذي كان بحق علامة بارزة في تاريخ المعمار المصري، وقد بدأت علاقته بالعمارة والفنون، منذ وقت دراسته بالنمسا، وباريس حيث تلقي تعليمه العسكري، وانبهر بتلك العمارة الغربية، التي حلم بنقلها كما هي إلي القاهرة، كي تصبح كما قال «عاصمة للشرق».

وعلي الرغم من الصورة التي عكف كتاب السيناريو المصريون علي تجسيد إسماعيل بها، إلا أن رؤية المؤرخين لتلك الشخصية تؤكد أنه كان بحق رجل المستحيل، الذي يرفض العقبات، مصراً علي تنفيذ أحلامه التي تتضح جلياً من خلال فنون المعمار، والإعمار في مصالح الدولة الحكومية،

فكما كانت عمارات وسط القاهرة وتنفيذ شوارعها، كانت دار الأوبرا في ميدان العتبة، وإصلاح أنظمة الدولة في المجالات كافة، مؤكداً أن هوايته الطوب والمونة، حتي كان قرار السلطان العثماني بالإنعام عليه بلقب «الخديوي» الذي كان أول من حمله من أبناء أسرة محمد علي، وكانت تعني «الفارس الشجاع».

وتضيف الدكتورة سهير حواس أن حدود القاهرة حينما تولي إسماعيل باشا الحكم عام 1863، كانت تمتد من منطقة القلعة شرقاً، إلي مدافن الأزبكية وميدان العتبة غرباً، يغلب عليها التدهور العمراني في أحيائها، ويفصلها عن النيل عدد من البرك والمستنقعات والتلال والمقابر، بمساحة لا تتخطي 500 فدان. وكان تعداد سكانها في ذلك الوقت لا يتجاوز 280 ألف نسمة.

وكانت سمعة القاهرة في الغرب تتلخص في عبارة كان يرددها كتاب الغرب، تقول: «خير لك أن تسمع عن القاهرة، من أن تراها، فهي عاصمة للبعوض»، إلي جانب عبارة أخري تسيء إلي مياه نهر النيل، تقول: «من يشرب من ماء النيل مرة، يعود فوراً لبلاده ليعالج من الملاريا».

تلك عبارات حفزت من همة الخديوي إسماعيل الذي أعلن عن تطهير مياه النيل وقال عبارته الشهيرة: «من يشرب من ماء النيل، فسيعود له المرة تلو المرة».

وليعلن عن مشروعه في تخطيط القاهرة علي الطراز الباريسي، ويستقدم من أوروبا عمالقة التصميم المعماري، وفي مقدمتهم المصمم العالمي الشهير «هاوسمان» الذي بدأ في تنفيذ حلم إسماعيل في جعل القاهرة «باريس الشرق»،

وليستغرق تصميم وتنفيذ المشروع خمس سنوات. وتتعدد مظاهر العمران، فهذا شارع «محمد علي» الذي ربط القلعة بوسط القاهرة وافتتح في العام 1872، وذاك شارع «كلوت بك»، يولد للحياة القاهرية في العام 1875،  وهنا كوبري قصر النيل يربط بين القاهرة والجزيرة في العام 1871، وهناك كوبري أبو العلا يربط بين القاهرة وجزيرة الزمالك. وتلك قصور لم تخف جمال تصميمها، في مقدمتها قصر عابدين الذي أنشئ ليصبح مقراً للحكم في مصر بدلاً من القلعة، علي مساحة 24 فدانا، وتكلف بناؤه 700 ألف جنيه مصري.

طموحات إسماعيل في تحقيق النهضة المعمارية بالقاهرة لم تكن تتوقف عند حد، ولذا كان قراره بتغيير مسار النيل ومجراه، فبدلاً من أن يمر بمنطقة بولاق الدكرور وبمحاذاة شارع الدقي حالياً وإمبابة، صار يسير في مجراه المعروف الآن،

وتم ذلك من خلال إقامة العديد من الحواجز الخرسانية عند مدخل كوبري عباس، وعند مدخل كوبري شبرد، وساعد ارتفاع مياه الفيضان علي سرعة تحويل المجري ليتم في خلال 18 شهراً فقط. بينما خلف انحسار المياه آلاف الأفدنة الخصبة الغنية بالطمي الأسود.

وكما تم تغيير مجري نهر النيل، تم ردم البرك والمستنقعات وفي مقدمتها، بركة عابدين التي كانت تحتل موقع الميدان الحالي، وبركة الأزبكية التي تحولت لأهم حديقة في القاهرة تحفها المسارح. بينما حلت الميادين محل باقي البرك مثل ميدان العتبة الخضراء وميدان الأوبرا، وميدان باب الحديد، وميدان سليمان باشا- طلعت حرب حالياً- وهكذا».

ويمتد مشروع التعمير الإسماعيلي للقاهرة، فيعمر مداخلها، ليكون في مدخلها الشمالي، باب الحديد وما جاوره من شارع شبرا، وليتحول المدخل الشرقي للقاهرة من حي لبائعي الفجل «الفجالة» إلي حي تزينه القصور والحدائق، وليمتد المدخل الغربي في طريق مستقيم من الأهرام وحتى ميدان الجيزة، وكذلك المدخل الجنوبي عند حلوان والمعادي.

وقام الخديو بتوزيع الأراضي في مداخل القاهرة علي الأعيان لتعميرها، وزراعتها بالأشجار، كما أنشأ شبكات الصرف الصحي، والإنارة بالغاز، وهيئة رصف الطرق. وتخصص قاهرة إسماعيل مئات الأفدنة للحدائق ، وحديقة الحيوان التي كانت الأولي في الشرق الأوسط وقتها.

ويطول الحديث عن المساجد في القاهرة الخديوية، لكن يكفي القول إنه روعي في تصميمها الحفاظ علي الطرز الإسلامية في العمارة والفنون، فكان مسجد وميدان الحسين، ومسجد وميدان السيدة زينب.

وتتسع رقعة القاهرة الخديوية، فتتضاعف مساحتها لتبلغ 2000 فدان، ويزداد تعداد سكانها ليبلغوا 350 ألف نسمة. لتكتمل فيما بعد أبنيتها وطرقها المتفرعة في قلبها، وترتفع المباني المزينة بنقوش وتفاصيل لا تخفي علي عين متذوقة للفن، وبتوقيع كبار المصممين، فهذا مبني «بنك مصر» بشارع محمد فريد، يحمل توقيع المعماري النمساوي «لاشياك»،

وتلك عمارة «جروبي» في ميدان سليمان باشا، تحمل توقيع المعماري «كاستمان»، وهذا «ماريو روسي» يوقع بأنامله علي جدران أشهر مساجد القاهرة ومن بينها عمر مكرم.

يخطئ من يظن أن مهارة القاهرة انه مجرد حجر أصم، لكنه حالة إبداعية تمزج بين التاريخ والمكان والفن ذاته. لتنتج فناً يعبر عن عصر من العصور بكل ما فيه اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً. ولذا كان المشروع الخاص بتطوير تلك المنطقة الذي ترعاه وزارة الثقافة من خلال هيئة التطوير الحضاري، ففي الخارج، يتعاملون مع تراثهم المعماري علي أنه قيمة كالأهرام،

والآثار، وكثيرون لا يعلمون أن حديقة الأزبكية التي تغنت بجمالها كتب الرحالة الأوروبيين قبل ردمها وتحويلها إلي دكاكين وجراجات قبيحة، هي ذاتها حديقة لوكسمبورج الباريسية الشهيرة بجميع معالمها وأسوارها وأشجارها، لكن الفرق هو درجة وعيهم هناك بقيمة ما لديهم، وجهلنا نحن بقيمة ما لدينا..

فالتراث المعماري لأي دولة، يعبر عن مجموعة من القيم، من بينها القيمة التاريخية التي هي ذاكرة المدن، والقيمة الجمالية التي تولد مع ميلاد المعمار، وترتبط بالطابع العام والقدرات الإبداعية، والتصميمية، والتأثيرية له، وهناك القيمة الوظيفية للعمل المعماري التي تعني الهدف المقصود من وجود المعمار في عصر من العصور، كالأسبلة في القاهرة القديمة علي سبيل المثال.

جولة في القصور الأثرية ..تكتب تاريخ العمارة والسلاطين والأمراء في مصر

تزخر القاهرة بالعديد من القصور النادرة وتعتبر جزءاً من تاريخ العمارة في مصر تنطق بتاريخ أصحابها.. وإذا كانت البيوت الأثرية في القاهرة تمثل التجار الأثرياء فإن أصحاب القصور كانوا في مرتبة أعلى، فمعظمهم من السلاطين والأمراء وهو ما يعني أن عمارتها أكثر ثراء وروعة كما أنها تروي قصصاً من تاريخ حكام مصر.
القصور الباقية في مصر تنقسم إلى قسمين، الأول يتعلق بالعصور السابقة لأسرة محمد علي، ومعظم هذه القصور ترجع إلى العصرين المملوكي والعثماني.. والقسم الثاني يتعلق بعصر أسرة محمد علي حتى العصر الحديث.

من أبرز القصور التاريخية الباقية من العصرين المملوكي والعثماني الزاخرة بالفن المعماري الأصيل بقايا القصر الأبلق وهو القصر الذي شيده السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ( 718هـ 1318م) في الجهة الغربية من القلعة وقد أخذ محمد علي جزءاً منه وبنى عليه المسجد المسمى باسمه.

في باب القصر توجد دهاليز مفروشة بالرخام لقصر عظيم البناء شاهق في الهواء بإيوانين أعظمها الشمالي يطل منه السلطان على الاسطبلات السلطانية، ويمتد النظر إلى نحو النيل وما يليه..

وفي الإيوان الثاني القبلي باب خاص لخروج السلطان وخواصه إلى الإيوان الكبير أمام الموكب ويدخل من هذا القصر إلى ثلاثة قصور داخلية.

بقايا قصر آخر هو قصر قوصون الذي أنشأه الأمير سيف الدين قوصون صهر السلطان محمد بن قلاوون ( 738هـ - 1337م) ويقع في الناحية الغربية من جامع السلطان حسن في القلعة ولم يبق منه سوى المدخل الرئيس، ويحتوي على عناصر معمارية فهو مدخل ضخم يحاكي المداخل في عصر المماليك يحتوي على عقد مدائني وعلى مقرنصات دقيقة .

الباب مكسو بالرخام كما يتضمن لوحة تأسيسية لزمن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وكذلك اسم صانعي القصر، محمد بن أحمد وأحمد زعلش الشامي.

قصر بشتاك الذي أنشأه الأمير سيف الدين بشتاك الناصري (735هـ - 1334م) يقع مقابل مدرسة السلطان برقوق والمدرسة الكاملية في شارع المعز لدين الله. المدخل عبارة عن عقد مركب من ثلاثة عقود متداخلة، على جانبيه مصطبتان على ارتفاع متر ويؤدي المدخل إلى دركاه على جانبيها فتحتان اليسرى تؤدي إلى دهليز مغطى بقبو حتى الإسطبل.أما القاعة الرئيسة فتتكون من قاعة كبرى تتعامد عليها أربعة إيوانات وسقفها خشبي به زخرفة قطع خشبية تتدلى من أركانه مقرنصات.. ويوجد بوسط الدور قاعة فسقية من الرخام الملون تخرج الماء المتطاير لترطيب الجو للأمير وزواره.

يقع قصر الأمير طاز بمنطقة الخليفة والحلمية الجديدة بالقلعة بشارع السيوفية المتفرع من شارع الصليبة. وقد أنشأ هذا القصر الأمير سيف الدين طاز بن قطغاج , أحد الأمراء البارزين في عصر دولة المماليك البحرية , والذي بدأ نجمه في الصعود خلال حكم الصالح إسماعيل بن الناصر محمد (743 � 746هـ 1343 � 1345م) حتى أصبح في عهد أخيه المظفر حاجي واحداً من أمراء الحل والعقد الذين كانت بيدهم مقاليد الدولة .وقصر الأمير طاز هو واحد من أعظم قصور مصر الإسلامية مساحة وبناءً و من المزارات المهمة في القاهرة، إذ شمل ترميمه العناصر المعمارية للقصر وأعمال الترميم الدقيق ومنها الأخشاب الزخرفية والعناصر الرخامية والمعدنية والشريط الكتابي بقاعة الحرملك والحوائط.

أما آخر بقايا قصور المماليك الباقية فهو بقايا قصر الغوري بشارع الصليبة بمقربة من جامع أحمد بن طولون ويرجع إلى العام ( 906هـ - 501م) يتبقى منه أجزاء من المدخل ويتكون من عقد مدائني يعكس طراز مداخل قصور المماليك ويزينه الحجر الملون بزخرفة باللونين الأحمر والأصفر وعلى جانبي المدخل مكسلتان ( مصطبتان) وعلى يمينه شرفة محمولة على كوابيل حجرية، ويوجد زنك كتابي يحمل اسم السلطان أبو النصر قنصوه الغوري.

قصور محمد علي

قصور أسرة محمد علي أكثر عمراناً ، ومنها قصر الجوهرة بالقلعة، فقد شيده محمد علي العام ( 1228هـ - 1813م)
وأطلق اسمه على اسم زوجته جوهرة هانم.

المدخل الرئيس للقصر أمامه مظلة محمولة على أعمدة الرخام وأعلى الباب عبارة « يا مفتح الأبواب افتح لنا خير الباب».. ويؤدي الباب إلى طرقة كبيرة بها عقود حجرية تنتهي إلى سلم قباب كبير وعلى يسار المدخل قاعة العدل تحتوي على سلم مزدوج. ويحتوي القصر على غرف عدة لها أبواب تصلها بالقاعة الكبرى وكان القصر مخصصاً لاستقبالات محمد علي وبه قاعة كبيرة عرفت بصالة العرش استقبل فيها السلطان عبد العزيز ويحتوي قصر الجوهرة على جزء مهم من تاريخ مصر فبداخله مشهد لديوان المظالم وكرسي العرش الخاص بمحمد علي والساعة التي أهدتها له الملكة مارغريت.. كما أقام به الخديوي إسماعيل وأعد به أثاثا لمبيت الملكة أوجيني زوجة الإمبراطور نابليون الثالث.

يتميز بتأثير من عملوا به من الأجانب من الروم والأتراك والغاريين والأرناؤوط من هنا جاءت التأثيرات المعمارية والفنية الأوروبية، ويظهر بها الطراز العثماني التركي بوضوح. فهو يحتوي على نقوش ذات فروع نباتية وأستار ومناظر منقولة من الأستانة وهي خليط من الزخارف التي انتشرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر التي تُعرف بالروكوكو.. ويحتوي القصر على حمام مرمري وفي وسط الحديقة فسقية من الرخام على حافتها أسود رابضة تتدفق من أفواهها المياه.

عمارة أوروبية

عن العمارة في عهد الخديوي إسماعيل اجتمع ثلاثة من محبي العمران في العالم الخديوي إسماعيل في مصر والسلطان عبدالعزيز في تركيا ونابليون الثالث في فرنسا.. وكان إسماعيل مولعا بالعمارة ودرس في أوروبا وزار إسماعيل المعرض النادر للتخطيط في باريس وتأثر به وقرر أن تكون القاهرة باريس الشرق فاستعان بضم المهندسين والمعماريين والفنانين كما استعان بخبرة البارون أوسمان عمدة باريس ومخططها.. واستعان بالمهندسين الإيطاليين أفوسكاني وروسو وهما من أشهر وأبرع مهندسي إيطاليا لبناء الأوبرا وكذلك استعان بأكبر الفنانين في الرسم والنحت والزخرفة وتصميم البناء على غرار عمارة الروكوكو الباروك الفاخرة.

بجانب تخطيط الميادين والشوارع وإعادة اكتشاف الحدائق العامة وتحويلها إلى متاحف طبيعية وقدم الأركيد (البواكي) أمام العمارات والمحال لحماية المارة وتظليل الشوارع وأنشأ نحو 30 قصرا من أروع القصور في مصر.

ومن أروع القصور التي أنشأها إسماعيل قصر عابدين في القاهرة لاستقبال الإمبراطورة أوجيني وضيوفه في احتفالات افتتاح قناة السويس العام 1869 وقد استخدم القصر مقرا لإدارة الحكم، والآن يُعد مزارا سياحيا مهمًا لما يشمله من متاحف لعرض مقتنيات أسرة محمد علي وهدايا رؤساء مصر حتى الرئيس مبارك. القصر يحتوي على نحو 500 غرفة وممرات وقاعات وحديقة.

أنشأ إسماعيل قصورا أخرى مثل قصر المانسترلي (1267 هـ - ‍‍ 1851م) على ضفاف النيل في نهاية حي المنيل وبه مقياس النيل ومتحف أم كلثوم والمركز الدولي للموسيقى. قصر المانسترلي بالروضة تحفة معمارية نادرة تطل على نيل مصر , يقع في الركن الجنوبي الغربي من نهاية جزيرة الروضة , وهو ما تبقي من مجموعة بنائية قام بإنشائها حسن فؤاد المانسترلي باشا (1851م , 1267هـ). تم اختيار قصر المانسترلي لوضع تمثال العالم أحمد الفرغاني الأوزبكستاني الجنسية الذي قام بتصميم مقياس النيل بالروضة والذي توفي عام‏865‏ ميلادية صمم التمثال الفنان الأوزباكي راف شان
‏ و تم اختيار الموقع للتمثال بقصر المانسترلي ويبلغ ارتفاع التمثال‏ 4‏ أمتار و‏50‏ سم بالقاعدة ووزنه طن ونصف‏.‏

قصر السكاكيني بالقاهرة (ما بين باب الشعرية والوايلى) أيضا تحفة فريدة في البناء حتى أن الملك فؤاد حوله إلى أول متحف في مصر العام 1927 ليعد مزار سياحي.


كان المعماري يستخدم في هذه القصور إنشاءات ذات متانة وجمال. فالجدران والبوابات والأعمدة والعقود متينة محكمة
والزخرفة عملت بدقة وإحكام واستغلال ألوان الأحجار الطبيعية وتنوعها تكفي وحدها لإخراج صورة فنية جميلة.والفسقية داخل الحديقة في أشكال هندسية مثمنة داخل مربع وعني بالزخرفة بالفسيفساء ويستخدم المرمر بوضوح بتناسق ألوانه المعروفة (الأبيض والأزرق والشمعي) ويستخدم في الأعمدة والأقواس في واجهات الأروقة التي تقوم على صف من الأعمدة كما يستخدم في الطرق مع زخارف هندسية ونباتية وكتابية تجعل من القصر تحفة فنية رائعة مريحة للعين.

 

امش في شارع الصليبة … و ترحم على المماليك

ليس أفصح من وصف أحجاره إلا أحجاره ، و ليس أمتع من مشاهدة معالمه إلا معالمه ، تسير فيه فتحس بأن المماليك معك ، لا يفارقونك ، و من خلفهم أحمد بن طولون أميرٌ على المكان كله .

إنه شارع الصليبة القاهري العريق ، قلب القطائع الطولونية ، قطعة حية و مضغة نابضة من الحضارة الإسلامية العريقة ، ما دخله سائرٌ إلا و آل أن يتمه ، و ما أتمه متمٌ حتى أحب أن يعيده.

يبدأ الشارع من ميدان السيدة زينب المبارك ، حيث يُعرف أوله بشارع عبد المجيد اللبان (مراسينا سابقاً) ، حينما تدخله لا تشتم إلا عبق التاريخ ، تشعر أن أرواح المماليك تحيط المكان ، بعد قليل من السير تجد عن يسارك مسجد الأمير لاجين السيفي بمئذنته القصيرة الوديعة ، و هو مسجد صغيرٌ جميل بناه الأمير لاجين السيفي المملوكي سنة 853هـ و كأنه خفيرٌ على الشارع يقول لك : انتبه ، إن بعدي مما هو أعظم مني ما يفوق خيالك.

و بالفعل لا تسير أمتاراً أخرى حتى تجد أثراً شامخاً من أعظم آثار القاهرة ، هو مسجد و خانقاه الأميرين سلار الناصري و سنجر الجاولي بمئذنته الشامخة الوقورة و قبتيه العظيمتين.

و قد بناه الأمير سلار الناصري سنة 703هـ و هو من المساجد المعلقة ، إذ يرتفع مدخله عن الشارع بنحو ثلاثة أمتارٍ و نصف المتر ، كما تتميز قبتاه بالكتابات الكوفية البديعة .

و تظل سائراً في الشارع الزاخر ، لترى عن يمبنك أثراً لا يقل عظمة و شموخاً عن سالفه ، ألا و هو مسجد و مدرسة الأمير صرغتمش ، الذي أنشأه الأمير سيف الدين صرغتمش الناصري المملوكي سنة 757هـ ليكون مسجداً و مدرسة للحديث و الفقه الحنفي.

و الداخل إلى هذا المسجد يشعر باطمئنان و سكينة نادرين ، توحي بهما روعة التصميم و جمال الزخرفة ، و ما دخلت هذا المسجد إلا و كأني عدت سبعة قرون إلى الوراء لأعيشه مكاناً و زماناً.

يتكون المسجد من أربعة إيوانات تحيط صحناً تتوسطه فسقية بديعة ، و أكبر إيوان هو إيوان القبلة (الشرقي) و الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام أكبرها أوسطها ، و قد اقتُبس التقسيم في مسجد الظاهر برقوق بالنحاسين.

و للمسجد قبتان إحداهما قاهرية الطراز ، و الأخرى سمرقندية الطراز يندر وجود مثلها في الشام و مصر و المغرب.

و للمسجد أيضاً مئذنة بديعة من ثلاثة أدوار ، و لها رأس كمثرية ، و هي من أول المآذن التي بنيت على هذا الطراز ، و تتميز برشاقتها الآسرة التي لا تفوقها فيها مئذنة خلا مئذنتي جامع السلطان المؤيد.

و ما أن تخرج من مسجد الأمير صرغتمش و تتجه يميناً حتى ترى القلعة الإسلامية الضخمة الجاثمة خلفه ، و هي جامع أحمد ابن طولون شيخ جوامع القاهرة.

و عُرف الجامع بهذا اللقب لأنه أقدم جامع قاهري احتفظ بتصميمه الأصلي دون تغيير ، على عكس جامع عمرو بن العاص الذي محت التجديدات معالمه الأصلية.

أنشأ الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون سنة 263هـ ، و تم بناؤه في عامين ، و هو أكبر جوامع القاهرة مساحة ، إذ تبلغ مساحته ست أفدنة.

و يتميز الجامع بطرازه العباسي الخالص و ينفرد بثلاث تحف معمارية لا توجد في غيره:

أولاً : مئذنته الملوية ذات السلم الخارجي ، و التي لا تناظرها في فخامتها إلا مئذنة سامراء الملوية ، و تنفرد هذه عن مئذنة سامراء بقاعدتها المربعة و شرفتها المستديرة و زخرفتها

ثانياً : المحاريب الجصية ، حيث في المسجد خمسة محاريب جصية مسطحة (غير مجوفة) تعود إلى عصور مختلفة ،محراب عباسي ، و محرابان فاطميان ، و محرابان مملوكيان ، و تمتاز هذه المحاريب بزخارفها الكثيفة الدقيقة ، فضلاً عن لوح التأسيس المعلق على أحد أعمدة المسجد

ثالثاً : السور الخارجي للمسجد و الزيادة الواقعة بين السور و المسجد ، حيث يضفي السور على المسجد جواً من الرهبة و العظمة ، و يُقال أن هذا السور بني حول المسجد ليبعد المصلين عن أجواء المدينة الخارجية و يحفظ الخشوع داخل المسجد

و قد جرت للجامع تجديدات و ترميمات عديدة ، أهمها التي جرت في عهد السلطان المنصور حسام الدين لاجين المنصوري سنة 696هـ ، و فيها أضاف الفسقية البديعة التي تتوسط الصحن

و يجاور جامع أحمد ابن طولون بيت عثماني يُعرف ببيت الكريدلية ، و يُستخدم حالياً متحفاً أثرياً تُعرض فيه المجموعة الأثرية الخاصة بالأثري الإنجليزي جاير أندرسون

لله دره شارع الصليبة ، إنه هنا .. لا تجذبك مساجده الأثرية فقط ، بل بيوته و حوانيته و دكاكينه ، كأنك يا زائره ما دخلته لتخرج منه ، و ما جئته لتغادره ، فكل درب متفرع من هذا الشارع له حكاية أخرى و يحتضن أثراً آخر

نكمل رحلتنا في الشارع العتيق لنقابل عن يسارنا مسجد المؤرخ الشهير ابن تغري بردي صاحب الموسوعتين التاريخيتين الخالدتين (النجوم الزاهرة في تاريخ مصر و القاهرة) و ( المنهل الصافي و المستوفي بعد الوافي)

و قد أنشأ ابن تغري بردي مسجده هذا سنة 844هـ ، و توفي سنة 872 ، و المسجد بديع ذو مئذنة باسقة ، و هو من الداخل صغير نسبياً ، لكنه جميل التقسيم

و يظل الركب سائراً في شارع الصليبة حتى سبيل أم عباس حيث يقاطعه امتداد شارع المعز ، شارع السيوفية إلى الحلمية شمالاً ، و شارع الخليفة إلى السيدة سكينة جنوباً ، و على ناصيتي الشارعين يتقابل مسجدا الأمير شيخون العمري كأحسن ما تكون المقابلة ، و أوفق ما تبدو المواجهة

أنشأ المسجدين الأمير شيخون العمري الناصري ، و الأيسر منهما أُنشئ مسجداً سنة 750هـ و الأيمن أنشئ كخانقاه للصوفية سنة 756هـ و فيها دُفن الأمير

و المسجد يتكون من صحن تتعامد عليه أربعة إيوانات ، و تتوسطه فسقية للوضوء

و في هذا المسجد بزغ نجم الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله ، و بدأ إلقاء دروسه و ذاعت شهرته في ديار الإسلام منه

أما الخانقاه فتتكون من صحن تحيط به ثلاثة إيوانات تشغلها الخلاوي ، و تعلو بلاطتي المحراب قبتين خشبيتين

و للمسجدين مئذنتان متشابهتان

ثم يشاهد السائر بعد ذلك مسجد قانيباي المحمدي ، و هو مسجد جميل أنشأه الأمير قانيباي المحمدي سنة 816هـ ، و له مئذنة بديعة و قبة

و يحتضن الشارع العتيق بعد ذلك سبيل السلطان قايتباي884هـ الذي تحول إلى مركز للحضارة الإسلامية ، ، و هو ختام سلسلة الآثار الشامخة التي يحويها الشارع ، فإن هي إلا أمتارٌ قليلة و يصب الشارع في ميدان القلعة عند مسجد السلطان حسن الذي يحتاج لرحلة منفردة

و أنا شخصياً لا أشعر عند إتمام سيري في هذا الشارع المتحفي الرائع إلا بالرغبة في العودة إلى بدايته و قطع رحلة أخرى

فما شعورك أنت أيها القارئ عند السياحة في هذا الشارع ؟؟

لو تكلمت لسبقتك الأخبار

و لو سكت لأجابت الآثار

و في كلتا الحالتين يبقى الشارع شاهداً على عظمة الإسلام ، حاملاً شهادة إنصاف للمماليك … عفواً سادتنا المماليك ، الذين شوه صورتهم الأدباء و القصاص جهلاً ، أو عمىً عن تلك الآثار العظيمة

هه ولله درك يا شارع الصليبة

مقالات قيمة من جريدة القدس العربى 43

07
نوفمبر
2009
nermeen — @ 10:36

 

democracy-in-the-arab-world.jpg

 


لندن: صحافي بريطاني يصدر كتابا ثانيا عن السعودية بعد حظر كتابه الأول


هيام حسان

30/10/2009

لندن ـ 'القدس العربي': قال صاحب كتاب (المملكة) المحظور تداوله في المملكة العربية السعودية أن غياب النظام الضريبي في ظل النظام الملكي السعودي يعتبر من العوامل التي تحد من فرص إحلال الديمقراطية في المملكة، وذلك بسبب انعدام من يطالب بالحقوق مقابل الضرائب التي يتم دفعها للدولة.


وقال روبرت ليسي الصحافي والكاتب الذي عمل في السعودية سنوات طويلة أيضاً أنه لا خوف على الأسرة الحاكمة السعودية من احتمالات التمرد الطبقي نظراً لغياب الطبقة الفقيرة المعدمة في أوساط الشعب السعودي نفسه، إضافة إلى أن الجميع يحظى بالخدمات المجانية في مختلف القطاعات بخلاف الحوافز الأخرى التي لا تبقي في نفوس أفراد الشعب الشعور بالنقمة والحقد على أفراد الأسرة الحاكمة فاحشي الثراء.


وكان ليسي يتحدث في نادي فرنت لاين في لندن مؤخراً بحضور جمع من المهتمين والمختصين بالشأن السعودي، احتفاء بكتابٍ جديد صدر له حديثاً بعنوان 'داخل المملكة'، كما تم خلال الندوة أيضاً عرض فيلم وثائقي له بعنوان 'تأهيل الإرهابيين'، سلط فيه الدور على نهج الإصلاح والتأهيل الذي تتبعه المملكة العربية السعودية مع أصحاب الفكر المتشدد من أجل إعادة إدماجهم في المجتمع بعد تخليصهم من الأفكار المتطرفة. ولقيت بعض طروحات ليسي المعارضة والتفنيد من قبل الحضور الذين قدم بعضهم شهادات وآراء منافية لما سجله هو في كتابيه وعرض له خلال الندوة، سيما ما تعلق منها بالحريات والديمقراطية والفصل بين الجنسين في التعليم.


وشدد ليسي خلال حديثه على تأثير التيار الديني المتشدد في حياة المجتمع السعودي الذي يعاني الحرمان من فرص التحرر والانفتاح كنتيجة لذلك رغم أن النزعات التحررية متوفرة لدى أفراد الأسرة الحاكمة، مشيراً إلى أن الأمور ازدادت سوءاً في السنوات الأخيرة إلى حد أن الكثيرين باتوا ينظرون بحنين إلى العقود الماضية لما اتسمت به من بساطة وغياب للتطرف بصورته الحالية، لافتاً إلى أنه عايش التغيير بنفسه حيث تسنى له أن يعيش في المملكة العربية السعودية منذ عام 1979.


ولكنه عاد وشكك في جدية أفراد الأسرة الحاكمة في إدخال التغيير على المجتمع السعودي وقال أنهم يريدون العصرنة ولكن بدون الديمقراطية، كما اعتبر أنهم يشكلون الوجه الحقيقي الوحيد للديمقراطية في المملكة عندما يعطى لكل شخص منهم صوت واحد لاختيار الملك بما يضمن لهم جميعاً البقاء والخلاص رغم كل ما يحوط بهم من متغيرات على حد تقديره للوضع في المملكة الذي قال أن البعض قد يصفه بـ'الاستخفافي'.


من ناحيتها، وافقت الإعلامية السعودية لبنى حسين ليسي الرأي في شأن الموقف المتردد من الديمقراطية في المجتمع السعودي. وقالت أن المواطن السعودي وهي شخصياً لا تعتقد بأن هناك جاهزية لتبني النهج الديمقراطي في صورته الغربية، معتبرة أن السبب يعود إلى تأثير الطفرة النفطية على مستوى الحداثة في المجتمع السعودي الذي انعكس في المظاهر الشكلية للحياة ولم يتغلغل ليصل بتأثيره إلى المستوى الفكري والثقافي، مشددة على أن مثل هذا التحول يجب أن لا يكون متوقعاً بدون أن يستنفد الوقت اللازم له مثلما حدث مع الحضارة الغربية. ولكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن الديمقراطية الغربية قد لا تكون النموذج الأمثل للمجتمع السعودي، متسائلة: لماذا يتوجب علينا أن نكون مثلكم وأن نحذو حذوكم؟ مشيرة إلى أن الأسباب الرئيسة وراء تطرف بعض السعوديين تعود إلى الرغبة في مقاومة الهيمنة المفروضة من الغرب. وشددت حسين التي تقدم برنامجاً حوارياً سياسياً يبث بالإنكليزية على التلفزيون السعودي كل أسبوع على أهمية التعليم في المجتمع السعودي خاصة وأن عصر الطفرة النفطية آخذ في الانحسار، معربة عن أسفها لرداءة مستوى بعض الخريجين السعوديين غير المؤهلين بكفاءة للعمل وإدارة شؤون الدولة. وفي ردٍ لها على دور الأميرة عالية كريمة الملك عبد الله بن عبد العزيز وما يشاع من أحاديث عن الدور الخفي الذي تضطلع به من أجل تحسين أوضاع النساء في المملكة، قالت أن الأميرة تلعب دوراً بالفعل بتشجيعٍ من والدها الملك الذي ترافقه كثيراً في أسفاره، والذي يؤمن بالتوزيع العادل للأدوار في إدارة الشؤون، رغم تعليمه المتواضع على غير ما هو الحال مع إخوته مثلاً، مدفوعاً لذلك ببصيرته الثاقبة.


وكان لافتاً ما قالته حسين خلال الندوة من أن عدد الأميرات في المملكة العربية وصل إلى نحو 8000 أميرة على الأقل، وهو ما علقت عليه أميرة صديقة لها من أنه يفوق عدد سائقي السيارات في المملكة.


واعتبرت حسين أن انعدام حالة الاستياء تجاه الأسرة المالكة وما تنعم به من ثروات يعود إلى أنها تختلف عن الأسر الحاكمة الأخرى مثل أسرة الشاه في إيران قبل قيام الثورة الإسلامية التي كانت تستأثر بالكعكة وحدها على حسب تعبيرها.


وعن تجربتها الخاصة في العمل الإعلامي في السعودية قالت حسين أن الوضع بات أفضل من السابق إلا أن الرقابة الذاتية تبقى سيدة الموقف بالنسبة لها ولغيرها، لافتة إلى التأثير الايجابي الذي يفرضه بعض المنفتحين من أفراد الأسرة الحاكمة رغم المقاومة التي يلقاها هؤلاء من قبل الدوائر المحافظة.

****

الأعمال الدرامية التي أخذت عن الرواية الفلسطينية 'عائد إلى حيفا' للأديب غسان كنفاني كان آخرها مسرحية أردنية ومسلسل تلفزيوني وفيلمين سينمائيين


كوثر عرار

30/10/2009

عمان- القدس العربي 'عائد إلى حيفا' رواية للأديب الفلسطيني غسان كنفاني، تعتبر من أبرز الروايات في الأدب الفلسطيني المعاصر. صدرت طبعتها الأولى في عام 1969، وترجمت إلى العديد من اللغات منها اللغة الإنكليزية واللغة الروسية في العام 1974 وكذلك اللغة الفارسية في العام 1991.


'عائد إلى حيفا' ربما تكون في نصها عمل أدبي روائي، إلا أنها في نصها الإنساني تجربة عاشها غسان كنفاني وعاشها كل فلسطيني، تجربة جرح وطن، وعذابات إنسان عانى قهر وظلم وحرمان، وتشرد، لاجئ حيناً، ملتجئ أحياناً، إلا أنه دائماً وأبداً يحمل أمل العودة إلى ذاك الوطن الساكن في الوجدان.


ورواية عائد إلى حيفا التي لا تتجاوز عدد صفحاتها الـ 70 من القطع المتوسط في نصها الأدبي والروائي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي من إخراج قاسم حول، وإنتاج مؤسسة الأرض للإنتاج السينمائي عام 1981م، حصد أربع جوائز عالمية، وتدور أحداث الفيلم الدرامية صبيحة الحادي والعشرين من نيسان (ابريل) عام 1948 وقد انهمرت قذائف المدفعية من تلال الكرمل العالية لتدرك مدينة حيفا وفي هذا الوقت كانت سيدة قد تركت ابنها الرضيع الذي اسمه خلدون في البيت وخرجت تبحث عن زوجها وسط حشود الناس المذعورة حيث يضطران ل