أوباما لا يستحق جائزة نوبل
رأي القدس
10/10/2009
فوز باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام جاء مفاجئاً للكثيرين، بمن فيهم الرئيس الأمريكي نفسه، فالرجل لم يقدم أي إنجاز حقيقي على الأرض يمكن أن يؤهله لهذه الجائزة، كما أن عمره في السلطة لا يزيد على تسعة أشهر، أي أنه ما زال يتحسس طريقه وسط حقل ألغام شديدة الانفجار، سواء على الصعيدين الداخلي أو الدولي.
فقد جرت العادة أن تمنح هذه الجائزة الأكثر أهمية بين قريناتها لأشخاص أنهوا حروباً أو نزعوا سلاحاً، ولا نعتقد أن الرئيس أوباما يمكن تصنيفه في هذه الخانة، فالرجل ما زال يتزعم دولة تخوض حربين دمويتين في الوقت الراهن، إحداهما في أفغانستان والأخرى في العراق، ويحمل رتبة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
صحيح أن الرئيس أوباما تمسك بتنفيذ وعوده بسحب قوات بلاده من العراق باعتبار الحرب فيها 'بالاختيار'، ولكنه مصّر على مواصلة الحرب الثانية في أفغانستان، باعتبارها 'حربا بالضرورة'، ومن المتوقع أن يصادق في الأيام القليلة المقبلة على طلب قائد قواته فيها الجنرال ستانلي ماكريستال لزيادة عدد القوات الأمريكية بحوالي أربعين ألف جندي.
من ينخرط في حربين في آن، وتقدم طائراته بشكل شبه يومي على قتل مدنيين أبرياء في المناطق الحدودية الباكستانية الأفغانية تحت ذريعة مطاردة الإرهابيين لا يمكن وصفه بأنه رجل سلام، ناهيك عن فوزه بأهم جائزة عالمية في هذا المضمار.
جائزة نوبل جرى منحها هذه المرة مقدماً على أساس 'النوايا' وليس على أساس 'الإنجازات' وكضربة 'استباقية' لجر الرئيس الأمريكي الشاب إلى معسكر السلام، وإبعاده عن شن حروب جديدة.
من السابق لأوانه القول بأن هذا النهج، إذا ما صح، يمكن أن يعطي ثماره، فالرئيس الأمريكي قال في خطابه الذي ألقاه أمس وأعلن فيه ترحيبه بالجائزة، أنه لن يتسامح مع القوى النووية التي تشكل خطرا، في إشارة مباشرة إلى إيران. وإن كان من الإنصاف القول بأنه أيد في الوقت نفسه حق الدول في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية في حال الإفصاح عن نواياها بشكل صادق.
منطقة الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، هي ساحة الاختبار الحقيقي لنوايا الرئيس باراك السلمية، وقدرته على حمل لقب 'صانع السلام'، ومن المفارقة أن اللجنة المشرفة على منح جائزة نوبل للسلام استندت إلى خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة قبل خمسة أشهر، وخاطب فيه العالم الإسلامي متعهدا بإتباع سياسة خارجية تصالحية، ترتكز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، كمبرر لمنحه الجائزة، ولكن وبعد ستة أشهر من الجهود المضنية، وإرسال مبعوثه للسلام إلى المنطقة أكثر من مرة، واستقباله المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين في واشنطن ونيويورك، ما زال يدور في المربع الأول، ولم يحقق أي تقدم.
الرئيس أوباما عجز عن تجميد بضعة مئات من المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة، ورضخ في نهاية المطاف لشروط بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي، وهذه ليست من صفات رجل يمكن أن يصنع السلام، فإذا كان لا يستطيع إقناع أقرب حلفاء بلاده بوجهة نظره، فكيف سينجح في حل صراع استمر أكثر من مئة عام، ويعتبر الأكثر تعقيدا من نوعه؟
منح جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس الأمريكي بالطريقة التي شاهدناها، لن تضيف الشيء الكثير له، ولن تعزز شعبيته المتدهورة في بلاده، خاصة إذا تزايد حجم الخسائر في صفوف قواته، أو في صفوف المدنيين الأبرياء في أفغانستان، أو اضطر للإقدام على حرب ضد إيران في حال فشل المفاوضات الحالية، والتسليم بمحدودية أي حصار اقتصادي.
الأمر المؤكد أن هذه الجائزة، جائزة نوبل، خسرت الكثير من قيمتها وأهميتها بقرار منحها المتسرع الوقح المتبجح إلى رئيس أمريكي ما زال في بدايات فترته الرئاسية الأولى ، لم يمر عام واحد حتى على بدء ولايته الرئاسية الأولى !! ، تولى فى يناير 2009 ، ونحن اليوم فى أكتوبر 2009، وفي طور بلورته لسياساته الداخلية والخارجية. وقد تكشف أكثر وأكثر أنها جائزة تحت سيطرة اليهود يمنحوها لمن يرضون عنه ومن يسير فى ركابهم ويخدم أغراضهم ومصالحهم تماما مثل السادات والبرادعى ونجيب محفوظ ومبارك وزويل.
****
درس 'عثماني' للعرب
عبد الباري عطوان
12/10/2009
إقدام الحكومة التركية على إلغاء مناورات جوية، كان من المقرر أن تستضيفها أنقرة، وتشارك فيها طائرات إسرائيلية وأمريكية، يجب النظر إليه من زاويتين أساسيتين، الأولى لها علاقة بالموقف التركي الغاضب من الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة مطلع العالم الحالي، والاقتحامات الإسرائيلية الاستفزازية لباحة المسجد الأقصى، أما الثانية فلها علاقة بالاستعدادات الإسرائيلية الأمريكية المتصاعدة لفرض عقوبات اقتصادية خانقة على إيران، تمهيداً لتوجيه ضربة عسكرية جوية لها لتدمير برنامجها النووي.
السيد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي يضيف بهذه الخطوة، التي اتخذها شخصياً، تأكيداً جديداً على مواقفه المساندة للحق العربي الإسلامي في فلسطين المحتلة، وإدارة ظهره وحكومته لأوروبا التي أغلقت الباب بطريقة مهينة أمام بلاده للانضمام إلى اتحادها. والتي تنازلت تركيا حتى عن شريعة الله فى الزنا من أجل رضاها.
الزعيم التركي الذي احتج بقوة على المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، وانسحب من جلسة لمنتدى دافوس، رداً على أكاذيب شمعون بيريس رئيس إسرائيل حولها ، لا يريد أن تطير الطائرات العسكرية الإسرائيلية نفسها التي مزقت أجساد أطفال غزة بقنابلها وصواريخها في سماء الإمبراطورية العثمانية، وان يحتكّ طياروها المتهمون بارتكاب جرائم حرب بنظرائهم الأتراك.
أردوغان يوجه رسالة قوية مزدوجة إلى كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في الوقت نفسه، تقول مفرداتها إن تركيا تتغير، وبسرعة كبيرة، وتتجه نحو فضائها الطبيعي الحميم الدافئ، أي المشرق العربي الإسلامي، الذي أبعدها عنه كمال أتاتورك، لهثاً خلف سراب الانتماء الأوروبي المخادع.
فالرجل لم يغتصب السلطة في بلاده من خلال انقلاب عسكري ولا بقي بكلاحة وتبجح على الكرسي 40 أو 30 سنة من القصر إلى القبر دوما ، أو يدين بوجوده فيها إلى الدعم المالي أو العسكري الأمريكي، مثل معظم أقرانه في العالم الإسلامي، والعربي على وجه الخصوص، وإنما وصلها عبر صناديق اقتراع في انتخابات تشريعية نزيهة، واحتكم دائماً إلى الدستور والقانون، وسخّر نفسه وحكومته لبناء قوة إقليمية مهابة الجانب، وخدمة رأي عام ضاق ذرعاً بالاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة لمشاعره الإسلامية الأصيلة، والعنصرية الأوروبية التي أغلقت أبواب اتحادها في وجه بلاده، بينما غفرت ذنوب دول كانت حتى الأمس القريب في خندق حلف وارسو الاشتراكي المعادي.
' ' '
الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) قدم تجربة اقتصادية أصبحت نموذجاً يحتذى، فالناتج القومي الذي يصل إلى 900 مليار دولار سنوياً (حسب تقديرات عام 2008) جعل تركيا تحتل المركز السابع عشر اقتصادياً على مستوى العالم، رغم أنها ليست دولة نفطية، ويصل حجم صادراتها (صناعية وزراعية) إلى حوالى 140 بليون دولار (تحتل المكانة 32 على مستوى العالم في حجم الصادرات).
هذه الإنجازات القوية هي التي دفعت أردوغان لكي يخاطب إيهود أولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي، وتسيبي ليفــني وزيرة خـــارجيته أثناء حرب غزة بقوله إنه زعيم أحفاد العثـــمانيين وان ما تفـــعله قواتهــما في قطاع غزة هو بقعة سوداء في تاريخ الإنسانية لن يسكت عنها التاريخ. وأردف قائلا 'إسرائيل ستغرق في دموع الأطفال والنساء والمظلومين، ضحايا هذه المجازر في غزة'.
مثل هذه المواقف الرجولية التي لم يقدم على مثلها أي زعيم عربي، هي التي جعلت عشرات الآلاف من الأتراك يهرعون إلى مطار إسطنبول لاستقبال زعيمهم الذي لم يتردد في مواجهة بيريس في دافوس بقوله 'إسرائيل تعلم جيدا كيف تقتل الأطفال'.
العلاقات التركية مع إسرائيل، خاصة في المجالات العسكرية، كانت دائما البقعة السوداء التي يستغلها أعداء أردوغان للتشكيك في مواقفه الداعمة للحق العربي في فلسطين، ومنعه الطائرات الإسرائيلية من المشاركة في المناورات العسكرية السنوية فوق الأراضي التركية، جنبا إلى جنب مع نظيراتها الأمريكية والتركية، هو الرد على كل المشككين، وتقزيم عملي لمثل هذه العلاقات التي قامت على أي حال في أزمان الحكومات التركية السابقة، ذات الطابع العلماني.
واللافت أن هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجي، وليست في إطار خطوة استعراضية تكتيكية. فقد أسست حكومة أردوغان لعلاقات وثيقة مع سورية وإيران، وألغى الرئيس التركي عبد الله غول زيارة رسمية إلى إسرائيل، لان حكومتها رفضت السماح له بزيارة قطاع غزة، وتفقد جرائم الحرب الإسرائيلية فيها، والالتقاء بقادة حركة 'حماس'.
تركيا تريد أن تقول لإسرائيل بلغة واضحة حاسمة بأنها لن تقبل بأي حرب ضد جارتها إيران، ولن تسمح لطائراتها بالتحليق قرب الحدود الايرانية ـ التركية أثناء التدريبات العسكرية التي كانت ستبدأ اليوم الاثنين. ومن المؤكد أن السيد أردوغان الذي سيزور طهران هذا الأسبوع سيحمل معه تأكيدات بان تركيا ربما لن تشارك في أي حصار اقتصادي يتم فرضه على إيران في المستقبل المنظور.
' ' '
المؤلم أن هذه المواقف التركية المثيرة للإعجاب (صحوة الضمير التركية) تتم في ظل 'حالة موات' عربية على الأصعدة كافة، وفي ظل تبلور محور عربي ـ إسرائيلي ضد إيران يضم ما يسمى بدول الاعتدال. فبنيامين نتنياهو الذي يقرع طبول الحرب لتدمير المفاعلات النووية الايرانية يتحدث علانية عن أرضية مشتركة مع دول عربية 'معتدلة' تلتقي مع إسرائيل في قلقها من هذه المفاعلات.
والمؤلم أكثر أن هذه المواقف التركية المشرّفة تتزامن مع إقدام السلطة الفلسطينية في رام الله على سحب مشروع قرار التصويت في اجتماع مجلس حقوق الإنسان العالمي، في دورته الأخيرة في جنيف، على تقرير القاضي اليهودي الصهيوني ريتشارد غولدستون، الذي يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية أثناء عدوانها على قطاع غزة.
الشعوب تدعم القيادات التي تحفظ كرامتها، وتحقق تطلعاتها في الحرية والنهوض الاقتصادي والسياسي والعسكري، وتقف في وجه الظلم والقهر، وهذا ما يفسر التفاف الشعب التركي في معظمه خلف القيادة الحالية، وتعزيز وجودها في قمة السلطة، من خلال عملية ديمقراطية نزيهة، بل هذا ما يفسر أيضا احتلال السيد أردوغان المكانة الأبرز، وربما الوحيدة، في قلوب مئات الملايين من العرب والمسلمين لأنه امتلك الشجاعة والشهامة الكافيتين ليقول لإسرائيل ما قاله في وضح النهار، ولينتصر للضعفاء والمضطهدين المحتلين الذين تخلى عنهم من يدّعون أنهم عرب ومسلمون.
الطائرات الإسرائيلية التي ألقت قنابل الفوسفور على أطفال غزة لن تحلق بعد اليوم في أجواء تركيا المسلمة، وصفحة التعاون العسكري التركي ـ الاسرائيلي قد تكون طويت إلى الأبد.
فإسرائيل باتت مكروهة، مدانة، وانفضاض العالم من حولها يتسارع، بعد أن مزق شهداء قطاع غزة، من الأطفال والنساء 'القناع الحضاري' الزائف، المخادع، الذي أخفى وجهها العنصري الدموي البشع. لعنة هؤلاء جنبا إلى جنب مع لعنة أطفال قانا وصبرا وشاتيلا، وكل الضحايا الآخرين، ستظل تطارد مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى الأبد.
****
الشام والحجاز والخارطة العربية الواحدة المنسية
مطاع صفدي
12/10/2009
صورة الرئيس الشاب والملك الشيخ الثمانينى تحت شمس دمشق المشرقة قد توحي للبعض أن النظام العربي يخال أنه قادر على الترميم قبل الانهيار الأخير، لم يفت الوقت تماماً، وإن أوشك عقربا الساعة على التطابق في لحظة منتصف الليل.
سورية في مستوى المبدأ، هي الدولة المفترضة نهضوياً واستراتيجياً، إنها رائدة الحقبة الاستقلالية، المبشرة بشمولية الاستقلال القومي؛ إنها داعية التغيير، والمبتكرة الأولى لأدواته، من مرحلة النشأة الثقافية للحزب الطليعي، وعقيدته الانبعاثية، إلى قيادة الشارع الطلابي، إلى مرحلة القفز بالسياسة إلى دبابات العسكر، باعتبار الجيش الوطني الجديد طليعة التغيير الداخلي كشرط للصمود الخارجي. فإسرائيل المفروزة بالقوة في رقعة من فلسطين، جنوبي الشام، كانت تعتقد أن الشام، وحتى إلى ما وراء النهرين في العراق، هي أرض بلا شعوب، مستباحة لبني يهوذا من آلاف السنين. هكذا ولدت سورية الاستقلالية كدولة، قلعة لجيل المحاربين القادمين حتماً لرد الغزاة عن أقاليم الماء والخضرة والحضارة لشمالي جزيرة العرب. فإسرائيل لم تولد مشروعاً فلسطينياً مجتزأً فحسب، بل مشروعاً بديلاً عن وطن العرب وموئل الاسلام وحضارته.
سورية في مستوى المبدأ، ذلك كان هو مبدأُ وجودها؛ إنها في كلمة واحدة، دولة الدفاع عن الأصيل ضد الدخيل بل البديل. انبعاث التاريخ العظيم ضد تزوير الجغرافية المنحولة تلك التفاؤلية الفجرية تعلن عودة العرب إلى صلب التاريخ المعاصر. جيل الخمسينيات والستينيات كان واقفاً على باب الوحدة العربية اليومَ قبل الغد. صَدْمتهُ الأولى انزراعُ إسرائيل كأكبر عقبة جغرافية عسكرية في طريق العرب إلى الوحدة. ذلك هو التحدي الأكبر الذي ينبغي أن تفسر كل التحديات الأخرى الذاتية والخارجية من خلال سياقه، بل مركزيته المطلقة.
سورية على مستوى المبدأ كانت تشعر أنها هي العربُ جميعاً، إذا ما استقلوا وتحرروا وقهروا الغازي العضوي، الاسرائيلي، لجسدهم، لوطنهم الممزق. فإسرائيل حارسة التجزئة والشرذمة، ودويلات المماليك القادمة. والاستقلال (الوطني) لن يكون له معنى إن لم يتجنَّد بكل طاقته في معركة الاستقلال القومي. لم يقبل المواطن الدمشقي صفة السوري، إلا كعنوان حيّ، مؤقت، في مدينة العرب الكبرى. سورية على مستوى المبدأ لم تكن حالمة، لم تستعدْ ذاكرة الإمبراطورية العربية الإسلامية لتحلم بتكرارها في عصر الذرة وغزو الفضاء. فقد اعتقدت أنه من حق العرب أن يفوزوا بحريتهم السياسية كاملة كمفتاح لنهضتهم الجديدة، واستئناف مشاركتهم التاريخية في تنمية المدنية الإنسانية.
أما أحوال سورية على مستوى الوقائع اليومية طيلة العقود الستة أو السبعة الماضية، فتلك هي قصة أخرى لم يتم إثباتُها في سجل تاريخي علمي بعد، وما زالت أطيافها تتردد في ذاكرات البعض من أجيالها المصاحبة أو المشاركة لمنعطفاتها وأسرارها. لكن المهم في المنعطف الراهن، استيعابُ ما سوف يُدعى بعودة التضامن العربي على محوره التقليدي للجزيرة العربية جنوباً وشمالاً. فلا يمكن أن تُفهم قمةُ دمشق فقط من زاوية الخارطة الجيوسياسية والتباساتها المتعارضة، المخيمة على المنطقة منذ سقوط بغداد وعدوانَيْ إسرائيل على لبنان وغزة. ذلك أن هذه القمة ينبغي لها أن تقترح خارطتها المبدئية ما فوق هذه الخارطة الجيوسياسية البائسة. قمة الحجاز والشام لن تحقق مدخلاً لمصالحة بعض العرب مع بعضهم الآخر فقط (حول الموضوع المركزي: الأمن القومي، مثلاً؟)، وإلا فإنها لن تكون إلا مجرد حدث دبلوماسي منتم إلى تلك الخارطة المشؤومة عينها، إن لم تتجرأ القمة على نية التدخل في وجه بعض حتمياتها السلبية المتصلبة.
لقاء الحجاز والشام يفترض أنه ناهض إلى نوعٍ من الترميز الجيوفلسفي الذي يضع حداً بين إيقاعين للنهضة العربية المعاصرة، أولهما هو إيقاع اليقظة الطليعية لجيل الاستقلال على الحرية الجديدة المكتسبة لأقطار الأمة بعد جلاء الاستعمار الأوروبي عنها، وفيه كانت القيادة لعقيدة (الطلائع) الواثقة من تملك الأمة لكل إمكانيات النهضة العصرية الشاملة، وبالتالي يتم لها تحديد موانعها بثلاثية النضال السياسي ضد الرجعية والصهيونية والاستعمار؛ فكانت لها تجاربها البنيوية المتعارضة، ومن الحروب بأنواعها، والانقلابات وأشباه الثورات، الواقعة كلها تحت طائلة التحولات العالمية وتدخلاتها وانعكاساتها، طيلة الحرب الباردة الكونية وما بعدها، وما بين انبثاق العالمثالثية واضمحلالها. فما زالت منجزات النهضة، إيجاباً أو سلباً، في تلك الحقبة، منوطة بالدولة القطرية، التي كانت تحرص على استمداد مشروعيتها في عين مجتمعها، من مدى التزامها بأخلاقيتها القومية، بأوامرها ونواهيها الثقافية على الأقل.
أما الإيقاع الثاني فجاء معاكساً للأول، وعلى أنقاض آماله المتهاوية تباعاً. لقد غابت الفلسفة الاشتراكية من مقدمة الحراك العالمي مع استقالة الاتحاد السوفييتي من مشروعه الثوري. أصبحت العالمثالثية معرَّاةً من حمايتها الأيديولوجية واللوجستية في وقت واحد. فقدت الشخصياتُ الكارسمية القائدة لمرحلة النهضة في وجهها الثوري السابق، أفانينَ إسحارها لجماهيرها؛ لم تستطع الشخصيات المتشبهة بالرمز الناصري الأكبر، أن تملأ فراغ مهمة القيادة الموصوفة بالتاريخية، بحسب عقيدة الجيل النهضوي الباحثة عنها دائماً، وخاصة في مرحلة غيابها. فكان على فكر النهضة أن يقوم بالمراجعة لما لحق بثوابتها النظرية من حصائل التجارب السياسية على أرض الواقع الصلبة التي حطمت معظم محاولات اختراقها الفوقية المتعثرة. كان على ثقافة النهضة أن تخلع مختلف الأقنعة التي توارت وراءها. كان العصر العالمي مقبلاً حقاً على أوسع انفتاح ما بين حضاراته جميعاً بدون تمايز عنفي بين أقويائه وضعفائه. كان ثمة توجه عقلاني نحو تغليب ثقافة المواطنة العالمية، على كل تخصيص عرقي أو طبقي، وحتى حضاري، يقوده فكر غربي أوربي متصالح مع الجانب الإنساني من تراثه المعاصر تحديداً. كان انتهاء التهديد النووي بالفناء الأعظم الشمولي الذي جسّدته الحربُ الباردة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، بمثابة أهم انتصار حققه تاريخ الإنسانية على همجيته المتأصلة فيه. كان ذلك هو المدخل المأمول منذ بداية الخليقة نحو سيادة الأمن الكوني أخيراً. غير أن عتاة المال في أمريكا كانوا السباقين إلى اختطاف انتصارات التاريخ قبل أن تُحدث متغيراتها الموضوعية في استراتيجية المصير الإنساني تلقائياً.
تم اختراع العولمة كإجهاض مسبق للعالمية الحقيقية. اخترع صهاينة المال أسطورة القرن الواحد والعشرين الأمريكي فحسب.
وأما بقية البشرية فسوف يتم تحويلهم إلى مجرد قطعان استهلاك في أسواق النيوليبرالية. لقد وُلدت هكذا إمبراطورية الخداع الأعظم المسلحة بأخبث فنون المرآويات الإعلامية. فكان الأمر اليومي المصدَّر لجميع الدول، أن تتنازل عن سيادتها وأن تنسف حدودها أمام فيض السلع من كل جهة، والموجَّه لجميع الحضارات أن تمزّق هوياتها وتدفن تراثاتها. هنالك دين وحيد سيعبده الجميع هو الربح بكل وسيلة ولغاية الربح وحده. والمضاربون في البورصات هم أوثانه وكهانه ونماذجه التربوية الكاملة،التي على بقية البشرية أن تحتذي بها.
النهضة العربية كانت في عين العاصفة النيوليبرالية، ولا تزال، لكن عاصفة القوة المطلقة العمياء، تنقلب بين عشية وضحاها إلى عاصفة الرمال التي ستضاعف من عمى أصحابها. لقد هزمت هذه النهضةُ أخطرَ الجولات الافتتاحية، السياسية منها والعسكرية المتدافعة نحو المشرق العربي وعمقه الإسلامي، كمقدمة ضرورية لاكتساب النيوليبرالية ذخيرتها من الثروات الاستراتيجية، التي ستحقق لها سيطرتها الفعلية المباشرة على مصائر القرن الواحد والعشرين.
هذه النهضة المستديمة بالرغم من كل انكساراتها وندوبها، هي الباحثة مجدداً عن دولة المبدأ، عن أمة المبدأ، عن ولادة أخرى لدولة المبدأ، وليس عن مجرد عودة لها من وراء الركام. ولتكن هذه البداية في كسر محاور الواقع الفاسد من أجل قيام المحور الواحد لكل العرب. لكل الإسلام. فلا حاجة، في هذه الساعة من لقاء الرئيس الشاب والملك (العروبي)، لأية مقارنة بين تجارب معسكر فاشل وآخر ناجح. مبدأ النهضة واحد يقول بحقها في الوحدة والحرية والعدالة. هذا الحق يصارعه عدوه المركزي الغازي في فلسطين.
إذا كانت ثمة رجعة إلى براءة الصيرورة، فلا بد أن يُطالبَ ولو افتراضاً، الرئيسُ الشاب صديقَه الملك الشيخ أن يسحب ما يسمى بمبادرة السلام العربية؛ لا يمكن للوحش الكاسر أن تقدم له كل يوم وجبة الغذاء التي تحييه أطول، لينقضّ في النهاية على القطيع كله.
المعاهدة الحقيقية المطلوبة، لن تكون مع العدو، إنها معاهدة 'الدفاع العربي المشترك' المنسية؛ وحضورها اليوم هو الذي سيترجم المصالحة العربية المنشودة بين الدول والأقطاب، إلى مشروع وحدوي جديد على مستوى القوة والكرامة؛ هذه المعاهدة ستكون هي الرد الأخلاقي على عربدة القتلة الذين لا ينتهون من مذبحة أو مَهْلكة إلا ليعدوا ما هو أفظع منها. هذه المعاهدة ستضع حداً لمسيرة الخيانة الوقحة التي يمارسها بعض رموز النظام العربي في حق شعبه وأمته، دونما رادع أو عقاب من أحد. خطوة الخروج من مستنقع النظام، قد تدَّعيها قمة دمشق لذاتها؛ لعلّها أنها وحدها المؤهلة لتحقيقها..؟
ذلك هو تحديها، حتى لا تظل مجرد جولة دبلوماسية من مستوى التباسات الواقع الرديء، وضداً على كل أملٍ ببقية مصداقيةٍ ملكية أو جمهورية في هذا النظام الحاكم السقيم.
' مفكر عربي مقيم في باريس
****
ويافا أيضا في خطر
سراج عاصي
13/10/2009
'الأقصى في خطر'، شعار أطلقته الحركة الإسلامية في إسرائيل (الجناح الشمالي) بقيادة الشيخ رائد صلاح بهدف التصدي للحفريات الإسرائيلية المتواصلة تحت بيت المقدس بحثا عن الهيكل المزعوم. وتحول 'الأقصى في خطر' إلى مهرجان سنوي حافل يستقطب آلاف العرب الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل من المثلث والنقب والجليل. لكن هل الأقصى وحده في خطر؟ ماذا عن يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وبيسان والناصرة وعسقلان وأسدود وأم الفحم وصفد وطبريا، بل وماذا عن مدينة القدس نفسها؟ ألا تستحق معاناة السكان هناك القدر نفسه من هذا الزخم الإعلامي؟
ولعلّ أكثر المدن عرضةً لخطر التهويد الإسرائيلي هي يافا نظرا لأهميتها الإستراتيجية. يافا عروس البحر. كانت يافا أكبر المدن الفلسطينية في فترة الانتداب من حيث عدد السكان إذ بلغ عددهم 80 ألفا، إضافة إلى سكان القرى المجاورة الذين بلغ عددهم آنذاك 40 ألفا. ثم جاء قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 والنكبة في 15 أيار (مايو) 1948 حيث طردت الحركات الصهيونية 95' من سكان يافا الذين شكلوا 15' من اللاجئين الفلسطينيين.
نظرا لموقعها الجغرافي بين البحر المتوسط وأوروبا، شكلت يافا مركزا اقتصاديا منذ بدايات القرن التاسع عشر إذ تحوّلت في ثلاثينيات القرن العشرين إلى أكبر مصدر للحمضيات في العالم مما استدعى تطوير شركات للنقل البري والبحري، مما أدّى إلى ازدهار الصناعة والسياحة في المدينة. وكانت يافا الفلسطينية مركزا ثقافيا حيث تم إنشاء العديد من المدارس والمكتبات إضافة إلى ازدهار الصحافة، قبل أن تحوّل الحركات الصهيونية المدينة من عروس البحر إلى حي هامشي يعج بالجريمة والفقر والمخدرات والتمييز العنصري.
سقطت يافا بيد الحركات الصهيونية في 14 أيار (مايو) عام 1948 بعد مسلسل من القتل والدمار والتهجير، وتبقى من سكانها 4 آلاف نسمة من أصل 120 ألفا. بعد ذلك جمعت الحركات الصهيونية أهل يافا في حي 'العجمي' تحت الحكم العسكري لمدة سنتين حيث أحاطهم الجنود اليهود بالأسلاك الشائكة وكلاب الحراسة. وفي عام 1950 ضمت بلدية تل-أبيب يافا إلى تحت لوائها لتصبح 'بلدية تل- أبيب - يافا' وليشكل العرب 2' من مجموع السكان. ثم بدأ مسلسل من المخططات الصهيونية لتهويد المكان، بدءا بتغيير أسماء الشوارع إلى أسماء عبرية (ومن ذلك إطلاق اسم ضابط صهيوني في الهجاناه على دوار الساعة) وطمس المعالم العربية للمدنية وتدمير المباني التاريخية وسيطرت الحكومات الإسرائيلية على مناهج التدريس في المدينة في محاولة لطمس رواية النكبة والهوية الفلسطينية وترسيخ الرواية الصهيونية.
وفي عام 1949 أنشأت إسرائيل 'قانون الغائبين' الذي قاد إلى إحكام السيطرة على أملاك الفلسطينيين المهجرين من يافا، وليتحول الباقون من سكان يافا من أصحاب أملاك وعقارات إلى عمال مأجورين لدى المستوطنين اليهود. وفي أعقاب قدوم آلاف المهاجرين اليهود إلى إسرائيل تمت السيطرة على بيوت العرب في يافا من خلال إجبار سكان حي العجمي على مشاركة بيوتهم مع القادمين الجدد من اليهود، والعيش مع أعدائهم في البيت نفسه، وهو ما يعتبره الباحث الفلسطيني سامي أبو شحادة 'أصعب مأساة للعرب الذين بقوا في يافا بعد النكبة'.
ولا تزال المعاناة مستمرة. ولا تزال سياسات تهويد المكان مستمرة من خلال شراء البيوت العربية في يافا من قبل اليهود، ومنع السكان العرب من الترميم والبناء وحق الملكية، وسياسات التمييز العنصري، وانتشار الجريمة والفقر. لكن هذا الواقع المرير ليس حكرا على يافا فحسب، بل هو واقع يومي تعيشه في سائر المدن العربية المختلطة، مما يدعو إلى دق ناقوس الخطر ليس في الأقصى وحده، وإنما في يافا، وحيفا وعكا واللد والرملة والقدس بل وكل المدن والقرى العربية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.
*كاتب وأكاديمي فلسطيني
****
نوبل أوباما؟ جائزة الحروب المشتعلة وأوهام السلام
عصام التكروري
15/10/2009
ربما لا يكون من قبيلِ المصادفة أنْ يحصل الرئيس باراك أوباما على جائزةِ نوبلْ للسلام في اليوم عينه الذي قصفت به الولايات المتحدة القمرْ، فالمُحتفى بتنصيبه بطلاً السلامِ للعام الحالي ما هو إلا القائدُ الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية الذي يأتمِر به 155 ألف جندي يحتلون العراق إضافة إلى ستين ألف جندي يجوبون أفغانستان وفي يوم إعلان نيلهِ لتلكَ الجائزة كان أوباما يعاني منْ شبحِ المعارضةِ المُحتملة لمجلسِ الشيوخ لرفعِ عديدِ قوةِ الاحتلالِ تلكْ إلى 68 ألفا.
فعنْ أيةِ جائزة يتحدثونْ؟
بدايةً، جائزة نوبل للسلام هي إحدى الجوائز الخمسْ التي أوصى بِها ألفريد نوبل مُدارةً لَسَوأته، فمخترع الديناميت أراد مكافأةِ الجهود التي يبذلها مبدعون بهدف إنقاذ الأرض وقاطنيها من الشرور الناجمة عن استخدام الديناميت، تلك المادة التي اخترعها نوبل ولم تستعمل قبل وفاته.
وعليه، فمنذ عام 1901 دَرَج معهدُ نوبل على منحِ تلكَ الجائزة، وإن لم يكنْ دورياً، لمؤسسات ساهمت في معالجة الويلات التي لحقت بالبشرية نتيجة للحروب، لذا لم يكن مستغربا على سبيل المثال أن تحصل الهيئة الدولية للصليب الأحمر ـالتي أنشئت في جنيف عام 1863ـ ثلاث مرات على تلك الجائزة (1917ـ1944 ـ 1963) والمفوضية العليا للأمم المتحدة مرتين (1954ـ 198 )، ومنظمة أطباء بلا حدود ( 1999).
أما على صعيدِ الشخصياتِ التي حصلتْ على تلكَ الجائزة فالأمرُ يبدو مختلفاً تماماً إذ أن المساهمة في الحدِ من المعاناةِ الإنسانية كان واحداً من بين عدة دوافع تسمحُ بمنحِ الجائزة ولم يكن قط الدافع الأوحَد، وإذا كان لنا أن نصنف الأشخاص الذين نالوا تلك تبعاً لأعمالِهم نلحظُ وجود تصنيفات أساسية أربعة:
1 ـ أشخاصٌ آمنوا بالسلام وكرسوا حياتهم للدفاع عنه وأحدث نضالهم طفرةً في تاريخ شعوبهم فكانوا بحق اكبرُ من الجائزةِ ذاتها. إلى هذه الفصيلة النادرة ينتمي مارتن لوثر كينغ (1964) الذي ساهم بالقضاء على التمييز العنصري في أمريكا مُتبعا مبدأ 'اللا عنف' أو 'المقاومة السلبية' ـ الذي أبدعه المهاتما غاندي الذي لم ينل الجائزة ـ ونيلسون منديلا (1993) صاحب الفضلِ بالقضاء على سياسة الأبارتيد (التفرقة العنصرية أو التمييز العنصرى) في جنوب إفريقيا بإتباعه ذات المبدأ.
2ـ أشخاص أتوا السلام بأيد ملطخة بالدماء فكانت نوبل للسلام بمثابةِ صكِ غُفران منتهي الصلاحية، إلى هذا الفَصيل انتمى مناحيم بيغن (1978)، واسحق رابين وشيمون بيريس (1994).
3 ـ أشخاص يشكلون ما يمكنُ تسميته (بالفئة الحائرة) وهم أولئك الذينَ حصلوا على الجائزة بحكم انتمائهم إلى دول تصنفُ لدى الغرب بالدولِ بالمارقة على حقوقِ الإنسان فكانت تلك الجائزة بمثابة الإدانة لأنظمة بلادِهم أكثر منها عرفاناً بالجهود التي بذلوها ـ على أهميتها ـ ليستحقوا نوبل للسلام . في هذا السياق يمكن أن يندرج مثلاً الدالاي لاما (1989)، ميخائيل غورباتشوف (1990) وشيرين عبادي (2003).
4 ـ يشملُ هذا التصنيف فئات ثلاثا: الأولى تضمُ أصحاب إسهامات لا يُنكر نفعها على مجموعة من بني البشر، من هؤلاء الأشخاص كان :ألبرت شوايتزر (1952) جراح ومؤسس مستشفى لامرين في الغابون، نورمان بورلوج (1970) صاحب الأبحاث المهمة في مجال تحسين محصول الذرة والقمح، الأم تيريزا (1979) ،السيدة جودي ويليامز (1997) والتي كُرِمت بالجائزة مناصفة مع الحملة الدولية لمنع الألغام الأرضية نظراً لجهودهما في منع الألغام واستخراج الموجود منها، البروفسور محمد يونس (2006) صاحب فكرة ومؤسس مصرف الفقراء في بنغلاديش.
الفئة الثانية تشمل شخصيات ساهمت في مجهود سياسي بحت كانت له أثار ذات أهمية على السلم العالمي. لذلك في عام 1906 ذهبت الجائزة إلى تيودور روزفلت. وفي عام 1973 حصل عليها هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا مناصفة مع لي دوك ثو (فيتنام) 'الذي رفض الجائزة'، لمباحثاتهما المشتركة لإحلال السلام في فيتنام، وكذلك الأمر عام 1998 منحت مناصفة: بين جون هيوم ودافيد تريمبل (بريطانيا) لجهودهما لإحلال السلام في أيرلندا الشمالية.
والفئة الثالثة فتشمل شخصيات بذلت بحكم عملها المهني أو التطوعي جهودا حثيثة لحماية حقوق الإنسان أو وجوده على الأرض وفي هذه الفئة يمكن أن ندرج جوائز نوبل الممنوحة لكل رينيه كاسان (1968ـ فرنسي) رئيس المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان،السيدة يجوبيرتا مينشوتوم (1992ـ جواتيمالا) الناشطة في مجال حقوق الإنسان، الدكتور محمد البرادعي (2005 ـ مصر) المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة الذرية مناصفة مع الوكالة ، وآل غور (2007- أمريكا) مناصفة مع اللجنة الدولية للتغيرات المناخية للجهود المبذولة في مكافحة الاحتباس الحراري مع العلم بأن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت الملوث الأكبر للبيئة في العالم.
أما الفئة الرابعة فجائزة نوبل للسلام تأخذ تبعا لها شكل مكافأة نهاية الخدمة ومن ابرز الأمثلة عليها الجائزة الممنوحة عام 1961 لداغ همر شولد السكرتير العام للأمم المتحدة والوحيد الذي حصل على جائزة نوبل بعد وفاته، ولكوفي عنان عام 2001 (مناصفة مع منظمة الأمم المتحدة).
و بعد، فإذا نحينا جانباً مسألة أن باراك أوباما هو رئيس الدولة الأكثر إنتاجا واستعمالا للديناميت ـ والتي أوجدت الجائزة أصلا للتكفير عن جرائم استخدامه ضد البشرـ فإن السؤال المطروح التالي: أين لجائزة نوبل للسلام التي أحرزها الرئيس أوباما أن تجد لها مكاناً في التصنيف المبين أعلاه؟
إن الإجابة على هكذا سؤال تبدو صعبة للغاية إذا علمنا أن باب الترشيح للجائزة ينتهي الأول في شهر شباط/ فبراير من كل عام، ويعني ذلك أن أوباما رُشحَ للجائزة بعد أيام قليلة من توليه الرئاسة ونالها بعد تسعة اشهر من مكوثِه بها فما هي إنجازات الرجل على الأقل بالمقارنة بمن أحرزَ ذات الجائزة من الرؤساء الأمريكيين السابقين.
بحصوله عليها يوم التاسع من تشرين الأول أضحى باراك أوباما الرئيس الأمريكي الرابع الذي يتسلم نوبل للسلام فقد سبقه إليها كما أسلفنا الرئيس تيودور روزفلت(1906) الذي لعب دورا بارزا في إنهاء الحرب الروسية اليابانية (1904-1905) وتوقيع معاهدة سلام بين الدولتين.
وفي عام 1911 منحت نوبل للسلام لوودرو ويلسون الذي كان أول من أطلق الحمامة رمزاً للسلام وكان لبنوده الأربعة عشر للسلم دور كبير في تأسيس عصبة الأمم بعد انتهاءِ الحرب العالمية الأولى والتي دخلتها أمريكا تحت قيادته.
مع بداية الألفية الثالثة وفي عام 2002 كافأت لجنةُ نوبل الجهود الذي بذلها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والتي تكللت بتوقيع معاهدة السلام- بارداً كان أم حاراً- بين مصر وإسرائيل، لتعود لجنة نوبل بعد سبعة أعوام وتمنح جائزتها للسلام للساكن الجديد للبيت الأبيض وبعد أشهر تسعة من تسلمه لمنصبه.
في الحقيقة قد لا يكون مُستغرباً ردود الأفعال التي صدرت عن غالبيةِ رؤساء الدول والتي باركتْ لأوباما جائزته فبعض هؤلاء فعل ذلك بدافعِ المجاملة والبعض الأخر رأى فيها أهون الشرين فروسيا مثلاً التي كانت تخشى أن تذهبَ الجائزة إلى أولغا أورلوو مناضلة حقوق الإنسان، وكذلك الصين التي لم تكن مرتاحة البتّة لترشيح المنشق الصيني هيو جيا لتلك الجائزة. ولكن الأمر قد لا يقفُ عند هذا الحد فمنح أوباما نوبل للسلام ألغى الإنجازات السلمية الواجب بالمرشح تحقيقها لنيل الجائزة فنوبل للسلام باتت اليوم بمتناول القادة الأقل احتراماً للقانون الدولي عامة والدولي الإنساني بشكل خاص ، أو أولئك القادرين على احتلالِ دولتين فأكثر شرطَ براعتِهم في توزيعِ خطابات حول العدالة والمساواة والسلم وحوار الأديان.
لعلنا لا نُبالغ إن قلنا أن باراك أوباما هو الرجل الأقوى في العالم فهو صاحب السبابة السمراء التي إذا ضغطت على الزرِ النووي أطاحت بالأرضِ ومن عليها من بشرٍ وحجرٍ وشجرْ ،إنه قائدُ الجيش العاتي الذي يحتل دولتين آسيويتين ذات سيادة ولكلٍ منها مقعد في الأمم المتحدة، القائدُ الأعلى لأعتى قوة احتلال يرتكب أفرادها وبشكلٍ يومي كل ما يمكنُ أن يتصوره المرء من خروقات لاتفاقيات جنيف الأربع وبعيدا عن كل شكل من أشكال المُساءلة، الرجل الذي مازال حتى اليوم يحتجز220 معتقلاً في غوانتانامو و650 معتقلاً في قاعدة بغرام بأفغانستان و36 شخصاً جرى اقتيادهم من أنحاء المعمورة عبر سجونٍ طائرة ويخضَعون لنظام الاعتقال السري في الولايات المتحدة، هؤلاء جميعاً محرومون من أبسط الحقوق التي كفلها لهم الإعلانُ العالمي لحقوقِ الإنسان (1948) ألا وهو حقهم في محاكمة عادلة وحقهم في مقاضاة من سامهم خسف العذاب ولكن أنى لهم هذا في ظل إدارة أوباما التي تعترفُ بوقوع التعذيب وبمعرفتها لمرتكبيه ولكنها تُقِرُ موقف المدعي العام الرافض لأية دعوى قضائية ترفع بحق الجلادين.
ربما كان حصول أوباما على نوبل للسلام إقراراً لبراعته في تسويق الجوز الفارغ عبر خطبٍ يوزعها على مسامع العرب والمسلمين بينما يواصل جنوده الحرب عليهم دون أن يدري أحدْ مدى تضعُ تلكَ الحروبُ أوزارها. في الآونة الأخيرة فشل أوباما أيما فشل في مجردِ إقناع الإسرائيليين بالتوقف عن بناء المستوطنات ـ وليس بوقف الاستيطان ـ ولو لأيامٍ معدودة ليمكنوه من تحريكِ عمليةِ السلام على المسار الفلسطيني، إزاءَ هذا الفشل راحَ يطلبُ من العرب إعانته على التعنت الإسرائيلي ويسألهم تقديم العروض التي تفتح شهيةَ إسرائيل للتفاوض، ولكن عندما لمسَ أن مسعاه قوبل بالاستهجان حتى من أكثر العرب اعتلالا واعتدالا راح يفتشُ بنفسه عن تلك العروض فوجدَ في إجهاضِ تقرير غولدستون ضالته، لذلك لم يدخر جُهداً في الضغط على الضحية لتوفر الحصانة للقاتل وبالفعل نجح في مسعاه ليمنح بعد بضعةِ أيام جائزة نوبل للسلام.
لكن هل استطاعت جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها مناحيم بيغن عام 1978 أن تثنيه عن ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981 وتشبيه الفلسطينيين 'بالوحوش التي تمشي على قدمين' وبالتالي تذبيحهم في مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982؟
وكذلك نسوا أن جائزة نوبل {الاستباقية} للسلام التي مُنحت عام 1994 لشمعون بيريس (مثالثة مع الراحل ياسر عرفات واسحق رابين) جاءت بمفعول عكسي، إذ في ظل رئاسته ارتُكِبتْ في غزة واحدة من أبشع المجازر التي عرفها تاريخ البشرية ، وهو رئيس وزراء مجزرة قانا الأولى.
وهكذا تبدو جائزة نوبل للسلام التي أحرزها باراك أوباما بمثابة 'دفع غير مُستَحق'، وحتى نكون منصفين نشيرُ إلى أن الرجل صرّحَ انه لا يستحقها وانه سيتبرع بقيمتها (مليون يورو تقريباً) لأعمال خيرية. في الحقيقة تصريح كهذا تفوحُ منه رائحةُ ذنبً سيُرتَكبُ عن عمد (ضرب إيران أو قبر تقرير غولدستون أو استخدام الفيتو للحيلولة دون مثول القادة الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية) ، لذلك يبدو الرجل وقد اختار أن يدفع الكفّارة بشكل استباقي. ولكن على كل حال إذا كان جاداً في مسعاه الخيري هذا فحري بنا أن نذكره أن أطفال العراق وفلسطين وأفغانستان لن يرفضوا هذا المال إذا مُنِح لهم لو فيه شبهة، ربما استطاعوا أن يشتروا لعباً أو حلوى أو حتى زهوراً يضعونها على قبورِ أقرانِهم فربما تشاركوا معهم تنشقَ عطرها في الغارة الأمريكية أو الإسرائيلية القادمة.
' محام سوري في القانون الدولي
****
مقال ينطبق أيضا على طلبة جامعات مصر وعلى رجل الشارع المصرى.
مفاتن نانسي أم مآثر العلماء؟
د. خالد سليمان
15/10/2009
في صبيحة يوم السبت الذي صادف الثالث من هذا الشهر، احتفل في مؤسسة شومان في عمان بتوزيع جوائز عبد الحميد شومان للباحثين الشبان للدورة الأخيرة للجائزة؛ تقديراً لنخبة من العلماء العرب الشباب على ما أحرزوه من إنجازات متميزة يعتد بها حقاً في عدد من الحقول العلمية والاجتماعية.
حتى الآن ليس هناك ما هو مستغرب أو غير عادي في الخبر، لكن الأمر غير العادي والجدير بإثارة الاستهجان بل الغضب أن يمر حدث بمثل هذه الأهمية، دون أن يحظى إلا باهتمام شكلي عارض لا يكاد يذكر من جانب وسائل الإعلام الأردنية والعربية، المقروءة والمسموعة والمرئية، وما يؤكد صدق مزاعمي، أن الأغلبية الساحقة من قراء هذا المقال لم تسمع فيما أجزم بذلك الحدث، وربما لم تسمع بتلك الجائزة أصلاً، التي مضى على إطلاقها سبع عشرة سنة كاملة!
التلفزيون الأردني بالمناسبة كان هناك، إلا أنه لم يتكرم إلا بإفراد ما لا يزيد عن دقائق قليلة في نشرات أخباره الباهتة لعرض وقائع التكريم، وكأن ذلك من باب رفع العتب، أو مجاملة الشخصية المرموقة التي رعت حفل تسليم الجوائز، مع أنه خصص في النشرات الإخبارية نفسها وقتاً طويلاً لتغطية أخبار سياسية ورياضية فارغة لن تفيد أمتنا المنكوبة في قليل أو كثير!
لمن لا يعلم، تعد جائزة شومان للباحثين الشبان واحدة من أهم الجوائز العربية على الإطلاق، والجائزة التي لا تمنح في العادة إلا لمبدعين واعدين أسهموا بحق في إثراء المشهد الفكري أو العلمي العربي، تؤكد أن أمتنا المتعبة ما تزال قادرة على إنجاب العلماء والمفكرين، هؤلاء الذين يستحقون كل الدعم والتقدير والإشادة والحفاوة والتحفيز الجدي المتواصل، معنوياً ومادياً، على المزيد من الإبداع، وليس الاكتفاء بمنحهم جوائز نقدية متواضعة، لا تتجاوز بمجموعها بعض ما قد تحصل عليه راقصة أو مغنية في ليلة واحدة من ليالي ألف ليلة وليلة، التي تضج بها الحفلات الماجنة في قصور وفنادق السفه العربي من المحيط إلى الخليج!
أحد أصدقائي المنتمين إلى الجانب المغربي من وطننا العربي، الذي حظي بشرف نيل الجائزة لهذه الدورة نظير إبداعاته الفكرية، نظر إلى "الشيك" الذي كان قد تسلمه مصحوباً بدرع الجائزة، وأخبرني ببسمة موجوعة بأن المبلغ المرقوم لن يسد إلا قرابة نصف ديونه المتراكمة!
ذات زمان بعيد في تاريخنا الإسلامي الزاهر، كان الكتاب يقيّم بوزنه ذهباً، وكان العلماء يتبوأون بحق المكانة الرفيعة الجديرة بهم كورثة للأنبياء. أما اليوم، فلا يستبعد أن يموت علماؤنا والإهمال يلفهم والديون تحاصرهم، دون أن يدري برحيلهم إلا بعض الأقارب والأصدقاء، وبعض مندوبي الصفحات الثقافية في الصحف، الذين يبحوث عن أي خبر لسد الفراغات في صفحاتهم المنسية!
في يوم من الأيام أثناء عملي في الجامعة الأردنية، رأيت العلامة الكبير الدكتور إحسان عباس رحمه الله يمشي متكئاً على عصاه باتجاه كلية الآداب، ولا أدري لمَ خطرت لي وقتها فكرة غريبة سارعت إلى تنفيذها على الفور؛ إذ توجهت إلى حلقة ضمت عدداً من الطلبة الجالسين أمام مبنى الكلية يلهون ويلعبون، لأسألهم فيما إذا كان أحدهم يعرف هوية ذلك الشيخ الذي مرّ من أمامهم قبل برهة. تبادل الطلبة نظرات الحيرة، ثم لم يحر معظمهم جواباً، وإن كان بعضهم قد قال بأنه لم يتنبه من الأساس لمرور الرجل، وهذا كان شأن الطلبة في الحلقات الثانية والثالثة والرابعة التي قصدتها لطرح السؤال نفسه!
إذن فطلبة الجامعة، والأرجح أن معظمهم من طلبة كلية الآداب التي يعد الأستاذ إحسان عباس واحداً من أعلامها، بل وأعلام الأدب العربي برمته، لا يعرفون العلامة الكبير، فكيف لنا أن نتوقع من رجل الشارع أن يعرفه أو يعرف إدوارد سعيد أو هشام شرابي أو عبد الوهاب المسيري أو غيرهم من القامات الشامخة في عالم الفكر العربي، بل لماذا علينا أن نشطح بأفكارنا من الأصل ونتوقع شيئاً خيالياً بعيد الاحتمال، ما دمنا نعرف أن وسائل إعلامنا العتيدة تنشغل وتشغل الناس كل الوقت في متابعة أخبار تافهة أو ضالة أو مضلة، تتعلق إما بالمتطفلين على السياسة من الأفاقين والثقلاء، أو بالدخلاء على الفن من المفسدين والرقعاء، أو بأهل الرياضة الذين يتقافزون كالسعادين في أحسن الأحوال!؟ ليعذرني عشاق الرياضة، ولكني كلما تذكرت أن لاعباً يجري خلف كرة يمكن أن يحصل على عشرات الملايين من الدولارات كل عام لقاء الحركات البهلوانية التي يجترحها بقدميه، بينما يموت ملايين الأطفال حول العالم جوعاً لأنهم لا يجدون كسرة خبز؛ أصاب بألم ممض في معدتي، وأدرك تماماً كم هو سخيف وظالم وتافه العالم الذي نعيش فيه!
وعلى الرغم من أن الوزر فيما يتعلق بجريمة تجهيل الأفراد وتسطيح اهتماماتهم وتضحيل وعيهم يتوزع على مؤسسات التنشئة الاجتماعية كلها، من الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العبادة ومؤسسات المجتمع المدني...الخ، إلا أن الجزء الأكبر من اللوم ينصب على رأس وسائل الإعلام في المقام الأول، وذلك للدور الخطير الذي تلعبه على صعيد إفساد أذواق الناس وتشويه بصائرهم بتعريضهم المتواصل لبرامج وأخبار ومواضيع هابطة ساقطة، حتى غدا مثل ذلك الركام من الهراء بفعل الكثافة الخانقة شيئاً عادياً مستساغاً، بل ومطلوباً من جانب أغلب الناس، إلا من رحم الله!
فيما لا بد منه، على وسائل الإعلام أن ترتقي بأخلاق الناس وترقى بأذواقهم، وأن تحرص على ممارسة دورها الأخلاقي والتوعوي النبيل المفترض، فلا تكتفي بتبني موقف مخاتل يزعم الحيادية، يجعلها تقدم للناس حزمة واسعة من الأخبار والمواد التي قد لا يخلو كثير منها من الإثارة الرخيصة والابتذال، تاركة لهم حرية الاختيار، وكأن دورها ينتهي عند ذلك الحد، وكأن الناس يملكون دائماً من الوعي ما يكفي لتمكينهم من اختيار ما ينفعهم، وهذا حتماً ليس بالزعم الصحيح!
في زماننا الرديء بـأهله هذا، والذي اجتاحته قيم الفساد والانحطاط والتبذل وانصراف الناس عن جلائل الأمور إلى سفاسفها، لَيس من الصعب بتاتاً أن نتنبأ بأن صورة مغرية لغانية من قبيل نانسي عجرم مثلاً، مروسة بعنوان قصير مثير، أقدر بآلاف المرات على جذب متابعة معظم الناس من كل علماء الدنيا وأخبارهم وكتبهم، حتى وإن كان ذلك الانجذاب من باب الفضول أو الاستجابة لبواعث جنسية غامضة، أو حتى من باب الرغبة في الانتقاد! فهل علينا أن ننجرف ونحن نعي ذلك خلف ترويج ما يستقطب أنظار الناس بغض النظر عن مدى أخلاقيته، ونشجعهم على أن ينقادوا للغرائز البدائية الكامنة فيهم، التي تجعلهم يتملون طويلاً في مثل تلك الصورة وما يرافقها من أخبار بذرائع كاذبة واهية، أم أن علينا أن نحمي أبصارهم وعقولهم وقلوبهم بألا نعرض أمامها إلا كل ما يسهم في تهذيبها وتثقيفها والسموّ بها!؟ تساؤل، بل نداء، مشروع نوجهه إلى وسائل إعلامنا العربية الموقرة، فهل من مجيب!؟
وفي الختام، أجد أن من واجبي أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى ذائعة الصيت نانسي، فمجرد ورود اسمها الرنان في عنوان مقالتي المسكينة سيضمن لها فيما أرجح الكثير من القراء، فيا للبؤس!
• مستشار بحوث/ الأردن
****
سر الدعم الغربي للسلطة الفلسطينية!
15/10/2009
فإن طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قديم جدا ولكن الكثيرين مروا عليه مرور الكرام غير أن المتابعين للقضية الفلسطينية يعرفون طبيعة هذا الصراع بين معتد يريد إحراق الأخضر واليابس وبين إنسان يدافع عن مقدسات الأمة الإسلامية ويدافع عن كرامته وعرضه ويدافع عن أرضه من احتلال العدو الذي لا يرحم براءة الطفولة ولا يعترفون بمن له أرض فمن هذا المنطلق أصبحت الأمور تقرأ بالعكس فأصبح المعتدي مدافعا عن نفسه وأصبح المعتدى عليه إرهابيا وظن الناس الذين يجهلون طبيعية الصراع وبنفس الوقت أخذ الإعلام نصيبه من ذلك ولكن إذا نظرنا إلى الصراع من حيث الشكل المظهري قد يظهر للعيان بأن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما هو معلوم لدى الجميع أما إذا دققنا في الصراع من حيث المظهر الجوهري والتمسنا بعده قد نكشف أسرارا قد تكون مخفية ولا ترى بالعين المجردة إلا لمن أتقن فن البحث في هذا المجال ولكن دراستنا للصراع من الناحية الجوهرية قد تختلف كثيرا من الناحية المظهرية بحيث تمثل إسرائيل فتح خط لحرب مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ولكن الحقيقة في هذا الصراع يختفي فيه العدو الحقيقي للقضية الفلسطينية ألا وهو اللوبي اليهودي الأمريكي الأوربي المتغطرس الذي يقف جانبا بجانب مع العدو الإسرائيلي بسلاحه وبأمواله وبكلمته وبدعمه في كل المجالات ولولاها لما كانت إسرائيل.
هذا الوجود الذي نراه الآن في الساحة وطالما أصبحت أمريكا ضد إقامة الدولة الفلسطينية بتدخلها المباشر وغير المباشر بالنزاع الفلسطيني و الفلسطيني الداخلي وحيث مولت الحكومة في رام الله بجميع المجالات عسكريا وماديا ووقفت ضد الحكومة المقالة في غزة الذين يدافعون عن شرف الأمة والذين لقنوا الأعداء دروسا عجز عنها الزعماء والملوك العرب ضمن محور الاعتدال العربى الذين أصبحوا مثل الإمعات بين أيدي الغرب وأمريكا ، فهؤلاء طالما وقفوا وقفة أخوة مع اليهود في إسرائيل ونددوا بجميع العمليات التي قام بها المناضلون المجاهدون في داخل أراضي إسرائيل وفي وقت تناسوا فيه المجازر التي ترتكب في حق أبناء غزة وتجاهلوها بحجة الصواريخ التي قالوا عليها أنها لا تنفع .. فإذا كان كذلك لم كل هذه الضجة حول تلك الصواريخ ؟ إنها قد أفقدت السكان الإسرائيليين أمنهم وزرعت الرعب في قلوبهم إذن فإن طبيعة هذا الصراع تكال بمكيالين في الساحة الإعلامية والكثير من الإعلامين فقدوا الشفافية في هذا المجال ، فإقامة دولة فلسطينية بالنسبة للسياسة الأمريكية تعني إنهاء دولة إسرائيل العدوانية من الخريطة وهذا يعني خسارة كبيرة لواشنطن.
خسارة لا يمكن تعويضها أبدا بأي ثمن إذا توحد الغرب لعدم إقامة دولة فلسطينية لها سيادتها وليس كما نراها اليوم إمعة تقاد بالريموت من قبل الغرب فالحق أخذ من أصحابه ولكن مع ذلك لا حرية تدوم ولا استعمار يدوم ولكل يومه ولكن اعمل حسابك ليوم يفتح فيه التاريخ وتفتح فيه الملفات الساخنة.
فمن هنا التاريخ المكتوب بالنصر والشجاعة للمقاومين الأبطال الذين رفعوا اسم الشعب فوق عنان السماء ولكن بنفس الوقت التاريخ لا يرحم بمن تسبب في ذل الأمة وخذلها لأجل أغراض دنيئة ومصالح حزبية وشخصية فالتاريخ لن يرحمهم كما أذلوا الأمة ..شتان بين هذا وذاك ومن جعل صفحات تاريخه منيرة بالنصر والكرامة ويدافعون عن شرف أمتهم جميعا والزعماء في المنطقة أصبحوا رعاة في الصحراء لا يعرفون ماذا يريدون وماذا يعملون في الأوقات الحرجة بحيث يتحركون على خطوط مدفوعة الأجر ولن يلفتوا النظر.
للعدو الأكبر في الساحة بحيث أصبحت إسرائيل الشيطان الأكبر في الساحة هي أصبحت الناهي والآمر فمهما طال حجم إسرائيل وظل سكوت الحكام فالخير والنجاح بأبطالنا الذين باعوا دنياهم بآخرتهم ورفعوا رأس الأمة بشجاعتهم الأبية فلكم النصر دوما إن شاء الله.
وفي الأخير نبارك بعملية القدس الغربية في المدرسة الدنيا التي تخرج الذين يقتلوننا في غزة ونريد أن نرى منها الكثير بمشيئة الله دوما ، فسيروا بدربكم فلكم النصر إن شاء الله.
أحمد محمد ناخودة
****
لماذا خيَّب 'عمرو موسى' أمل (الجنوبيين)؟
الخضر الحسني
15/10/2009
كان إخواننا، في محافظات جنوب اليمن، يعلقون الآمال العريضة، على زيارة السيد عمرو موسى ؛ أمين عام الجامعة العربية التي قام بها إلى اليمن - مؤخرا- مدعوما من (بعض) دول المنطقة، وقادتها ومسنودا بظهر( دولي) .. ولكن يا فرحة ما تمت!
ولهذا غابت عن أجندة (الرجل)، نقاط ٌ من نوع (مُحدَّد) ـ سلفاً- واكتفى فقط، بإبداء (مشاعر) التأييد والدعم لجهود الحكومة اليمنية، الرامية لمواصلة حربها، ضد جماعة الحوثي بصعدة، في شمال اليمن، باعتبار أن هناك جهودا لبعض الدول الداعمة، ومن خلفها المهيمنة (عالميا)، لفتح ملف الحرب، في الشمال اليمني، سبقت زيارة موسى، هذا علاوة على (طمأنة) نظام صنعاء، فيما يتعلقُ بالحفاظ ، على منجز الوحدة اليمنية، واستقرار اليمن، رغم كلِّ الصيحات والنداءات والآهات والأنات التي أطلقتها حناجر الغاضبين من أبناء الجنوب، من أجل إسماع العالم، قضيتهم !
وبقراءة سريعة، لهذه الزيارة التي عوَّل عليها الجنوبيون (الحراكيون)، أكثر من غيرهم، أجد - كمتابع (قريب) و(لصيق) بالقضية الجنوبية، وعلى إطلاع متواضع، بما وراء (الكواليس) - أن على الحراكيين في الجنوب، أن يستوعبوا جيدا، أن مصالح (البعض) قد طغت على هذه الزيارة، لأسباب ينبغي ألا تغيب عنهم، بأي حال من الأحوال، وألا نجهلها، وأنها جاءت فعلا ـ أي الزيارة- لتقول للجميع-وأقصد بالجميع: (حوثيي الشمال وحركيي الجنوب)- وبالفم المليان ؛ يجب أن تدركوا وتعوا، أن هناك مصالح (أنظمة) بعينها، يجب أن نوليها ـ أولا- قدرا من اهتمامنا (الخاص جدا)!..فلا مجال عندنا، إلا لمن يدفع أكثر .. ويقدِّم تنازلات أوسع (على حساب الأرض، ومستقبل الأجيال القادمة)!
وبعيداً ؛ عن التحليق، في أجواء هذه الزيارة المخيّبة لآمال طرفي النزاع، في شمال الشمال.. والجنوب، ودرءًا للوقوع فريسة الاجتهادات الشخصية، ومتاهات التحليل السياسي و(تشعباته) التي أعترفُ ـ هنا- بأني (صفر على الشمال)! في هذا المجال، فأني أرى، ومن واقع تجربة معاشة، مع نظامي الحكم، ما قبل وبعد الإعلان، عن الوحدة اليمنية، ألا نطالب السيد موسى بالمستحيل، وبأكثر مما يستطيع تقديمه في إطار المهمة (الموكلة) إليه - لحلِّ قضية الجنوب أو إيقاف نزيف (الإخوة الأعداء) في الشمال!..فيبدو لي، أن هناك لاعبا (دوليا) من عيار ثقيل، يقفُ خلف الستار، يقوم بدور الموجه لمسار العملية (التوافقية) بين جميع أطراف الإشكالية اليمنية..فمصالح الكبار، في المنطقة عموما، هي من لعب الدور (القديم الجديد) في منطقتنا، وهي من تعيد الكرَّة ـ هذه المرة- ولو مع اختلاف الزمان والمكان!
المهم؛ ألا نغضب (المهيمن) على القرار( دول الهيمنة العالمية) .. في منطقتنا العربية ..فغضبه، عواقبهُ، لن تكون، في صالح (رجال) الحلّ والعقد، في أنظمة (الديكور) العربي!
خلاصة القول؛ تظل أمانينا في العيش الكريم والسوي على كامل ترابنا الوطني أو القطري، معلقة، برقاب (حكامنا) إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ، ومن عليها ولا عزاء للمتشائمين، في عالم، ضاقت فيه مصالح الكبار، وتلاشت أحلام الصغار(الصغار)، في فرض إرادة الشعوب على سيادة الاوطان!
' كاتب يمني
****
مصر: غضب بسبب وفاة شقيق المتحدث باسم حماس ونواب 'الإخوان' يطالبون باعتذار للشعب الفلسطيني
حسام أبو طالب
15/10/2009
القاهرة ـ 'القدس العربي' تفاقمت أزمة وفاة يوسف أبو زهري شقيق سامي أبو زهري الناطق الرسمي باسم حركة 'حماس' يوم الاثنين في سجن برج العرب شديد الحراسة، في القاهرة والعديد من المحافظات وانتاب المواطنين تأثر شديد بسبب الرحيل الغامض للناشط الفلسطيني ودعت قوى عديدة إلى ضرورة الكشف عن الظروف التي واجهها أبو زهري خلال وجوده في المعتقل والأسباب التي دفعت لعدم تقديمه للمحاكمة.
وفي سياق متصل علمت 'القدس العربي' أن شخصية بارزة في قمة النظام طلبت تحقيقاً حول الموضوع برمته وصدرت الأوامر من جهة أمنية سيادية بفتح تحقيق عاجل حول ملابسات الوفاة، في ظل شكوك في رواية وزارة الداخلية المصرية حول أسباب وفاة المعتقل الفلسطيني.
وطلبت تلك الجهة الأمنية تقرير الصفة التشريحية للوقوف على الأسباب الحقيقية للوفاة، وإذا ما كانت الوفاة بسبب نزيف في المخ، أم نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية وفشل كلوي وكبدي كما تردد.
وعلمت 'القدس العربي' أن مخاوف حقيقية تعتري مسؤولين كبارا وأجهزة سيادية أن يخيم الموضوع بظلاله على العلاقة بين حماس التي تقوم بدور حيوي في حفظ الأمن المصري على البوابة الشرقية وبين النظام المصري الذي يدرك جيداً أن قطيعة مليوني فلسطيني ليست في صالح الدور المصري الذي يسعى النظام لأن يكون حاضراً بقوة فيه.
وفي سياق متصل طالبت الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري، السلطات المصرية بالتحقيق في حادث وفاة يوسف أبو زهري شقيق القيادي الفلسطيني سامي أبو زهري، المتحدث الرسمي باسم حركة المقاومة الإسلامية 'حماس'، وتحويل المسؤولين إلى محاكمة عاجلة، واعتبرت الكتلة أن ما حدث يتعلق 'بسمعة مصر' ومكانتها على الصعيد الإقليمي والدولي، ويحرج مصر أمام منظمات حقوق الإنسان.
وأكدت الكتلة في بيان لها مساء أمس، على ضرورة تقديم اعتذار رسمي للشعب الفلسطيني الذي يضع ثقته في مصرنا الحبيبة ولا يتوقع أن يحدث هذا من قبل الأشقاء. كما أعربت عن إدانتها لقيام أجهزة الأمن بتعذيب أبو زهري(حسب البيان)، الذي اعتقل أثناء عبوره للأراضي المصرية نهاية نيسان/إبريل الماضي، حيث أدخل أحد السجون المصرية، مما أدى إلى وفاته متأثرًا بجراحه، على حد قول البيان.
وقالت الكتلة البرلمانية في بيانها، إن وفاة أبو زهري تمثل مخالفة صريحة لكافة الاتفاقات والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، التي تجرم تعذيب المعتقلين وتعريض حياتهم للخطر، لأنه يمثل جريمة في حق مصر، التي يفترض بها الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الذي يعاني من جراء الحصار الصهيوني المفروض عليه منذ عامين وأكثر، وأن ذلك من شأنه أن يؤثر على الدور المصري في عملية السلام، ويعرقل المساعي المصرية الخاصة بالمصالحة الفلسطينية، إذ يعكس ما حدث انحيازا مصريا ملحوظا لإسرائيل وللسلطة الفلسطينية على حساب حركات المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس ومن ينتمي إليها.
وأخيراً طالبت الكتلة في بيانها بضرورة الإفراج عن باقي المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون المصرية دون أي محاكمة، وتعتبر ما حدث عائقا أمام مواصلة السير في طريق المصالحة، ولم الشمل الفلسطيني وإزالة الخلافات البينية والانطلاق نحو تنمية وتحديث المجتمع الفلسطيني الذي مزقته الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة.
يأتي ذلك في ظل حالة القلق من أن تؤدي وفاة شقيق المتحدث باسم 'حماس' إلى عرقلة صفقة تبادل الأسرى المزمعة بين الحركة وإسرائيل، والتي تقوم فيها مصر بدور الوساطة حيث تسعى لإتمام تلك الصفقة خلال الأيام القادمة.
وكانت 'حماس' أصدرت بيانًا اتهمت فيه وزاره الداخلية المصرية بتعذيب شقيق المتحدث الرسمي باسمها حتى توفي متأثرا بجراحه، كما وجهت الحركة انتقادا للوزارة لعدم إبلاغها بالخبر لحظة الوفاة، حيث تم الإبلاغ عنه في اليوم التالي.
وقال سامي أبو زهري المتحدث الرسمي باسم حماس في تصريح لـ 'المركز الفلسطيني للإعلام' إن شقيقه يوسف (38 عاما) توفي 'نتيجة التعذيب الوحشي في سجن برج العرب'، مشيرًا إلى السياج الأمني المشدد الذي فرضته قوات الأمن حول السجن طوال فترة اعتقال شقيقه.
وأضاف أبو زهري أن شقيقه تعرض لتعذيب وحشي في السجن على أيدي ضباط أمن الدولة ما أصابه بنزيف حاد، مؤكدًا أن الأمن منع نقله إلى المستشفى إلا بعد أن وصلت حالته الصحية إلى مرحلة حرجة.
وتابع: 'تم نقله إلى أحد المستشفيات المصرية الخاصة، وأجريت له عملية إسعاف أوَّلي فقط ثم أعيد مرة أخرى إلى السجن في حالة سيئة للغاية إلى أن أُعلن عن وفاته يوم أمس الأول الاثنين دون أي إعلان من قِبَل السلطات المصرية'.
وأشار أبو زهري إلى أن شقيقه يوسف اعتقل أثناء عبوره إلى الأراضي المصرية في نهاية نيسان (أبريل) الماضي؛ حيث ألقت قوات الأمن المصرية القبض عليه دون أية تهمة ثم أخضعته للتحقيق القاسي.
لكن اللواء حمدي عبد الكـــريم المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية نفى أن يكون يوسف أبو زهري 'توفي من جراء التعذيب'، مؤكدا أن الوفاة طبيعية بسبب هبوط في القلب، وأن الوزارة لديها تقارير طبية رسمية تؤكد أن السجين كان يعاني من أمراض مزمنة منها الالتهاب الكبدي الوبائي وان الوفاة نتيجة ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم وأزمة قلبية. (فبرك قانوني).
فيما ذكر مصدر أمني مصري أنه 'تم نقل أبو زهري إلى مستشفى السجن في 30 أيلول (سبتمبر) الماضي وتوفي أول أمس الاثنين'، وقال مصدر آخر في تصريحات صحافية لوكالة أنباء الشرق الأوسط الثلاثاء أن وفاة أبو زهري طبيعية وناتجة عن انخفاض حاد في ضغط الدم وارتفاع في الأملاح واليوريا.
وتقول مصادر أمنية مصرية إنه تم القبض على يوسف أبو زهري في حزيران/يونيو الماضي في مدينة العريش الذي دخلها عبر احد الأنفاق في نيسان (أبريل) الماضي خلال مداهمات أمنية للبحث عن أعضاء ما أطلق عليها خلية 'حزب الله'، وظل لفترة مراقبا خلال مدة إقامته في أحد منازل العريش قبل أن يتم القبض عليه هو وصاحب المنزل من قبل مباحث أمن الدولة.
****
خوذة المستعمر تزيـغ البصر
خليل قانصو
15/10/2009
انهار حائط برلين في 10 تشرين الثاني (أكتوبر)1989. وتم التوقيع في 30 أيلول (سبتمبر) 1938 على اتفاقية ميونيخ، بين فرنسا وإنكلترا من جهة وألمانيا من جهة ثانية. استتبع ذلك إبرام عهد صلح في 23 آب 1939بين ألمانيا والدولة السوفييتية. ولكن هذا 'الخليط بين الصلف والعدوانية من جانب والخوف وحنـْو ِ الرأس من جانب آخر' بحسب المؤرخ هوبسمون، لم يمنع اشتعال الحرب العالمية الثانية، بل جعل من اتفاقية ميونيخ، في الخطاب السياسي الغربي، مرادفا للعار والجبن والتنازل عن الحقوق.
هناك الكثير مما يمكن قوله عن الرّابط، بين تلك الحرب وما يجري في الراهن في بلاد العرب، وكأن نارها همدت أو تكاد، في جميع الأماكن، ما عدا في هذه البلاد، حيث يتوقد لهبها ويشتد حرّها، كلما دارت الرياح دورتها وتحولت دَبـورا. ما يهم في هذا الموضع، هو التوكيد على أن اتفاقية ميونخ وسقوط حائط برلين، يمثلان في الواقع ركيزتين أساسيتين، لما يمكن تسميته العقيدة 'الغـَـرْبـَوية'(occidentaliste). وهي نظرة إلى الغربي، الأوروبي والأمريكي الشمالي تحديدا، تصوره الأرقى والأكفأ من بين الآدميين، والأحق بكنوز التراث الإنساني، منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، إرثا له.
وليس أدل على هذه الأنانية الغربية، أو بحسب التعبير المصطلحي الأنـَوية الغربية، من الأفكار التي تـُفصّلها في وسائل الإعلام، طائفة من منظري العصبية الأوروبية، لتكون محرّكا للنهوض والالتحاق بالولايات المتحدة الأمريكية من أجل الانضمام إليها وقيادة وإدارة العالم إلى جانبها، بطريقة تسمح بالمحافظة على امتيازات الإنسان الغربي وتحسينها، على حساب الذين ليسوا غربيين أو لا يـُقبلون إن هم رغبوا بأن يصيروا غربيين.
ووضعا للأمور في نصابها الصحيح، تقتضي الإشارة إلى أن هذه الطائفة تضم مثقفين، يتخذون في فرنسا على سبيل المثال، من 'الفلاسفة الجدد' نموذجا يحتذى به، إلى جانب بعض السياسيين في أوروبا الشرقية، الذين ما زالوا يظهرون العداوة للروس، دليلا على أن معارضتهم للإتحاد السوفييتي لم تكن عقائدية فقط، ولكنها كانت أيضا، في المقام الأول، تعصـّبا قوميا. هذا يفسر وجود أعضاء هذه الطائفة، دائما في مقدمة المدافعين عن السياسة الإمبريالية الأمريكية، في جميع المعارك المستعرة من أجل الهيمنة.
وبمناسبة حلول ذكرى، اتفاقية ميونخ وإزالة جدار برلين، نشرت صحيفة 'اللوموند' الفرنسية في 23 أيلول (سبتمبر) 2009، مقالة مذيلة باثني عشر توقيعا، هي أقرب إلى البيان، تتضمن بالقطع، أفكارا جيدة. ولكن الغريب أن غالبية الكتـّاب الذين قاموا بصياغتها، عبـّروا في مناسبات أخرى عن مواقف تصب في صالح أفكار نقيضة لها. لقد أرادوا في بيانهم مقاربة الدور الأوروبي في أزمة جورجيا التي انفجرت في آب (أغسطس) 2008، على ضوء دروس التاريخ، كما يقولون، واتفاقية ميونيخ على وجه الخصوص. انطلاقا من أن مكانة هذا القطر، يجب أن تكون من وجهة نظرهم في حضن الإتحاد الأوروبي. أما الأفكار الرئيسية التي استندوا إليها، فبالإمكان إيجازها بالنقاط التالية : أولا عدم جواز بناء جدار لتقسيم بلد من البلدان أو تغيير حدوده. ثانيا لا يحق لدولة الاستيلاء على أراض الآخرين وضمها بالقوة. ثالثا، من الثابت أن الدولة الأقوى، تجد دائما حجة أو مبررا ،لانتهاك سيادة دولة ضعيفة، وغزوها. رابعا عار أن لا ينكر المنكر. والسكوت على احتلال بلد من البلدان، وتجزئته، علامة جبن وتراجع أمام المعتدين وتشجيع لهم.
وينبغي، إيضاحا للأمر، التذكير بأن الولايات المتحدة الأمريكية وأوكرانيا وإسرائيل، قدموا لجورجيا، السلاح والخبرات من أجل تحديث قواتها ورفع مستوى أدائها العسكري، قبل أن تبادر هذه القوات في 7 آب (أغسطس) 2008 إلى شن هجماتها على أوسيتيا الجنوبية. ولعل في هذه العلاقة بين إسرائيل من جهة وجورجيا من جهة ثانية، سر دعوة بعض المثقفين الغربيين إلى الاحتكام للقوانين والشرائع.
ولكن الدهشة تتولى المترصــّد في هذه الأيام، أمام ردود الفعل على الوقائع التي كشف عنها تقرير بعثة التحقيق الأممية في قطاع غزة، نتيجة للعدوان الإسرائيلي في كانون الثاني (يناير) 2009. فبالإضافة إلى العجب العجاب، في هذا الزمان العربي من رؤية ممثل منظمة التحرير الفلسطينية يطالب لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أثناء مناقشتها لهذا التقرير، بصرف النظر عنه وتأجيل بت موضوع رفعه إلى مجلس الأمن أو إلى المحاكم الدولية. يحتار المرء في أمر الكتمان الذي يحيط نفس التقرير في وسائل الإعلام الغربية. فلم تأت على ذكره إلا عرضا، فضلا عن إحجام السياسيين عن التعليق عليه. لا سيما الذين يبدون عادة حماسة كبيرة، في الدفاع عن حقوق الإنسان، والقانون الدولي في الأماكن التي يختارونها حصرا، كدارفور وبيرمانيا والتبت وجورجيا.
ولعل الرجوع إلى تاريخ، الجرائم ضد سكان القطاع أثناء الحرب الإسرائيلية، من شأنه أن يـُعين على إظهار الخلـْط بين الأفكار المتضاربة الذي يلجأ إليه أهل الأهواء في الغرب. ودافعهم التعصـب ورفض الآخر والنفور منه.
فمن المعروف، أن السلطات الصهيونية منعت الصحافيين من دخول القطاع إثناء تلك الحرب. وأغلب الظن أنها أرادت من وراء ذلك، طمس الحقيقة، وفرض 'حقيقـتها' بدلا عنها .كان للساحة الفرنسية نصيب من هذه البضاعة الدعائية. التي تكلـّف أمر تقديمها وتسويقها فيلسوف، هو واحد من طائفة 'الفلاسفة الجدد'، ونجم من نجوم الليبرالية، الذين يشكلون، منذ سبعينيات القرن الماضي ،جماعة ضغط قادرة على إحداث صخب دعائي لا يستهان به ،دفاعا عن السياسة الأمريكية والإسرائيلية.
في 17.01.2009، نشرت صحيفة(Le journal du dimanche) التي تعود ملكيتها إلى مؤسسة صناعية ومالية كبرى، تحت عنوان 'أوراق عن الحرب'، يبدو أن هذا الفيلسوف، كتبها من فلسطين، يوما بعد يوم، على مدى الأيام العشرين التي استغرقها الهجوم على القطاع. وكأنه كان على علم مسبق بوقوعه، أو أن المستعمرين الإسرائيليين استدعوه للمساعدة في تمويه ما كانوا ينوون فعله، على الرأي العام. فليس غريبا، أنه لم يلاحظ أن السياسة الإسرائيلية، هي نقيضة للأفكار التي جاءت في مقالة 'اللوموند'، التي ورد ذكرها أعلاه، والتي كان بالطبع، من الموقعين عليها.
تبدأ هذه الأوراق من الجليل، حيث شاهد الفيلسوف، عربا 'اختاروا سنة 1948' البقاء في منازلهم، بحسب قوله، يتظاهرون تنديدا بحرب الإبادة على القطاع، ويدعون إلى الانتفاضة والجهاد. وكم كانت دهشته كبيرة، على حد تعبيره، عندما سمع صبيا عربيا يصف إسرائيل بالعنصرية. ففسر ذلك بحيوية الديمقراطية الإسرائيلية، التي تتكيـّف لكي لا تتعطل، حتى في زمان الحرب، رغم أن خمس السكان، وهو يعني العرب، ينحون نحو الانفصال. فمن غير المستبعد أن يكون كاتب الأوراق، قد أدخل في خليطه، تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، التي أعلنت أن المكان للتعبير عن التطلعات القومية للعرب الفلسطينيين يقع خارج دولة إسرائيل، 'اليهودية الأوروبية'.
التقى الفيلسوف، بعد ذلك، جنديا إسرائيليا، اسمه عساف، يقود طائرة مروحية قاذفة. ولكن هذا الجندي، بخلاف جنود إسرائيليين أذهلتهم وصدمتهم الجرائم التي دُفعوا إلى ارتكابها في القطاع، أقسم أمام الفيلسوف بأنه لا يطيق قتل الأبرياء، وبأنه أحيانا يعود بحمولته إلى قاعدته، إذا أحس بأن تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه، يشكل خطرا على المدنيين. ويزعم أنه أحيانا، يتنبه لهذا لخطر، بعد إطلاق القذيفة، فيعمل عندئذ، فورا على تغيير مسارها وتوجيهها إلى مكان خلاء لتنفجر فيه. اقتنع الفيلسوف بهذه الرواية، وازدادت قناعته ،كما يقول، عندما عـُرضت أمامه أفلام مصورة عن العمليات العسكرية. مما جعله على يقين، بأن تصرف عساف هذا، هو القاعدة في الجيش الإسرائيلي، وما عداه شذوذ ٌ عنها. واعتمادا عليه فإن اعتراف زعماء الصهاينة أنفسهم، بقتل المدنيين الذين التجأوا إلى مدارس وكالة الغوث، بحجة أن الإرهابيين يختبئون بينهم، هو بنظر الفيلسوف سقطة كلامية لا أكثر.
وعن زيارته لوزير الدفاع الإسرائيلي، الذي أستقبله في منزله، يستهل الفيلسوف الكلام بملحوظة عن حساسية الوزير الموسيقية ومهارته في العزف، وليس باستحضار الاغتيالات التي نفذها هذا الرجل بنفسه. ثم ينقل عنه أن عرفات، رفض أن يتسلم منه مفاتيح الدولة الفلسطينية، في كامب ديفيد، عندما كان رئيسا للوزراء. أما بالنسبة للقطاع، فلقد أطلع الوزير ضيفه الفيلسوف بأن مخازن السلاح توجد تحت ملاعب المدارس .
وعندما يأتي، على ذكر ما أكدته، منظمات غير حكومية، من أن عددا كبيرا من الأشخاص تم احتجازهم في إحدى الأبنية، ثم أطلق الجنود الإسرائيليون النار عليهم عشوائيا، فإنه يصف هذا الخبر بالشائعات التي لا يمكن التحقق منها، لان الصحافيين كانوا غائبين عن مسرح الأحداث. وهو لا ينكر أن بعض سيارات الإسعاف أصيبت ولكنه يكاد يقطع بأن ذلك وقع عن طريق الخطأ.
وأخيرا يقول الفيلسوف الفرنسي، أنه 'عبّأ ' نفسه في وحدة خاصة إسرائيلية متوجهة إلى القطاع. رغم أن الدبابة، ليست بحسب ظنه، الوسيلة المثلى للتحقق والتفكير والتحليل. إلا أنها سمحت له بمشاهدة انفجار لغم ضد مركبة عسكرية. وهنا يجد صاحبنا لزاما عليه الإشارة إلى أن القطاع يختلف من وجهة نظره عن الغيتو، ودليله هو أن اليهود الذين انتفضوا في غيتو فرصوفيا، لم تكن بحوزتهم ألغام. إضافة إلى ما رآه بأم العين، من شاحنات محملة بالمؤن، وهي تعبر معبر كرم أبو سالم إلى القطاع. أما من الدبابة التي كان بداخلها فلقد وقع نظره على مدينة مهجورة، أصابتها صدمة، ولكن القصف لم يحولها إلى ركام.
لقد نـُشرت أوراق الفيلسوف في آخر أيام العدوان على القطاع، قبل أن تقفل وسائل الإعلام في الغرب ملفه. وكأن الفيلسوف، أراد من ذلك أن تكون له الكلمة الأخيرة، ليقدم رؤيته للحدث والخلاصات التي يتوجب التوكيد عليها.
ومنذ ذلك الحين، تسربت إلى بعض وسائل الإعلام، شهادات عسكريين إسرائيليين، شاركوا في الهجوم على القطاع، وكلها تـُثبت أن رواية الفيلسوف مغرضة. وصدر أيضا، مؤخرا، تقرير البعثة التي انتدبتها لجنة حقوق الإنسان الأممية للتحقيق في ما جرى في القطاع، وفيه كشـْف عن جرائم شنيعة. ولكن هذه الجرائم لم تستوقف الفيلسوف، أثناء الحرب. فلا يأخذك إذن العجب، إذا رأى في جورجيا جدار الفصل، وانتهاك سيادة الدولة، والاحتلال، وفظاظة وخشونة المحتلين، والاستيلاء على الأرض بالقوة، وترحيل السكان، دون أن يرى شيئا من هذا كله في فلسطين. فكل من اعتمر خوذة المستعمر، صار مستعمـِرا.
' كاتب لبناني
****
كيف هدم رجال الأعمال مستقبل مصر
عماد رجب
15/10/2009
في بلادنا يفهم رجال أعمالنا الامتيازات التي تتاح لهم بصورة خاطئة، ويشعرون أن الامتيازات التي تتاح لهم، من أراض بسعر التكلفة، ومرافق مجانية، ووقود وإنارة بسعر مخفض، على أنها واجب على الدولة في مقابل توظيف عدد من العمال، وخفض نسب البطالة، وهو أمر بلا شك خاطئ ووجهة نظر قاصرة، إذا ما قورنت برجال أعمال إحدى الدول التي لم تدخل دائرة الدول النامية بعد، فرجال أعمال أفقر الدول وأصغرها، يساهمون في التنمية بصور شتى، من بناء مدارس ومستشفيات، وإقامة الجسور والطرق، ودعم مشروعات البحث العلمي، بدءا من بلاد (نمنم) وانتهاء بأعلى دول العالم دخلا ورفاهية.
وبرغم إن نسبة ما ينفق على البحث العلمي في مصر لا يتعدى حاجز الـ 0.5' من إجمالي الدخل القومي لبلدنا الحبيبة، إلا أن أحدا من هؤلاء الرجال الذين تبجحوا دائما بأنهم ينقلون ما أفرزته العقلية الغربية المتقدمة، لم يكونوا صادقين في نقل خبرات تلك الدول المتقدمة، في التنمية المجتمعية والوطنية، بصدق ونزاهة، ففي تلك الدول كما أن لك حقوقاً، عليك واجبات وكما أن الدول تعطيك امتيازات، فإنها تطلب منك طلبات، إن قمت بها فانك قد أديت ما عليك، وإلا فالمحاسبة نصيبك بلا تردد، مثل المساهمة في عمليات البحث العلمي التي وصلت في اليابان مثلا إلى نسبة 13' من إجــــمالي المـــيزانية، وتراوحـــت ما بين 8 إلى 15' في الدول الأوروبية، معظمها هي مساهمات رجال أعمال وطنيين، أو غربييــــن في البلــد المعني، بتقديم التسهيلات لهذا المستثمر، فقويت شوكة بلدانهم وازدهرت بفضل علمائها ورجال أعمالها، وهي رمانة النجاح في معظم التجارب الدولية التي نجحت، فالهند والصـــين وألمانيــا واليابان لم تتقدم إلا بالعلم، واحترام المواطن لبلده، وتقديرها له، وهو بالطبــع لم ينقله رجال الأعمال الوطنيين، وإنما نقلوا ما يسهل استثماراتهم، ولا يخدش أرصدتهم البنكية، وهو فكر خاطئ وانتهازي، فصحة العامل هي أصل أصيل من مسار التنمية، وتعليمه جزء لا يتجزأ من ارتفاع نسبة إنتاجه، وأمانه دافع على الإنتاج والتطوير.
وفي هولندا مثلا، إذا ما أراد احد المستثمرين أن يفتتح مصنعا، يجب عليه أولا أن يتعلم كيف يدير ذلك المصنع، وان يتلقى تدريبا عمليا في احد المصانع الموجودة في نطاق مدينته، ويجب عليه أن يدرب جميع عامليه، و أن يتعاقد معهم وفقا لضوابط قانونية تحفظ لكلا الطرفين ما يحميهما، وهو ما لا يحدث بالفعل في بلدنا الحبيبة، فالتوقيع على الاستمارة 6، (استمارة استقالة) تكون في ملف التعاقد، توقع على العقد وعلى الاستقالة، حتى إذا ما أرادوا أن يفصلوك، لا يكون لك أي فرصة في المطالبة بحقوقك أو المقاضاة، وعلى سبيل المثال :جميع شركات المبيعات، التي توظف مندوبي المبيعات، من شركات الأدوية و المأكولات الخفيفة، والكيماويات وغيرها والتي تفرض عليهم التوقيع على شيكات وإيصالات أمانة عند التوقيع على عقد العمل، ادعاء بأنها بهذا العمل تحمي نفسها، برغم أن الفواتير كافية على إثبات حقها، في مخالفة للقانون، وهي التي تجعل العامل تحت رحمة رب العمل، يطرده متى شاء ويسجنه متى شاء، وهي التي تسببت فعلا في سجن آلاف الشباب في مصر، بعضهم كان السبب رفض قرارا، أو فضح جريمة ، وللأسف بعض كبار رجال المال المعروفين متورطون في مثل تلك الإعمال المنافية للقانون، ولا يكون أي جهاز رقابي قادر على الدخول في معركة مع الكبار.
معظم تلك الأعمال المنافية للقانون وغيرها بالطبع، دفعت هؤلاء المستثمرين للبحث عن وجهة سياسية وحصانة برلمانية، فظهر لنا نوع جديد من رجال الأعمال غير قادر على البناء، فتكشفت لنا فضائح نواب القروض، نواب الرشاوى، نواب المخدرات، نواب التهرب من التجنيد، الجنسيات المزدوجة، ونواب الأمية، الذين تستروا تحت مظلة البرلمان، أو الأحزاب السياسية، والجمعيات الخيرية التي تقدم خدمات استثمارية، ليداروا عمليات غسيل الأموال القذرة، ويؤمنوا أنفسهم من العقاب وتحولت السياسة إلى بيزنس، وتحول الساسة إلى رجال أعمال .
وهو بالفعل ما يدفع البعض إلى إنفاق خمسين مليون جنيه في حملات دعائية، لترشيحه لمنصب سياسي، الأصل في خدمة الناس، وليس الهروب من العقاب، فالكل يعرف جيدا أن النائب الذي يشتري أصوات الناخبين، ويقدم كل هذه الأرقام الفلكية، التي كان بعضها كفيلا بسد احتياجات أبناء دائرته الذين انتخبوه من اجلها، والذين يعانون الأمرين بعد انتخابه أو فرضه بقوة تقفيل الصناديق وتزويرها، فلا يرونه إلا بعد خمس سنوات، عندما يأتي مرة أخرى ليعدهم، بما يحلمون به، أن لم يفتضح أمره، ويلقى القبض عليه.
إن اندماج السياسة مع المال أثبتت فشلها في مصر، بعد تدني الحالة الاقتصادية والصحية والاجتماعية للمواطن المصري، فأصبح نصفهم تحت خط الفقر، وتمكنت الأمراض المزمنة والقاتلة من كبده وكليته وقلبه ودمه، وتسرطن، وحقن بدم فاسد، وبعد سيل القوانين التي تبتز المواطن وتستقطع من قوته الذي لم يعد يكفيه، والتي أصبحت السمة الملازمة لجميع قرارات حكومة نظيف، وبعد عمليات الخصخصة المريبة، لشركات رابحة، بيعت بأبخس الأثمان، من اجل عيون بعض نواب الحكومة، أو محبيهم، وكذا آلاف الفدادين الزراعية التي بيعت برخص التراب، فآن الأوان أن نقدم خدمة المواطن الفقير المريض المعدم على زيادة مدخرات رجل الأعمال فهرب العلماء، وبقيت العوالم.
' كاتب مصري
****
إسرائيل تحتج لدى تركيا على عرض مسلسل تراه تحريضيا ضدها
تل أبيب- قالت إسرائيل الأربعاء إنها ستتقدم بشكوى رسمية لأنقرة احتجاجا على مسلسل تركي يحرض ضدها.
وذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية إنها ستستدعي السفير التركي لدى تل أبيب للتوضيح بشأن المسلسل الذي تدور أحداثه حول عائلة فلسطينية تتبع إحدى الفصائل في الضفة الغربية المحتلة.
وبث التليفزيون الوطني التركي المسلسل الجديد للمرة الأولى الأسبوع الحالي.
وعرضت نشرات الأخبار الرئيسية المسائية في إسرائيل الأربعاء مقتطفات من المسلسل التليفزيوني الذي يصور الجنود الإسرائيليين وكأنهم ساديون يقتلون الأطفال مع سبق الإصرار والترصد.
ويظهر أحد المشاهد جنديا يقترب من فتاة فلسطينية وهى تقف وظهرها للحائط في أحد الأزقة فيما تبدو وكأنها مدينة في الضفة الغربية. ويرفع الممثل الذي يقوم بدور الجندي سلاحه ببطء وينظر بتصميم إلى الفتاة التي كانت تبتسم ببراءة ثم يطلق النار علي صدرها من على بعد أمتار قليلة.
ويظهر مشهد أخر جنودا إسرائيليين يقتلون طفلا رضيعا عند حاجز على إحدى الطرق. ويظهر مشهد آخر رصاصة بالتصوير البطيء تطارد صبيا يفر في الوقت الذي يقوم فيه الجنود بتفريق مظاهرة بالذخيرة الحية، وتصيب الرصاصة الصبي في الظهر ويسقط على الأرض.
وقال بيان لوزارة الخارجية الإسرائيلية إن وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان وصف عرض هذا المسلسل بأنه (تحريض خطير) للغاية ضد إسرائيل، وأنه تم تحت رقابة حكومة أنقرة.
ويذكر أن العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا توترت منذ أن شنت إسرائيل عملية (الرصاص المصبوب) على غزة. ويبدو أن العلاقات مع تركيا قد سارت إلى الأسوأ في وقت سابق الأسبوع الحالي عندما قررت أنقرة إلغاء تدريب سنوي مشترك للقوات الجوية التركية مع إسرائيل بينما أقامت مصر مناورات مع أمريكا والناتو ودول الخليج الاعتلالية وبالمرة إسرائيل ويغنون فى المدارس الله أكبر فوق كيد المعتدى وهم يناورون ويتدربون ويطبعون مع المعتدى ، وعظيمة يا مصر والأصح وصيفة لإسرائيل وأمريكا والأطالسة الأبالسة يا مصر فأين حمرة الخجل ؟! .
****
اخلعوا هذه السلطة
بقلم : د . هاني عوض الله
16/10/2009
بالتمحيص في تاريخ الكفاح الفلسطيني الطويل، والهفوات التي ارتكبها الفلسطينيون في تعاملهم ومفاوضاتهم مع الصهاينة في فلسطين، يمكن اعتبار القبول بتأسيس السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال الاسرائيلي من أفدح الأخطاء التي ارتكبها الفلسطينيون في الحولين الأخيرين.
فهذه السلطة اسم على غير مسمى لم تملك ولا تملك لنفسها السلطة على اتخاذ أي قرار مهم أو شبه مهم، يمس مصير أو حياة الشعب الفلسطيني دون الرجوع إلى سيدها ( الحكومة الإسرائيلية) بل إنها ليست قادرة على أن تدرأ الاحتقار والازدراء عن أعضائها ورئيسها الذي يكيلها لها المحتل الصهيوني.. فكم من مرة أهين وزراؤها باحتجازهم لساعات على حواجز الطرق التي شيدتها إسرائيل في كل مناطق الضفة الغربية!! وكم من مرة منع رئيسها من مغادرة مكتبه في المقاطعة إلا بإذعانه للمطالب الصهيونية المهينة.
تلك الأيام تعتبر (أيام العز) للسلطة الفلسطينية.. حينها على الأقل لم يكن الفلسطينيون ينظرون إليها بعين الريبة والشك على أنها متآمرة ومتواطئة مع المحتل الصهيوني على قضيتهم وأراضيهم..
اليوم باتت السلطة ورئيسها اكبر خطر يهدد القضية الفلسطينية، فإسرائيل والصهاينة معروفون بأنهم أعداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين جميعا. فهم مغتصبون للأرض. وهم المحتلون، وهم القتلة، وهم السجانون والمنكلون، وهم مجرمو الحرب، والكل يعرفهم وهذا تاريخهم الذي يدركه كل طفل عربي من المحيط إلى الخليج.
والفلسطينيون بالذات يدركون كل الإدراك بان مآسيهم كلها خلال قرن من الزمن خلقت يوم خلقت أول خلية لهذا السرطان الصهيوني المروع..
اليوم هذا السرطان الصهيوني المكشوف والمعروف لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وكل المدافعين عن الحرية في العالم، لم يعد بحاجة إلى أن يري وجهه القبيح.. لقد بات مطمئنا إلى وكلائه المدافعين عنه وعن مشاريعه في المنطقة، هؤلاء الوكلاء (المعتدلون) يتصدرهم السلطة الفلسطينية الممولة والمدعومة من الدول الغربية وأمريكا، أصبحت هي الشريك الأول للاحتلال الصهيوني. ومخططاته ضد الشعب والقضية الفلسطينية، فرئيسها لا يستطيع حضور مؤتمر في الدوحة لنصرة المحاصرين من شعبه في غزة لأنه كما اخبر رئيس وزراء قطر إن حضر فانه (سيذبح من الوريد إلى الوريد)
هذه هي السلطة التي تجمع أسلحة المقاومة من أيدي الشعب الفلسطيني مقابل مائتي دولار للقطعة الواحدة.. هذه السلطة التي ترى قدس الاسلام والمسيحية تنتهك وتهود ويمنع الوصول إليها ولا تحرك ساكنا أو تتلفظ ببنت شفة صادقة، متواطئة مع المشروع الصهيوني للمدينة المقدسة، هي نفس السلطة التي كان رئيس وزرائها السابق يمول الاسمنت لبناء جدار الفصل العنصري، هي نفس السلطة التي تآمرت مع الصهاينة وحاكم مصر بالهجوم الأخير على شعبنا في غزة.. وكانت متأهبة لدخول غزة في جيش من العملاء حين انهيار المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة، لإكمال المخطط الصهيوني لإنهاء القضية الفلسطينية.
هي نفس السلطة التي طالما رفضت تقديم شكوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل لارتكابها جرائم حرب في غزة..
والآن تكشف هذه السلطة المارقة عن وجهها القبيح بالتآمر مع الصهاينة والأمريكان بالطلب بتأجيل النظر في جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة كما جاء بتقرير المحقق المنتدب من الأمم المتحدة ريتشارد غولدستون والذي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك جرائم إسرائيل بالقتل المتعمد للمدنيين الأبرياء وباستخدام قنابل الفوسفور المحرمة دوليا ضد شعبنا في غزة.
لقد باتت هذه السلطة عبئا كبيرا على الشعب الفلسطيني ولآماله في الحرية وتقرير المصير، وأصبحت عقبة كبيرة متواطئة متآمرة عليه مع أسيادها من الصهاينة وأعوانهم.. لقد آن الأوان للتخلص منها ومحاكمة رئيسها وأعضائها لتآمرهم على شعبهم الفلسطيني العربي البطل الذي قدم ولا يزال يقدم آلاف الشهداء الأبرار الكرام والذين تهتز عظامهم في قبورهم لما تقوم به هذه السلطة المارقة الخائنة.
' رئيس الجمعية العربية الأمريكية للحقوق المدنية باترسون وأستاذ الكيمياء بجامعة مونتكلير نيوجرسي
****
تعليقا على عبد الحكم دياب: بين عبد الناصر والسادات
16/10/2009
أود أن أعلق على المقال الأسبوعي الأخير للأستاذ عبد الحكم دياب المنشور في 'القدس العربي' يوم الجمعة الماضية فقد فتح المقال بابا مهما يستحق الوقوف عنده والتعمق فيه تلك هي فترة وفاة جمال عبد الناصر ثم تولي أنور السادات مكانه.
ذكرني ذلك المقال الجيد بحادثة جرت لي في ذلك الحين فقد قرأت آنذاك خبرا في جريدة 'التايمز' الإنكليزية تقول أن السادات كان يتقاضى مرتبا من المخابرات الأمريكية أثناء حياة جمال وكان ينقل المعلومات إلى أمريكا عن طريق سفير مصر في البحرين. وأذكر أني أخذت الصحيفة معي عند زيارتي الأسبوعية للشيخ الباقوري الذي كان في لندن للاستشفاء وكان يسكن في شقة مقابل المسجد في ريجنت بارك فلما ترجمت له الخبر لم تبد عليه علائم الاستغراب بل كل ما قاله لي آنذاك وهو يبتسم (هل تعرف من هو سفيرنا في البحرين؟) فقلت لا ، فقال: هو زوج بنتي.
وبعد ذلك لفت نظري ما قاله حسين الشافعي عندما كان يروي مذكراته على فضائية 'الجزيرة' بان جمال عندما عين فريقا من زملائه في منصب نائب رئيس الجمهورية لم يعين أنور السادات فسأله حسين الشافعي لماذا لم تعين السادات فرد عليه جمال (انت عايز الناس تضحك علينا). بمعنى آخر انه كان يعتبر تعيين السادات في منصب نائب الرئيس بأنه مهزلة. ثم بعد ذلك قام جمال بتعيين السادات نائب رئيس جمهورية فسأله حسين الشافعي :لماذا عينته الآن فقال جمال ضغطوا علي ضغطا شديدا. وهذا يعني أن جمال عينه ضد إرادته الحقيقية.
ثم سبحان الله دار الزمان دورته فإذا بهذا الرجل يتولى الحكم في مصر ويقلب تراث جمال عبد الناصر رأسا على عقب ويرمي مصر في أحضان أمريكا وإسرائيل.
لهذا فانا أرى أن هذه الفترة أي بين وفاة جمال وتولي أنور السادات الحكم فترة مهمة تستحق الدراسة العميقة. فالأستاذ عبد الحكم دياب يستحق منا الشكر على ذلك.
د. فـؤاد حـداد - لندن
****
عن الخروج من عصورنا الوسطى ..
د.أحمد خيري العمري
16/10/2009
الإنصاف والتفهم لا يكفيان بالضرورة للفهم الكامل، و بالتالي لا يكفيان لتقديم الحلول..
وروبرت فيسك، الصحافي البريطاني المعروف، لا يعوزه الإنصاف ولا التفهم لقضايانا، وهو لا يحتاج إلى ثناء مني ولا من سواي فهو من القلة النادرة التي وقفت بثبات مع قضايانا (احتلال العراق، غزة، لبنان ..الخ)، بينما كان بعض المثقفين الليبراليين العرب يشيدون بالتدخل العسكري ويشبهونه بأثر الغزو النابليوني على أوروبا ونهضتها.
مقاله الذي نشر بتاريخ 29 تموز (يوليو) 2009 في 'الاندبندنت' البريطانية يستحق أكثر من وقفة، وأكثر من تأمل. عنوان المقال يطرح تساؤلا جارحا 'لماذا الحياة في الشرق الأوسط متجذرة في العصور الوسطى؟' why life in the middle east remains rooted in the middle ages'
من حق روبرت فيسك أن يسأل، ومن حقه أن يجيب أيضا، لكن الإنصاف والتفهم ليسا بالضرورة كافيان للتشخيص ولتقديم الدواء.
يقر فيسك أولا بأن التدخل الغربي والمؤامرات الاستعمارية لها دور في الوضع المأساوي الذي تعيشه غالبية المجتمعات العربية وفي إبقائها على ما هو عليه، لكنه يقر أيضا بان ذلك لا يكفي لتفسير استمرارية التدهور..
وهذا صحيح، وهي نقطة ستحسب لصالح فيسك عندما نرى كيف أن البعض من كتابنا قد تخلوا تماما عن أي اتهام أو أشارة للغرب، لصالح إدانة كاملة وشاملة لكل ما هو نحن..فقد انتقلنا من خطابات 'نظرية المؤامرة' الحماسية التي لا ترى مشكلة إلا في الغرب إلى خطابات 'نظرية اللامؤامرة' التقريعية التي لا ترى فينا إلا كل ما يستحق النبذ ( ما هو إحنا فعلا بوجود السعوديين والوهابيين نستحق النبذ ويا ريت نبطل عنجهية ورفض الاعتراف بأخطائنا وبلاوينا وفضائحنا) ولا ترى في الغرب غير ملائكة وجمعيات خيرية (يا ريت ناخد منهم نظافتهم وتحضرهم ونتجنب التطرف الوهابى والتعصب الصليبى والرأسمالى والإمبريالى ) ....
يضع فيسك ملاحظات هامة وجديرة بالاهتمام، لكن أطار رؤيته العام سيبقى أسيرا للرؤية الغربية، وهذا ما لا يمكن لومه عليه ..
يبدو ذلك واضحا من العنوان : فهو، للدلالة على التخلف الذي نعيشه، يستخدم مصطلح 'العصور الوسطى'..وهي الفترة الأسوأ أوروبيا والتي تمتد لعشرة قرون منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي إلى القرن السادس عشر الميلادي حيث بدأت بوادر النهضة الأوروبية والإصلاح اللوثري..
لكن ماذا كنا نفعل خلال ذلك ؟ كان ذلك هو عهد نهضتنا وازدهارنا، كان ذلك هو بالضبط هو عصرنا الذهبي : عصر الفتوحات الإسلامية، عصر الرشيد والغيمة التي أينما حملت مطرها فسيعود خراجها للمركز ..مهما كانت لدينا تحفظات على بعض ما حصل في تاريخنا فانه يبقى التاريخ الأنصع الذي لم تحدث فيه مجزرة واحدة أثناء بناء الدولة وانتشارها (لا يدخل المسلمون قائمة المجازر التاريخية إلا في فترة متأخرة جدا وفي إطار المجازر المتبادلة مع الصليبين والتي ابتدأها الصليبيون أصلا، على فرض صحة وجود هذه المجازر وحيادية المصادر التي ذكرتها، بينما كل الإمبراطوريات التي سبقت وتلت الدولة الإسلامية كانت ترتكب المجازر أثناء انتشارها وتوسعها..)..
خروج الأوروبيين من عصورهم المظلمة تزامن مع تدهور تدريجي مرت به الأمة، ومن ثم ولوجنا في عصور مظلمة تخصنا، واستمرارنا فيها رغم كل صيحات النهوض ومشاريع النهضة المجهضة وفرصها المهدرة..
قروننا الوسطى تملك بعض التشابه مع قرونهم الوسطى، لكن هناك أيضا اختلافات جذرية، الكنيسة كانت تمتلك القوة والسيطرة أبان هذه العصور، كانت تحكم بيد من حديد على كل شيء حرفيا، الأمر كان أكبر بكثير من مجرد تحالف بين الإقطاعيين والنبلاء ورجال الكنيسة، بل كان هناك سيطرة مباشرة على الحكم، كانت الكنيسة هي المؤسسة الأقوى في تلك الفترة، كان ملوك أوروبا يطلبون رضا الباباوات والكرادلة ويتملقونهم بل ويخشونهم، وقصة الملك هنري الرابع الذي ارتحل لأشهر من مكان إلى آخر طالبا المغفرة من البابا غريغوري السابع، إلى أن وصل إلى منتجع صيفي حيث كان البابا يقضي الصيف وهناك 'ركع ' للبابا أمام الناس طالبا السماح منه..
لا يمكن إنكار وجود نوع من التحالف التاريخي بين بعض رجال الدين عندنا وبين السلطات، كما لا يمكن إنكار أن هذا التحالف ساهم في أحيان كثيرة في تكريس الظلم والاستبداد ومنح الشرعية له، لكن هذا التحالف كان دوما من باب 'التحصيل الحاصل' لا أكثر ولا أقل، ورجال الدين الذين انخرطوا في هذا الأمر لم يكونوا أكثر من 'وعاظ' و'ندماء' مقربين للحكام، ولم يكن لديهم قوة فعلية خارج هذا القرب وبالتالي لم يكن هناك أمكانية كامنة للسيطرة التي مثلتها الكنيسة بصفتها المؤسسة الأقوى في أوروبا القرون الوسطى..لا يمكن تخيل أصلا موقف مماثل لذلك الذي حدث بين البابا وهنري الرابع من قريب أو بعيد، كان هناك رجال دين نأوا بأنفسهم عن الأمر كله ( وهم الغالبية للأنصاف) وآخرون قاموا بدور المعارضة ولكنها بعيدة جدا عن أن تكون معارضة أنداد ..فضلا عن أن يكون لرجل الدين فيها السطوة والانتصار..(الحوادث التي انتصر فيها رجال الدين كلها لا تعود لهذه الفترة بل لفترة النهوض)..
إذن المقارنة تمتلك تشابهات ولكن المؤسسات التي سيطرت على الوضع في الحالتين مختلفة تماما..
يقول فيسك أن العرب لا يمتلكون انتماء حقيقيا لأوطانهم بالمفهوم الغربي للكلمة، لا يشعرون أن أوطانهم لهم، كل ما هو في الشارع ليس لهم، كل ما هو خارج أطار ممتلكاتهم الفردية الشخصية لا يعنيهم، وهذه حقيقة لا مناص من الإقرار بها، وهو يلاحظ أيضا أن بيوت العرب نظيفة بشكل عجيب (spotly clean) ولكن شوارعهم تعج بالأزبال والقمامة، وهي ملاحظة صحيحة أيضا، وهناك مقابل معاكس لها في الدول الغربية، حيث لا توجد طقوس وتقاليد نظافة شخصية كالموجودة عندنا وفي بيوتنا، ولكن توجد شوارع نظيفة (ليس في نيويورك !)..و الملاحظتان وان وردتا في سياقين مختلفتين في كلام فيسك إلا أنهما مرتبطتان جدا ..انه عدم الانتماء الذي نشعر به، أو يشعر به أغلبنا على الأقل، والذي يجعل الكثيرين غير مكترثين لما يجري خارج سور البيت 'حوالينا ولا علينا'.
قد يكون رد الكثيرين على الأمر مرتبطا بسؤال : وماذا قدمت لنا أوطاننا كي ننتمي لها ؟ والسؤال وجيه، ولكنه يرتبط بمنظومة فكرية كاملة هي في الحقيقة منتجة وناتجة عن هذه الأوضاع في الوقت نفسه.
يذكر فيسك أوضاعا محبطة يعيشها العرب، ونعرفها جيدا ( ويزايد قليلا في بعض الأمور التي صارت جزءا من بديهيات الإعلام الغربي والعربي أيضا رغم عدم وجود إحصاءات توثقها، مثل ما يسميه العنف المنزلي، وجرائم الشرف والاغتصاب وهو أمر تتعمد وسائل الإعلام التضخيم فيه لأغراض واضحة إلا أنها في الحقيقة لا تملك حجما مؤثرا أو حتى قريبا من التأثير )..يذكر عن الفساد والرشوة والدكتاتورية والمحسوبية والشباب الذين يحملون شهادة الدكتوراه ويعملون سائقين لسيارات الأجرة..و يقول شيئا جارحا عن الشباب المتعلم الذكي الذي كل طموحه السفر إلى الخارج (يقول بالحرف : القرآن بالنسبة لهم غال جدا، ولكن كذلك الغرين كارد Green card!!)..
يعتبر فيسك أن هذه الأوضاع هي التي جعلت من العقل العربي غير منتمي للوطن..و قد يكون في قوله وجاهة لا يمكن تجاهلها..لكني أذهب إلى ما هو أبعد من ذ لك، وأزعم أن العربي كان دوما هكذا، كان دوما لا منتميا لشيء إلا لنفسه ومن ثم عشيرته، لم يكن له وطن أصلا ما دامت الخيمة عنوانه الدائم، ومادام الترحال هاجسه وواقعه، كيف يمكن للانتماء أن ينشأ عند من يرتحل دوما؟
لا أتحدث هنا عن البدو والأعراب فقط، بل عن 'ثقافة جمعية أعرابية' سكنت حتى المدن وجعل من سكانها بدوا رحلا أدركوا ذلك أو لم يدركوه، ثقافة تجعل منهم غير منتمين، غير مساهمين، غير منتجين، غير فاعلين ..حتى لو كانوا يستخدمون أحدث التقنيات المستوردة..
أقول ذلك كله وأكمل : إن العربي لم يخرج من ذلك كله إلا مرة واحدة فقط، ألا وهي عندما صار مسلما، وحده الاسلام نجح في أن يحول ذلك النكرة الهائم على وجهه إلى إنسان فاعل، وحدها القيم الدينية التي حملها الاسلام والقرآن إلى عقله ووجدانه جعلت منه إنسانا غير العالم في عقود قليلة، قيم ربطت الإيمان بالعمل الصالح، وجعلت من الأنا تذوب في النحن، وجعل من المجتمع سفينة واحدة إما أن تنجو وينجو ركابها أو تغرق ويغرقون جميعا .. كانت هذه هي معجزة الاسلام الحقيقية: انه نجح مع أمة هي الأدنى حضاريا في مقاييس زمانها، وجعلها، في فترة قياسية الأمة الأفضل..وهذا يجعله محتويا دوما على قيم فاعلة كامنة يمكن أن تنفع أي أمة في أي مرتبة حضارية..
فما الذي حدث بالضبط؟ كيف تركنا عصور نهضتنا إلى قروننا الوسطى؟ حدث الانفصام التدريجي بين القيم الدينية وبين الواقع، ممثلا في نظم الحكم أولا، لكن القيم الاجتماعية ظلت مسيرة عبر القيم الدينية..و مع الوقت زاد الشرخ اتساعا، وزاد من حدة الشرخ تفتت الدولة المركزية إلى دويلات متناحرة، وصارت القيم الدينية بالتدريج قيما فردية، يسيطر عليها الطابع الشعائري المفرغ من الفاعلية الاجتماعية، واختفى مفهوم 'فتح العالم' الذي سكن هاجس الجيل الأول وحل محله مفهوم يركز على 'الآخرة' كما لو كانت منفصلة عن العمل في الدنيا ..
و كل هذا كان سمادا خصبا للاستبداد والفساد وللتفكك، وعادت الدولة لتكون مجرد نسخة حديثة من العشيرة الجاهلية، يأتي ريعها من الرعي (صار اسمه اليوم استثمارا هنا وهناك) أو من السلب والنهب (صار اسمه اليوم رشوة ومحسوبية ونسبة عمولة ..) وكل فرد داخل العشيرة الحديثة لا ينتمي لشيء إلا لنفسه ولعائلته الأقرب وكل شيء حوالينا ولا علينا..و لا يعود يهم حقا إلا إذا صار علينا..
كلما انسحبت القيم الدينية من فاعليتها عاد ذلك الأعرابي الساكن في أعماقنا ليطل برأسه ويستبدل به رؤوسنا جميعا..مهما كانت الشهادات الجامعية والألقاب التي نحملها ،بل مهما كانت الادعاءات والشعارات 'تقدمية' و'علمانية' و'ليبرالية'..فأن الواقع سيسيطر عليه ذلك البدوي الذي يتحكم بالعقل واللاوعي الجمعي ..
وحدها القيم الدينية، التي عندما خرجت منّا خرجنا نحن من نهضتنا، وحدها قادرة على تفعيل هذا الفرد..و تحويله الى إنسان فاعل، إلى جزء من جماعة ..و وحدها قادرة على الخروج بنا من عصورنا الوسطى والتي تختلف عن 'عصورهم الوسطى'.
خروجهم لم يحدث إلا عبر الخروج من الكنيسة..
أما خروجنا، ويا للعجب، فلا يمكن إلا عبر العودة إلى القيم الدينية السمحاء غير الوهابية بالطبع ..
' كاتب عراقي
****
أكاديمية أردوغان لتعليم القادة العرب
رأي القدس
16/10/2009
رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا يشكل حالة سياسية فريدة من نوعها، ليس لأنه يتزعم حزباً إسلامياً معتدلاً يؤمن بالديمقراطية، ويحتكم إلى صناديق الاقتراع فحسب ، وإنما لأنه أعاد تركيا، وفي سنوات معدودة إلى مكانة بارزة في الخريطة الدولية.
إنجازات أردوغان تجمع بين نجاحات داخلية تمثلت في بناء أرضية اقتصادية صلبة من خلال خطط تنمية طموحة، وإصلاحات متميزة، جعلت تركيا تحتل الترتيب السابع عشر على قائمة تكتل دول العشرين التي تمثل اكبر اقتصاديات العالم، ونجاحات خارجية انعكست في تعزيز العلاقات مع دول الجوار.
السيد أردوغان حقق مصالحة تاريخية مع أرمينيا طوت صفحات من العداء الدموي، وتوجه إلى العراق لبناء جسور من التواصل مع الجار الجنوبي المضطرب لتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي جنباً إلى جنب مع التعاون الأمني، وسيطير بعد ذلك إلى إيران في مهمة مماثلة.
ولا يمكن أن ننسى احتفالات حلب قبل أيام بفتح الحدود التركية السورية أمام مواطني البلدين دون أي عوائق، وإقامة منطقة حرة مشتركة، وإلغاء التنقل بجوازات السفر، والاكتفاء بالبطاقة الشخصية.
هذا الانفتاح على الجيران، سواء العرب والمسلمين منهم، أو الأرمن، يتزامن مع وقفة أخلاقية شجاعة ضد الحليف الاسرائيلي بسبب مجازره ضد أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. فالحكومة التركية ألغت مشاركة طائرات إسرائيلية في مناورات مشتركة مع أمريكا وتركيا فوق الأراضي التركية لان هذه الطائرات، أو بعضها، ألقت قنابل الفوسفور والصواريخ على الأبرياء في قطاع غزة أثناء العدوان الاسرائيلي مطلع هذا العام.
بعض الصحف الإسرائيلية والعربية حاولت التشكيك في هذا الموقف التركي الشجاع، عندما بالغت في تضخيم رواية إسرائيلية تقول أن هذا الإلغاء جاء نتيجة تأخر إسرائيل في تسليم طائرات مراقبة بدون طيار متقدمة جدا كانت تركيا تعاقدت على شرائها.
السيد أردوغان لم يلتفت إلى هذه المحاولات التشويشية، مثلما لم يعبأ في الوقت نفسه بالانتقادات الإسرائيلية المتواصلة، عندما أكد أن قرار رفض مشاركة إسرائيل في المناورات جاء بسبب حرب غزة، والجرائم الإسرائيلية التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني، وقال أثناء مؤتمر صحافي قبيل ذهابه إلى بغداد 'أود أن يعلم الجميع أن تركيا دولة قوية تتخذ قراراتها بنفسها. تركيا لا تتلقى تعليمات من أي كان لاتخاذ قراراتها' وأضاف موضحا 'إن أي سلطة سياسية ملزمة بالأخذ بمطالب شعبها، ولا يسعني تجاهل مطالب شعبي، إنها مسألة صدق'.
نتمنى أن يقرأ هذه الكلمات جميع الزعماء العرب، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، لان هؤلاء يحتقرون شعوبهم وآراءها، ولهذا تزداد أوضاع العرب تخلفا وتراجعا.
ونخص الرئيس الفلسطيني بالذات لأنه وهو الذي يتزعم سلطة ناقصة السيادة، ويدعي أنه يرأس منظمة 'التحرير' الفلسطينية يبالغ في احتقاره للشعب الفلسطيني وطموحاته، وانعكس هذا الاحتقار بشكل كبير أثناء إصداره أوامره بسحب قرار التصويت على تقرير غولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
نقترح أن يفتح السيد أردوغان 'أكاديمية' في اسطنبول لتعليم الزعماء العرب بعض الدروس في الكرامة وكيفية خدمة شعوبهم واحترام آرائها.
****
صعدة : كتبنا وسنكتب إلى أن يندمل جرحك النازف
17/10/2009
كل البشر بمختلف أجناسهم يمموا شطر صعدة أيمانا واحتسابا لآدميتها باستثناء حكومتنا الموقرة. كل العالم غادر خارطة الكون نحو صعدة، تدثر من ترابها الممزوج بدماء أبنائها الطاهرة، المعجون، المتعب، المستنفذ لأوراق الحروب الست البائسة وتذكر كل إعلانات حقوق الإنسان وأسرع ببث الأوامر الخطية نحو أقطاب الحرب لينتهوا وتبقى صعدة، وتبقى الإنسانية.
صعدة الجريحة فقدت الابتسامة وفقدت متعة العيش والاستمتاع بالحياة العادية، لا أظن أحدا يستطيع أن يعوض صعدة ما فقدته ..هذا ما أراه أنا وإن كان غيري يرى غير ذلك إلا أنني أتصور ما تخلفه الحروب من معاناة نفسية على الآباء والأمهات والأبناء على مدى السنوات القادمة ومشاعر الأيتام والأرامل من ذا الذي سيعوض البشر ومن الذي سيمنحهم الأمان المفتقد لا أظن أن أحدا لقادر على أن يلعب دور الأب الروحي لصعدة وأن يعوض دماء المسلمين التى فى رقبة على عبد الله صالح المجترئ على دماء المسلمين مهما تشدق الجميع بعبارات الإعمار والتعويض المادي.
- ربما سيفرح أحد طرفي الحرب خصوصا النظام الدكتاتوري الدموي الحاكم بالانتصارات التي أحرزت في الجولة السادسة القاتلة لكن الحرب ستخلف جيل يائس لا يثق بأحد وستخلف آثار نفسية على أبنائها النازحين لا تنسى ولا تمحى ستعلم ندوبها في زمن الوطن البائس.
- لا أعتقد أن الأبرياء سيمنحوننا الراحة والاستقرار والأمان بعد اليوم و لا نتوقع أن دماءهم البريئة ستغفر للشعب اليمني كله صمته ولا مبالاته ولن تغفر لأي من طرفي الحرب خصوصا النظام الدكتاتوري الدموي الحاكم فهو البادئ والسبب الحقيقى فى الحرب فإن الأرواح ستطوف طول البلاد وعرضها وتحاسب كل نفس كانت السبب في تلك الحرب اللعينة.
- تلك صعدة المحافظة الموجعة المؤلمة التي لن تندمل جراحها ولن تنسى مأساتها ولو منحوها ذهب الأرض بعد هلاكها ولو وعودها الجنة على الأرض فإنها فقدت الثقة بصكوك العهود الكاذبة.
- تتضح تضاريس الخارطة من تلك الحروب الدامية لتتحول نقطة البداية والمناخ العاصف من عيد وفرحة أبناء اليمن جميعا إلى عـيد صعدة الدامي فتخوننا خارطة التكوين والابتداء لتتمحور بين ضحايا صعدة ونازحيها فتتشكل خارطة اليمن الموجعة وتضاريسها المنحوتة في ذاكرة التاريخ وأبناء صعدة المجروحة.
- ليس هذا كله ما أفرزته الحرب لنا إن نتخيل الطائرات وهي تقصف الأبرياء ولنا أن نتخيل الجنود والعساكر وهي تزج في حرب مع إخوانها وليس مع العدو الخارجي ومن ذا الذي لا يحتسب أرواح الأبرياء من الطرفين ومن ذا الذي لا يعلم أي منقلب ستناله البلد بعد تلك الحرب التي وقودها الأبرياء.
ـ لا أظن أنكم ستعرفون الراحة والاستقرار بعد هذه الحرب التي فاقت كل التصورات وشهدت عليها ملائكة السماء وكتبت كل مأساتها ونواح أهلها إلى يوم الدين .فصيام وقيام رمضان سلب منا قدسيته لأنه كان ممزوجا بالشتائم واللعنات التي تطارد متسببي الحرب والصيام كما تعلمون صيام عن الكلام وعن السب وعن التذمر لكن الكل فوت عليه هذه الفرصة وبات وأمسى يتذمر ويسب ويلعن ويشاهد التلفاز ويطارد ماوس النت ويهرع إلى الأكشاك حيث ترقد الصحف على استحياء ليحظى بخبر وقف الحرب فيعود يجر أذيال الخيبة لاعنا الصحف والجرائد متمنيا لو كانت تلفق الخبر الذي يتمنى أن يسمعه الكل ولما لا تلفق وهي بارعة في التلفيق ونشر الأكاذيب أحيانا فيشتريها على مضض حتى لا يتذمر منه صاحب الكشك أو المكتبة يحمل معه كومة ورق والحسرة على ما تبقى له من أيام الصوم التي لم يقضها بوحدانية التعبد إلا وهاجس الحرب والقتل وسفك الدماء يهاجمه ليله ونهاره.
- تفتقت الضمائر الصدئة تهاوت الأحلام البائسة رغم الابتسامات الباهتة رغم الانتصارات المزعومة فلا شيء أغلى من الدم اليمني سواء في صعدة أم الجنوب أم شرق وغرب البلاد.
- هاهي صعدة تعلمنا الدروس في الإنسانية والحزن والجرح والألم وتمنحنا مشاهدة أفلام الرعب بالمجان، وتمنحنا وقت من المشاهدة المفجعة لشلالات الدماء التي ترتوي بها الأرض وتتطهر من أبريائها وتزرع من كرياتهم البيضاء الزهور ببياض الثلج تشهد على الظلم الذي أحاق بها، فمن ذا الذي سينصرها بعد الله ، من؟
آسيا ناصر
Aianaer7@hotmail.com
*****
كم من التقارير دفنت وهي حيّــة
عبد الحميد صيام
17/10/2009
سحب تقرير غولدستون في اللحظة الأخيرة بناء على تعليمات من رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى سفيره إبراهيم خريشة ليست سابقة في تاريخ عمل مجموعة أوسلو الراكبة في قطار الهوان وتريد أن تحمل معها الشعب الفلسطيني إلى المهلكة. وأود أن أذكر أبناء الشعب العربي بأن السوابق كثيرة ولا تقتصر على تقرير غولدستون.
وسأتوقف قليلا عند ثلاث سوابق تم التراخي عن متابعتها أو التآمر عليها أو بيعها بثمن بخس أو إهمالها، على افتراض حسن النية، من مجموعة فريق المفاوضات العبثية الذين ما زالوا متمسكين بالوهم الذي أوصل القضية إلى ما هي عليه الآن. والمحطات الثلاث التي سأتوقف قليلا عندها هي حل فريق تقصي الحقائق في مذبحة مخيم جنين 2002 برئاسة مارتي إحتساري، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري الصادر في تموز (يوليو) 2004 وتقرير لجنة ديزموند توتو عن أحداث بيت حانون في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006. أما تقرير غولدستون حول الهجوم على غزة في أواخر 2008 وأوائل 2009، والذي تجاوز كل ما سبقه من مواقف، فقد اشبع تحليلا وليس لدي ما أقوله أكثر مما قيل.
فريق تقصي الحقائق في أحداث مخيم جنين 2002
اعتمد مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 نيسان (أبريل) 2002 القرار 1405 والذي دعا 'إلى تشكيل فريق مستقل لتقصي الحقائق في الأحداث الأخيرة في مخيم جنين وإبلاغ مجلس الأمن بتلك التطورات'. شكل الأمين العام كوفي عنان وفدا رفيع المستوى بقيادة الدبلوماسي الفذ رئيس فنلندا السابق مارتي إحتساري، ترافقه السيدة صاداكو أوغاتا، المفوضة السامية السابقة لشؤون اللاجئين، والسيد كورنيليو سوماروغا، الرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الأحمر.
إسرائيل من جانبها رفضت، منذ البداية استقبال الوفد ووضعت شروطا تعجيزية للسماح للوفد بالقيام بمهمته، ووعدت، كالعادة، أن تجري تحقيقا في الموضوع. كان الوفد قد تجمع في جنيف للانطلاق إلى ميدان الأحداث حالما يتم تذليل العقبات الإسرائيلية، لكن السيد عنان انصاع للإملاءات الأمريكية فأعلن يوم الخميس الثاني من أيار(مايو) حل الوفد وطلب من أفراده العودة إلى ديارهم بطريقة مهينة لم تحدث في تاريخ المنظمة الدولية على حد علمي. لقد احتج الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والعديد من الدول على موقف إسرائيل الرافض للتعاون مع الفريق والسماح له بالقيام بالمهمة التي كلفه بها مجلس الأمن. رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية قال: 'إن رفض إسرائيل لاستقبال فريق تقصي الحقائق غير مقبول. وإذا لم يكن لديهم ما يخفونه فما هو السبب في عدم استقبال الفريق؟ إنها فرصة أمام إسرائيل لتظهر للعالم بأن ليس لديها ما تخفيه'. جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني قال: 'إذا لم يكن لدى إسرائيل ما تخفيه فعليها أن تسمح لفريق تقصي الحقائق بمباشرة عمله في أقرب وقت ممكن. إن هذا أمر في غاية الأهمية لإسرائيل وسمعتها'. إيغور إيفانوف، وزير الخارجية الروسي آنذاك قال 'إن الاتحاد الروسي يصر على أن تسمح إسرائيل للفريق أن يصل جنين'. عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية، قال إن رفض إسرائيل لاستقبال الفريق 'أمر مهين، ومن شأنه أن يقوض ما تبقى من مصداقية للأمم المتحدة'. أما السيد ياسر عبد ربه، وزير الإعلام الفلسطيني، فكرر نفس الفكرة الباردة بأن مصداقية الأمم المتحدة على المحك.
المهم في الأمر أن حل الفريق لم يثر أي ضجة لدى السلطة الفلسطينية، ولم تقم حينها باحتجاج عال يدل على أنها فجعت بالقرار. ولم تمض إلا أيام حتى تبين أن هناك صفقة تمت عن طريق الولايات المتحدة للتخلي عن فكرة فريق تقصي الحقائق. وتتضمن الصفقة فك الحصار عن ياسر عرفات المحاصر في المقاطعة وسحب وحدات الجيش الإسرائيلي التي تطوق المكان. ويتم وضع الأشخاص الستة المطلوبين لإسرائيل والمحاصرين في المقاطعة في سجن بأريحا تحت حراسة أمريكية بريطانية مشتركة، حيث كانت إسرائيل مصرة على تسليمهم أو اقتحام المقر لاعتقالهم وهم أربعة عناصر من الجبهة الشعبية متهمين باغتيال رحبعام زيفي، وزير السياحة الإسرائيلي السابق، وأمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات، والعميد فؤاد الشوبكي المتهم بتمويل وترتيب صفقة الأسلحة التي ضبطت في سفينة كارين.
يقول تقرير منشور على موقع ' كاونتربنش' المشهور بعد أربعة أيام من إنهاء مهمة الفريق أي بتاريخ 6 أيار (مايو) إن إدارة بوش والمملكــة العربية السعودية توصلا للصفقة ثم عرضها بوش على شارون وعرضها ولي العهد السعودي على عرفات. عقد شارون جلسة للحكومة وعرض الاتفاقية على الوزراء. وعندما اعترض أحدهم على فك الحصار عن عرفات قال شارون: 'لا بد من قبول هذا العرض لأن الرئيس بوش وعد أن ينهي اقتراح إرسال فريق تقصي الحقائق'. وقد صوت مجلس الوزراء الإسرائيلي على الاقتراح بغالبية 17 صوتا لصالحه بينما رفضه 9 وزراء. ومما جاء في المقال: 'لقد كان الوعد بإنهاء فريق التحقيق في مذبحة جنين عرضا مغريا لشارون. فقد توصل الرئيس بوش ومستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس إلى رزمة من الإجراءات تمت صياغتها مع المملكة العربية السعودية'.
وهكذا تم تمييع قرار مجلس الأمن وحل فريق تقصي الحقائق واستعيض عن ذلك بالطلب من كوفي عنان تقديم تقرير إلى الجمعية العامة، وهو ما فعله بالضبط حيث جمع مواده، كما يقول في المقدمة، من مصادر ثانوية والتي لا تغني عن الزيارات الميدانية. وقد جاء التقرير، الذي قدم في شهر أيلول (سبتمبر)، أي بعد خمسة أشهر من تدمير المخيم على من فيه، مكونا من 83 فقرة ولا يحمل أية توصيات ويكاد يساوي بين 'جريمة الاجتياح الإسرائيلي للمخيم و'الإرهاب' الفلسطيني للمدنيين الإسرائيليين. ويقر التقرير أن عدد ضحايا اجتياح المخيم كان 52 نصفهم من المدنيين، كما تم تدمير 150 مبنى وتشريد 450 عائلة. وقدرت خسائر المخيم بـ 27 مليون دولار.
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية تموز (يوليو) 2004
بناء على القرار 10/13 الصادر عن الجمعية العامة المنعقدة في دورتها الاستثنائية الخاصة العاشرة عام 2003، طلب من محكمة العدل الدولية أن تقدم رأيا قانونيا في قيام إسرائيل ببناء جدار فاصل على الأراضي الفلسطينية بحجة الضرورة الأمنية ولمنع تسلل الانتحاريين إلى داخل إسرائيل. بعد مداولات في لاهاي استمرت قرابة السبعة أشهر، قاطعتها إسرائيل لكنها قدمت تقريرا مكتوبا، بينما لعب ممثل فلسطين في الأمم المتحدة ناصر القدوة، دورا رئيسيا في المرافعات وبمشاركة وفد قانوني من خيرة المحامين الدوليين من بريطانيا والولايات المتحدة. في التاسع من تموز (يوليو) أصدرت المحكمة رأيها القانوني في طلب الجمعية العامة متضمنا الأمور التالية:
1. اتفقت المحكمة بإجماع القضاة الخمسة عشر بأن من صلاحيات المحكمة النظر في شرعية بناء الجدار.
2. أقرت المحكمة بأن بناء الجدار مخالف للقانون الدولي( 14-1). ( القاضي الأمريكي توماس بورنغثال خالف الإجماع في التصويت على كافة أجزاء الرأي الاستشاري إلا في بند صلاحية المحكمة).
3. أقرت بأن إسرائيل ملزمة بوقف انتهاكاتها للقانون الدولي، وهي ملزمة بوقف بناء الجدار، لأنه يقام على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وطالبت بإلغاء كافة الإجراءات المتعلقة ببناء الجدار؛ (14-1).
4. أقرت المحكمة بأن إسرائيل ملزمة أن تدفع تعويضات لكل الأضرار التي تعرض لها الفلسطينيون بسبب بناء الجدار على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية ؛ (14-1).
5. أقرت المحكمة بأن كافة الدول ملزمة بعدم الاعتراف بكافة الإجراءات الناتجة عن تشييد الجدار وبعدم تقديم أية مساعدة من شأنها أن تساهم في استمرار الوضع الذي نشأ عن بناء الجدار. كما أن على الدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 وميثاق الأمم المتحدة أن تعمل على التأكد من التزام إسرائيل بالقانون الإنساني الدولي كما هو منصوص عليه في تلك المعاهدات؛ (13-2).
6. أقرت المحكمة بأن تقوم الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن بالنظر في إجراءات إضافية من شأنها أن تحمل إسرائيل على إنهاء الوضع غير القانوني الناتج عن إنشاء الجدار وكافة الخطوات المنبثقة عن هذا الإنشاء مستندين إلى هذا الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة؛ (14-1).
كما أقرت المحكمة في مقدمة تقريرها أن البند 51 من الميثاق والذي يعطي الدول حق الدفاع عن النفس، لا ينطبق على الأراضي المحتلة لأن التهديد الآتي منها لا يشكل عدوانا خارجيا حيث تخضع السيادة في تلك الأراضي لإسرائيل.
قدم الرأي الاستشاري إلى الجمعية العامة في تقرير للأمين العام فتم الترحيب به وتبنيه باعتماد القرار 10/15 بغالبية 150 صوتا لصالح القرار وستة أصوات ضده (من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل) وعشرة دول امتنعت عن التصويت.
كما شكلت الجمعية لجنة لحصر الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين. لكن القرار، بقدرة قادر، وبطريقة مشبوهة ذاب واختفى من أدبيات السلطة والدول العربية وغيرها. واستمرت إسرائيل في بناء الجدار واستمرت السلطة في المفاوضات وكأن شيئا لم يكن، ولم يشكل الجدار بالنسبة للسلطة أي عائق أمام المفاوضات، وكما اختفت قضية الجدار بدأت تتآكل قضية الاستيطان غير الشرعي واقتصرت مطالب الوفد الفلسطيني المفاوض بتجميد الاستيطان.
تقرير الأب ديزموند توتو عن أحداث بيت حانون- تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 قامت إسرائيل بقصف منطقة بيت حانون شمال قطاع غزة دون استفزاز من الجانب الفلسطيني مما أدى إلى مقتل 19 مدنيا معظمهم من النساء والأطفال من عائلة العثامنة. وقد طلب مجلس حقوق الإنسان من الأب ديزموند توتو، الجنوب أفريقي والحائز على جائزة نوبل للسلام تقديرا لجهوده في الكفاح ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومن الأستاذة البريطانية المعروفة كريستين شنكن أن يقوما بمهمة تقصي حقائق لتحديد المسؤولية عن مقتل المدنيين التسعة عشر.
لم يتمكن الفريق من الوصول إلى منطقة الأحداث إلا بعد 18 شهرا بعد أن رفضت إسرائيل منح الوفد تأشيرة دخول من تل أبيب فاضطر الوفد أخيرا للدخول من معبر رفح بين 27 و 29 أيار (مايو) 2008. وقد التقى الوفد بأهالي الضحايا وشاهد منطقة الدمار والخراب التي لحقت بالمنطقة، ورفع تقريره إلى مجلس حقوق الإنسان في الأول من أيلول (سبتمبر) 2008. وقال توتو في مؤتمر صحافي بمناسبة اكتمال التقرير' إن آثار القصف ما زالت قائمة على المستويين المادي والمعنوي، من تدمير البيوت والبنى التحتية وتجريف الأراضي الزراعية وفقدان مصادر الرزق والأهم من ذلك الإحساس بأن المجتمع برمته على حافة الانكسار'.
يقول التقرير إن إسرائيل منذ انسحابها من غزة في آب (أغسطس) 2005 ولغاية أحداث بيت حانون ألقت على القطاع 15.000 قذيفة مدفعية وشنت 550 غارة جوية أدت إلى مقتل 525 فلسطينيا وجرح 1527 بينما أطلقت فصائل المقاومة في نفس الفترة 1700 قذيفة مسببة جرح 41 إسرائيليا. وبين الأول والسابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 نفذ الجيش الإسرائيلي عملية 'غيوم الخريف' حيث دخل منطقة بيت حانون واحتل البيوت بما في ذلك بيت عائلة العثامنة، وقام بفرض منع التجول وألقى ما مجموعه 239 قذيفة مدفعية وشن 66 غارة ودمر نحو 1000 بيت، وتعطلت الدراسة لنحو 10500 طالب وقدرت الخسائر بـ23 مليون دولار.
انسحبت القوات الإسرائيلية نهار الثلاثاء السابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) معلنة نهاية 'غيوم الخريف' وبدأ السكان يتفقدون أقاربهم وبـيوتهم وممتلكاتهم ثم أخلدوا للنوم دون قصف أو غارات جوية أو إطلاق نار. وفي الساعة 5:35 من صباح الأربعاء سقطت أولى قذائف عيار 155 مم على حي المضخة المزدحم بالسكان شمال بيت حانون، ثم تلا ذلك ستة قذائف والتي أصابت بيت العثامنة بصورة مباشرة وأدت إلى مقتل 19 مدنيا من بينهم سبعة أطفال وست نساء وستة رجال وهم نائمون وكلهم ما عدا شخص واحد من عائلة العثامنة كما جرح خمسون شخصا في نفس منطقة القصف المحددة ب 800 مربع. والنتيجة التي تأكدت منها اللجنة أن عملية 'غيوم الخريف' بالإضافة إلى قصف صباح الأربعاء قد أدت إلى مقتل من 77 إلى 82 شخصا من بينهم 39 مدنيا وجرح 250 من بينهم 67 طفلا و 58 امرأة بينما قتل إسرائيلي واحد أثناء العملية.
واستنتج التقرير أن القصف كان متعمدا وأن فريق التحقيق قد توصل إلى نتيجة مفادها أن هناك احتمالا بأن قصف بيت حانون يشكل جريمة حرب، وعلى إسرائيل والمؤسسة العسكرية أن تتحمل المسؤولية. وقد اقترح الفريق أن تحمّـل المسؤولية يكون بدفع تعويضات لأهالي الضحايا ودفع تكاليف إعادة إصلاح ما دمرته العملية وبناء مصحات وعيادات لمساعدة السكان واقترح التقرير أن يقام مكان بيت العثامنة نصب تذكاري لتكريم الضحايا.
كان الرد الإسرائيلي على التقرير، كالعادة الاستهزاء والتهجم على الفريق ومجلس حقوق الإنسان نفسه واعتبار التقرير متحيزا لطرف دون الآخر. ومما جاء في تعليق ممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة في جنيف أهارون ليشنو يار: 'سيحتل هذا التقرير موقعه بين مكتبة التقارير الهائلة التي تتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي . وأي قرار سيصدر عن هذا المجلس سيأخذ موقعه أيضا ضمن قائمة القرارات أحادية الجانب التي اتخذها المجلس ضد إسرائيل وتنتهي إلى النسيان. ومن وجهة نظري أن أحدا لن يتذكر إسهامات تلك القرارات أو التقارير في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين'.
وفعلا هذا ما حدث. لم تقم السلطة بأي إجراء أو متابعة للتقرير الذي انتهى إلى النسيان كما توقع السفير الإسرائيلي.
تقرير غولدستون
لا ننسى الدور المصري الرسمي من النظام المصري حارس حدود إسرائيل خلال الحرب العدوانية التى ولا شك شجع إسرائيل عليها وكأنها بالوكالة عنه وللدفاع عنه وبعد انتهائها وحصاره لغزة ومنعه لدخول كافة لجان التحقيق الواحدة تلو الأخرى ، ومنعه لكافة أشكال المساعدات الغذائية والمعنوية قبل وخلال وبعد الحرب العدوانية . ولقد أشبع التقرير تحليلا وتمحيصا بعد أن قامت مجموعة أوسلو بحماية مجرمي الحرب الإسرائيليين مقابل صفقة رديئة، تتعلق بمصالح شخصية وخوفا من قيام إسرائيل بفضح أدوار بعض أعضاء تلك المجموعة في الحرب على غزة. وأود هنا أن أذكر مجموعة من النقاط تتعلق بحجم المصيبة التي ارتكبتها القيادة الفلسطينية:
1. لقد كشف التقرير مدى انخراط هذه المجموعة في التفريط بالقضية الفلسطينية. إن أية محاولة لتبرير موقف السلطة إنما يصب لصالح هذا التيار المتهالك على حماية مصالحه الخاصة لا القضية الوطنية.
2. إن إسرائيل كانت واضحة تماما في تهديدها بكشف دور السلطة في الحرب على غزة.
3. إن ردود الفعل الفلسطينية والعربية يجب ألا تنتهي عند حد اللوم والتقريع بل يجب أن تتحول إلى برنامج عمل حقيقي لإسقاط هذه المجموعة بالطرق السلمية والشرعية.
4. إن موقف حركة حماس لا يصب إلا في صالح هذه السلطة، حيث تحاول الحركة أن تثبت أنها مؤهلة أكثر لاستلام السلطة بدل هؤلاء وهذا ما نختلف فيه جذريا معه. فعلى حركة حماس أن تعترف بخطيئتها التاريخية عندما تحولت من حركة مقاومة إلى حركة تبحث عن سلطة تحت الاحتلال وضمن السقف الذي حددته اتفاقيات أوسلو. ولتعرف حركة حماس أن الشعب الفلسطيني انتخبها أساسا لأنها حركة مقاومة تشكل بديلا لتيار أوسلو الذي تغول فسادا وتفريطا ودكتاتورية.
5. إن فصائل اليسار الفلسطيني تثبت للمرة الألف أنها فارغة من أي محتوى وما زالت تلعب دورا ذيليا للسلطة رغم ادعائها بمعارضة اتفاقيات أوسلو، وعند المنعطفات الخطيرة تتبع حكمة 'قل كلمتك وامش' ويبقى الحال على ما هو عليه.
القضية الآن مهددة بخطر الزوال النهائي ولا بديل عن تشكيل قيادة وطنية بديلة غير مشوهة تمثل كافة التيارات الوطنية لإعادة اللحمة لأبناء الشعب العربي الفلسطيني المدعوم من أبعاده العربية والإسلامية والإنسانية للخروج من هذا المأزق المميت الذي وصلت إليه أعدل قضية في التاريخ المعاصر بسبب قيادات لا علاقة لها بالشعب الفلسطيني ونضاله المرير وجراحه وعذاباته وأسراه وشهدائه.
' أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك
*****
اليمن: كي لا يتحول يوم الحسم إلى مناسبة للاحتفاء!
رداد السلامي
17/10/2009
شخصيا لا أعتبر ما يجري في صعدة من عمل شرذمة كما يطلق عليها البعض تقربا للسلطة أو نقيض الحوثيين، فتوصيف أن الحوثيين شرذمة توصيف غير منصف، ويصنف في خانة ' الاستمالة التي تمليها طموحات ذاتية' لدى أشخاص وجدوا في هذه السلطة ملاذا لتحقيق أحلامهم الوظيفية، وحياة الترف والبذخ وما أكثرهم.
لست مع الحوثيين ولست مع السلطة، وما بين الحوثيين والسلطة أقف كيمني موقفا تمليه عليّ دوافعي الوطنية التي لم تستنزف لهثا وراء مطامح أنانية، تجعل من بعض المجرمين دولة ومن بعضهم شرذمة، هكذا في توصيفات غير موضوعية تستبطن نوايا هدفها الصعود على أي رافعة وتحت أي شماعة.
الذي يحدث في صعدة نتيجة منطقية لتحول الثورة عن مسارها وأهدافها، لتصبح غنيمة في يد قبيلة ومنطقة ثم أسرة، لتوأد أروع أهدافها، فمنذ 48 عاما من قيامها كان يفترض أن لا يعود صوت الإمامة المزعوم من جديد، فتمدد الثورة كان كفيل باكتساح بقايا ما يعتقد اليوم أنها عودة للإمامة وبروزا للعمامة السوداء..!!
لا أدافع عن الحوثيين، ولست مدفعا للضغينة أينما وجدت، أو بوقا لسلطة عاقرة لم تنتج لنا سوى هذا الماثل دما في صعدة ،واحتقانا مصبوغا بالدم في الجنوب، لكننا يجب أن نكون واضحين إزاء كل ما نقول كي لا تدلف بنا غرائزنا في مستنقع 'التزمير' والتحقير، التزمير لصوت المدافع والطائرات وأنين الأشلاء المتناثرة للأطفال والنساء، والتحقير لمن يطلق عليهم بعض الكتاب ' شرذمة '، فحرب صعدة لم تعد لغزا، لأنها من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى توضيح، فهي حرب تداخلت أسبابها، وبرز فيها المستتر والظاهر، المباشر وغير المباشر، وما يوم حليمة بسر كما يقول المثل العربي..!!
وذات حديث في مقيل رمضاني بمنطقة 'رباط السلامي' محافظة الضالع، كان يدور الحديث عن صعدة، دار اللغط كالعادة، وكل ذهب مذهبا في تفسير ما يحدث وكل الذي سمعته كان من تناول الصحافة اليمنية بمختلف مشاربها وتوجهاتها، وحين سألت عن رأيي كمتابع، قلت لهم علينا كيمنيين أن نطرح سؤالين هامين ففي الأحداث الجارية في المناطق الجنوبية نضع سؤالا واضحا مفاده : من هو عدو الوحدة الحقيقي؟ وعن حرب، صعدة نطرح السؤال التالي: لماذا الحرب ؟
وما بين أداتي الاستفهام من ؟ ولماذا؟ تكمن الإجابة الحقيقية، ونهتدي إلى جذر الأزمة، وجذر الأزمة شخصته وثيقة الإنقاذ الوطني لأحزاب اللقاء المشترك في بدايتها.
وفي منتصف أيلول ( سبتمبر) من العام الماضي وفي إجابة عن سؤال في أحد المنتديات الحوارية حول مستقبل الوطن قلت: اليمن بيت اليمنيين جميعا ..والسيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات السيئة ما لم تضاعف القوى السياسية والوطنية من جهودها النضالية في عملية إستراتيجية هدفها تطويق ممكنات التوريث أو تجزئة البلاد.
وعن الحديث حول وجود تدخلات خارجية في الجنوب وفي صعدة وما هو الحل من وجهة نظري : قلت أن الفجوة القائمة في السياسة اليمنية، أنها لا تتعامل مع قضاياها الداخلية 'الشائكة' بجدية ، وهو ما يضاعف احتمال خروج الأمور من يدها ليصبح في أيدي قوى إقليمية ودولية مؤثرة، ستلعب بالبلاد وتدخله مرحلة معقدة، بعيدا باتجاه آخر أبعد من طموح صالح، فاليمن تحظى بموقع استراتيجي هام ومؤثر، وبالتالي ففيه نقطتا القوة والضعف بالنسبة لها، وتكمن نقطة الضعف هذه في أن هذا الموقع ثغرة مناسبة لدخول اليمن دوامة جديدة، من أزمات تضاف إلى أزماتها الداخلية، المثقلة بما هو أسوأ، وبالتالي فاليمن وفق منطق الفوضى السائدة، والإدارة الفاقدة لقدرة ضبط إيقاع البلاد بما يتناسب مع سيرها المنعدم باتجاه النهوض، وعدم وجود دولة حقيقية ،فإنها تواجه على المستويين الداخلي والخارجي سيناريوهات متوقعة أبرزها الاحتلال والتجزؤ المتعدد، وأقلها التجزؤ الثنائي. والفوضى الشاملة .
وقلت إن وصول الوضع في اليمن إلى هذه الدرجة، هو نتيجة منطقية راكمتها سياسة الفشل المستدام والأداء العاقر للنظام السياسي الحاكم في كافة المجالات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتنموية، كما أن ذلك نتيجة مباشرة ' لشكلنة ' النظام الديمقراطية والحياة السياسية اليمنية، والالتفاف على صيغ تبادل الحكم، والدستور والقانون، بالإضافة إلى عدم وجود تفكير استراتيجي لدى الفاعلين في النظام، بقدر ما هو تفكير آني لا ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك..!! والحل لليمن هي في تغيير النظام القائم، وإيجاد نظام قائم على التعددية السياسية والشراكة الوطنية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
لم يعد لأعياد الثورة اليمنية نكهة الاحتفاء، لأنها تجسدت على شكل 6 منارات، يناور ذووها بإصرار على أنهم حققوا جوهر أهدافها وتلك هي المهزلة التي تدعو إلى السخرية من كل ذكرى وطنية جميلة، تماما كما هي ذكرى الوحدة التي توظف بطريقة دعائية جذابة ومغرية، لتتحول إلى أسطورة تجرد الشرعية ممن يحاول البناء الوطني، آخذا في حسبانه الاختلاف المحلي، والتنوع كسمة وطنية بارزة.
أن تحسم الحرب هذه أمنية كل يمني، لكنني أتمنى أن لا يتحول يوم حسمها مناسبة للاحتفاء والرقص ، بل مناسبة للحزن، لأن الذين سقطوا فيها ضحايا، وليسوا شهداء كما يحلو لأطراف الدم تسمية من ضحوا بهم شهداء، لأننا نعلم أن من سقطوا واحتربوا ينتمون إلى وطن اسمه اليمن، والحسم لها لا يكون بمعنى النصر، أو تسوية على نحو سلبي يجرى تكريسه الآن كي يصبح أمرا واقعا، بل يحسم كل ما يجري اليوم في البلاد لصالح الدولة المدنية الديمقراطية والتداول السلمي والجمهوري الحقيقي للسلطة وخلع الدكتاتور علي بابا الشهير بعبد الله صالح والشراكة والوطنية .
' صحافي يمني
*****
من هو ذلك الآخر الذي كثر الحديث عنه وكيف ظهر؟
محمد عبد الحكم دياب
17/10/2009
يشعر كثير من المفكرين والكتاب والأدباء والمثقفين ممن يدافعون عن حق الإنسان في الحياة الكريمة وفي الحرية والعدل والمساواة والفرص المتكافئة، ويقرون بحق الأوطان في التحرر والاستقلال والتنمية. يشعر هؤلاء بالغربة ، وعدم القدرة على التواؤم مع ما هو متداول من مصطلحات ومفردات تنزع إلى التفرقة وتنحو نحو ترسيخ الدونية وتزكية ثقافة التبعية والإلحاق. وتبدو مغرية إغراء الأكلات السريعة أو وجبات 'التيك أواي '. على الرغم من فقر عناصرها ومكوناتها . وكثيرون يعتمدون في ثقافتهم على ما يذاع وينشر من مفردات جاهزة. ترد على الألسنة وتظهر في الكتابات، وحين الرد على الأسئلة والاستفهامات. وعندما يشكو أحد من وطأة الأزمات. وفور أن يتناول كاتب أو صاحب رأي الوضع الراهن بتعقيداته .
بدءا من أزمة الحريات والديمقراطية وتداول السلطة وفضائح وراثة الحكم، وتحويل الوطن إلى عقار ومتاع أو مزرعة خاصة. فور هذا التناول تجد من ينبري مرددا تعبيرات تكشف عن حل سحري . يتلخص فيما يسمى الاعتراف بالآخر . ويبدو أن الإيمان بهذا الآخر وصل إلى مستوى الاعتقاد الديني على غرار الإيمان بالمحرقة اليهودية، وأي مناقشة حولها يعتبر صاحبها معاديا للسامية. وعلى كل المهتمين بالشأن العام الإيمان بذلك الآخر دون نقاش . وحين راجع البعض وأعادوا قراءة أحداث بأهمية وتاريخية حرب 1973. ظهرت تعليقات وتفسيرات تقول بأن هزائمنا حدثت بسبب عدم الاعتراف بالآخر . ومن كثرة تكرار العبارة تخيلت أن هذا الآخر ليس إلا عصا موسى في القصص الديني، أو ' شربة الحاج محمود ' في التراث الفلكلوري المصري الحديث، ولا علم لي إن كانت ظاهرة 'الحاج محمود' باقية أم أنها انقرضت . و عصا موسى جاءت، كما هو معروف، تحديا لسحرة فرعون، وكانت من قبيل الإعجاز الديني، أما 'شَرْبة الحاج محمود ' أتى بها الدجل وانتشار الخرافة والشعوذة .
كان ' الحاج محمود ' يدعي أن في ' الشَّرْبة ' التي يوزعها ترياقا شافيا لكل الأمراض والعلل. لم يتوقف أحد أمام الاسم، فكل من كان يبيع هذه ' الشربة' كان اسمه الحاج محمود . سواء كان ذلك في قرية بعيدة يلفها السكون والنسيان، أو في نجع ناء في حضن الجبل أو وسط الصحراء، ويذهب 'الحاج محمود' فور بيع ما لديه، ويعود ثانية بعد شهور. بنفس اللغة والبضاعة المزيفة . ويعيد تكرار ما قاله في السابق عن 'الشَّرْبة ' الشافية . ويتكرر المشهد كل فترة . فلا شربته بارت . ولا الزبائن برئوا من أمراضهم، ولا ملوا من كذبه وغفلتهم . والمهم لديه أنه في النهاية يحصد قروشهم القليلة . لا هو كل ولا الزبائن ملوا .
ولا يختلف الأمر مع ذلك الآخر، بما يحوي من حوافز سلبية على المسلك والتوجه العام السياسي والثقافي . ليس ثمة خلاف على طبيعة العمران البشري، فهو وإن يُني على التباين والتنوع ما كان له أن يتطور دون رابط يوحد بين عناصره المتباينة ومكوناته المتنوعة. مؤسس على المصالح المشتركة والقواسم الجامعة، بما تُحقق من تكامل وتكافؤ ورضا عام، وعلى ذلك صيغت الأنساق الجماعية والمجتمعية والسياسية . وانتهت إلى أن وصلت إلى شكل ومحتوى الدولة الوطنية أو القومية الحديثة . ويحدث الخلل والارتباك حينما يواجه هذا العمران صداما أو تضادا أو تناقضا من داخله أو من خارجه. فمن الداخل تتولى عوامل التعرية والهِرَم والشيخوخة إحداث الخلل والارتباك. ومن الخارج يتم ذلك بفعل خصم متربص وعدو متحين للفرص ليصنع منها خللا وارتباكا مطلوبا. وفي الأوضاع الطبيعية والصحية يُثري التباين والتنوع ذلك الرابط الموحِّد، الذي يزيد من تماسك الجماعة الوطنية . وضمن هذا الواقع الإنساني والبشري يختفي معنى الآخر. بمعنى الغريب أو العدو. فمن المفترض أن الكل يعيش ضمن جماعة وطنية متساوية في الحقوق والواجبات، والاختلاف ليس في الوضع الإنساني إنما في القدرات والفروق الذاتية والشخصية. أما في الأوضاع، غير الطبيعية، الرافضة للمساواة والقائمة على التفرقة يأخذ ذلك الآخر معنى متناقضا ومتصادما مع وحدة الجماعة وترابطها . لذا بدأ الحديث عن الآخر مصاحبا لتحولات ونقلات محلية وإقليمية وعالمية جرت في العقود الأخيرة، ومواكبا لمعاهدة كامب ديفيد، و ما تلاها من اتفاقات وإجراءات مع مصر وعدد من بلدان الوطن العربي والعالم الإسلامي ودول العالم الثالث .
في ظل ذلك الواقع المتحول حدث تكثيف للعمل على جبهة التحررية 'الليبرالية ' الغربية، ووضعها في قالب متطابق مع الديمقراطية، واختيارها كنظام سياسي معتمد لحكم العالم، مورست في سبيله كل وسائل الترغيب والترهيب . ترغيب بالمشاركة في الثروة عن طريق الاستثمار والمضاربات والعمولات، وترهيب بالحصار والمقاطعة والملاحقة والعنف، الذي وصل لحد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، ونموذج العراق واضح. وكان هدف هذا التكثيف القضاء على الأحلام الإنسانية المشروعة، وإسقاط البدائل التاريخية، والتخلي عن أنماط الإنتاج الجماعي والعدل الاجتماعي، واستطاع الغرب إعادة إنتاج نظامه الاقتصادي الاجتماعي ، بأسسه وقواعده الرأسمالية التقليدية، في قالب جديد له بريق إلا أنه أكثر توحشا. وعمل على حسم الأمر لصالح التحررية ' الليبرالية ' الغربية. وخدمة هذا الهدف اقتضت من مفكرين غربيين الادعاء بأن التاريخ وصل إلى نهايته . ولأن لدينا مفكرين ومثقفين يشكون من البرد حين يحل الصقيع بواشنطن، ويحملون المظلات إذا أمطرت سماء تل أبيب. هؤلاء هللوا لهدم هياكل التنمية ولتراجع نمط الإنتاج الجماعي ولمحاربة ضوابط توزيع الثروة ومقتضيات العدل الاجتماعي . وصاروا أبواقا للاستغلال الفردي والاحتكاري، ويشاركون في المصادرة على المستقبل ويقرون بسيادة التحررية 'الليبرالية ' الغربية، وأنها باتت نهائية، دون أمل في طموح مستقبلي بعدها . وبالنسبة لهم فإن ما هو قادم لا يعدو سوى تفاصيل داخل النموذج الذي فرضه الغرب على العالم وليست خارجه. وهذا الخيار بما فيه من نفس عنصري استعماري جعل من نهاية الحرب الباردة نهاية للتاريخ. وبه تمكن الغرب من استئناف احتلاله للعالم من جديد. وهذا ضد سنن الحياة والتطور .
وحديثنا يبقى قاصرا على المرحلة الراهنة. لا يتطرق لتوابع الظاهرة الاستعمارية في فترة المد وإفرازاتها لدول استيطانية بيضاء. أقيمت على تخوم العالم القديم. في أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، ثم انتقلت إلى قلبه. في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط فزُرعت الدولة الصهيونية فيه. وفي العقود الأخيرة اندلعت حروب عرقية وطائفية ومذهبية. شديدة العنف. غزيرة الدماء. كثيرة الأشلاء.
وعملت القوى الاقتصادية الغربية، في مرحلة العولمة، على تفكيك الدول وتشويه وطمس الهويات الثقافية والقومية. من أجل أن تصبح السوق العالمية الواحدة بديلا قدريا لا فكاك منه . فأعادت هيكلة الاقتصاديات الوطنية وفرضت قوانين السوق، ووظفت الإعلام لغسيل المخ، وأوكلت لمنظمات المجتمع المدني الجديدة المواكبة لظهور العولمة، مهمة غسل السمعة . وبدا ذلك غير ناجع بالقدر الكافي. فأطلق الوضع الجديد فيما بعد العولمة العنان للعمل العسكري، وفرض القانون الأمريكي سيدا على كل القوانين واختطاف الأمم المتحدة، ومخاطبة العالم بلغة رسالية دينية لمنح العصمة والقدسية لحروب الغرب غير الشرعية وغير الأخلاقية. واستلزم ذلك البدء في تصفية أي نزوع نحو التحرر أو رغبة في المقاومة أو مسعى للممانعة، وحلت سلطة المحتل محل السلطة الوطنية، بالأصالة كما في العراق وأفغانستان وفلسطين، وبالوكالة كما في مصر والأردن. وخضع العالم لسلطة مطلقة للولايات المتحدة برديفها الغربي والصهيوني . وبالقدر الذي كان من المفترض فيه انتصار القيم الأمريكية ورديفها ، و جعل التحررية 'الليبرالية ' الغربية واقتصاد السوق خيارين وحيدين قابلين للدوام والاستمرار، بنفس هذا القدر ظهرت الشروخ في البنيان الغربي، وتولت الأزمة الاقتصادية تعريته تماما، بجانب ما كشف عنه تدهور أوضاع قوات الاحتلال في العراق وأفغانستان وباكستان. وبدأ التفكير جادا في عودة الدولة إلى التدخل ووقف الانصياع لعشوائية السوق، وكان هذا التدخل، في زمن العولمة وما بعد العولمة، من قبيل الكفر. وكانت الدولة قد ترنحت تحت ضربات السماسرة والمضاربين، ورجال المال والملاك ، الذين استولوا عليها لحسابهم .
كان المخطط هو تخلص التحررية 'الليبرالية ' الغربية من العقائد والأيديولوجيات الدينية والقومية والوطنية المنتشرة بين أمم وشعوب العالم الثالث واستثناء النزوع الديني للمحافظين والليبراليين الجدد وأتباع المسيحية الصهيونية. إلا أن الذي حدث هو انتشار التشدد والتطرف بين أتباع الديانات السماوية وبعض العقائد الوضعية، وصاحب ذلك حراك وطني وسياسي غير متوقع على أكثر من صعيد. هز مقاعد وعروش أنصار الغرب وأصدقاء الدولة الصهيونية. وتعطل بعض المخطط وأجهض بعضه الآخر. وعاد القلق إلى الغرب مجددا. وبدأت فكرة الاستثمار الاقتصادي والمالي كمحرك رئيسي للتطور التاريخي تتراجع، وجثت الرأسمالية العائدة على ركبتيها أمام المطالبين بعودة أنماط الإنتاج الجماعي والاشتراكي. وكان فوكوياما في نظريته يرى الرأسمالية طريقا وحيدا للدول كافة لتحقيق التنمية الاقتصادية، شرط التزامها بمعايير التحررية 'الليبرالية '. وسقطت نظريته أمام الرغبة العامة في إعادة الاعتبار للقطاع العام. بقدرته على تأمين توزيع عادل للثروة بين الأفراد، وتوفير التمويل اللازم للخدمات . وأصبحت روح هذا القطاع، وهي تحلق في سماء الدول عقبة أمام التحررية ' الليبرالية ' الغربية ، التي أفقرت الطبقات الوسطى والمنتجة والدنيا. ومن المتوقع تبعا لذلك أن تكون تلك 'الليبرالية' أكثر عنفا إذا ما خرجت من أزمتها الراهنة.
ضمن هذا السياق ظهر شبح ذلك الآخر، وتسلل إلى عقول ونفوس البعض. وجاء ظهوره لتعزيز الحكم الأمريكي للعالم. ذلك الآخر يعني لنا غازيا قطعت قواته مئات الأميال لاحتلال بلاد الغير. ويعني لنا أيضا استيطانا عنصريا قابعا في فلسطين وعلى حدودنا، ويتهيأ لقيادة المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط. وذلك الآخر ليس في التباين والتنوع القائم بين المواطنين. فالمواطنون أخوة. أبناء وطن واحد ليس فيه مكان لآخر بالمعنى الذي سقناه. وعلى سبيل المثال ليس في أمريكا آخر غير أمريكي. فكل من يحمل الجنسية الأمريكية فهو متساو مع غيره . وبهذا القياس ليس في أوروبا آخر غير الأوروبي. وعندنا يصنّعون لنا آخر من داخلنا كشرط للسلام وفتات المعونات والدعم السياسي والتطبيع والمناورات المشتركة. فعلينا إرساء قواعد المواطنة، ودولة القانون التي يتساوى فيها الجميع مهما اختلفت الألوان والعقائد والمذاهب والطوائف . وأخيرا فإن ذلك الآخر لا يشبه عصا موسى من قريب أو بعيد، وهو أقرب إلى 'شَرْبة الحاج محمود' التي تزيل الدود وتشفي من الأمراض والعلل. وهي في حقيقتها تضر أكثر مما تنفع!!
' كاتب من مصر يقيم في لندن