حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


مقالات قيمة من جريدة القدس العربى 44

16
نوفمبر
2009
nermeen — @ 15:49

الإخوان المسلمون في مصر يدعون ملك السعودية لوقف القتال باليمن

القاهرة- دعت جماعة الإخوان المسلمين في مصر الأحد العاهل السعودي الملك عبد بن عبد العزيز إلى وقف قتال الحوثيين في اليمن، والإصلاح بين الحكومة اليمنية والمتمردين.

وقالت الجماعة على موقعها على الانترنت إن المرشد العام محمد مهدي عاكف دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، إلى وقف القتال فورًا في ساحة المعركة اليمنية، لمنع إراقة دماء المسلمين وقتل المدنيين الأبرياء.

وطالب عاكف في بيان بضرورة السعي الجاد لعقد لقاء بين الفرقاء اليمنيين لإصلاح ذات البين، حفاظًا على وحدة اليمن الشقيق وسلامة أبنائه، والحفاظ على ثرواته ومقدراته، ومنع القوى المتربصة بالأمة العربية والإسلامية من الوقيعة بين المسلمين.

لكن البيان أكد على حق السعودية في حماية حدودها، لكنه قال أن دور المملكة وعاهلها أكبر من ذلك بكثير، وعدد من مبررات هذا النداء، سواء لريادة المملكة وقيادتها للعالم الإسلامي ومكانتها التي وصفتها الجماعة بالكبيرة، موضحين أن دور المملكة يكون بالإصلاح بين المتخاصمين ورأب الصدع بين المتقاتلين، وليس الاستدراج إلى دخول ساحة المعارك.

وكانت القوات الجوية السعودية قصفت مواقع للمتمردين الحوثيين في اليمن بعد تسللهم عبر الحدود وأسر عسكريين سعوديين.

وكانت الحكومة السعودية قالت فى بيان من قبل إنها اتخذت سلسلة من الإجراءات للتصدي لهؤلاء المتسللين من بينها تنفيذ ضربات جوية مركزة.

كما دعت الجماعة كافة العلماء والفقهاء من أنحاء العالم الإسلامي للتدخل ومناشدة العاهل السعودي وقف القتال وحقن الدماء، والسعي في الصلح بين المتحاربين.

****

احتضار العروبة على عتبات المونديال!


د. خالد سليمان

09/11/2009

وجوه محتقنة، أوداج منتفخة، عروق نافرة، أصوات ساخطة متحشرجة، عيون تقدح شرراً، جباه تتصبب عرقاً، أصابع ترتجف غضباً...، هذه بعض المظاهر الصارخة الوضوح، التي نقرأها على قسمات الكثيرين ممن تورطوا في النزاع السخيف الذي تشهده الساحة العربية مؤخراً بسبب تنافس المنتخب الجزائري ونظيره المصري على الوصول إلى المونديال!


عندما تنحط الأمم، وتضرب بعيداً في مجاهل السقوط الحضاري، تعبث الشياطين برؤوس أبنائها للتورط بإشعال أسخف المعارك العدمية وأتفهها، فتراهم لا يلقون بالاً لعشرات المعارك الكبيرة الجدية التي تطعن أمتهم في الصميم، وجوداً وكرامة، لينصرفوا في المقابل إلى خوض معارك سفيهة لا تبرز إلا الدرجة المريعة من التردي الذي انزلقوا إليه!


يكشف ذلك النزاع الأخرق الذي تتناقل الصحف والفضائيات أخبار جولاته المزرية عن وصول المرض في الروح القومية والإسلامية إلى مراحل بالغة الخطورة والاستفحال، حتى أخشى أنني لا أبالغ كثيراً إذا ما زعمت أنها تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، تحت الأنظار الشامتة للقوى الأجنبية المتربصة، وبتصفيق من الكيانات القطرية الساذجة التي لا تريد أن تدرك أن الحل الوحدوي العروبي الإسلامي هو الحل الوحيد لكل مشكلاتها المزمنة: بدءاً بالتنمية المتعثرة، مروراً بالهوية المتبعثرة، وصولاً إلى الضعف المهين، الذي يجعل من كيان صغير متطفل لا يتجاوز تعداد سكانه سبعة ملايين دخيل يفرض وجوده وشروطه على أمة تجاوز أبناؤها المليار!


ولكن لنلتمس لأمتنا البائسة العذر، فربما يكون السلوك العربي الأرعن المتمثل في الاستماتة للفوز في ميادين الرياضة حيلة تعويضية دفاعية يهرب بها وعن طريقها من مواجهة واقع انكساره وضعفه، وكأن الانتصار في عالم الرياضة، حتى وإن كان ذلك الانتصار على أحد الأشقاء، سيجعله ينسى أو يتجاوز هزائمه المتكررة في عالم السياسة والحرب!


أظنني لا أذيع سراً إذا ما ذكرتكم بأن الأقصى مهدد جدياً بالهدم على رؤوس أصحابه، بينما أحفاد قطز وبيبرس وصلاح الدين ومصطفى كامل وجمال عبد الناصر في مصر أم العروبة لا يشغلهم إلا التفكير بطريقة لكسر أنوف إخوتهم الجزائريين في مباراة كرة قدم! نعم الأقصى مهدد جدياً بالهدم على رؤوس أصحابه، وأبناء وأحفاد المليون شهيد في الجزائر لا يكترثون إلا بإيجاد طريقة لتمريغ جباه أشقائهم في القاهرة على مسطحات المربع الأخضر!


على الرغم من تحيزي الشديد الذي لا أملك له دفعاً لانتمائي العروبي الإسلامي، إلا أنني لا أخفيكم أنني أشعر أحياناً، والقهر يفتك بي، بالخجل الشديد لانتمائي لهذه الأمة، فهل ثمة ما يشرف اليوم في الانتماء لأمة ما أصدق أن يقال عن كثير من أبنائها: 'جسم البغال وأحلام العصافير'!؟

' مستشار بحوث/ الأردن


sulimankhy@gmail.com

****

روبرت لاسي في تتمة لكتابه الشهير 'المملكة' 'في داخل المملكة': ملوك، رجال دين، حداثيون، إرهابيون وكفاح من أجل السعودية


إبراهيم درويش

09/11/2009

السعودية دولة كان يجب أن لا تكون، وجودها الآن يناقض قوانين المنطق، انظر إلى حكامها بلباسهم المثير للعجب، يثقون بالله ويديرون بلدا غنيا بالنفط بناء على قوانين تخلى عنها العالم المعاصر. تغلق فيها الدكاكين في وقت الصلاة، وتقام فيها عمليات الإعدام بالساحات العامة. السعودية واحدة من أكثر بلاد العالم لغزا، وتظل حزورة عصية على الفهم، لهذا السبب ذهب إليها روبرت لاسي عام 1979 لكتابة مؤلفه الممنوع في السعودية والذي ذاع صيته في العالم العربي والعالم 'المملكة' لكشفه الغطاء عن مملكة تعرف بالصمت والانغلاق على الأقل حتى وقت كبير. السعودية بلد يحفل بالتناقضات الظاهرية فمن ناحية تنتشر مظاهر الحداثة فيه ومن ناحية أخرى يصر حكامه على موازنة الحداثة مع التقاليد، الملك هو الراعي للأمة التي نجح الملك عبد العزيز بن سعود عبر القضاء على منافسيه في شبه الجزيرة العربية وإعلان الدولة الثالثة، توحيدها والتي قال أنها بلد أجداده. وهذا الأمر أثار استغراب أحد الأمريكيين الذي علق قائلا عن الكيفية التي نجح فيها ركاب الجمال في توحيد هذا الفضاء الكبير المتناقض تحت راية واحدة وباسم عائلة واحدة هي آل سعود.

سياسة الواقع والواقعية السياسية

كيف حدث هذا؟ كان هو عنوان الكتاب الأول للاسي 'المملكة ' فخلف توحيد المملكة قصة من الحروب القاسية والدبلوماسية والنجاح بالتعامل مع سكان مناطق يمثلون إمارات ومناطق تخالف نزعاتها وعاداتها الأخرى. الرحمة والقسوة كانت الطريقة التي خاض فيها ابن سعود كما يعرف في الأدبيات الغربية حروبه حتى تحقق له النجاح ببناء مملكته التي أجبرته على الاعتراف بأهمية التنوع السكاني والثقافي وكذلك الاعتراف بحقيقة الواقع السياسي المتمثل بالتعامل مع واقع الدول الكبرى. بعد أن قدم لاسي قصة السعودية الحديثة وجذورها التاريخية في التحالف بين أتباع محمد بن عبد الوهاب وآل سعود.

بلد التناقضات

يتساءل القارئ لكتاب لاسي الجديد الذي يعتبر تتمة للكتاب الأول، إن كانت هناك حاجة لتتمة؟ للكاتب مبرراته فهو عاد إلى المملكة عام 2006 بعد غياب عنها مدة ربع قرن أي منذ صدور كتابه الأول عام 1981. والهدف قراءة التناقضات الظاهرية التي تجعل من محاولات الموازنة بين الحداثة والتقاليد - الدين والقبيلة ـ أمراً إشكاليا، فهذه التناقضات الظاهرية قد تقود إلى آثار قاتلة قادت إلى 11 /9 في نيويورك وجعلت السعودية التي يعتمد على نفطها الاقتصاد العالمي وحياة الملايين في الغرب لأن تصدر للعالم عددا من الكلمات التي صارت عنوانا للمملكة، فهو يذكرنا بالمقدمة بهذه الكلمات التي تعلمناها ودخلت القاموس الصحافي والأكاديمي : وهابية، جهادي، الأفغان العرب، عاصفة الصحراء والفتاوى ويحدد الكاتب أكثر متسائلا عن الجامع المشترك بين هذه الكلمات ويعود للتساؤل :أي بلد قدم 15 انتحاريا في الهجمات على أمريكا عام 2001؟ أي بلد قدم الكم الأكبر من المجاهدين الأجانب في أفغانستان، وثاني بلد من ناحية عدد السجناء في معتقل غوانتانامو في خليج كوبا؟ إضافة إلى عدد كبير من الإرهابيين والانتحاريين في العراق؟ الجواب هو السعودية.
كيف غيّر العالم السعودية وكيف غيّرته؟


يرى الكاتب أن مشاكل السعودية أثرت على التحولات العالمية فهو لم يكن يعرف قبل ثلاثة عقود عندما انتقل وعائلته للعيش في جدة أين ستقود التناقضات ومعها النفاق. وهو إن فعل هذا في كتابه الأول إلا أنه في هذا الكتاب يحاول كتابة تتمة الرواية التي لم تنته بعد وقد تحتاج إلى رواية أخرى بعد ثلاثة عقود من غيره. لكن فكرة السعودية القائمة على عوامل من التوتر هي تيمة الكتاب الحالي وما يراه الكاتب آثارا كارثية بسبب الفشل في جسر الهوة بين التقليدي والمعاصر وهذا له أسبابه المرتبطة بقرار الدولة أو آل سعود. يقول انه في عام 1982 بعد عام من صدور 'المملكة' منعت وزارة الإعلام كتابه على خلفية 97 خطأ منها ما له علاقة بفهم الكاتب للإسلام وأخرى تاريخية، وهو وان وافق على تعديل ما له علاقة بالإسلام إلا أنه رفض تعديل الصفحات المتعلقة بالتاريخ خاصة ما له علاقة بالنزاع بين ابني سعود وفيصل الذي أدى لإزاحة الملك سعود عن العرش عام 1964. ولهذه الأسباب منع الكتاب حتى ترجمته العربية المتوفرة على الانترنت عانت مصير النسخة المطبوعة.

شهادات

السؤال إن كان الكاتب سيقدم لنا معرفة ليست متوفرة عن السعودية، أو يحلل مناطق مجهولة في مسائل النزاع المعروف بين الأجنحة أو الخلاف بين السياسة والدين. ومن هنا نقول أن أهمية الكتاب مثل سابقه تنبع من كونه شهادات لسعوديين، من مختلف الطبقات جمعها الكاتب على مدار ثلاثة أعوام حول بلدهم المتغير منذ عام 1979. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اختيار التاريخ هذا محمل بالدلالات، فبعد 30 عاما ما زال العالم يواجه آثار تلك السنة التي انتصرت فيها الثورة الإسلامية في إيران، واحتلت فيها القوات السوفييتية أفغانستان، واحتلال الحرم من قبل أتباع جهيمان العتيبي. وان كان العالم يحتفل بمرور عشرين عاما على انهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة. فما حدث في أفغانستان كان كفيلا بما حدث للإمبراطورية السوفييتية التي واجهت فيتنامها هناك.

من جيهمان بدأت القصة

وبالمقارنة بين عامي 1979 و 1989 نرى أن آثار عام 1979 تظل أكثر أهمية على مصير العالم من جدار برلين الذي لم يغير الكثير من الحقائق سوى توحيد بلد مقسم. أما عام 79 فما زالت 'الأصولية' الإسلامية و'إيران' تمثلان إشكالا للغرب وكأن العالم دار دورته وعادت إمبراطورية ثانية للدخول في مستنقع أفغانستان. بهذه المثابة نرى أن كتاب ليسي مساهمة في فهم تحولات السعودية من تمرد جهيمان إلى تمرد ورثته من القاعدة ومن تمظهر الخطر الإيراني في الثمانينات عبر انتصار الثورة وانتفاضة المنطقة الشرقية ـ مناطق الشيعة فالسيناريو لا يزال قائما كما كان. عاشت السعودية خلال الثلاثين عاما العديد من التحولات ولكن عامل جهيمان العتيبي ترك أثره عليها ففترة التدين التي طبعت فترة الملك فهد كانت تراجعا لما نظر إليه انفتاح في داخل المجتمع السعودي، لقد غير جهيمان صهر المهدي كل ملامح الحياة، باتت الدولة خائفة من المشايخ، ومنعت صور النساء في الصحف، والأغاني في التلفاز، وكما تشير شهادات من عاش تلك الفترة فهم يرون فيها انهيارا للأحلام وزمن الخيبات تأسلم فيها المجتمع المتأسلم أصلا وتمت فيه أسلمة المنهاج التعليمي فلم يعد يحتوي إلا المواد الأساسية فيما زيدت فيها جرعات الدين والتاريخ الإسلامي إضافة لتاريخ آل سعود. وينقل الكاتب شهادات أساتذة جامعات عن أثر سياسات الدولة من ناحية شطب وإلغاء مواد لم تعد مناسبة للتدريس، ومن هنا ينقل عن أستاذ أمريكي في جامعة البترول أن عمله اقتصر في مرحلة الجلوس مع مدير قسمه لتمزيق صفحات الكتب التي تحتوي على صور غير مناسبة.

سلطة المشايخ

في ظل هذا الجو من 'التقوى' نشأ جيل تشبع بهذه الثقافة وهو الجيل الذي استفاد من سياسات الدولة الداعمة للمشايخ، والمطوعين الذين لم يعودوا تلك المجموعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر بل صارت صاحبة سلطة فلم يعد يكفي لصاحب المحل الصلاة في مكانه بل صار واجبا عليه الذهاب إلى المسجد، كما ظهرت آثار النعمة عليهم من ناحية قيادة سيارات 'جي إم سي- جيمس'. على العموم فإعدام جهيمان لم يقض على أفكاره بل اجبرها من القبر على تنفيذ برنامجه. وقد استمر التحالف بين المؤسسة الدينية والحاكمة في عهد الملك فهد،الذي لم يكن على علاقة جيدة مع الشيوخ، خاصة عبد العزيز بن باز الذي كان يمارس سلطة واسعة على المؤسسة، وكان جهيمان واحدا من تلامذة الشيخ عندما كان الأخير في المدينة قبل أن يختلفا ويصبح جهيمان هاربا في الصحراء قبل أن تأتيه الأحلام ويحدد المهدي من أتباعه. وهنا يقدم الكاتب حركة جهيمان على أنها نتاج للنشاط السلفي في البلد والذي تم برعاية من الشيخ بن باز قبل أن يخرج جهيمان على الشيخ. واصل الملك فهد سياسة استرضاء المشايخ ورفض الاستماع لدعوات إنشاء مجلس الشورى وهي الفكرة التي رفضها الملك فيصل وعارضها أثناء حكمه. أنشأ الملك فهد مجمعا لطباعة القرآن الكريم لتوزيع ملايين النسخ على الحجاج وعلى مسلمي العام وبعدة ترجمات، كما أعلن عن نفسه خادما للحرمين.

رحلات الجهاد

لا يمكن تجنب الحديث عن الدور السعودي في أفغانستان، على الصعيد السياسي أو الشعبي. فقد دعم النظام جهود الفصائل المقاتلة للاحتلال السوفييتي، ويشير مسؤول في الاستخبارات إلى انه وبأمر من الملك حمل إلى باكستان شنطة محشوة بالدولارات من فئة 200 وسلمها للجنرال ضياء الحق بحضور مسؤولي الاستخبارات الباكستانية لشراء أسلحة وتوزيعها على قادة المجاهدين. هذا الوضع مرتبط بالعلاقة 'الخاصة' بين أمريكا والسعودية التي تعود إلى ما بعد الحرب العالمية، وهي علاقة يراها الكاتب على أهميتها جعلت كل طرف يشعر بخيبة أمل من الآخر - هذا في الظاهر لكن آل سعود هم يهود العرب في الحقيقة- . ولكن هذا لا يعني تخلي أي منهما عن الآخر فقد قال ملوك آل سعود للأمريكيين ' نعتمد بعد الله على أمريكا' ويشير الكاتب إلى أن أول خيبة أمل تلقاها السعوديون كانت في اجتماع ابن سعود مع روزفلت الذي طلب منه المساعدة بإقامة وطن قومي لليهود لأن النازيين اضطهدوهم، إجابة ابن سعود تعبر عن بساطته البدوية، وطريقة العرب في حل المشاكل وهي تأديب الظالم حيث قال للرئيس الأمريكي أنه يجب معاقبة النازيين وتوطين اليهود في أراضيهم. لكن القرار كان قد خرج ووعد بلفور البريطاني وجد مصادقة من أمريكا الحليف الجديد للسعودية. وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى التناقض الظاهري في العلاقة بين البلدين، على صعيد الرؤية هنا، فالملك فيصل مات مؤمنا بوجود مؤامرة صهيونية. والأمريكيون الذين يحاولون استرضاء اللوبي اليهودي كانوا يتجنبون الظهور جنبا إلى جنب مع مسؤولين سعوديين' بغطر وعباءات' في وقت الانتخابات الأمريكية.  - تمثيلية يعملوها ويخيلوا- .

الأمير بندر

ومن هنا يشير الكاتب إلى الدور الذي لعبه الأمير بندر في العلاقة مع أمريكا وما قامت به الدولة السعودية لحماية مصالحها ومصالح أمريكا ونادي سفاري. حيث تمت رشوة الرئيس الصومالي محمد زياد بري بـ 73 مليون دولار للخروج من الفلك السوفييتي وقاتلت قوات مغربية خاصة القوات الانغولية دفاعا عن نظام موبوتو سيسكو. وما قام به بندر من تأمين صفقات سلاح، مقاتلات وصفقة الاواكس وأخيرا صفقة اليمامة.


مناخ التدين في عقد الثمانينات من القرن الماضي مرتبط بتراجع أسعار النفط ونهاية عهد الازدهار، وتفاقم مشاكل الدولة، فالكاتب يقول أن السكان كانوا متسامحين مع الحياة الخاصة وتبذير الأمراء للمال طالما لم يتغير مستوى حياتهم لكن الأزمة الاقتصادية والبطالة وزيادة معدلات الولادة وضعت البلاد على مسار آخر. ولا ينسى الكاتب الإشارة إلى الخلاف بين وزير النفط المعروف أحمد زكي يماني الذي لم يستطع العمل مع الملك فهد، لفقدان الكيمياء بينهما وكيف أنه عرف عن 'عزله' من منصبه وهو يلعب لعبة الورق 'بلوط' الشعبية. ويفهم من قراءة الكاتب أن حضور يماني العالمي، يجيد الإنكليزية، وقدرته على التحاور، أزعج الملك الذي لم يكن يجيد الإنكليزية كما أن لقب 'شيخ' لم يعجب من كانوا في حاشية الملك الذين قالوا أنه 'كان مجرد أستاذ عادي' فكيف يلقب بشيخ المحفوظ عادة لرؤوس القبائل؟

بن لادن الظافر

في ظل هذا الجو المتدين، واستيعاب الدولة لأعداد من الإخوان المسلمين من مصر وسورية ساعدوا على تعزيز جو التدين، ومنهم يذكر محمد قطب شقيق الكاتب والناقد والإسلامي المعروف سيد قطب والشيخ عبد الله عزام ، بدأ أسامة بن لادن خطواته نحو أفغانستان وهي الخطوات التي قادته للقاعدة والجهاد العالمي. ويشير الكاتب هنا الى قصة محمد بن لادن 'البنا' ومملكته التجارية التي أقامها، ورحلات أسامة إلى أفغانستان وعلاقته مع المؤسسة السعودية التي دعمت في مرحلة 'رحلات الجهاد' إلى هناك. عقد التسعينات يعتبر من العقود التي واجهت فيها الدولة السعودية مخاطر على وجودها، فمن احتلال الكويت، ودخول القوات الأجنبية إلى الأراضي السعودية. فمن ناحية أدى دخول صدام حسين الكويت إلى أزمة عالمية وشق عربي، حيث وجدت السعودية نفسها أمام تحديات عربية من ناحية دعم حلفاء لها لصدام ومنهم عرفات الذي دعمت السعودية منظمته بمليار دولار خلال عقد الثمانينات، واليمن التي أعادت أحلامها باستعادة أراض ٍ تقول أن السعودية سلبتها منها والملك حسين وارث أجداده الهاشميين، فيما ابتعدت دول أخرى مثل الجزائر والسودان وليبيا عن الأمر. ترددت المؤسسة الدينية مثلما ترددت في مسألة جهيمان في الوصول إلى فتوى تبيح الاستعانة بقوات أجنبية للدفاع عن السعودية وكان قرارها مثيرا داخليا وخارجيا، لكن آثاره الداخلية هي التي تركت آثارها على وضعية آل سعود، ومن هنا نشأت الصحوة في مناطق القصيم وبريدة، وظهرت مسألة خطاب المطالب ومذكرة النصيحة، إضافة إلى مطالب نسوية بالإصلاح والسماح لهن بقيادة السيارات. وفي ظل هذا وجد بن لادن العائد منتصرا نفسه أمام واقع لا يمكنه العمل، فهو المجاهد الذي تعود حياة الجهاد، وجد نفسه مقيد اليدين، رفضت عروضه لقتال صدام وحذر من إنشاء معسكرات تدريب في اليمن حتى لا يمس سيادته . وعندما بدأ يصدر أصواتا صودر جوازه فاستعاده بواسطة وخرج إلى أفغانستان كما يقول الكاتب ومنها إلى السودان حيث بدأ مرحلة جديدة من كفاحه. كانت عودة الظافر من أفغانستان مساحة أمل لابن لادن لاستعادة نشاط حرب الجهاد وفي ساحة الكويت ولكنها فشلت. وهنا ينقل الكاتب من وصفوا الاحتفالات التي عقدت لاستقبال بن لادن وأطباق الحلوى والمشروبات التي قدمت بعد عودته.

الشيعة

كانت مهمة إكمال الإصلاحات في مناطق الشيعة واحدة من الطموحات التي حاول الملك فهد تحقيقها وأرسل إلى المنطقة الشرقية ابنه للإشراف عليها، لكن المهمة قوبلت بعقبات وهي أن الكثير من قادة الشيعة في السعودية هربوا إلى إيران ومنها إلى سورية ، وهنا يشير الكاتب إلى أن الملك فهد كان بطبيعته متسامحا في هذا الشأن ومخلصا في تحسين أوضاع المنطقة، لكن يظل العامل الإيراني مصدر قلق له خاصة بعد الاضطرابات التي قام بها الحجاج الإيرانيون في الأماكن المقدسة. ومع أن الصفار وجماعته تركوا إيران إلى سورية في محاولة لإظهار الاستقلالية إلا أن المشكلة ظلت قائمة حيث تم الحوار مع أطراف منهم. ويشير الكاتب إلى جهود الشيعة السعوديين في الاعتماد على منظمات حقوق الإنسان الأمريكية لتظليل مظالمهم.

الصحوة

وبنفس الإطار نقلت جماعات الصحوة معركتها للخارج حيث أقامت لجاناً ومكاتب للمعارضة في لندن وكانت مؤثرة في إزعاج الحكومة السعودية. في ظل هذه المشاكل مرض الملك فهد وأصيب بجلطة دماغية أقعدته عن العمل ومنذ عام 1995 وحتى 2005 ظل ولي العهد الأمير ثم الملك عبد الله القوة التي تدير البلاد. ويوصف عهد الملك عبد الله بالإصلاحي، ويشير إلى أن الملك عبد الله يختلف عن سلفه من ناحية أسلوب الحياة والنظرة المادية للأمور، فهو وإن عانى من مشاكل في النطق إلا أنه تعلم، وأجرى العديد من الإصلاحات إن على صعيد وضعية الأمراء أو موقفه من الإصلاح ودور المرأة، إلا أن سجله يظهر انه إصلاحي متردد لكن ما يميزه عن سلفيه خالد وفهد أن عهده يشهد تحولات جديدة على صعيد العلاقة بين مؤسسة الحكم ومؤسسة رجال الدين. وهنا لا بد من ذكر عامل القاعدة والهجمات على أمريكا وحرب القاعدة ضد المؤسسة في مرحلة لاحقة. فمؤسسة الأمراء وإن كانت مترددة بتقبل أي صلة سعودية بالهجمات إلا أن الأمير عبد الله كان من أول الأمراء تقبلا للحقيقة بعد أن قدمت له الملفات.

جهيمان وبن لادن

في داخل كتاب لاسي مفصلان الأول وهو أثر جهيمان على آل سعود والسعودية بشكل عام فهو أجبر العائلة على تبني آرائه خوفا من تكرار المشهد المريع في مكة، فيما باشرت أصوات الصحوة دور الناصح للعائلة والمحاضر لها كي تقوم بإصلاح نفسها وإلا خسرت شرعيتها. أما المفصل الثاني فهو الهجمات على أمريكا، التي أدت لتغيير العالم وليس السعودية وحدها، ومن هنا نلحظ أن أثرها على بلد بن لادن أنها سحبت الغطاء والقوة عن مؤسسة العلماء وأعطت القياد للملك ولم يعد رجال الدين والحالة هذه قادرين على مواجهته، وما زاد حرج وضع المؤسسة الدينية ليس إن القاعدة عادت ببنادقها للبيت ولكن تصرفات ممثليها كما حدث في حريق مكة، ومحاولتهم الهجوم مرة أخرى والحفاظ على مميزاتهم.

العلاقة الخاص في النعش

إن كانت العلاقة بين مؤسسة المشايخ والأمراء قد تأثرت بسبب بن لادن ، فالعلاقة الخاصة بين أمريكا والسعودية التي قامت على النفط وضع جورج بوش المسمار الأخير في نعشها عندما ذهب واحتل العراق. العلاقة كانت تعاني من مشاكل في ظل كلينتون الذي يصفه بندر بن سلطان بعرفات لأنه لا يقول لا ولا نعم، بل ' لعم' ولكنها تفاقمت بعد وصول المحافظين الجدد والأحداث التي تبعتها، وتوترت العلاقة في ظل التمترس الأمريكي إلى جانب إسرائيل لدرجة أن الأمير عبد الله في حينه رفض أكثر من دعوة من الرئيس الأمريكي لزيارته في منتجعه بتكساس. الآن يرى الكاتب أن العلاقة الخاصة قد تكون انتهت.ويشير إليها برحيل بندر واستقالة تركي الفيصل من منصب السفير لأسباب عدة: إيران، مالية السفارة، منصب مدير الأمن القومي. المهم أن أمريكا لم تعد تحصل على العروض التفضيلية للنفط، فيما اتجهت السعودية شرقا نحو الصين واتجهت نحو روسيا وأعادت العلاقات التي توقفت منذ عام 1938.

مجتمع يبحث عن صورته الحقيقية

هذا على الصعيد السياسي، أما على صعيد الحياة الاجتماعية فينقل لنا الكاتب شهادات وقصصا عن مجتمع يعيش حالة من التساؤل ويقف على حافة التحول. فهو وان بدا مجتمعا غير طبيعي، مليئاً بالنفاق، والعلاقات الشاذة 'يكتب عن السحاق' والإدمان إلا أنه يشير إلى أن في داخل هذا المجتمع قوى وحراكا تريد أن تعود لصورتها الحقيقية. تتساءل أصوات عن السبب الذي يجعلها تشعر أنها مثل بقية البشر عندما تخرج إلى العالم، الرجل يمسك بيد زوجته التي تخلع عباءتها وهو يخلع ثوبه فيما يسبح الأولاد معا في حوض يجعلهم أقرب من حالتهم في قصورهم المسورة. ذهب بوش وجاء بعده أوباما فيما ما زال بن لادن مختفياً، أما الملك في المشهد الأخير من هذه الرحلة فيبدو حائرا في حالة الصلاة يشعر بالحزن أن الجامعة التي دفع لارامكو كل ما تريد لإنشائها لم تكن تحققت. هذا المشهد كان عام 2007 ولكن في هذا العام افتتحت الجامعة التي تعتبر من أرقى الجامعات في العالم. وهنا نتساءل هل حلت الجامعة التناقض الظاهري في هذه المملكة التي يقول الكاتب أن وجودها يظل محل تساؤل للأسباب التي شرحها طوال رحلة ثلاثة عقود؟ ما يميز هذه الرحلة أن معلوماتها متوفرة والسعودية منفتحة ظاهريا وان حاولت التخفي فالإعلام الجديد لا يسمح لها بان تكون كما قيل عنها مرة 'مملكة الصمت'.

' ناقد من أسرة 'القدس العربي'


Inside the Kingdom
Kings, Clerics, Modernists, Terrorists
and the Struggle for Saudi Arabia
By: Robert Lacey
Hutchinson/ 2009

****

15 نوفمبر

وكالة مهر للأنباء

نواب مجلس الشورى يدينون المجازر الوحشية بحق اليمنيين

 

houthis-emblem.JPG

شعار الحوثيين بارك الله فيهم


أدان نواب مجلس الشورى الإسلامي اليوم الأحد المجازر الوحشية التي يتعرض لها المسلمون في اليمن.

وأفاد مراسل وكالة مهر للأنباء أن نواب مجلس الشورى الإسلامي أصدروا بيانا في ختام الجلسة العلنية اليوم الأحد حمل جميع تواقيع النواب الحاضرين في الجلسة، أدانوا فيه المجازر الوحشية التي يتعرض لها المسلمون في اليمن.


وجاء في البيان: انه في الظروف التي ينتهك فيها الكيان الصهيوني وبدعم قوى كبرى كأمريكا، حقوق الشعب الفلسطيني، ويتجاوز على أرواح وأموال الأبرياء الفلسطينيين وخاصة النساء والأطفال في غزة، فإن واجب جميع المسلمين هو أن يصمدوا أمام هذا العدو من خلال تمسكهم بالوحدة والتضامن، وان يستخدموا قواهم في الدفاع عن المظلومين في الأمة الإسلامية.


وأبدى نواب مجلس الشورى الإسلامي استغرابهم وتأسفهم البالغ للأحداث المريرة والمثيرة للقلق التي يواجهها جماعة من المسلمين في اليمن خلال هذه الأيام.


وتابع البيان أن قيام الطائرات الحربية السعودية بقصف الشعب اليمني المظلوم وذلك في الشهر الحرام، وفي الأيام التي يرفع فيها المسلمون نداء الوحدة وتوحيد الكلمة في موسم الحج، هو عمل لا يمكن أن يصب إلا في مصلحة أعداء الاسلام.


واختتم نواب مجلس الشورى الإسلامي بيانهم بإدانة المجازر الوحشية للمسلمين في اليمن، مناشدين جميع المسؤولين المخلصين في العالم الإسلامي وكذلك المؤسسات والمنظمات الإسلامية وخاصة منظمة المؤتمر الإسلامى، أن يستخدموا جميع الطاقات والقابليات من اجل وقف هذه الكارثة، وان يوقفوا هذه المجازر الوحشية./انتهى/

 

و اعتبر رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني أمس أن العمليات السعودية على الحدود مع اليمن تبعث على الاستغراب. ونقلت وكالة «مهر» عنه القول أمام البرلمان «تصاعدت حدة الحوادث المؤسفة في اليمن خلال الأسبوعين الأخيرين..والتدخل السعودي في اليمن والقصف المتتالي الذي تشنه المقاتلات السعودية ضد المسلمين اليمنيين، يبعث على الاستغراب». وتساءل لاريجاني حسب قوله « كيف سمح الملك عبد الله في هذه الأيام المباركة، بإراقة دماء المسلمين في اليمن، باستخدام القدرات العسكرية السعودية؟» وذلك في إشارة إلى موسم الحج.وتابع أن الأنباء تتحدث أن الإدارة الأمريكية تواكب وتساعد في مثل هذه العمليات القمعية، وهذا أيضا نموذج آخر عن التغييرات التي بشر بها الرئيس الأمريكي الجديد!!.

تماما كما فعلها - يا لاريجانى - شالح اليمن فى رمضان وعيد الفطر الماضيين.

 

****

السعودية وحرب صعدة


عبد الباري عطوان

11/11/2009

يتواصل صدور بيانات التضامن مع الحكومة السعودية (وليس مع اليمن) في حربها ضد 'المعتدين' الحوثيين من قبل معظم الدول العربية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية في رام الله، ولكن هذه البيانات لن يكون لها إلا تأثير معنوي شكلي، لأن أزمة المملكة العربية السعودية أعمق بكثير مما يتصوره حلفاؤها العرب، بمن في ذلك وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، الذين طار بعضهم إلى الدوحة صباح أمس لبحث هذه الأزمة وتداعياتها.


وربما لا نبالغ إذا قلنا أن الحرب الدائرة حالياً بين الحوثيين اليمنيين والقوات السعودية في جنوب المملكة اخطر كثيراً من أزمة اجتياح القوات العراقية للكويت صيف عام 1990، ومن الحرب اليمنية السعودية التي اندلعت بعد ثورة عبد الله السلال عام 1962 وأطاحت بالحكم الإمامي في صنعاء، وفتحت الباب على مصراعيه لدخول القوات المصرية في مواجهة مع نظيرتها السعودية.


ما يميز هذه الحرب أنها حرب طائفية أولاً، وسياسية ثانياً، واجتماعية ثالثاً، ومرشحة لأن تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية تدخل فيها أطراف عديدة تحت عناوين مختلفة، يظل البعد الطائفي أبرزها، فالتصريحات التي أدلى بها يوم أمس منوشهر متقي وزير الخارجية الايراني وقال فيها 'ننصح بشدة دول المنطقة، والدول المجاورة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لليمن، لأن من يختارون صب الزيت على لهب الصراع سيحترقون بنيرانه'، هذه التصريحات التي هي بمثابة تحذير شديد اللهجة للحكومة السعودية ليست إلا مؤشرا على بدء مرحلة استقطاب طائفي وإقليمي ربما تغير شكل المنطقة وخريطتها السياسية، وتهدد استقرارها.

' ' '


عندما نقول أن هذه الحرب ربما تكون الأخطر على المملكة من الحروب والأزمات السابقة التي واجهتها منذ تأسيسها قبل ثمانين عاماً تقريباً، فذلك لأسباب عديدة نوجزها في النقاط التالية:


' أولا: حرصت القيادة السعودية طوال العقود الماضية على تطبيق استراتيجية ثابتة، ملخصها إضعاف جميع القوى الإقليمية المحيطة، وخوض حروب ضدها خارج أراضي المملكة بقدر الإمكان، وهذا ما حصل عندما حاربت الثورة الناصرية على أرض اليمن، والثورة الخمينية على أرض العراق، من خلال التحالف مع النظام العراقي السابق وتحريضه على خوض حرب استغرقت ثماني سنوات، انتهت بإضعاف البلدين معاً، وأخيراً استخدام خطأ اجتياح الكويت لتدمير القوة الإقليمية العراقية المتنامية تحت قيادة الرئيس الراحل صدام حسين.


الحرب الحوثية الحالية تدور حالياً على ارض المملكة، أو جزء منها، يعتبر الأكثر وعورة، وفي مناطق تعاني من الإهمال وضعف التنمية، وتضم نسبة كبيرة من السكان أتباع المذهب الإسماعيلي الشيعي غير المعترف به من قبل المؤسسة الدينية الوهابية المتحالفة مع النظام السعودي.


' : يوجد داخل المملكة أكثر من مليون يمني، بعضهم يحملون الجنسية السعودية، والبعض الآخر ما زال محتفظاً بجنسيته اليمنية، وبعض هؤلاء يؤيد الحوثيين، ويمكن أن يشكل على المدى المتوسط، تهديداً للأمن الداخلي.


' : الحدود السعودية اليمنية تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر، أما الحدود اليمنية على البحر الأحمر الممتدة من عدن إلى صعدة فتصل إلى حوالى 400 كيلومتر. ومعظم هذه الحدود غير مسيطر عليها بسبب ضعف إمكانيات الحكومة اليمنية، مما يجعل عمليات التهريب للأسلحة والبشر ميسّرة للغاية، خاصة عبر سواحل البحر الأحمر. وعلينا أن نتذكر أن اريتريا التي يقال أنها باتت قاعدة لتهريب أسلحة إلى الحوثيين استطاعت احتلال جزر حنيش اليمنية قبل عشر سنوات بقاربين مسلحين فقط، بسبب ضعف سلاح البحرية اليمني.


' : تثبيت استقرار المملكة من خلال الحفاظ على أمنها الداخلي، هو أبرز إنجازات الأسرة الحاكمة، واهتزاز هذا الأمن، جزئياً على الأقل، من خلال حرب استنزاف طويلة في الجنوب، ربما يؤدي إلى إضعاف النظام، خاصة إذا استغل تنظيم 'القاعدة' الذي بدأ يكثف وجوده في اليمن، الفوضى الحدودية لإحياء ومن ثم تعزيز وجوده، داخل المملكة، واستئناف هجماته ضد أهداف حيوية، مثلما كان عليه الحال قبل خمس سنوات.


' : من المفارقة أن السلطات السعودية ومن خلال 'اللجنة الخاصة' التي أنشأتها للتعاطي مع الملف اليمني منذ 'ثورة السلال'، برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد، استخدمت سلاح المال لشراء ولاء شيوخ قبائل المناطق الحدودية الذين انقلب معظمهم عليها الآن، وإضعاف الحكومة المركزية في صنعاء حليفتها الحالية، وارتكبت خطأ استراتيجيا اكبر عندما دعمت حرب الانفصال عام 1994 بقوة، فوضعت اللبنة الأولى لتحويل اليمن إلى دولة فاشلة، تواجه حراكا انفصاليا في الجنوب، وحربا حوثية طائفية في الشمال، وأنشطة داخلية متصاعدة لتنظيم 'القاعدة'.

' ' '


عندما شكلت الثورة الخمينية تهديدا وجوديا للمملكة ودول الخليج الأخرى، وجدت القيادة السعودية في الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه سندا قويا للتصدي لها، ومنع وصولها إلى الساحل الغربي للخليج العربي، وعندما اجتاحت القوات العراقية الكويت، استغاثت بالولايات المتحدة وقواتها لإخراجه منها، وإنهاء الخطر الصدامي نهائيا بغزو العراق واحتلاله لاحقا، والى جانب ذلك كان مجلس التعاون الخليجي موحدا خلفها في الحربين ضد العراق وضد إيران.


الصورة الآن تبدو مختلفة كثيرا، فصدام حسين ليس موجودا للتصدي للتدخل الإيراني في حرب الحوثيين، والقوات الأمريكية مشغولة في حربين دمويتين خاسرتين في أفغانستان والعراق، أما مجلس التعاون الخليجي فلم يعد موحدا بالقدر الكافي خلف المملكة في حربها هذه.


السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان حرص على زيارة طهران قبل شهرين لتأكيد تضامنه مع رئيسها احمدي نجاد والمرشد الأعلى للثورة السيد علي خامنئي، بعد إخماد شغب الإصلاحيين العملاء مباشرة. والعلاقات السعودية ـ الإماراتية متوترة منذ الخلاف بين البلدين على شريط العيديد البحري، وكيفية تقسيم إنتاج حقل الشيبة النفطي. وزاد هذا التوتر أخيرا على أرضية رفض السعودية طلبا إماراتيا باستضافة مقر البنك المركزي الخليجي الموحد في أبو ظبي، وانعكس في إغلاق الحدود لعدة أسابيع، ومنع الإماراتيين من دخول المملكة بالبطاقة الشخصية. ولوحظ أن الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية الإمارات لم يكن بين زملائه الخليجيين الذين شاركوا في اجتماع الدوحة التضامني يوم أمس. أما العلاقة ما بين المملكة وقطر فتبدو غامضة، رغم ما هو ظاهر على السطح حاليا من زيارات ومجاملات. فالسلطات القطرية تضع رجلا في طهران وأخرى في الرياض. أما الكويت فمشغولة بأزمتها الداخلية، والفتنة الطائفية التي حذر منها أميرها ما زالت تحت الرماد، والشيء نفسه يقال عن البحرين أيضاً.


نخلص إلى القول من كل ما تقدم أن المملكة العربية السعودية وقعت في مصيدة طائفية وعسكرية على درجة كبيرة من الخطورة، أو أثارت على نفسها 'عش دبابير' طائفيا قد يصعب الفكاك من لسعاته القاتلة، رغم التفوق الكبير في ميزان القوى لصالحها. وعلينا أن نتذكر أن القوة العسكرية الأمريكية الجبارة أطاحت نظامي صدام وطالبان، ولكنها تترنح في حرب الميليشيات التي انفجرت بعد ذلك.


إذا صحت التقارير التي تقول أن إيران تدعم التمرد الحوثي بالمال والسلاح، وهي تبدو صحيحة، فان هذا يعني أننا أمام مثلث جديد ربما يشكل عناوين المرحلة المقبلة، أضلاع هذا المثلث حركة حماس في إمارة قطاع غزة، وحزب الله في إمارة جنوب لبنان، والحوثيون في 'إمارة' صعدة، القاسم المشترك لهذا المثلث هو الصواريخ الايرانية والعداء لأمريكا وإسرائيل ودول الاعتدال العربية.


قتل المشروع النهضوي العربي لصالح الهيمنة الأمريكية، ومهادنة إسرائيل من خلال تبني خيار السلام كخيار وحيد، وتدمير العراق، وإضعاف اليمن وحرمانه من الاستثمارات مثل دول عربية فقيرة عديدة، كلها عوامل أدت إلى خلق هذه التطورات المزعجة التي قد تحوّل المنطقة العربية كلها إلى دول فاشلة.

****

فروة رأس الفلسطيني المحكوم بالإبادة


نصر شمالي

11/11/2009

ذات يوم، في أحد اجتماعات المفاوضات أو المحادثات برعاية الأمريكيين، وفي لقاء جانبي، تحدّث ياسر عرفات إلى إسحق رابين عن 'ضفة غربية محرّرة لصالح الفلسطينيين'، فأجابه رابين بما معناه أنّ بالإمكان (مجازاً) التنازل أو إعادة يافا وحيفا للفلسطينيين، أمّا الضفة الغربية (يهودا والسامرة) فيستحيل الحديث عنها وهي التي ينهض عليها المشروع الإسرائيلي، حيث تتمركز فيها جميع الحجج والدعاوى التاريخية (المزعومة) بصدد 'المقدّسات والممالك اليهودية القديمة'! وها نحن نرى الإسرائيليين اليوم يقضمون الضفة قطعة فقطعة، ويعترضون على تمسّك السلطة الفلسطينية بإيقاف عمليات الاستيطان كشرط للدخول في المفاوضات، ويرون في ذلك موقفاً معادياً للسلام، فيوافقهم الأمريكيون على اعتراضهم وعلى رؤيتهم!


وبينما الحال هكذا في الضفة الغربية، حيث يوجد حوالي مليونين ونصف المليون فلسطيني تخنقهم وتقطّع أوصالهم المستعمرات وجدران العزل والحواجز العسكرية، يشتدّ الحصار وتتوالى عمليات الإبادة والبلع والهضم الثقافي القومي العرقي ضدّ حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، تحت شعار 'يهوديّة الدولة الإسرائيلية'، ويشتدّ الحصار وتتعاظم عمليات البلع والهضم ضدّ حوالي أربعة ملايين فلسطيني في ملاجئهم البائسة المؤقتة خارج فلسطين، أمّا المقاومة المسلّحة فقد دفعت وجمعت وحوصرت بإحكام شديد في قطاع غزّة فقط (حوالي 360 كيلو متراً مربعاً!) مع حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون حالة اختناق مستمرّة، وقد فرض عليهم حكّاماً ومحكومين، بصورة أو بأخرى، ما يشبه 'نظام حكم ذاتي'! وإن كانت المقاومة تتعامل مع القطاع على أنّه مجرّد 'منطقة محرّرة' محاصرة.


إنّ حوالي عشرة ملايين عربي فلسطيني يواجهون اليوم آلة الإبادة والتدمير الشامل، بينما أدارت القيادات العربية والفلسطينية ظهرها للبديهية الأولى التي تقول أن قضية فلسطين هي قضية وجود لا قضية حدود، فإمّا الفلسطينيون والعرب وإمّا الإسرائيليون والأمريكيون! وبالطبع ليس العرب من وضع هذا الخيار الرهيب موضع التنفيذ، بل الطرف الآخر الذي لم يتوقّف لحظة عن العمل على أساسه، وبالتالي فليس ثمّة أمام العرب من خيار وجودي سوى العودة إلى بديهيات القضية الفلسطينية، وتنظيم أمورهم على أساسها بعيداً عن أية أوهام، فيحسموا أمرهم بأنّ مصيرهم جميعاً هو مصير فلسطين، إن نجت نجوا وإن هلكت هلكوا!


وعندما نشير إلى محاولات إهلاك فلسطين ينبغي علينا أن ننظر بمنتهى الجدّية والواقعية إلى مصير الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، فمثلما كان يقال بالأمس هناك، أنّ الهندي الطيّب هو الهندي الميّت، يقال اليوم هنا أنّ الفلسطيني الطيّب هو الفلسطيني الميّت، وليس من فارق على الإطلاق في جوهر النتيجة والمصير المقرّر الذي يجمع بين شعوب أمريكا الشمالية المبادة وبين الفلسطينيين!


من أجل إدراك أبعاد ما يحدث للإنسان الفلسطيني، في القدس والوسط والشمال والجنوب، ما بين رأس الناقورة ورفح، لنعد إلى العام 1870، ونرى ما كان يحدث في مدينة دنفر الأمريكية الاستيطانية: كانت فروة رأس الهندي الأحمر، الطريدة المقتول، تباع بعشرة دولارات (مبلغ كبير بحسابات ذلك الزمن) وذلك في نطاق حملات تأجيج حماسة المستوطنين وتشجيعهم على تطهير البلاد من أصحابها (أنظروا إلى ما يحدث في القدس وفي المسجد الأقصى) أمّا في مدينة سنترال سيتي فقد وصل سعر فروة رأس الطريدة الآدمية إلى خمسة وعشرين دولاراً. وفي مدينة ديدوود في داكوتا وصل السعر إلى مئتي دولار! لقد كان المستوطنون الإنكليز يفاخرون بغنائمهم من فروات الرؤوس البشرية!


اليوم، وأنتم تتابعون الابتسامة العريضة الثابتة كقناع معدني على وجه المبعوث الأمريكي ميتشل، تذكّروا أنّ القوات النظامية الأمريكية في المكسيك، ما بين العامين 1862-1863، دمّرت جميع القرى والبلدات الهندية وأبادت من فيها أطفالاً ونساءً ورجالاً، وأتلفت ما يساوي أكثر من مليوني جنيه إسترليني من الغلال الهندية! أنظروا إلى ما يفعلونه اليوم بغلال الفلسطينيين وبخاصة الزيتون! وانظروا إلى ما حدث في غزّة وقبلها في قانا! إنّهم يتعاملون بالخلفية والعقلية نفسها مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين عموماً!


في ولاية أريزونا، في العام 1871، في كامب غرانت، هاجم قطيع من المستوطنين ثلاثمائة طفل وامرأة وشيخ يعملون في الحقول تحت حراسة مشدّدة من الجيش الأمريكي (مثل الحراسة النظامية الإسرائيلية المشدّدة للمسجد الأقصى) فقتل أولئك المستوطنون 118 امرأة و8 شيوخ، وأسروا 30 طفلاً حملوهم وباعوهم كأرقاء في المكسيك، وقد تظاهر الرئيس الأمريكي غرانت بالغضب، وطالب بمحاكمة القتلة، غير أنّ القاضي قال للمحلفين أنّ قتل الهنود ليس جريمة، وأطلق سراح المتهمين! والآن لنتابع مصير تقرير غولدستون عن جرائم الإسرائيليين التي لا مثيل لفظاعتها، ولنتذكّر أن العمليات الإبادية ضدّ أهالي غزّة تمّت بمعرفة وموافقة الرئيسين الأمريكيين السابق واللاحق، حتى أنّهما لم يتظاهرا بالغضب، مثلما فعل الرئيس غرانت، على الرغم من مشاهد الأطفال الممزّقين المحروقين بنيران الأسلحة المحرّمة! إنّهم يقترحون الاقتصاد والمال مدخلاً للسلام مع الفلسطينيين! إذن فاسمعوا: في العام 1868 وافق الكونغرس الأمريكي على منح سلفة قدرها مائة ألف دولار لإنقاذ سجناء شعب نافاجو من الموت جوعاً وبرداً ومرضاً، فسرق مكتب الشؤون الهندية الحكومي ما يعادل سبعين ألف دولار من السلفة، ولم يصل من الأدوية والأغذية والألبسة إلاّ ما يساوي ثلاثين ألفاً، وهلك بعد ذلك، في العام نفسه، أكثر من ألفي سجين أو أسير من أصل عشرة آلاف (أي ما يعادل عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الإسرائيليين اليوم!).

الخلاصة: إنّ الفلسطينيين خصوصاً والعرب والمسلمين عموماً محكومون بما يتراوح ما بين الإبادة والتدمير الشامل والتبعية الذليلة، ولا مبالغة في ذلك على الإطلاق. إنّ الأمريكيين والإسرائيليين يدقّقون في فروات رؤوس الفلسطينيين التي سلخت والتي سوف تسلخ، وليس في أيّ شيء آخر، وما عدا ذلك ليس سوى اللغو والتضليل والضجيج، المروّع تارة والمطمئن تارة أخرى، لجعل الطرائد عاجزة تماماً ليس عن المقاومة العاقلة، بل عن القيام بأية عملية دفاعية ولو غريزية غير عاقلة!

' كاتب سوري

****

مذابح الإعلام على أعتاب الديكتاتوريات

12/11/2009

المرة الألف أو المليون تذبح الصحافة العربية والإسلامية على أعتاب الديكتاتوريات، وأعداء حرية التعبير في وطننا العربي المنكوب والبائس.... في ظل متغيرات دولية ليس لنا من سلاح نقاوم به المفسدين في الأرض بعدما تخلت الجيوش عن دورها والساسة عن حمايتنا على الأقل بدبلوماسيتهم 'الناعمة '...لقد قرر أعداء الحرية غلق قناة 'العالم' ومنعها من البث على القمرين النايلسات والعربسات ولم تمنع من البث على الأقمار الغربية .جاءت هذه الخطوة القبيحة لتكشف مرة أخرى زيف وبهتان الذين يتشدقون بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وهم في الحقيقة أبعد من ذلك بكثير عن شعاراتهم الجوفاء، وأمام عجزهم، وكشف عوراتهم لم يجدوا بدا سوى ردة الفعل الخبيثة كما تعودنا منهم فعمدوا إلى تكميم أفواه صرح إعلامي أظهر انحيازه لقضايا الأمة ومصيرها المر والمجهول...


في ظرف سياسي يتهاوى أمل تطورنا وتقدمنا ووحدتنا والبحث عن حلول جذرية لمشاكل مصيرنا المشترك 'يوما بعد يوم، وأزمات اقتصادية خانقة وإطباق إسرائيلي وغربي على هذه الأمة المسكينة يسارع البعض من أصحاب القرار لذبح وسائل الإعلام من الوريد للوريد دون أن يبالوا أو يستحوا...، وبدأت حملة مسعورة وشعواء غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة الماضية' على الإعلاميين العرب 'ووسائلهم' في طول البلدان العربية وعرضها في حين يتقدم الإعلام الغربي وخاصة الإسرائيلي بوتيرة كذلك لا سابق لها من أجل تقدم بلدانهم وتطويرها وتحديثها تحت قبة إعلام حر يقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت وفي الضفة العربية المقابلة يجري قمع الصحافيين ومصادرة حقوقهم وأرائهم بشكل مقنن وفي أغلب الأحيان بطريقة همجية مفضوحة الأهداف والغايات ...


وإذا عدنا للوراء قليلا واستحضرنا اجتماع وزراء الإعلام العرب والقرارات التي تمخضت عنه ومجملها ظاهرا وباطنا الضرب بيد من حديد لمن تخول له نفسه التطاول على 'الأسياد' وأثارت حفيظة البعض القليل من الدول العربية وكل الحقل الإعلامي نستنتج أن خطة غلق قناة 'العالم' جاءت في إطار تفعيل تلك المقررات' ونحن نعلم علم اليقين أنهم غير قادرين على أكثر من ذلك...


لا غرابة في ما فعله أعداء الحرية الإعلامية، ومصادرة الرأي الآخر لأن صدورهم ضيقة كرؤيتهم للتحولات التي تجري من حولنا وهم في قصورهم ومنتجعاتهم ينعمون فلا يريدون من إعلامي أو وسيلة إعلام حرة أن تزعجه أو تفسد عليه حياته السعيدة على رأس قيادة شعب بائس وفقير وحزين....


هذه الخطوة الأولى على درب معاقبة ومحاسبة كل إعلامي ووسيلة إعلام تخرج عن بيت الطاعة العربية التي أوصلتنا إلى هذا الدرك الأسفل من التردي الذي لم يبق فيه سوى بعض وسائل الإعلام العربية والإسلامية التي تبحث عن إنارة طريق شعوبنا وأمتنا وتكشف لها بعض المخططات الجهنمية التي تحاك ضدنا من أجل العودة بنا إلى العصور الغابرة، لأن حتى الغرب الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة التي يعيشونها في بلدانهم بأحقية 'إلا لغايات في نفس يعقوب لأنهم يدركون أن الساسة والقادة العرب لا يحتملون هذه المفاهيم والاستحقاقات الداخلية التي لم يتعودوا عليها' وبذلك سيحدث شرخا كبيرا بين مكونات مجتمعاتنا مما يسهل عليهم عمليات الضغط على الحكومات من أجل تنفيذ ما يطلب منهم في أمن وآمان ... وإلا لماذا أوقفوا قناة 'المنار' عن البث بأقمارهم الصناعية، ومخططهم الجهنمي لقصف قناة 'الجزيرة' إبان الحرب على العراق...


'.لقد أصبح واضحا اليوم أن 'برنامج أغلب الحكومات العربية المتمثل في ضرب كل الأصوات الإعلامية الحرة التي يعتبرونها 'نشاز' رغم أن الأمة اليوم في مفترق طرق كلها مكللة بأشواك من صنع الإمبرياليين والديكتاتورين ومن يواليهم ومخاضها عسيرا لأن الجنين المرتقب يبدو ميتا وعلى الإعلام العربي أن يقول إنه حي يرزق إذا قال حكامنا ذلك...وإذا لم يتعقلن هؤلاء المانعين لحرية الإعلام وحق الإعلاميين في التعبير وفق أخلاقيات المهنة سيصبح أغلب مدبري المكائد لصاحبة الجلالة على ما فعلوا نادمين.


عبد الستار العياري-اعلامي تونسي

****

 

truth-about-egypt-algeria-match.jpg

قاطعوا هذه المباراة الوبيلة الكريهة المبنية على الأحقاد والفتن والفرقة والكراهية والبلطجة والعربجية .. ها هو نتاج تهييج إعلام نظام مبارك للشعب المصرى وتحريضه المستمر له .. وها هى بلطجة المصريين المتعصبين رياضيا تظهر وتتبدى وتحطم معها كل روابط وأواصر العروبة والإسلام والإخاء والإنسانية والقومية والناصرية والوحدة العربية .. وها هو الشعب الأبله ينجر وينساق إلى تفاهات تصرفه عن التوريث والدكتاتورية فى بلده والصهيونية على حدوده و ها هما النظامان الدكتاتوريان المصرى والجزائرى يضحكان ملء أشداقهما من الشعبين فقد استطاعا تأليبهما على بعضهما ونزلا بهما إلى قتال الشوارع .. أهذا واجب الضيافة أيها الشعب المصرى ؟! أهذا ما علمك إياه الله ورسوله ؟! أهذه أصول العروبة والأخوة ؟! أهذه هى الروح الرياضية ؟! حتى بلغ بكم الحد تصوير الجزائر كامرأة حبلى سفاحا !! أهذه أخلاق المسلمين ؟! .. هذا نتاج تصرفات النظام المصرى وإعلامييه .. ولكن الشعب المصرى الذى يستجيب لهم لا نستثنيه من الخطأ والإجرام والملام !


ما رأيكم ! أنا مصرى ولكن بعدما فعلتموه بضيوفنا وخروجكم عن كافة الأعراف الرياضية بل والقيم الدينية بتصرفكم الفج والإجرامى هذا فإننى أتمنى فوز الفريق الجزائرى وسأشجعه نكاية فيكم ورغم عدم حبى لهذه اللعبة ولكن سأشجعهم نكاية فيكم وأدعو الله أن تجازيكم الفيفا بما تستحقون جزاء وفاقا فإما تنقل المباراة إلى دولة محايدة وإما تحتسب نقاطا لصالح فريق الجزائر والسلام على من اتبع الهدى ! ولا نحب المنحطين .

من جريدة القدس العربى


إصابة لاعبين جزائريين في اعتداء على حافلتهم بالقاهرة يزيد من حدة الاحتقان عشية مباراة حاسمة

13/11/2009

لندن ـ 'القدس العربي' من توفيق رباحي:

استقبل مناصرون مصريون الفريق الجزائري لكرة القدم، مساء أمس الخميس، باعتداء على حافلة اللاعبين، أسفر عن إصابة ثلاثة لاعبين أساسيين بجروح استدعت نقلهم للعلاج بالمستشفيات، ما تسبب في مزيد من الاحتقان بين الطرفين.


وقال مصدر امني مصري أن الحافلة التي كانت تقل لاعبي المنتخب الجزائري تعرضت للرشق بالحجارة أثناء توجهها من قاعة الوصول في المطار إلى فندق قريب سيقيم فيه اللاعبون.

وأعلن وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي، الموجود بالقاهرة، أن عدة لاعبين جزائريين تعرضوا إلى الإصابة لدى وصولهم إلى القاهرة. وذكرت وكالة الأنباء الجزائرية أن الوزير أوضح أن الحافلة التي كانت تقل لاعبي المنتخب الجزائري من المطار إلى الفندق الذي سيقيمون فيه، تعرضت إلى 'اعتداء' وان لاعبين عدة تعرضوا إلى الإصابة. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية أن مدلسي 'أدان بشدة' هذا الاعتداء الذي وصفه 'بالخطير'، وطالب نظيره المصري 'أحمد أبو الغيط باتخاذ جميع التدابير الضرورية لضمان إقامة طبيعية لجميع أعضاء الوفد الجزائري'.

وأكد مدلسي أن خبراء عدة تابعين للاتحاد الدولي (فيفا) يوجدون حاليا في الفندق الذي يقيم فيه الوفد الجزائري من أجل الوقوف على الخسائر التي خلفتها هذه الحادثة.

وكان عشرات من المشجعين المصريين تجمعوا قبيل وصول الفريق الجزائري في الطريق المؤدية إلى المطار خلف حواجز أمنية أقامتها الشرطة المصرية، بحسب شهود. واستدعت الخارجية الجزائرية السفير المصري بالجزائر عبد العزيز سيف النصر لإبلاغه استياء السلطات الجزائرية من حادثة الإعتداء.

وزادت هذه الحادثة من احتقان الأجواء قبيل المباراة الأخيرة المؤهلة لمونديال 2010، والتي ستجرى بالقاهرة في سهرة السبت.

وقد انتشرت أخبار الاعتداء الذي تعرض له اللاعبون الجزائريون بسرعة مذهلة على المواقع الالكترونية وبينها فيس بوك. كما تداول جزائريون صور اللاعبين حليش ولموشية وقد غطت الدماء وجهيهما، وفيديو من داخل الحافلة التقطه أحد اللاعبين يظهر بوضوح لحظات الهجوم على الحافلة وفي الخلفية أصوات اللاعبين يستغيثون. وتسبب نشر الصور في موجة عارمة من الغضب أبرزتها ردود الفعل والتعليقات التي قاربت الـ300 بعد دقائق من نشر الصور.

****

العرب وإيران.. صناعة العداوة ؟!


بشـير زعبيـه

16/11/2009

أستغرب إصرار بعض العرب على استعداء إيران وذهابهم إلى حد الجهر بالتصريح أن (الخطر الإيراني) أكثر تهديدا للعرب من الخطر الاسرائيلي، والسبب ـ الظاهر على الأقل- القلق من برنامج إيران النووي - وهو السبب الذي فرخ أسبابا أخرى، أكثرها ضجيجا تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية من خلال دعم حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وأخيرا دعم الحوثيين في اليمن ويتصل بكل ذلك محاولات نشر المذهب الشيعي في البلاد العربية، والحقيقة أن إعلان العداء ضد إيران ما بعد الشاه ظهر واضحا منذ انتصار الثورة الايرانية 1979، وبلغ حد الصدام العسكري الذي تجلى في حرب شرسة بين إيران والعراق دامت ثماني سنوات.


بعد أقل من ثلاثة أعوام من نهايتها بدأ يظهر الجانب العبثي من تلك الحرب التي أودت بحياة قرابة المليون شخص، فاتفاق الجزائر 1975 الذي ألغاه النظام العراقي عام 1980 من طرف واحد ملحقا بمطالب عراقية كاملة في الأهواز وإقليم عربستان وخوزستان وكان أحد مبررات الحرب راجع هذا النظام نفسه واعترف به متخليا عن تلك المطالب، والعرب الذين دعموا العراق تحت مبرر الدفاع عن بوابة العرب الشرقية، هم أنفسهم الذين وقفوا بعد سنتين فقط ضد العراق وساعدوا في دك هذه البوابة وفتحها على مصراعيها أمام الاحتلال الأجنبي! بعد أن رجعت أمريكا التي قادت الجميع في دعم العراق لتقود ذاك الجميع نفسه في حرب مدمرة ضد العراق نفسه ونظامه نفسه ..كانت الحربان من صنع أمريكي، مرة مع العراق وأخرى عليه، ثم تعمل أمريكا على تجييش هؤلاء العرب ضد إيران، وهي إن كانت تفعل ذلك في كل مرة لحساب نفسها، لحساب مصالحها في المنطقة (النفط وإسرائيل)، فما هي المصالح التي تدفع بعض العرب لمعاداة إيران واستعدائها؟! السؤال نفسه الذي طرح إبان حرب الخليج الثانية إذ بُرر في الأولى بغزو العراق لجارته الكويت، سيما وأن هؤلاء العرب رأوا كيف يتقلب سلوك الإدارة الأمريكية في العمل من أجل مصالحها، دعمت العراق وجعلت منه أكبر قوى المنطقة ثم انقلبت عليه ودمرته وجعلته أضعفها حين اقتضت مصالحها ذلك، لكن أية مصالح للعرب في معاداة إيران إلى حد تقاطع موقفهم هذا مع الموقف الاسرائيلي، وكيف يمكن فهم هذه الحالة التي يراد لها أن تكون بما تحمله من متناقضات : إسرائيل عدو العرب وإيران عدو إسرائيل والعرب عدو إيران، وإذا صحّ ما يروج له من مخاوف إسرائيلية من إيران فهل ما يخيف إسرائيل يخيف العرب في الوقت نفسه؟! أولم يسأل العرب المنخرطين بحماس في الحملة على إيران أنفسهم ماذا لو تبدل المسلك الأمريكي في لعبة المصالح؟ جربت أمريكا في حملتها على إيران سياسة الاحتواء ثم العقوبات وحرضت غيرها على الابتعاد من هذه الدولة، فلماذا لا تقترب وتجرب سياسة الحوار؟ قد تفعل ذلك، ولا شك أن تورطها في العراق وأفغانستان سيجعلها بحاجة إلى هذه السياسة بمعنى أنها بحاجة إلى إيران، وقد جربت جدوى ذلك في حربها ودخولها أفغانستان والعراق، وهناك من بين سياسييها من يشجعها في هذا الاتجاه (أنظر تقرير بيكر- هاملتون) والسماح بدور لإيران خاصة فيما يتعلق بالعراق، لكن إيران تريده دورا كاملا على مستوى المنطقة وهي تصعّد المواجهة أحيانا وتضغط من أجل ذلك، وهذه مسألة خاضعة للتفاوض وعن طريقه يمكن تخفيض سقف المطالب، وفي سياق كهذا قد تجد الإدارة الأمريكية مخرجا لتقليل خسائرها دون التنازل عن مصالحها الاستراتيجية: النفط وضمان أمن إسرائيل ..وعلى المائدة يمكن أن يطرح كل شيء، فالنفط لا مشكلة حوله ، الشركات النفطية تعمل في الخليج بمنتهى الحرية وتحت حماية القوات الأمريكية نفسها ، وإيران محتاجة في كل الحالات إلى تسويق نفطها سواء كان الزبون أمريكيا أو غيره، أما ما يتعلق بـ(أمن إسرائيل) فبإمكان المفاوض الإيراني إقناع نظيره الأمريكي بأن بلاده لا تشكل خطرا على إسرائيل كما يروج له الآن، وأن الإيرانيين لن يكونوا أحرص من الفلسطينيين على قضيتهم وهاهم اختاروا طريق التفاوض مع الإسرائيليين وقد سبقهم عرب إلى ذلك وآخرون على الطريق، كل ذلك على أن يسلم الأمريكيون بالدور الإيراني، وسنسمع بعدها ما يؤكد أن لا نية عسكرية وراء برنامج إيران النووي، أما الإرهاب فتدرك أمريكا أنه تهمة رحالة تلاحق بها من تعتقد أنه يعرقل مصالحها، ولم نر مسؤولية إيرانية مثبتة عن عملية إرهابية واحدة استهدفت المصالح الأمريكية، حتى الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر حسب الرواية الأمريكية لم يكن من بينهم إيراني واحد بل كان أكثر من نصفهم ينتمون إلى جنسية بلد عربي واحد، أما ملف حزب الله فسيكون أمره أقرب إلى مائدة التفاوض السوري الاسرائيلي .. هذا سيناريو مفترض وغير مستبعد في التعاطي السياسي ولعبة المصالح، فان حدث، ماذا سيكون الحال بالنسبة للعرب الذين انساقوا وراء نهج العداوة مع الجار الإيراني؟!


إذن لماذا لا يختصرون الطريق ويعيدون النظر في علاقتهم مع إيران على قاعدة البحث عن المشترك بمنطق الإسلام (الدين المشترك) والجيرة والتاريخ والجغرافيا والواقع السياسي، فهم الباقون وغيرهم طاريء، نعم هناك مخاوف عربية وغياب ثقة أمام ما يرونه من طموحات الجار (الفارسي) على حساب أمنهم واستقرارهم ووحــــدة أراضيهم بل ونسيجهم الاجتماعي، وهناك أسئلة مقلقة مشروعة يفترض أن يجيب عنها هذا الجار بما يطمئن جيرانه، وكل ذلك يمــــكن تفهمه، ويمكن طرحه على مائدة الحوار والتفاوض بقليل من الصبر وبما يخدم المصالح الحقيقية للطرفين وفق أجندتهما بعيدا عن أجندة الآخــرين .. لقد تفاوض العرب مع عدوهم الاسرائيلي ومنهم من تصالح معه ومنهم من يسعى وينتظر، وقدم العرب مجتمعين مبادرة للسلام مع إسرائيل، فكيف لا يمكن الجلوس مع جار مسلم والتفاوض معه، لماذا لا تطرح مبادرة علاقات استراتيجية بين العرب وإيران قد تتلوها أخرى بينهم وتركيا؟! أليس من شأن هذا تعزيز الموقف العربي السياسي والاقتصادي؟ أليس اتجاه مثل هذا سيشكل ورقة قوية بيد العرب في تعاملهم مع الآخرين .. وفي غياب هذا وحضور الشك والاحتقان والشحن الخارجي تجذَّر أسباب الخلاف، وثمة من يستدرج الطرفين ومن ثم المنطقة بدفع الخلاف إلى حد الصدام، نأمل ألا تكون الحالة الحوثية شرارته الأولى، ونأمل ألا تكون في ذلك إجابة عن السؤال القلق أيضا لماذا يتكدس السلاح منذ مدة في المنطقة عبر صفقات مليارية قياسية رشحتها لتكون من بين أكثر المناطق تسلحا في العالم.

' كاتب ليبي

****

 

no-obscene.jpg


مباراة مصر والجزائر: المنتصر فيها خاسر!

16/11/2009

جرت الحرب الكروية المشهرة بين مصر والجزائر، والتي سبقتها حرب نفسية شرسة لم نشهد مثلها من قبل، حتى مع إسرائيل في حرب تشرين الثاني (أكتوبر) 1973 حتى كان صوتنا الإعلامي الموجه هادئا ومتزنا وشديد الوقار، وكسبنا من وراء ذلك صوت العالم الحر إلى جانبنا.


أما هذه الحرب فقد سبقتها أيام شديدة المرارة بين قطرين عربيين شقيقين، وكأننا في حرب تحريرية كبرى، وليس كرة قدم الكاسب فيها خاسر، لأنه خسر جانبا مهما من دفء الأخوة العربية التي يسعى المخلصون من القطرين إلى دفعها إلى الأمام.


فالذي يكسب المباراة المنتظرة ليس أمامه سوى ثلاث مباريات في الدور الأول لكأس العالم، ثم يعود أدراجه بعد ذلك خاسرا كل شيء هكذا هي كرة القدم.


فلماذا انزلقنا إلى هذا المنزلق الذي لا هاوية بعده ونسينا تاريخ نضالنا المشترك. العلاقة الحميمة بين مصر والجزائر أكبر من أي علاقة بين قطرين عربيين آخرين، والتاريخ شاهد على ذلك. فالثورة الجزائرية صاحبة المليون والنصف المليون شهيد هي ابنة الثورة المصرية في الخمسينيات والستينيات. والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كان من أهدافه إسقاط النظام الثوري المصري الذي يدعم الثوار الجزائريين ويؤازرهم بالإعلام والسياسة في المحافل العربية والدولية. والرئيس بوتفليقة نفسه كان من الرعيل الثوري الأول من بقي على قيد الحياة قال يوما: أنا ناصري حتى النخاع.


ولعلنا نذكر مبادرة الرئيس الراحل هواري بومدين 'رحمه الله' حين ذهب إلى الاتحاد السوفييتي في زيارة خاطفة في عدوان حزيران/يونيو 1967، وأعطى الروس شيكا على بياض لكي يعوضوا ما فقده الجيش المصري من عتاد وأسلحة في ذلك العدوان الآثم الذي كان يستهدف قلب الأمة العربية الناضج.


والمشهد الذي تناقلته بعض الصحف المصرية في تلك الأيام، أن القوات الجزائرية التي جاءت إلى قناة السويس للوقوف إلى جانب الجيش المصري لم يرق لبعضهم أن بعض الشباب المصري يجلس على المقاهي ويدخن الشيشة ويلعب الورق 'الكوتشينة' بلا مبالاة لم يحدث في الوطن فانهالوا عليهم ضربا. ولو كنت في مكانهم لفعلت أكثر من هذا، فقد كنت في ذلك الوقت ومعي ضباط وجنود في تراجيديا الانسحاب المرير من سيناء نسعى إلى وطن يضمنا تحت جناحه. وستنتهي الحرب .. أقصد المباراة وستترك في الوجدان الشعبي مشاعر مكبوتة من الغضب والغيظ والكراهية قد تدوم طويلا من ذلك الذي حدث، وليته ما حدث.


حسن النجار


b_hotmask007@yahoo.com

****

مصر: احتفالات واسعة بالفوز على المنتخب الجزائري والمعارضة تندد باستخدام المباراة في تلميع جمال مبارك


حسام أبو طالب:

16/11/2009

القاهرة ـ 'القدس العربي' في الوقت الذي عم فيه الفرح سائر بيوت مصر للفوز الذي حققه المنتخب الوطني على فريق الجزائر في التصفيات المؤهلة للوصول لكأس العالم، نددت قوى ورموز في المعارضة المصرية بالحرب الدعائية التي شنتها أجهزة إعلام حكومية على الجزائر وقيام التليفزيون المصري على مدار أيام متتالية ببث الأغاني الوطنية التي تعلي من شأن الجهاد والتي لم تذع غداة الحرب الإسرائيلية على غزة.


كما نندد نشطاء ورموز المعارضة بالدعاية الفجة لجمال مبارك واستغلال ذلك الحدث الرياضي في تلميع نجل الرئيس الذي يتوق لخلافة والده.


وفي تصريحات خاصة لـ'القدس العربي' قال جمال اسعد عبد الملاك أن تلميع جمال مبارك بدأ منذ أعوام وتشارك جهات سيادية من اجل تأليف قلوب المصريين على ابن الرئيس الذي يعاني من عدم ترحيب الجماهير به.


وعبر عبد الملاك عن اعتقاده بأن ما اكتسبه جمال من ترويج إعلامي تبدد بعد لحظات من انتهاء المباراة.


ووصف جمال أسعد ذلك الأسلوب في تلميع نجل الرئيس بعديم الجدوى وأنه لن يسفر بأي حال من الأحوال عن عشق الجماهير للسياسي الشاب.


وندد أسعد بالحرب الدعائية الشرسة التي استخدمتها أجهزة الدولة المختلفة من أجل تجييش المصريين ضد الجزائر. واعتبر ما حدث فضيحة كبرى.


وفي ذات السياق عبر منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية عن صدمته بسبب التيار المتنامي داخل النظام المصري لجناح يريد تغريب مصر عن هويتها العربية وميولها القومية وهو الذي يكرس لخدمة المصالح الإسرائيلية.


ووصف الزيات ما قام به ذلك التيار من تصوير الجزائر كبلد عدو كرس لمزيد من التقزيم للدور المصري في أنظار العالم العربي والإسلامي.


واعتبر محامي الجماعات الإسلامية استخدام المباراة في تلميع جمال مبارك بأنه يهدف لتعضيد نفوذه وترميم حلمه المتداعي. واعتبر ما جرى أثناء وبعد المباراة وقبلها امتدادا لمؤتمر الحزب الحاكم الأخير والذي كرس أنصاره لهدف شبه وحيد يتمثل في تلميع جمال مبارك.


واعتبر الدكتور عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة 'كفاية' عملية الشحن قبل مباراة مصر والجزائر أنها نوع من الدعاية الانتخابية المبكرة للرئاسة التي يخلط فيها اسم مصر باسم العائلة؛ فنجد أن مبارك الأب حضر تدريب المنتخب، وذلك بعد أن قام جمال مبارك بخطوة مماثلة، كما أجرى علاء مبارك اتصالا تليفونيا بالجهاز الفني للمنتخب.


ووصف هذا الأمر بأنه 'ضرب من الجنون لم يحدث في أي بلد آخر في العالم، ويدل على تردي هذا النظام، وأنه لا يجد من وسيلة للتسول في تأييد شعبي إلا عبر أقدام لاعبي الكرة، وأن ما أقدم عليه هو شيء مشين تسبب في حالة نفسية وعصبية لدى الناس وحالة جنونية وحالة من الهوس البعيد عن أي اعتبار'.


وقال إن ما حدث قبل المباراة من قبل وسائل الإعلام كان عبارة عن عملية شحن رسمي مقصودة على مدى شهرين تقريبا استخدمت فيها كافة وسائل الأعلام الرسمية خاصة قنوات التليفزيون العامة والإعلام الخاص الداخل في شراكة مع مصالح العائلة الحاكمة، ورأى أن الغرض من هذا الشحن هو الإلهاء ولفت النظر.


وأضاف أن التعامل مع مباراة الكرة وكأنها 'حرب عالمية ثالثة' هو واحدة من جرائم هذا النظام لسبب بسيط أن مباراة كرة قدم تسبب نسف تاريخ من العلاقات التاريخية وتاريخ من الدماء بين الشعبين المصري والجزائري وتاريخ يتضمن آلاف التضحيات والإنجازات والمعارك المشتركة والتي تمثلت في مساندة مصر للجزائر في حرب تحرير الجزائر ومساندة الجزائر لمصر وسورية أثناء حرب أكتوبر ماليا وتسليحيا.


بينما رأى الدكتور حمدي حسن المتحدث باسم الكتلة البرلمانية لـ 'الإخوان المسلمين' أن النظام المصري بما أقدم عليه من سلوك قبل المباراة يكشف النقاب عن انه فقد ما تبقى له من رشد.


قال حسن إن التعامل مع المباراة يعكس مدى السطحية والابتذال في تفكير المسؤولين، فقد تعامل الكثيرون مع الأمر باعتبار أن ذلك البلد الشقيق عدو، لقد بدا أن الهدف الوحيد هو شحن الجماهير في ناحية الفوز، وكأن الجزائر لقمة سائغة وتم الإهمال التام لفكرة الهزيمة، وهذا وارد وان ما حدث في ظل هذا الشحن سيؤدي إلى حالة من الانفجار الشعبي، وهذا مؤشر خطير فبلدنا تسير دون وعي ودون أدنى فكر كعربة طائشة دون سائق. وأضاف أن الحديث على أنه إذا حدث الفوز سيهدى إلى جمال مبارك أمر غير مقبول، وتساءل: من هو جمال مبارك حتى يهدى له الفوز، وإذا حدثت الهزيمة فمن سيكون المسؤول؟ فالذي يهدى له النصر يتحمل الهزيمة. وأشار إلى أن نواب الإخوان عبروا عن القلق البالغ من حالة العداء التاريخي التي تم تصديرها ضد الجزائر الشقيق والشحن الإعلامي المتزايد قبل المباراة والذي يكاد يصل إلى درجة الإنفجار والتداعيات الخطيرة لذلك بما يؤثر على العلاقات بين البلدين الشقيقين.


وقال حسن 'في الوقت الذي من المفترض أن تقوي اللقاءات الرياضية العلاقات بين البلاد المختلفة، حتى أن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق استخدمها بنجاح في إنشاء علاقات دبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين 'دبلوماسية البنغ بنغ' امتدت إلى أن تكون علاقات متبادلة في جميع المجالات'.


وندد بعملية دق طبول الحرب بين مصر والجزائر قبل المباراة، مبديا أسفه لكل سلوك - من أي طرف - يؤدي إلى خروج المباراة عن كونها مباراة رياضية تدعو الجميع إلى عدم الخروج عن الروح الرياضية المتعارف عليها بضرورة اللعب النظيف برجولة وبجدية وندية وقبول نتيجة المباراة أيا كانت وبتهنئة الفائز بفوزه والمهزوم بأدائه ومحاولته.


وأشار إلى أن 'الإخوان' ناشدوا وسائل الإعلام المختلفة التعامل بحذر شديد وحكمة مضاعفة في هذا الموضوع وألا تنساق وراء من يريد أن يشعل النيران بين البلدين الشقيقين لمصالح وأهداف لا تصب في صالح الشعبين. وفي ذات السياق هاجم الفنان محمد صبحي السياسة الإعلامية التي يتبعها النظام، مشدداً على أنه لم يعد يهتم بالمصالح والعلاقات العربية وأن أهم أهداف النظام تتمثل في تخدير الجماهير والدفع بها نحو أن تغرق في القضايا الفرعية بينما العدو الإسرائيلي يعمل في العلن من اجل هدم المسجد الأقصى وتهويد القدس. وانتقد الدكتور رفعت سيد احمد مدير مركز يافا للدراسات ما جرى وقال أن ما يحدث هو شكل من أشكال العبث والرغبة في تغييب الشعب عن القضايا السياسية والاجتماعية في مصر وفي مقدمتها إخفاق مؤتمر الحزب الوطني في تحقيق أي إنجاز والنتائج الهزيلة له، فتم خداع المواطنين بمحاولة ابتزاز مشاعرهم وتوجيهها حيث المكان والموقع الخطأ، فبدلاً من أن يتم تجييش المشاعر تجاه العدو الإسرائيلي إذا بالمسؤولين يسفهون الأمر للحد الذي يتعاملون مع مباراة كرة قدم باعتبارها حربا تهدد سلامة الوطن والمواطنين. وقد تم التركيز على ابني مبارك علاء وجمال اللذين حضرا المباراة - مع زكريا عزمى وحاتم الجبلى - وأديا دور القلقين والمترقبين والفرحين بعناية كى يقول الشعب الأهطل " هذان وشهما حلو علينا".


ووصف رفعت ما حدث بأنه بالون اختبار لتجريب سياسات قادمة سيكون عمودها الفقري مثل هذه المباريات ومثل هذه الإجراءات في أيام الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستشهد عملية التوريث.


جدير بالذكر أن جماهير مصر استردت عافيتها بعد الفوز الصعب على منتخب الجزائر بهدفين مقابل لا شيء،ورفع معنويات الجماهير في مختلف شوارع وميادين القاهرة، التي كانت خالية تمامًا أثناء المباراة؛ حيث ارتدوا أعلام مصر ورفعوها على السيارات والأشجار، فضلاً عن الاحتفالات الكرنفالية التي ملأت ميادين مصر كلها.


وتحوَّلت المقاهي إلى صالات حفلات، وتدفَّقت الدموع من عيون الجماهير الغفيرة، بينما زاد الإقبال على شراء الأعلام حتى بعد انتهاء المباراة، ولوَّنت بعض الأسر المصرية وجوه أطفالها بعلم مصر.


كما انهالت التهاني على المنتخب المصري وجهازه الفني بمناسبة الفوز الصعب على المنتخب الجزائري العنيد، وعلت الأغاني الوطنية في مختلف ميادين القاهرة، في الوقت الذي هتف فيه الجميع: 'مصر مصر مصر'، وتبادلت الجماهير التهاني بالأحضان والدموع ورددوا 'الحمد لله.. تعبنا مرحش هدر'.


وتحوَّلت الشوارع الرئيسية التي كانت خالية تماما وقت المباراة إلى 'كرنفال' احتفالي بفوز مصر، واكتست سيارات الأجرة وبعض أتوبيسات النقل العام بعلَم مصر، بالإضافة إلى تغطية بعض العمارات بالكامل بعلم مصر، وأكد العديد من المشجعين أنهم سيعيشون في حالة استنفار واحتفال وتشجيع حتى موعد المباراة المصيرية في السودان الأربعاء القادم.

80 مليون قرد لا يفقه شيئا ولا يعقل ، وقرداتى واحد هو النظام يحركهم ويبرمجهم كيف يشاء.


هكذا بلغت هشاشة العلاقة الزوجية لدى المصريات ! وهكذا بلغت أهمية لعبة تافهة حتى بإمكانها تدمير أسرة .. إن هذه بعض من نتائج التعصب

هذا ما وصلت إليه عقول الشعب المصرى من انحطاط ! أهؤلاء مسلمون ؟! أنا راضى ذمتكم

بدلا من استخدام الفوتوشوب لمهاجمة الصهيونية والإمبريالية والتوريث والفساد نستعمله لمهاجمة أشقائنا .. أقول لكم : هل من الصعب على الجزائريين أن يردوا ويهينوا مصرنا كما أهنا الجزائر .. لا ليس صعبا.

إذا كان هذا الفحش فى القول وتشبيه بلد عربى شقيق بأنه امرأة سيئة السمعة .. إذا كان ذلك هو واجب المصريين تجاه فريقهم فإننى أتبرأ من المصريين ومن فريقهم.


إن القصد الحكومى المصرى من استعداء الشعب المصرى وشحنه ضد الجزائر والذى أتى ثماره ونجح للغاية .. القصد الخبيث من وراء ذلك كله هو عزل مصر عن محيطها العربى وتوجيهها لإسرائيل وأمريكا .. والغريب أن ينساق الشعب المصرى وراء هذه الحكومة المغرضة ويستجيب لوسوستها الشيطانية وكان الأولى به صم أذنيه عن هؤلاء الشياطين.


كاذب من يزعم أن الشعب المصرى لا يحب النظام .. فمن يحب شخصا يطيعه ومن لا يحب شخصا لا يطيعه وهؤلاء أطاعوا إعلام النظام والنظام فى استعدائهم ضد الجزائر.


ستثبت الأيام أن النظام المصرى ينفذ خطة موضوعة ومملاة عليه من قبل إسرائيل من أجل بذر بذور الفتنة والعداوة والبغضاء والشقاق بين مصر والجزائر لعزل مصر و ملأها بجنون الاضطهاد والعظمة (البارانويا) وتصويرها كشعب الله المختار الذى لم يُخلق مثله فى البلاد ، والعنجهية ، حتى يتوهم الشعب الأبله أن كل الشعوب العربية تكرهه وتحقد عليه فلا يأخذ منها ما ينفعه ولا يقتدى بها فهى تلميذته بزعمه وهو أستاذها .. فهو يتكبر ويترفع وينظر بدونية للشعوب العربية الأخرى .. لذلك يزداد تخلفا على تخلفه ولا يتعلم شيئا لأن من يريد أن يتعلم لابد أن يكون متواضعا وألا يرى نفسه سيدا لأحد أو أستاذا على أحد .

 

****

 

يا لها من امرأة تافهة متسلطة !

مصرية تهجر زوجها الجزائري بسبب مباراة 14 نوفمبر

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

التعصب يهدد بخراب البيوت فى مصر والجزائر

الجزائر (أ.ش.أ)

تقدم مواطن جزائري للسفير عبد العزيز سيف النصر، سفير مصر فى الجزائر، بشكوى صباح اليوم، الاثنين، يتضرر فيها من قيام زوجته المصرية بترك منزل الزوجية الكائن بالعاصمة الجزائر عقب وقوع مشاجرة بينهما، حول من سيفوز فى المباراة القادمة بين المنتحب الجزائري لكرة القدم ونظيره المصرى يوم 14 نوفمبر الحالي بالقاهرة، فى إطار التصفيات النهائية لكأس العالم 2010.

وأوضح الزوج الذى يدعى "ع .أ" أنه تزوج من المواطنة المصرية "م .ر" منذ ثلاث سنوات، وأنجبت خلالها طفلا عمره سنتان.. وأول أمس، السبت، احتدم بينهما النقاش حول من سيكون الفائز فى هذه المباراة، وقد تعصب كل طرف لمنتخب بلده، إلا أن الزوج فوجئ فى صباح اليوم التالي بأن زوجته تركت له منزل الزوجية بعد أن أخذت أغراضها والطفل معها.

وتقدم الزوج ببلاغ إلى الشرطة الجزائرية للبحث عنها بعد أن فشل فى العثور عليها لدى أقاربه، فى الوقت الذى أوضحت فيه السفارة المصرية للزوج الجزائري أن زوجته لا تستطيع أن تغادر الجزائر إلى مصر ومعها طفلها، نظرا لعدم إمكانية إضافة الطفل الجزائري على جواز سفرها المصرى... كما وعدته بمتابعة الموضوع مع السلطات الجزائرية، وبذل كل جهد ممكن حتى يتم لم شمل الأسرة فى أسرع وقت.

 

ومن التعليقات :

أطلب من الفيفا إلغاء المباراة والبحث عن فريق آخر مثلا زامبيا للتأهل إلى المونديال لم تصبح مباراة بل جنون حقيقي و أتمنى أن ينصب هذا الجنون في مثلا تحرير القدس شكرا

للدرجة دي أصبحت مباراة كره قدم استحوذت علي حياة الناس وفرقت الأزواج والأسر لمجرد من سيفوز ألهذا الحد وصل التعصب والأنانية بين بلدين وشعبين مسلمين يا سادة هذا عار علي العرب وعلينا نحن المصريين أن تصبح مباراة كرة حربا شعواء بين من هم من المفترض أنهم إخوة دين ولغة وثقافة وعندما اطلعت علي أخبار اليوم السابع وقرأت خبرا كالذي هدم مسجدا علي مصاحفه دون خوفا من الله عز وجل وفي دولة كان فيها الاسلام أعز ما يعز الناس علمت بعد هذا الخبر كم أصبح الناس في غيبوبة ونوم بل وإنهم سكرانين بمباراة كرة قدم ليست سوي 90 دقيقة ولكن أقول للناس فستعلمون كيف نذير وسوف يحدث في مصر حدثا يتحدث عنه العالم كله إما كارثة وإما عودة للعقل يا مسلمين

يا أيها المسلمون يا خير أمة أخرجت للناس.إن غاب الدين فأين العقل و أين القومية و الانتماء للغة و العرق. أليس منكم رجل رشيد ؟!


و لكن أقول إن غاب الدين فلا ننتظر إلا الخراب و الاحتلال الكروى لعقول الناس و قد صار الأقصى الأسير مجهولا عند كثير منا إلا من رحم ربنا.


أفيقوا أيها الناس و انظروا إلى إخواننا الذين يقتلون و لا يجدون من يقف معهم انظروا ولو قليلا إلى المسجد الأقصى الذى يستغيث و لا يجد من يجيب وإلى اليمنيين المسلمين الذين يقتلهم النظام اليمنى الدكتاتور والنظام السعودى الكافر الظلوم الغشوم اليهودى لأننا عندنا ما هو أهم و هو اللعب عندنا المشجعون الأشاوس و أصبح غاية المراد ليس الوصول إلى المسجد الأقصى و لكن كيف الوصول إلى كاس العالم المقدس .يا حسرتا على العباد -اللهم اهد شباب و رجال و نساء المسلمين و ردنا إلى دينك ردا جميلا يا ذا الجلال و الإكرام.

ده بدل ما تتعصب لشئ مهم يفيد بيتها ويفيد أولادها تقوم تتعصب لشئ يخرب بيتها جاتها خيبة على خيبتها

هو ده بيت الزوجية المعاصر دى الموضة الجديدة يعنى تخرب بيتها علشان الكورة حرام عليها

يا ست الستات يا طيبة ارجعي بيت جوزك وعيب كده انك تخربي بيتك علشان ماتش . مالكيش غير بيتك وجوزك وابنك
وانا مع التعليق رقم 1 إذا كان الشعبين العربيين المسلمين بيتعاملوا بالطريقة دي .يبقي طز في الماتش وفي كاس العالم

أنا مصرية بس والله أنا نفسي الجزائر تكسب عِند معاها وترجع راسها في الأرض معملتهاش عشان أطفال غزة.


أسماء الله الحسنى

13
نوفمبر
2009
nermeen — @ 17:10

بعدما قرأته وتفاجأت به من تلبيخ ابن العثيمين الوهابى فى أسماء الله الحسنى وتشكيكه فيها وتغييرها وتبديلها .. آثرت أن أعرض عليكم صورة تشمل أسماء الله الحسنى الصحيحة والتى يشكك فيها ابن العثيمين لعنه الله :

gods-most-beautiful-names.jpg

فيلم البداية

12
نوفمبر
2009
nermeen — @ 20:48

لا شك أن هذا الفيلم من الجواهر النادرة واللآلئ النفيسة القليلة فى السينما المصرية مثله فى ذلك مثل فيلم البرئ وفيلم الدخيل وفيلم ثمن الحرية . وهو أيضا استثناء للمخرج صلاح أبو سيف حيث لم يكن متوقعا منه إنتاج عمل بهذه الروعة .. هو عمل سياسى من الطراز الأول مستوحى من مسرحية كريتون العجيب The Admirable Crichton ، للكاتب الإسكتلندى العظيم جيمس ماثيو بارى Sir James Matthew Barrie و ترجمة عبد الحميد جودة السحار ونشر مكتبة مصر .. والفيلم محمل بالرموز .. فالبلح بمثابة القمح .. محصول أساسى ونادر .. بل البلح والصحراء رمز ليس لمصر وحدها بل للعالم العربى أجمع .. ونبيه هو الحاكم المستبد الدكتاتور .. وعادل ومن معه الشعب والمصلحون والثائرون .. وصالح هو الشرطة والداخلية .. وكل منهم رمز لفئة من الشعب ... راقصة وأستاذة جامعية .. وصحفية .. ورسام .. ومضيفة طيران .. وفلاح أو صعيدى . ونبيه رمز الرأسمالية المستغلة ورجال الأعمال والقاضى الظالم ..  حتى كلمة البداية غامضة ومحملة بالرموز فلعله قصد بداية الاستبداد كانت هكذا أو لعله يقصد بداية الثورة على الاستبداد كانت هكذا .. واسم الفيلم بالفرنسية معناه إمبراطورية الشيطان ..كما كان دور الفنان العالمى جميل راتب فريدا ورائعا .. وكذلك كان تمثال البلح متقنا .. وكانت موسيقى عمار الشريعى مؤثرة كعادته وعبقرية وملآى بالمعانى.

albedaya.JPG

التحميل من هنا

http://www.amman-dj.com/vb/a-t29082/

ومعلومات عن الفيلم من قاعدة بيانات الأفلام العربية من هنا

http://www.elcinema.com/work/wk1010740/

مشاهدة الفيلم كاملا من 14 جزء على اليوتيوب من هنا

http://www.youtube.com/view_play_list?p=B546CE3689570306

 

خريطة أقضية فلسطين بالعربية

12
نوفمبر
2009
nermeen — @ 20:47

palestine_map.jpg

نداء إلى شباب مصر بشأن مباراة مصر والجزائر

08
نوفمبر
2009
nermeen — @ 19:01

يا شباب مصر لا تستمع إلى الأفعى الصلعاء المباركية الشيطانية التى يسمونها عمرو صليب ، عيب عليكم وعار عليكم أن تشبهوا هذه اللعبة التافهة التى لا تفيد شعبنا اقتصاديا ولا علميا ولا فكريا ولا سياسيا ولا عسكريا ، أن تشبهوها بالحروب العظيمة والأحداث الجسام والأمجاد الكبيرة .. هذه مجرد لعبة تافهة يستعملها النظام وأزلامه لتخديركم وإلهائكم وسوقكم حسب أغراضه واتجاهاته كالأنعام .. ولا تأخذنكم حمية الجاهلية الكروية العصبية المنافية للإسلام .. فتسيئوا للعلاقات الوثيقة علاقات الأخوة والعروبة والإسلام والجوار والمحبة والمودة الوثيقة بيننا كمصريين وبين أشقائنا وإخوتنا الجزائريين ولا تنصتوا لمشعلى الحرائق ومفرقى الشعوب العربية وتجار الوقيعة والشحناء وغارسى الضعينة والبغضاء بين الشعبين الكريمين .. عيب عليكم أن يصل بكم الأمر إلى سب الجزائر بالسباب المقذع .. لا تستمعوا إلى عمرو صليب ومن وراءه فهم قوم بور وقوم سوء .. يريدون صرفكم عن إسرائيل وأمريكا .. تارة بإشغالكم بما لفقوه لحزب الله الباسل المقاوم العربى الوطنى وأخرى باستعدائكم على إيران الشقيقة المسلمة وثالثة بدفاعهم عن المذنب قتال القتلة هشام طلعت مصطفى يريدون إطفاء نور الله والله متم نوره ويريدون دحض الحق بالباطل ألا ساء ما يحكمون .. ورابعة باستعدائكم على شقيقتكم العربية الكبرى والعظيمة الجزائر. علما بأن مشعل الفتنة وبادئ الشحناء كان الأفعى الصلعاء أى أن الخطأ والإساءة بدأت من عندنا والبادئ أظلم .. فلا لوم حينئذ على الجزائريين فهم يردون على ما بدأناه نحن .. والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ..

وإننى أدعو الاتحاد الأفريقى إلى نقل هذه المباراة إلى أرض محايدة لا مصر ولا الجزائر ، كى يقوم الفريقان باللعب بحرية وراحة وأمان بعيدا عن التحرشات والتهديدات الخطيرة والحمقاء والسوقية والمتعصبة التى يطلقها الجمهور المصرى الذى بلغ به الانحطاط - وأنا فى شديد الأسى والأسف لقول ذلك - حدا خطيرا يجعله يهدد حياة لاعبى الفريق الجزائرى إن هم انتصروا على الفريق المصرى. يا لضيعة العقول وسفاهة الأحلام . أهكذا يكون الشعب المصرى صاحب الحضارة العريقة والتاريخ المجيد ؟! أهكذا يؤول حاله ؟! الجزائر ليست عدوتكم بل هى شقيقتكم وأختكم .. لا تقولون أنكم الشقيقة الكبرى .. بل تواضعوا لله فمن تواضع لله رفعه .. والمسلمون سواسية كأسنان المشط .. وليس من شيم المسلمين إبطال مساعداتهم لأشقائهم بالمن والأذى .. اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

يا شباب مصر لا تعطوا كل هذه الأهمية لهذه اللعبة حتى طغت على حياتكم وما هو مهم من حياتكم وشئون شعبكم العامة والخاصة الاقتصادية والسياسية والعلمية والفكرية والثقافية وباتت مخدرا وملهاة وجزرة يستعملها النظام معكم لتخديركم وصرفكم عما يحيك لكم وللمقاومين ...

أتكرهون عمرو صليب وتقيمون المجموعات الخاصة لمقاطعته فقط من أجل نقله عن جريدة خبر عن منتخبكم كأنه منتخب من الأنبياء والأولياء والمعصومين والصحابة !! فهو ناقل الخبر .. وما بالكم إن صح الخبر أم أكثركم للحق كارهون ؟!! وتتجاهلون سفالاته ضد حزب الله والسيد حسن نصر الله وناصر وهيكل وحماس وإيران والجزائر ودفاعه عن القتلة والمحرضين رجال الأعمال وأعضاء لجنة التعاسات .

ما استثير القوم منكم ومن الجزائر إلا نتيجة لسان هذه الأفعى الصلعاء وأنصارها ومن وراءها .. وأين إذن يا شباب مصر الدعوات إلى الوحدة العربية وأنتم تحتقرون ما عداكم من الدول العربية والإسلامية والأفريقية وترون أنه لم يُخلق مثلكم فى البلاد ؟! وأنتم تنظرون بدونية لما عداكم من الدول العربية والإسلامية والأفريقية ؟ يا شباب مصر ليس من شعب يستحق أن يلقب بشعب الله المختار لا أنتم ولا غيركم من شعوب العالم بل الشعوب مكملة لبعضها البعض ولكل منها مزاياه وعيوبه ومحاسنه ومساوئه .. أفلا تعقلون ؟! ومن يزعم غير ذلك فهو كذاب مغرور متكبر . وأين الأخوة ؟ وكيف تكون أخا لامرئ ولا تتمنى له أن يفوز عليك ولا تتمنى أن تضحى من أجله وأن تضع اللقمة فى فيه وأنت جائع وتؤثر على نفسك وتفرح لفوزه إن فاز عليك ؟! ثم تكون أخا لامرئ ثم تسبه ثم تتعالى عليه وتترفع عنه وترى أنك أعظم منه شأنا وأعلى منه قدرا ومقاما .. بل أنتم سواسية .. لا يعلو أحدكم على الآخر لأنكم أشقاء فى العروبة والإسلام والإنسانية وديننا يعلمنا أن لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أم أنكم جنس آرى صاحب دماء زرقاء !

كفاكم تفاهة وسفاهة وفوتوا الفرصة على مختلقى الفتن وداقى الأسافين وعودوا إلى العروبة والقومية والجوار والإسلام والجدية وانبذوا الأنانية والقطرية والشوفينية المتعصبة الضيقة . أقول لكم هذا بدافع الحرص عليكم . والله الموفق إلى سواء السبيل.    

إيقاف بث قناة "العالم" ... حجب حقيقة و ابتزاز سياسي

07
نوفمبر
2009
nermeen — @ 20:47

إيقاف بث قناة "العالم" ... حجب حقيقة و ابتزاز سياسي 05/11/2009

مقدم البرنامج: حسين مرتضى

الضيوف:

عبد الهادي محفوظ : رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان - بيروت


أحمد الحاج علي: كاتب و محلل سياسي - دمشق


جمال فهمي: عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين - القاهرة


د.حسن سلمان: رئيس هيئة أمناء شبكة الإعلام العراقي - عبر الهاتف


عبد الله السناوي: رئيس تحرير صحيفة العربي - عبر الهاتف

حسين مرتضى: السلام عليكم ... إلى أي حد أصبحت الكلمة و الحقيقة موجعة و يجب طمسها؟ هل دعم المقاومة و نصرة الشعب الفلسطيني و الدفاع عن الأقصى جريمة تجب المعاقبة عليها؟ و هل ممنوع في عالمنا كشف الحقيقة و إسماع صوت المضطهدين و هل الحاكم و الملك و المسؤول منزه يحرم انتقاده؟ ثم عن أي أخلاق يتحدثون ؟ هل القنوات الماجنة و الإباحية و الفاسدة تخدم المصالح العربية و الوحدة الإسلامية و تنمي المجتمع و تثقفه أم أنه لا ضير في ذلك لكون الحاكم بعيداً و المحكوم مشغولاً ؟ أين واقع الحرية و التعبير في العالم العربي و كيف تجب مواجهة القرصنة الفضائية ؟ هل ضاقت الأرض لبعض الأنظمة لينتقل القمع إلى الفضاء ؟


حسين مرتضى: سيد محفوظ، أبدأ من البيان الذي صدر قبل قليل من رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين يعتبر وقف بث قناة مستندة إلى قرارات سياسية. أريد أن أتحدث بداية عن هذه الخطوة ، ماذا تعني من وجهة نظرك و ما الهدف منها؟


عبد الهادي محفوظ: أعتقد أنه أمام تهيئة الأجواء على صعيد الإعلام الرسمي العربي و تحديداً من جانب جامعة الدول العربية عندما حصل قبل ما يزيد عن سنة و نصف مؤتمر لوزراء الإعلام العرب و خرج بشيء اسمه الوثيقة الإعلامية العربية التي حاولت أن تجعل المصادر الإعلامية المرئية و المسموعة حكراً على المصادر الرسمية و التي كرست منع انتقاد الحاكم و التي اعتبرت أن الإعلام ينبغي أن يكون تحت عباءة الأنظمة . في كل الأحوال، القوانين في العالم و الدساتير كلها تشدد على حرية الإعلام. كان هناك محاولة لمصادرة الحريات الإعلامية و للأسف أن هذه الوثيقة خرجت بإجماع الأنظمة على اختلافها رغم انه في تلك الفترة كانت السمة الغالبة على العلاقات العربية - العربية هي الخلافات و كان السؤال، لماذا حصل الإجماع حول هذه النقطة بالذات؟ و تبين أن الطرفين الأساسيين اللذين كانا وراء هذه الخطوة في الوثيقة الإعلامية العربية كانت مصر و السعودية. و الملفت للنظر أن البلدين واحد منهما يملك عرب سات و الآخر يملك نايل سات. المسألة المخالفة للقوانين التي وردت في الوثيقة الإعلامية العربية إضافة إلى تقييم مسألة الحريات الإعلامية العربية هي الخلط بين مؤسسات الخدمة الإعلامية و بين مؤسسات البث. المقصود بمؤسسات الخدمة الإعلامية عرب سات و نايل سات. و وسائل البث هي الفضائيات. في كل القوانين ليس هناك من خلط بين المؤسستين باعتبار أن لكل طرف مرجعية معينة. المؤسسات المرئية و المسموعة مرجعياتها القوانين المرئية و المسموعة و هي التي تحدد الإطار القانوني لسلوك هذه المؤسسات و لتحديد أين يمكن أن تقع هذه المؤسسة أو تلك في خطأ ما و تضع المعايير القانونية لمعالجة ذلك. أما مؤسسات خدمات البث فعملها في كل دول العالم تجاري . أي أنها تمضي عقداً مع مؤسسة معينة لتوفر لها مسألة البث الفضائي. إذاً، ليست هي في حد ذاتها محكمة أو تستطيع أن تتحكم في أي عمل تخضع لمسألة القوانين التجارية. الخطورة في الأمر أنه في الوثيقة الإعلامية العربية التي خرجت وقت ذاك أعطيت مؤسسات خدمة البث الحق في وقف البث. بالتالي، هذا القرار الذي صدر بوقف مؤسسة العالم هو قرار غير قانوني لأنه لم يخرج عن محكمة معينة . المسألة الثانية أنه في الوثيقة الإعلامية العربية اعتبر المرجع مبدئياً دولة البث.


حسين مرتضى: سيد أحمد، القرار غير قانوني، لم يخرج عن أي محكمة و عندما اتصلت قناة العالم مع إدارة القمر الاصطناعي عرب سات ، تحدث مدير القمر السيد نبيل و قال أن القناة ربما قامت بأشياء تسيء إلى بعض التقاليد و تنتقد بعض المسؤولين العرب و تتعارض و الأخلاقيات الدينية و السياسية. كيف تنظر إلى ذلك؟ بالمقابل، هناك حتى في إدارة عرب سات هناك تناقض. بعد هذا الكلام يتحدث الرئيس التنفيذي للمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية عرب سات في اتصال هاتفي مع إحدى الصحف العربية يقول أن المسألة مسألة لها علاقة بالعقد و ما شابه ذلك. المسألة هي أن قناة العالم عملياً هي لا تبرم العقد مع عرب سات و نايل سات . هناك إدارة الإذاعة و التلفزيون في الجمهورية الإسلامية. و إذا لاحظنا باقة القنوات الايرانية مازالت موجودة على عرب سات و نايل سات و فقط استثنيت قناة العالم . إذا كان هناك مشكلة تعاقدية فكيف بقيت القنوات الأخرى و تم حظر قناة العالم؟


أحمد الحاج علي: نحن الآن أمام حدث مهم له مدلولاته و معالمه و مقوماته الأساسية. أعتقد أن حدثاً من هذا المستوى يفوق حتى مسألة القرصنة التي تحدث الآن كما مارستها إسرائيل. لذلك، يجب أن لا نعطي أهمية للمسائل القانونية و الشكلانية و الحقوقية. فهذا تحجيم و تبريد للموضوع. القصة في أساسها تتصل في خطين كبيرين . الخط الأول أن الإعلام و الموقف السياسي الذي يحتضنه هذا الإعلام لا يمكن أن يخنق. في عالم اليوم و في عالم الأمس و في عالم الغد من يحاول أن يلقي القبض على العصافير و على الزهور و على الخير و على الجمال و على الحق، عليه أن يدرك بأنه يمارس بذلك لعبة نشر من حيث لا يدري و هو بذلك يساعد على أن يتم لفت الأنظار إلى هذا الحدث. كل العالم سوف تتساءل ، لماذا يحدث ذلك. هذا السؤال أكثر بكثير من أن يقال هناك خلل بالعقد أو أن هناك شيء ما قادم من الجهات العليا أو سوى ذلك. المحور الثاني هو أن المسائل السياسية حينما تتطابق مع المسائل الإعلامية في التعبير عنها تحدث حالة الانسجام أو التنافر. هل هناك مقومات مشتركة ؟ بقيت الحالات الفنية، بقيت القيم و التقاليد و الحالات البروتوكولية بأن هناك عرفاً و تقليداً في الإعلام العالمي بأنه لا يجوز أن يحدث كذا و كذا و لكن الجوهر السياسي و الفكري و الجوهر الموقفي مختلف تماماً. انت لك هوية و لهذه الأقمار و القنوات هوية أخرى.


حسين مرتضى: دكتور حسن، ما الذي تقوله من خلال إيقاف بث قناة العالم عبر القمرين عرب سات و نايل سات ؟ وصفت هذه العملية بعملية القرصنة الفضائية، ما الذي تقوله؟


د.حسن سلمان: نحن في العراق نعلن شجبنا و استنكارنا لكل مضايقة لأي وسيلة من وسائل الإعلام. أما بالنسبة لقناة العالم و هي قناة ينسبونها إلى إيران لكن هذه القناة تتكلم بالعربية و تلتزم قضايا الأمة العربية أكثر من القنوات العربية التي تلتزم القضايا العبرية و القضايا التي لا تخص الأمة العربية. أنا أعتقد أن هنالك قرار سياسي متخذ من دول إقليمية و خاصة من مصر و السعودية و تضع قناة العالم باعتبارها تمثل سياسة من السياسات التي تواجهها في مشاريعها السياسية التي تلتزمها إيران أو سوريا أو المقاومة بشكل عام. نحن نعتقد أن نايل سات و عرب سات يجب أن تقف على الحياد في مسألة الإعلام و إلا إذا كانت أرادت أن تحاسب العالم على مواقفها الدينية أو السياسية فيجب أن تحاسب أيضاً القنوات الأخرى التي تشجع على الإرهاب و تشجع على الدعارة أو تصنيع المتفجرات أو القنوات التي تشجع على نشر فتاوى الكفر و التكفير و دعم الإرهاب سواء في العراق أو باقي البلدان العربية. أنا أعتقد ، هذا القرار قرار سياسي ، قرار اتخذته جهات و أوعزت إلى ما يسمى بالهيئات التي يمكن أن تسيطر على ...


حسين مرتضى: سيد محفوظ، هناك قرار سياسي و المسألة ربما تكون ابعد من قناة العالم. هي موجهة ضد خط المقاومة ، دول الممانعة.


عبد الهادي محفوظ: على ما اعتقد ، هذا القرار الذي صدر في حق العالم هو جزء من سياسة رسمية. و قد يكون هنا من المهم رد هذه المسألة إلى الوثيقة العربية لأن هذه الوثيقة الإعلامية العربية التي خرجت عن الجامعة العربية عبر مؤتمر وزراء الإعلام العرب أسست قانونياً للجوء لمثل هذه الخطوة. و على ما أعتقد أن ما أصاب قناة العالم هو جزء من كرة ثلج سوف تكبر باتجاه محطات أخرى . قد تكون الآن عرب سات و نايل سات وراء هذا القرار عربياً . إنما غربياً أيضاً هناك محطتان مهددتان. واحدة منهما هي الأقصى و الثانية هي الرحمان. و قد يكون هناك نوع من تبادل في المصالح إذا صح التعبير على هذا الصعيد بين بعض الجهات الرسمية العربية أو بعض الجهات الغربية. لذلك، أعتقد أنه طالما الأرضية الشرعية كانت لصدور مثل هذا القرار عرب سات و نايل سات و لا يحق لهما اتخاذ مثل هذا القرار كان الوثيقة الإعلامية التي راعت مصلحة النظام العربي لابد من الأنظمة التي تعتبر نفسها أنها ساهمت في تشريع مثل هذه الوثيقة و التي لا تلتزم بالسياسات الغربية أن تأخذ موقفاً الآن ذلك انه هناك أمر مهم جداً أن هذه الوثيقة كانت لا يمكن أن تطبق إلا بعد أن تمر على البرلمانات العربية. لم تمر هذه الوثيقة على البرلمانات العربية و كان هناك اعتراض لإتحاد الإذاعات العربية على مثل هذه الوثيقة و اعتراض من مؤسسات مرئية محسوبة على كل الأنظمة. كرة الثلج هذه سوف تصيب الجميع و طالما أنها مثل هذه السياسات سوف تؤدي إلى سياسات موازية. إذا كان هناك الآن العالم ستكون هناك العربية أيضاً بالجانب الآخر إذا اقتضى الأمر التعامل بالمثل. إذاً، لابد من العودة إلى الالتزام بالقوانين و إيجاد رأي عام ضاغط لحماية الحريات الإعلامية لأنه نحن نعلم أن المنار تعرضت إلى مثل هذا الأمر و الجزيرة مهددة أن تتعرض لمثل هذا الأمر لأن الدولة الوحيدة التي اعترضت على الوثيقة العربية هي قطر. إذاً، مثل هذا الأمر يقتضي أولاً تضامن المؤسسات المرئية على اختلافها و ينبغي أن لا نقع في الأخطاء مثل الكلام الذي ورد الآن بأن بعض المؤسسات المرئية تعكس القضايا العبرية.


حسين مرتضى: دكتور أحمد، تحدث السيد نبيل من عرب سات و من جملة حديثه بأن ما تبثه القناة يتعارض مع الأخلاقيات الدينية و السياسية . سؤال يطرح، تترك القنوات الماجنة و الفاسدة و ما شابه ذلك و موجودة على عرب سات و نايل سات و يتم الحديث في هذا السياق. إلى أي حد ، يعني هي حالة تهرب إذا صح التعبير من قبل هذه المؤسسات؟


أحمد الحاج علي: بالتأكيد سيكون هناك ذريعة و إن كانت أحياناً تثير الضحك . اسأل الكثيرين في الشارع العربي سيقولون لك أن قناة العالم هي قناة عربية. بمعنى في مادتها و ليس في لغتها فقط و في أفكارها السياسية و في قضاياها المطروحة . العالم تطرح القضايا العربية بكثير من التكرار و التعمق و كثير من الشجاعة دون أن يكون ذلك توظيفاً لأي جهة أخرى . من هنا كانت لابد أن تدخل في حيثيات الصراع . و لأن المسألة تتصل أيضاً بالهوية السياسية. الوثيقة الإعلامية العربية هي لم تؤسس و لكنها كرست لهذه الحالة . بمعنى ، نقلت هذا التوجه من خلال أن يكون الإعلام قيماً و رأياً عاماً و تقاليد إلى أن يكون نصاً قانونياً يتيح لهذه الدولة أو تلك ، لهذا النظام أو ذاك أن يوقف أو أن يسمح حسب الرغبة و حسب التخدير السياسي. لكن الوثيقة نفسها و حتى النصوص القانونية ، كلها تنتمي للهوية السياسية. هناك صراع حقيقي الآن بين اتجاهين . الاتجاه الأول هو اتجاه العقل و الحرية و المنطق و الفاعليات . الاتجاه الثاني هو اتجاه التلقين و الإفساد و المحاولة في الدخول مرة في الإرهاب و مرة في الانحلال الأخلاقي . ثانياً في هذه العملية من تدجين الإنسان و اللعب على غرائزه و ترويج المستهلكات و إثارة كل ما هو ضار . و ضمن هذين الاتجاهين المتناقضين تماماً تدخل المسألة السياسية. الآن العالم ليس اتجاهاً سياسياً و إنما هي اتجاه أخلاقي أيضاً .


حسين مرتضى: سيد محفوظ، الآن الجميع يؤكد أن القرار هو قرار سياسي . هناك خط واضح تنتهجه قناة العالم و ما تمثله دول مقاومة و ممانعة و ما شابه ذلك و هناك من لا يريد أن يكون هناك دعم للقضية الفلسطينية و تسليط الضوء على قضايا الأمة. من وجهة نظرك من اتخذ القرار؟ من باستطاعته أن يأخذ مثل هذا القرار؟


عبد الهادي محفوظ: في تقديري الشخصي أنه عندما تم التحضير للوثيقة الإعلامية العربية كان هنالك أيضاً توجه أميركي يريد أن يحسب فعل الإعلام و تأثيره و تحديداً في تلك الفترة بعض الفضائيات و خصوصاً قد يكون الجزيرة و المنار التي كان لهما اثر معين في نقل معلومات حول قضايا تريد الولايات المتحدة و إسرائيل التستر عليها. إذاً، هناك توجه أميركي في هذا المعنى. قد تكون الحاجة لمثل هذا التوجه مرتبطة أيضاً بانكفاء المشروع الأمريكي. هناك مشروع أمريكي في المنطقة ينكفئ و تنكفئ معه السطوة السياسية للأنظمة التي راهنت على المشروع الأمريكي و على الدخول في سياق ما كانت تروج له الولايات المتحدة من مشروع شرق أوسط كبير تسقط فيه الممانعة و المقاومة و يتم حصار الأنظمة مثل إيران و سوريا. و قد نجحت سياسة الممانعة و المشروع الأمريكي نراه في تراجع و إلى مزيد من الانكفاءات . إذاً، الإعلام هنا مسألة مهمة . لا بد من محاصرة الإعلام المقاوم و الإعلام الممانع و الإعلام الذي يمكن أن يسلط الضوء على الحقيقة و الذي يحاول أن يوصل هذه الحقيقة إلى الرأي العام. إذاً ، المسألة الأساسية الآن في هذا القرار الذي اتخذ في حق مؤسسة العالم هناك أمر مهم جداً ينبغي أن نتسلح به انه في كل القوانين سواء الغربية أو العربية هناك تشديد على حق المواطن في الإطلاع و في الاستطلاع. إذاً، هناك عبر هذا القرار محاولة لمصادرة هذا الحق في الإطلاع و في الاستطلاع . المسألة الثانية، القرار عندما يصدر الآن عن مؤسسات خدمة البث التي لا يحق لها أن تصدر مثل هذا القرار ، هو يصدر قرار سياسي. و لكن هذا القرار السياسي يحاول أن يختبر ردود الفعل على مثل هذا القرار الذي اتخذ . لذلك، ليس من قبيل الصدفة في ما قرأتموه الآن و الذي صدر عن إحدى مؤسسات خدمات البث عبارة "ربما أن تكون المؤسسة ". و المسألة الثانية ، القرار يرتبط بعقد و ما شابه ذلك. إذاً، هم بدأوا ينتظرون ردود الفعل. و بالتالي يتركون المخرج الممكن و لذلك تم الاختباء وراء مؤسسات خدمة البث التي ندين موقفها في المجلس الوطني للإعلام و في كل مجالس الإعلام. أنا أنصح أولاً بمراجعة الجامعة العربية و بمراجعة الدول التي تحفظت على الوثيقة الإعلامية العربية . المسألة الثانية بخلق رأي عام ضاغط . المسألة الثالثة بعدم الدخول في المتاهات ، الانقسامات بين المؤسسات المرئية و المسموعة. كل المؤسسات المرئية و المسموعة سواء انتمت إلى هذا المعسكر أو ذاك هي مهددة و لها مصلحة بالحريات الإعلامية و ينبغي أن تتضامن .


حسين مرتضى: سيد فهمي، ما وصلنا إليه إيقاف بث قناة العالم على قمري عرب سات و نايل سات هو قرار سياسي و هذه الخطوة هي محاولة لحرمان المواطن العربي من حق المعرفة. ما الذي تقوله و كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟


جمال فهمي: واضح من السياق أنه قرار سياسي . لا يمكن أن تتفق مؤسستين على الأقل لا علاقة تجارية بينهما على إصدار قرار من هذا النوع و في موعد واحد إلا إذا كان الأمر يتعلق بقرار سياسي و قرار سياسي مثير للأسف وللأسى و هذا اعتداء على حق المواطن العربي في المعرفة و في الاتصال بوسائل إعلامية مختلفة و متعددة. لكن الأسوأ من هذا انه يبدو عزفاً رديئاً على الأنغام الأمريكية و الإسرائيلية و الغربية و هذا يزيد الأمر سوءاً في واقع الحال.


حسين مرتضى: سيد السناوي، هي مسألة واضحة سياسية و اتخاذ القرار من قبل الشركتين في نفس الوقت ، نفس الدقيقة و نفس الساعة دليل على أن هناك قرار سياسي. ما تم تسريبه اليوم أن هناك اجتماع عقد في قصر المؤتمرات بالرياض حضره وزراء و مسؤولين إعلام في كل من السعودية ، مصر ، المملكة الأردنية الهاشمية ، البحرين ، و الإمارات و هي الدول التي لديها أسهم في مدن إعلامية حرة و التي توجد فيها عرب سات و نايل سات. إلى أي حد وصل الواقع العربي حتى يكون مثل هذا الاجتماع و اتخاذ مثل هذا القرار لإيقاف صوت يدعم بالنهاية المقاومة و الصمود و الممانعة؟


عبد الله السناوي: ليس بوسعي أن أؤكد ما تسرب و لكنه قد يبدو منطقياً إلى حد كبير أو على الأقل استطلاعات وجهات نظر هذه الدول قبل اتخاذ الإجراء الذي حدث و هو إجراء سياسي بامتياز و يمثل عدوان على حق المعرفة خاصة و أن الأقمار العربية تحمل إلينا فضائيات روسية (روسيا اليوم) ، فرنسية 24 ساعة (فرنسا 24 ساعة) و بي بي سي البريطانية و الحرة الأمريكية . أنا أعتقد أن الجوار أولى و الحوار مع إيران أولى و الانفتاح على الأشقاء أولى. أما أن نتحول إلى ضرب الأشقاء و التفاعل الثقافي و الإنساني في الإقليم لصالح أجندة غربية و إسرائيلية ، أعتقد أنه ليس جيدا لحرية الإعلام العربي و لتقاليد الأقمار الصناعية في البث وفق قواعد مهنية و ليست قواعد سياسية.


حسين مرتضى: هل انتقل مرض أنفلونزا القمع من الأرض إلى الفضاء الآن ؟


عبد الله السناوي: هناك وثيقة البث الفضائي و كانت مقدمة منذرة بأن هناك قيود ليست فقط على الهواء و الفضائيات و إنما أيضاً تتعلق بالقنوات الأرضية و كان هناك أغراض ملتبسة حول عدم المس بالرموز السياسية و الدينية و إن هذا الكلام يمكن أن يؤول بعدم نقد على أي نحو أي من الرئاسات العربية أو أي من المواقف الرسمية العربية و هذا اعتداء على حق الإعلام و قمع صريح للإعلام . و نستطيع أن نقول أن الذين وضعوا هذا البند هم وزراء الداخلية العرب و ليسوا وزراء الإعلام العرب . أنا أشك في الخبر المسرب ، ربما يكون قد صدر عن جهات أمنية منسقة و ليست جهات إعلامية إلا إذا كانت الجهات الإعلامية قد جاءت إلى هذا الاجتماع و هي محملة بتعليمات أمنية نهائية في هذا الشأن.


حسين مرتضى: دكتور أحمد، السيد محفوظ تحدث عن أن هذه الخطوة ربما تكون كرة ثلج ربما تكبر في المرحلة القادمة و تطال بعض القنوات الأخرى. الآن ما هو المطلوب على الصعيد الرسمي ، على الصعيد الشعبي و على صعيد المؤسسات؟ كيف يمكن حماية الإعلام و الإعلاميين و المؤسسات الإعلامية؟


أحمد الحاج علي: هذا هو المنطلق و المنطق الصحيح في المعالجة لأن السؤال الآن ليس لماذا تم اختيار هذا الموقف و أخذ هذه الإجراءات. هذا أمر معروف و يجب أن لا نكون من السذاجة بحيث نبحث عن ذريعة و عن سبب و عن مبررات. المسألة معروفة . هناك مواقف متناقضة ، هناك خيارات سياسية ، هناك هوية معينة لابد أن تتناقض مع الهوية الأخرى. و هذا أمر مشرف بهذه المناسبة ، يعني من يحتج عليك و انت تملك ناصية الحق و تسير بخطى ثابتة فهو لك و ليس عليك. و أحب أن أقول لا يوجد احد في الدنيا اليوم يستطيع أن يصد الشمس بيده الصفراء أو بغرباله المثقوب. من هنا أقول أن القرار الذي اتخذ هو قرار عاطفي مهتز مهزوز . بمعنى أنه الحالة الإجبارية التي وجد فيها من يملك هذين القمرين أنهما في هذا الخيار من خلال السياسات التي ينتمون إليها . بمعنى، لم يجدوا أمامهم من تعبير المنفلت و الحاقد سوى هذا اللجوء. هم يعرفون أن هذه الخطوة تضعفهم و تثير عليهم الدنيا و انه لا يتقبلها أي أحد حتى ولو كان ضد العالم و ضد العروبة و ضد الاسلام و ضد أي شيء. و لكن يأخذون هذا الأمر بهذا الامتداد العاطفي النفسي الإجباري. أنهم تحت وطأة الأحقاد و السموم و قد عبرت هذه الوطأة عن نفسها باتخاذ مثل هذا القرار غير المسبوق و غير المشرف . لذلك، سيبقى السؤال، أين يصب هذا القرار في المآل؟ سيصب في حالة هجينة يثير التناقضات و يؤدي إلى التشريد . ما المطلوب الآن؟ المطلوب أولاً أن يكون هذا الأمر الذي أرادوه ، أردناه نحن أيضاً. بمعنى أن لا نترك الفرصة . لماذا لا نغتنم هذه الفرصة على المستوى الإعلامي و على مستوى هذه التنظيمات الإعلامية في الوطن العربي؟ هذه فرصة لكي نقول الحق .


حسين مرتضى: سيد فهمي، هل باستطاعة مالكي القمرين التحكم بما يعطى للمواطن العربي و كيف يمكن الآن الاستفادة و اغتنام هذه الفرصة؟


جمال فهمي: أود أن أضيف في البداية معلومة أكيدة. كان هناك في الأسبوع الماضي اجتماعاً مشتركاً سمي اجتماع مشترك للأجهزة الإعلامية الأمنية بأجهزة الإعلام العربية و تم هذا في تونس. و ربما على هامش هذا الاجتماع الذي واضح من اسمه أن أغراضه أمنية تماماً ، إقحام الأمن على الإعلام بطريقة مباشرة و فجة. ربما على هامش هذا الاجتماع اتخذ هذا القرار الذي هو بدون شك قرار سياسي بوضوح. أما طريقة مواجهته، أولاً كل وسائل الإعلام العربية بغض النظر عن توجهاتها لابد و أن تتضامن مع العالم في هذا الموقف . الحرية في جوهرها لا يمكن تجزئتها و لا يمكن أن أقف اليوم مع الحرية لأنها تساعدني و غداً لا أقف معها لأنها مع خصمي . فهذا نداء مني لكل أجهزة الإعلام العربية أن تتضامن مع العالم . و نفس الأمر فيما يخص المؤسسات المهنية و النقابات العربية بما فيها نقابة و اتحاد الصحفيين العرب. و أنا أناشد اتحاد الصحفيين العرب أن يتحرك بموقف واضح يدين هذا الاعتداء على حرية الإعلام و حرية الصحافة و يتضامن مع قناة العالم و يضغط من اجل العودة عن هذا القرار البالغ السوء الذي يدعو للخجل . أنا لو كنت مكان من أصدر هذا القرار لكنت قد شعرت بخجل حقيقي إذ أقف في المعسكر الأمريكي الاسرائيلي مباشرة .


حسين مرتضى: سيد محفوظ، هو قرار إسرائيلي . تحدث عن انه كان في تونس قبل فترة اجتماع لمسؤولي الإعلام في الأجهزة الأمنية. ربما يكون القرار قد اتخذ هناك. كيف يمكن الضغط على هذه المؤسسات و كيف يمكن حماية المؤسسات الإعلامية و إعادة الحقوق و الأمور إلى نصابها؟


عبد الهادي محفوظ: طالما أن الجهة المعنية مباشرة لإصدار هذا القرار لم تعلن عن نفسها و تركت الأمر لمؤسسات خدمات البث، فمن الممكن إيجاد قاعدة تضامنية كبيرة حتى من مؤسسات البث التابعة للأنظمة التي يمكن أن تكون وراء مثل هذا القرار. على ما أعتقد أن المصلحة الفعلية كانت حماية الحاكم و النظام السياسي باعتبار انه في الوثيقة الإعلامية ثمة إشارة إلى أن مصادر المعلومات ينبغي أن تكون مصادر سليمة ، أي المصادر الصادرة عن النظام و هذا يتناقض مع مبدأ أساسي في الإعلام تعتمده كل القوانين الإعلامية و هو أن المصادر السليمة بهذا المعنى تلغي مصادر سرية المعلومات. هذه مسألة قد تكون رسالة أيضاً لكل ما يمكن توصيفه تحت عنوان المعارضة . المعارضة من الممكن أن تكون احد مصادر المعلومات . إذاً، يقطع الطريق على أي موقف معارض بأن يكون مصدراً للمعلومات . ينبغي أن نلطف عباراتنا و لا نعتبر هذا القرار قرار إسرائيلي. أنا أتحفظ على مثل هذا الأمر . هذا القرار ربما يخدم إسرائيل و لكنه صدر عن جهة عربية تحاول ان تحمي مصالحها و هي تخالف القوانين . و هي قد تجد نفسها في مرحلة مقبلة . الآن ثمة من كان يسعى إلى أن ينقل العداء ، كون إسرائيل هي العدو إلى جعل إيران هي العدو. و بالتأكيد هذا خطأ لا يبرر باعتبار أن إيران التي كانت في النظام الشاهنشاهي حليفة إسرائيل أصبحت الآن في الموقع الأساسي المعادي لإسرائيل. في التوجه العام، هذا الموقف الذي تقف وراءه أنظمة معينة ، ستجد نفسها في المستقبل القريب تحاور إيران. الولايات المتحدة مجبرة الآن أن تحاور إيران و تعتبر في نهاية الأمر أن الذي يمكن أن ينقذها في ورطتها في العراق و في أفغانستان هو الجمهورية الإسلامية في إيران. بالتالي، إيران لا تتخلى لا عن ثوابتها في توجهها و لا عن حرصها على أن تكون علاقاتها ايجابية بالعالم العربي و بجيرانها الخليجيين . إذاً، هناك خطأ كبير ارتكب بحق هذه المؤسسة و على ما أعتقد ، التوجه العام هو لمراجعة هذا الموقف و هذه تجربة مهمة جداً لكل المؤسسات المرئية و المسموعة انه كيف يمكن أنه نثق بعرب سات و نثق بنايل سات. هذا القرار الذي اتخذ من قبل عرب سات و نايل سات يسيء لمستقبل هاتين المؤسستين مستقبلاً باعتبار انه لن تكون هناك ثقة لأي مؤسسة مرئية و مسموعة جديدة تنشأ إذا اعتبرت أنها سوف تكون تحت وطأة أي قرار تعسفي تتخذه هذه المؤسسات. أنا أعتقد أن المخرج هو أن على إيران أو حتى على سوريا مثلاً أن تفكر في قمر فضائي بديل كي نلجم مثل هذه القرارات.


حسين مرتضى: شكراً لك سيد محفوظ كما أشكر السيد الحاج علي و السيد جمال فهمي. و اشكر أيضاً السيد السناوي. أشكركم مشاهدينا على المتابعة و السلام عليكم.

القاهرة .. تاريخ قديم وعريق

07
نوفمبر
2009
nermeen — @ 12:27

القاهرة مدينة الألف مئذنة والألف عام .. مدينة بألف مدينة .. تحوى تاريخ مصر كله .. مدينة قبطية ورومانية و راشدية وأموية وعباسية وطولونية وإخشيدية فاطمية وأيوبية ومملوكية وعثمانية وخديوية .. ومدينة معاصرة ناصرية .. ومتحضرة .. أحياؤها قديمة وحديثة تحمل سمة جميع هذه العصور والدول . كورنيش نيلها من عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وحلوان وباب اللوق وميدان الأوبرا والتحرير وكوبرى قصر النيل والحلمية الجديدة والعباسية ومصر الجديدة من معالمها الخديوية .. والخليفة والقلعة من معالمها المملوكية والأيوبية .. وشارع المعز لدين الله والسروجية والمغربلين والخيامية من معالمها الفاطمية والمملوكية .. ومصر القديمة من معالمها القبطية والرومانية والراشدية .. وصحراء المماليك بالدراسة من معالمها الإسلامية المملوكية وتمتلئ بتحف وكنوز مزخرفة سواء مساجد أو مقامات .. مدينة عظيمة تطل على نهر النيل .. وتمتلئ بالكافيتريات والمطاعم الحديثة والفنادق .. وبواخر النيل . ومن معالمها الناصرية برج القاهرة والمجمع مجمع التحرير واستاد القاهرة ومبنى التلفزيون وأرض المعارض بالجزيرة و مدينة نصر . ومن معالمها الناصرية مصانع حلوان والمعادى الحربية .. ومدينة نصر. ومما كان قرى وتحول إلى أحياء فى القاهرة شبرا والمهندسين وبولاق الدكرور وإمبابة. مدينة تمتلئ بالمساجد الراشدية والطولونية والإخشيدية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية والخديوية العلوية والناصرية. مدينة تمتلئ بالمتاحف والتماثيل .. مثل تمثال لاظوغلى و طلعت حرب ومصطفى كامل وأحمد ماهر .. والمتحف المصرى والمتحف الزراعى و المتحف الحربى و متحف الحشرات ومتحف الفن الحديث ومتحف محمود مختار ومتحف أحمد شوقى و متحف عبد الناصر ومتحف محمود خليل .. ومن الكتب القيمة عن القاهرة : الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك .. وموسوعة القاهرة فى ألف عام للدكتور عبد الرحمن زكى .. و أسماء ومسميات من مصر القاهرة لمحمد كمال السيد محمد .


وتأتي القاهرة في عصر أسرة محمد علي لتشكل ملمحا جديدا ما زال كثير من آثاره باقية حتى الآن ، والذي بدأ من سنة ( 1220 هـ - 1805 م ) حتى قيام حركة الضباط في يوليو 1952 م حيث بلغت درجة كبيرة في الاتساع في عهد الخديوي إسماعيل ووصلت مساحتها إلى ألف فدان كما يذكر علي مبارك في خططه ، حيث أضيف إلى المدينة حي الإسماعيلية ( التحرير حاليا )، وفي سنة ( 1265 هـ - 1849 م) بدأت المدينة تشهد بعض مشاريع البنية الأساسية ، مثل مشروع توزيع المياه باستعمال المواسير وتوزيعها داخل البلد ، وبعض مشاريع الإضاءة ، ويعد محمد علي باشا أول من أدخل العمارة الغربية إلى "القاهرة" ، فأحضر بعض المهندسين الغربيين وبنوا له سراي القلعة وسراي شبرا وسراي الأزبكية ، ثم بنى ابنه إبراهيم باشا قصر القبة، وفي عهد الخديوي إسماعيل أنشئ كوبري قصر النيل، وأنشئت حديقة الحيوان على مساحة 30 فدانا، وعدد من السرايات منها سراي عابدين ، كما رصفت بعض الطرق ومدت خطوط السكك الحديدية والهاتف وأنشئت المدارس الحديثة. و في عهد الخديوي عباس حامية تم إنشاء حي العباسية و أحياء أخرى مثل الحلمية القديمة والجديدة (قرب السيدة زينب) و حلمية الزيتون و عين شمس. ومن معالم العمارة فى عهد أسرة محمد على : مبنى الأوبرا القديم الذى احترق وهدم ومكانه اليوم جراج العتبة. وجامعة القاهرة بمبانيها . ومبنى الشهر العقارى ومبانى كثيرة فى القاهرة الخديوية ، ومبنى الجامعة الأمريكية ، ومبنى كلية دار العلوم القديم بالمنيرة والمهدوم اليوم ، وقصور فى حلوان ، وقصر الفراء وقصور كانت فى الحلمية الجديدة وهدمت ، وقصور عابدين والمنتزه ورأس التين وقصر الجوهرة وسراى القبة وقصر الزعفران ، والجامع التوفيقى فى حلوان ، ومسجد مصطفى فاضل الملاصق للمدرسة الخديوية الثانوية بنين فى شارع بورسعيد . والمدرسة أيضا. ومسجد محمد على داخل قلعة صلاح الدين. ومسجد سليمان أغا السلحدار بالجمالية. ومسجد حسن باشا طاهر بميدان بركة الفيل. ومسجد الرفاعى.


أما القاهرة في عهد الثورة وما جاء بعدها حتى الآن فقد شهدت تطورات كبيرة ، فزادت مساحتها بدرجة كبيرة وأضيفت إليها أحياء ومدن جديدة تزيد مساحة بعض هذه المدن عن 400 كيلومتر مثل مدينة نصر والمهندسين و مدينة السادس من أكتوبر والسادات و15 مايو و العاشر من رمضان والسلام والشروق ، كما شهدت زيادة كبيرة في عدد الكباري ، و ازدياد خطوط مترو الأنفاق ، وازداد عدد سكانها. و في عهد عبد الناصر و السادات تم إضافة مدينة نصر التي نمت بشكل كبير للعديد من الأحياء في عهد مبارك. و في عهد مبارك تم إضافة القاهرة الجديدة. وما زال التاريخ يسجل أحداث القاهرة في الزمان والمكان. ومن المساجد فى العهد الناصرى : مسجد الفتح برمسيس ، ومسجد وضريح الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بمنشية البكرى.


تعد مدينة القاهرة من أكثر مدن الشرق التي استأثرت بالكتابة والتأريخ حيث أطلق عليها لقب " جوهرة الشرق " ، نظرا لأن عمر القاهرة يزيد على الألف عام بكثير .

فقد عرفت أجزاء من القاهرة الحالية في العصر الفرعوني باسم من نفر أى المدينة الجميلة وضاحيتها مدينة الشمس ( بالهيروغليفية : أون ). وتعتبر عاصمة مصر الموحدة منذ أن وحدها الملك نارمر منذ 3200 سنة ق.م.


فشواهد التاريخ تؤكد أن مكان هذه المدينة كان عاصمة لمصر في أغلب فترات تاريخها ، ففي تاريخ مصر الممتد عبر حوالي 50 قرنا كانت القاهرة بمعناها الواسع هي عاصمة مصر، إذ يرجع البعض اتخاذ القاهرة عاصمة إلى سنة 98 ميلادية عندما بني حصن بابليون الذي ما تزال بقاياه موجودة حتى الآن ، حيث أقيم هذا الحصن للدفاع عن الوجهين القبلي والبحري .

وعندما جاء عمرو بن العاص لفتح مصر أقام عاصمته الإسلامية الجديدة الفسطاط بالقرب من ذلك الحصن ، والتي كانت تعرف بمدينة مصر ، والمعروف أن نشأة الفسطاط كان على غرار المدن التي ينشئها سكان البادية ، فكانت أشبه بالحضر البدوي وكانت تشبه إلى حد كبير تخطيط المدينة المنورة ، حيث حدد مخططوها - الذين لم يكن بينهم مهندس - مواقع لكل قبيلة من تلك القبائل التي شاركت في الفتح.

وكان تنسيق الفسطاط يقوم على إعطاء كل قبيلة قطعة من الأرض تقيم فيها مساكنها ويفصل بينها وبين غيرها مساحة من الأرض الفضاء التي طواها فيما بعد التوسع العمراني الذي زحف على هذه الفراغات ، ويلاحظ أن العرب المسلمين الفاتحين تركوا مساحة بينهم وبين النهر كانت تسرح فيها دوابهم ، كانت تسمى ( المراغة ) ، يقول مؤرخ مصر الكبير ابن عبد الحكم ، "وقد كان المسلمون حين اختطوا تركوا بينهم وبين البحر ( النيل ) والحصن ( بابليون ) فضاء لتفريق دوابهم وتأديبها" ، وظلت الفسطاط حتى أحرقها الوزير الفاطمي شاور عند قدوم حملة أموري الصليبية.

تعتبر مدينة الفسطاط وجامع عمرو أول أثرين إسلاميين بمصر وأفريقيا ويرمزان لمرحلة محورية بل بداية عصر بكامله هو العصر الإسلامي. وكانت الإسكندرية عاصمة مصر منذ بناها الإسكندر الأكبر عام ( 332 ق.م ) مرورا بالإغريق البطالمة والرومان والبيزنطيين الروم. و كان عمرو بن العاص بين أمرين هما لو أبقي علي الإسكندرية كعاصمة فوجوده بها سيجعله معرضا من البحر لأي غزو وهذا ما حدث فعلا عندما غزا البيزنطيون المدينة من البحر بأسطولهم عام (646 م) . والأمر الثاني الذي جعله يختار مكان الفسطاط أنه بالإسكندرية سيكون بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الخلافة الإسلامية مما يصعب نجدته. وكان قرار الخليفة عمر لعمرو بعدم عزل القوات بمانع مائي وهو الفيضان والنيل وعدم سكناها المدن حتي لا يتقاعسوا عن مواصلة الفتح. لهذا اختار ابن العاص هذا المكان الصحراوي الذي يعتبر عسكريا موقعا إستراتيجيا شمال حصن بابليون وأقام فيه مدينة الفسطاط عام ( 21هـ – 641 م ) فوق عدة تلال يحدها جبل المقطم شرقا وخلفه الصحراء التي يجيد فيها العرب الكر والفر والحرب والنيل غربا ومخاضة بركة الحبش جنوبا وهما مانعان طبيعيان. شيد عمرو بن العاص مدينة الفسطاط كمدينة-حصن وبها حصن بابليون لتكون مدينة للجند وأقام بها المسجد الجامع مسجد عمرو بن العاص أول مسجد أقيم بمصر الإسلامية وبجواره دار الإمارة.

ثم تطورت هذه العاصمة بإنشاء مدينة العسكر التي يعد موقعها الحالي منطقة ( زينهم ) التي أقامها صالح بن علي أول وال للعباسيين في مصر سنة ( 133 هـ - 750 م ) وكانت في البداية مقصورة على الجنود العباسيين ، ولعل هذا السبب الذي جعل الناس يطلقون عليها العسكر ، واستمر ذلك الحال حتى جاء السري بن الحكم واليا على مصر عام (201 هـ - 816 م ) فأذن للناس بالبناء فتهافت الناس على البناء بالقرب من مقر الحكم ونمت المدينة حتى اتصلت بالفسطاط.

ثم نشأت القطائع التي ابتناها أحمد بن طولون سنة ( 256 هـ - 869 م ) مؤسس الدولة الطولونية التي استمرت 38 عاما ، وسميت بهذا الاسم لأن "ابن طولون" قطع الأراضي فيها ومنح كل قطيعة ( وهي تشبه الشارع أو الحارة في عصرنا الحالي ) إلى طائفة من القوم ، فكانت هناك "قطيعة النوبة" و"الروم" وغيرهما ، وازدهرت "القطائع" في عهد "ابن طولون" وابنه "خمارويه"، وأقام فيها "ابن طولون" جامعه الشهير الذي ما زال قائما حتى الآن، ثم تعرضت المدينة للتخريب بعد هزيمة "الطولونيين" أمام العباسيين عند "تنيس" سنة ( 292 هـ - 904 م ) ، وذكر بعض المؤرخين أنه أحرق بها حوالي مائة ألف بيت ، يقول المقريزي "إن القطائع قد زالت آثارها ولم يبق لها رسم يعرف".

أما القاهرة فهي المدينة التي أنشأها القائد الفاطمي جوهر الصقلي سنة ( 358 هـ - 969 م ) شمالي مدينة الفسطاط وبناها في ثلاث سنوات وأطلق عليها اسم "المنصورية" ثم جاء الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في 7 رمضان 362هـ= 11 يونيو 972م، وجعلها عاصمة لدولته، وسماها "القاهرة" وهو اسمها الحالي ، و أقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية و شهدت القاهرة أزهي أوقاتها آنذاك من الازدهار بحكم كونها عاصمة للدولة الفاطمية و كانت مساحتها على حوالي 340 فدانا، و شرع في تأسيس الجامع الأزهر وأحيطت العاصمة بسور من الطوب اللبن وجعل له أبوابا في جهاته المختلفة من أشهرها باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح.ولم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، وكان أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.

وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول.

وفي نهاية حكم الفاطميين شهدت مدينة الفسطاط الحريق علي أيدي الصليبيين أيام الخليفة العاضد عندما بلغوها بمراكبهم بالنيل وأسروا ونهبوا بقيادة الملك عموري ( أمالوريك ) عام ( 564 هـ – 1168 م ) ، فقد أمر وزيره بجمع العبيد وإحراق مدينة الفسطاط. ونزح الأهالي للقاهرة خوفا وهلعا ونزلوا بالحمامات والأزقة والمساجد. وظل الحريق بالفسطاط طيلة 45 يوما . وأصبحت الفسطاط بعد الحريق مدينة أشباح خاوية علي عروشها عدة قرون وفقدت أهميتها كعاصمة للمال والتجارة والصناعة ولم يبق منها سوي مسجد عمرو بن العاص والذي أنقذ من الحريق بأعجوبة. أو كما يقول المقريزي "أصبحت كيمان".

وعندما انتهت "الدولة الفاطمية" على يد صلاح الدين الأيوبي سنة ( 567 هـ - 1171 م )، وأقام مكانها الدولة الأيوبية التي استمرت 82 عاما حتى عام ( 648 هـ - 1250 م ) أنشأ فيها أبنية جديدة فزادت اتساعا، ولعل أهم ما أنشأه كان "قلعة الجبل" لتكون حصنا له يعتصم به من أعدائه الداخليين والخارجيين، وقد وكل عمارتها إلى بهاء الدين قراقوش، كما بنى سورا جديدا للقاهرة سنة ( 572 هـ - 1176 م ) ، وبنى قناطر الجيزة، غير أنه توفي قبل أن يكمل بعض هذه المباني الضخمة، وقد استخدم "قراقوش" الصليبين في بناء القلعة والسور، وأول خريطة يعتد بها للقلعة جاءت مع "الحملة الفرنسية" أي بعد بناء القلعة بحوالي ستمائة عام.
مسجد الحكيم في القاهرة

أما "الدولة المملوكية" التي بدأت سنة (648 هـ - 1250 م ) فقد شهدت اتساعا في "القاهرة" فأنشأت عددا من الآثار والتي ما تزال قائمة حتى الآن ، وأنشأت بعض المناطق الجديدة مثل ما يسمى حاليا باب اللوق التي سكنها عدد من فرسان التتر الذين أسلموا وبني عدد من المساجد والأسبلة، إلا أن عهد السلطان محمد بن قلاوون كان الأبرز في العمارة المملوكية.

قامت الفسطاط لتكون عاصمة ولاية تابعة للمدينة المنورة وقامت مدينة العسكر لتكون عاصمة إقطاعية مصر التابعة لبغداد وقامت مدينة القطائع لتكون عاصمة دولة مصر الطولونية. لكن قاهرة المعز قامت لتكون عاصمة خلافة مستقلة هي الخلافة الفاطمية. وهذه العواصم الأربعة قامت غرب المقطم بشرق النيل.

أما "القاهرة" في الدولة العثمانية التي بدأت في مصر بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانية سنة ( 923 هـ - 1517 م ) فقد بدأت تشهد عصرا جديدا، كذلك الحملة الفرنسية على مصر سنة ( 1213 هـ - 1798 م ) التي استمرت ثلاث سنوات والتي رسمت خرائط مهمة للقاهرة إضافة إلى عدد كبير من الرسوم التي تصور الحياة في تلك المدينة، والتي ضمها كتاب " وصف مصر " .

التفصيل :


كانت منف عاصمة استراتيجية لمصر القديمة طويلا (منف هى ميت رهينة وأون هى عين شمس) .. وبعد الفراعنة انتقلت عاصمة مصر إلى الإسكندرية فى عهد الإسكندر والبطالمة من بعده .. وظلت الإسكندرية عاصمة مصر طوال عصر الرومان والبيزنطيين وزادت على ذلك أن أصبحت مركز الكنيسة القبطية بعد دخول المسيحية إلى مصر .. وإن أنشأ الرومان حصن بابليون (بمصر القديمة حاليا) والمسمى قصر الشمع .. وملحق به الكنيسة المعلقة إحدى أقدم كنائس مصر وظل الحصن وما حوله مركزا مهما ونواة للمجتمع المسيحى القبطى فى مصر . حتى فتح عمرو بن العاص مصر ونقل العاصمة من الإسكندرية إلى مدينته الجديدة التى بناها وهى الفسطاط (مصر القديمة حاليا) وبنى فيها أول مسجد فى أفريقيا وهو مسجد عمرو بن العاص والذى لا يزال موجودا حتى الآن .


تتألف القاهـرة الحاليـة من أربع مدن قديمة ، كانت كل واحدة منها عاصمة حقبة من الزمان ، وتعاقبت فى الظهور ، الواحدة تلو الأخرى ، وتمثل كل منها طورا فى حياة العهد الإسلامى بمصر، والنظم السياسية، والحياة الاجتماعية والاقتصادية بها . هـذه المدن هـى على الترتيب : الفسطاط ، والعسكر ، والقطائع ، والقاهرة المعزية الفاطمية . والمشاهد أنها جميعا تقع فيما بين شاطىء النيل الشرقى وتلال المقطم . وكان طبيعيا أن تلى الواحدة الأخرى ناحية الشمال ، أو بعبارة أخرى أن يكون نمو القاهرة وامتدادها من الجنوب إلى الشمال ، مادامت تلال المقطم تقف حائلا دون نموها ناحية الشرق ، والنيل من ناحية الغرب . هذا إذا استـثنينا الأرض التى كان النيل يطرحها على شـاطئه الـشرقى ، بعد أن يتـحول ناحـية الـغرب ، إذ المعروف أن النيل كان يحف بجدران جامع عمرو وقت إنشائه ، ولكنه ابتعد عنه اليوم مسافة تزيد على خمسمائة متر .


فالفسطاط أول حاضرة لمصر الإسلامية ، وأقدم الحواضر الإسلامية بمصر جميعا . أنشأها عمرو بن العاص سنة20هـ الموافق (641م) وظلت مركز السيادة طوال عصر الخلفاء الراشدين ، والدولة الأموية . فلما أفل نجم الأمويين ، ودالت دولتهم، وقامت على أنقاضها دولة بنى العباس ، أنشأ أبو عون عبد الملك بن يزيد ، والى مصر من قـبـل الخليفة أبى العباس عبد الله السفاح ، أول الخلفاء العباسيين مدينة العسكر سنة 133هـ (751م) واتخذها قصبة لـولايته ولما آل حكم مصر إلى الأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية فى مصر ، أنشأ له عاصمة جديدة سنة 256هـ ( 870م) ، هـى مدينة القطائع ، وظلت كذلك طوال عصر الطولونيين والإخشيديين فلما فتح الفاطميون مصر لينقلوا دولتهم وعاصمة الخلافة من المغرب إلى مصر ، كان أول ما قام به جوهر الصقلى ، قائد الخليفة المعز لدين الله الفاطمى ، بعد أن امتلك زمام مصر ، وأخضعها لنفوذ الفاطميين ، أن أنشأ عاصمة جديدة سنة 358هـ (969م) . تلك هى القاهرة المعزية ، التى انتقلت إليها حاضرة ملك الفاطميين ، ومركز سيادتهم من شمالى افريقية . وانتشر فى الخافقين صيتها، وذاعت شهرتها ، حتى فاقت بغداد وقرطبة ، وصارت فى وقت من الأوقات عاصمة العالم الإسلامى بأسره ، ومركز تلاقى شعوبه ، ومبعث النشاط والثقافة والعلوم الإسلامية فلما أسقط صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية ، وأنشأ دولته الأيوبية ، شرع يجمع العواصم الأربع سنة 572هـ (1176م ) فى صعيد واحد بسور واحد ، ليتخذ منها عاصمة موحدة ، تتفق وجلال إمبراطوريته الممتدة حتى الشام ، وعظمة ملكه . ولهذا الغرض ، ولكى تكون قادرة على رد هجوم الأعداء ، والصمود أمام غارات المغيرين ، أخذ يحيطها بسور عظيم . ولكنه توفى قبل إتمامه ، فأتمه خلفاؤه من بعده . ويمتد من أثر النبى ، جنوبى الفسطاط وينتهى عند قلعة المقس .


ظلت القاهرة منذ عهد الفاطميين مرورا بالأيوبيين والمماليك والعثمانيين وأسرة محمد على وثورة يوليو حتى الوقت الحاضر عاصمة البلاد ، وحاضرة الملك ، ومركز السيادة فيها ، ولم يقتصر تخطيطها على الحدود التى حددت بها وقت أن أنشأها الفاطميون ، بل ظلت تمتد وتتوسع عبر العصور شمالا وغربا مسافات طويلة ، ولم يقف النيل عقبة فى سبيل امتدادها غربا ، بل إنها تزداد مساحة ، عاما بعد عاما ، ويتوالى زحفها باستمرار ، حتى تلاقت بحدود مديريتى الجيزة والقليوبية، وذلك بفضل ما أنشىء على النيل من قناطر ( كبارى ) ربطت بين شاطىء النيل ، وجعلت امتداد القاهرة ناحية الغرب أمرا ميسورا وضروريا ، لمقابلة الزيادة المطردة فى عدد السكان هذه نظرة عابرة ، تصور تاريخ القاهرة ، وأدوار تطورها .


الفسطاط:


لما أتم عمرو بن العاص فتح مصر سنة 20هـ )641م) ، وأجلى الروم عن الإسكندرية ، آخر معقل لهم بمصر ، وانقشع كل أمل لهم فى مزاحمة العرب على امتلاكها ، عندئذ انصرف القائد العربى إلى تنظيم البلاد تنظيما يتفق ومقتضيات العهد الجديد ، الذى تستقبله البلاد ، ألا وهو العهد الإسلامى المبارك . فكان فى مقدمة ما عنى به من الأمور تخير مكان يرابط فيه جيشه ، وليكون مقرا لحكم البلاد ، بعد أن نهاه الخليفة عمر بن الخطاب عن المقام بالإسكندرية ، حاضرة الروم فى مصر


اختيار موقع الفسطاط:


والواقع أن الإسكندرية وان اتفقت مع حكم الروم لمصر ، فلم تكن لتتفق بحال من الأحوال مع حكم العرب : فوقوعها فى أقصى شمال مصر ، جعلها أقرب إلى روما أو بيزنطة (القسطنطينية) من أى بلد مصرى آخر . ولكنها أبعد من أى بلد من البلاد المصرية ، بالنسبة إلى المدينة المنورة ، قصبة وعاصمة الدولة العربية ، التى صارت مصر لها تبعا . يضاف إلى ذلك أنها فى موضع يشق على الجنوب العربية أن تشخص منه إلى أطراف القطر ، إذا ما دعا سريع . كذلك الأمر بالنسبة للوالى ، فانه يصعب عليه أن يشمل جميعها بعين ساهرة ، من مكان قصى كالإسكندرية جال عمرو ببصره فى أنحاء البلاد ، فوقع اختياره على السهل الذى يلى بابليون الحصن الرومانى الشهير ، من ناحية الشمال ، والذى يحده جبل المقطم من شرقيه ، ويقع النيل فى غربيه ، وهو الذى كان يعسكر فيه بجنوده ، إبان فتح الحصن . وقد كانت تقوم تجاه هذا الموضع ، فى الضفة المقابلة للنيل ، مدينة منف القديمة ، فصار النيل يربط العاصمة القديمة بالعاصمة الحديثة ، وان فرقت بينهما القرون والأجيال وقد أطلق على ذلك المكان اسم الفسطاط ، وهو الذى صار نواة العاصمة الجديدة . وقبل أن نمضى فى تحديد موضع الفسطاط ، ووصف خططها ودورها ، والحياة بها ، يجدر بنا أن نعرض لهذه التسمية ومنشأها وما أحاط بها من آراء


تسـمية الفسـطاط :


يروى المؤرخون العرب فى تسمية الفسطاط بهذا الاسم قصة ملخصها أن عمرا لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية ، أمر بنزع فسطاطه – أعنى خيمته- فإذا فيه يمامة قد فرخت . فقال عمرو : ( لقد تحـرم منا بمتحـرم) فأمر به فأقـر كما هو ، وأوصى صاحب القصر به . فلما قفل المسلمون من الإسكندرية ، قالوا : ( أين ننزل ) قالوا (الفـسطاط) يعنون فسطاط عمرو ، الذى خلفه بمصر ، مضروبا لأجل اليمامة ، فغلب عليه ذلك ولكن مؤرخى الفرنجة ، ومن نحا نحوهم ، ينكرون هـذه القصة ، ويرون أنها من نسج الخيال ، ويشكون فى تأويل كلمة الفسطاط بالخيمة ومبعث ذلك عندهـم أنهم يرتابون فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم فى ذلك الوقت ويرجعون كلمة الفسطاط إلى اللفظ اليونانى ( فساطم) المشتق من اللفظ اللاتينى FOSSATUM والذى يطلقه الرومان على معسكراتهم الحربية ، أو المدن الحصينة ، وقد سمعه العرب من الروم عند فتح الشام ، أو حصارهم لحصن بابليون ورفض قصة اليمامة لمجرد شك من جانب مؤرخى الفرنجة هـو تعسف لا يبيحه منطق . بل إن الذى يؤيده التاريخ عكس ما يذهـب إليه هـؤلاء . فقليل من المعرفة بحياة البدو وعاداتهم لا شـك فى أن العرب اتخذوا الخيام مساكن لهم ، وبيوتا يأوون إليها فى الصحراء . وتلك ميزة تميز بها سكان البادية عن سكان الحضر ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين )


وإذا كانوا قد أفادوا من الخيام فى وقت السلم ، فأحرى بهـم أن يفيدوا منها فى حـروبهم ،لاسيما إذا كانوا يحاربون فى قطر غير قطرهـم وبلاد هـم غرباء عن أهـلها وليس لهم ما يأوون إليه فيها سوى ما يحملون من خيام ولا شك أن عـمـرا كان يتخذ لنفسه واحدة منها هـى التى أفرخت اليمامة فيها وهنالك مع ذلك أدلة تاريخية تثبيت أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم قبل فتحهم مصر فقد جاء فى السيرة الحلبية فى الكلام عن غـزوة الـطائف ما ننقله بحروفه ( وكان معه صلى الله عليه وسلم من نسائه أم سلمة وزينب رضى الله عنهما فضرب لهما قبتين وكان يصلى بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف وكانت ثمانية عشر يوما ودخل صلى الله عليه وسلم خيمة أم سلمة وعندها أخـوها عبد الله .. الخ)
فالشك فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم وقت فتحهم مصر مردود ولا محل له وليس فى أنه كان لعمرو فسطاط أو خيمة يقيم فيها أثناء حصار العرب لحصن بابليون وبذلك يسقط اعتراض مؤرخى الفرنجة على قصة اليمامة وهـى لا شك صحيحة ولا يضيرها أن كلمة فسطاط تعنى أيضا ( مجتمع الناس ) أو ( المدينة الحصينة ) , أن العرب سمعوا هـذه المعانى عند فتحهم الشام أو عند حصارهم لحصن بابليون وأن الحروف فى كلمة FOSSATUM تتفق وحروف كلمة فسطاط فليس ذلك يمنع من أن تكون قصة اليمامة صحيحة . ودخلت كلمات فارسية ورومية وحبشية إلى العربية ومنها ما ورد فى القرآن الكريم مثل سندس وصراط و قسطاس و طه و يس.


والآن نمضى إلى تحديد موقع العاصمة الجديدة وذكر كلمة عن خططها ومبانيها واتساع رقعتها وذيوع شأنها وليس من شك فى أنه من الصعوبة بمكان أن يحاول المرء رسم حدود دقيقة لمدينة انقضى على إنشائها نيف وثلاثمائة وألف سنة مثل مدينة الفسطاط لسببين رئيسيين :


أولا إن المدينة لم تظل على حالها الأول حين خططت فى عهد عمرو بن العاص فلم يكن عمرو يبغى منها سوى أن تكون مقرا لعسكره ومقاما لقواده وأعوانه ولم يدر أنه يضع أساس عاصمة جديدة للبلاد ما لبثت أن صارت مقر الحكومة ومبعث النشاط الإقتصادى فى القطر كله ومركزا هاما من مراكز الحياة العلمية والفنية فى العالم الإسلامى بأسـره فأخذ هـذا المعسكر بطبيعة موقعه الجغرافى يمتد شمالا إذ كان الجبل يحول دون امتداده شرقا كما يحول النيل كذلك دون امتداده غربا
ثانيا : اندثار كثير من المعالم التى يمكن الاستدلال بها على تحديد موقعها فالروايات التاريخية التى تحدد موقع مدينة الفسطاط وفى رواية المقريزى إنما تحدد موقعها بعد إنشائها بقرون عدة تزيد على ستة قرون وبعد أن وصلت إلى أوج عزها ثم توالت عليها صروف الزمان ونوائبه ومع بعد الشقة بين عصر المقريزى والعصر الذى بنيت فيه المدينة فقد كانت روايته فى تحديد موقع الفسطاط ومازالت أساسا لجميع من حاولوا الكشف عن آثارها وفى مقدمة هـؤلاء المرحوم على بهجت سنة 1914 م .


ويقول المقريزى : ( إن مدينة مصر محدودة بحدود أربعة فحدها الشرقى اليوم – أى سنة 820هـ ( 1417م) – من قلعة الجبل وأنت آخذ إلى باب القرافة فتمر من داخل السور الفاصل بين القرافة ومصر إلى كوم الجارح وتمر من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهى إلى الرصد حيث أول بركة الحبش تحت الرصد حيث انتهى الحد الشرقى فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التى يسميها أهل مصر القبلية وحدها البحرى من قناطر السباع حيث ابتدأ الحد الغربى إلى قلعة الجبل حيث ابتدأ الحد الشرقى فهـذا عرض مصر من جهة الشمال التى تعرف بمصر بالجهة البحرية وما بين هـذه الجهات الأربع يطلق عليه الآن مصر)


وقد انتهى المرحوم على (بك) بهجت بعد تطبيقه رواية المقريزى السابقة على بقايا الفسطاط ومقارنة المبانى التى وجدت فى وسطها بتلك التى وجدت فى أطرافها إلى تحديد الفسطاط على النحو الآتى :


الحد الشمالى : ويقع بين كوم الجارح وقنطرة السد


الحد القبلى : ويمتد بين الرصد – وكان قائما على ذروة الشرف المطل على بركة الحبش – وشاطىء النيل غـربا


الـحد الـغربى : الشاطىء الأيمن للنيل وهذا الحد كان ينتقل على تتابع السنين مع تنقل الجسر نحو الغرب


الحـد الـشرقى : وكان يمتد فيما وراء الحد الذى عينه المقريزى أى إلى حدود القرافة الحالية ويسير جنوبا حتى الرصد


ولقد استمرت الفسطاط عاصمة للديار المصرية ودارا للإمارة ينزل بها أمـراء مصر حتى بنيت العسكر فى دولة بنى العباس بظاهـر الفسطاط سنة 133هـ ( 751م) فنزل فيها أمراء مصر وسكنوها فلما شيد أحمد بن طولون مدينة القطائع سنة 256هـ (870م) وأقام فيها سكنها أمراء مصر أيضا ظلوا يسكنونها إلى أن انقرضت دولة بنى طولون فعادوا إلى العسكر وأقاموا بها إلى أن قـدم إلى مصر جوهـر الصقلى قائد المعز لدين الله الفاطمى وشيد القاهرة غير أن الرعية استمرت تسكن الفسطاط التى بلغت من وفـرة العمارة وكثرة السكان ما جعلها من أكبر المدن العالمية إذ ذاك.


حــريــق الـفســطاط


ومازالت الفسطاط فى نمو وازدهار حتى قـدم إلى مصر أمورى ملك الصليبيين ونـزل بجنوده على بركة الحبش يريد الاستيلاء على الفسطاط والقاهـرة فأمر شـاور بن مجير السعدى وزير الخليفة العاضد الفاطمى الناس بإخلاء الفسطاط واللحاق بالقاهـرة فارتحلوا عنها وساروا بأسرهـم إلى القاهـرة حاملين معهم ما خف حمله وغلا ثمنه ( وبلغ كراء الدابة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا وكراء الجمل إلى ثلاثين دينارا ونزلوا بالقاهرة فى المساجد والحمامات والأزقة وعلى الطرقات ) وأمر شاور بإحراق الفسطاط سنة 564هـ (1168م) وأرسل لذلك ( عشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرق ذلك فيها فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السماء فصار منظرا مهولا واستمرت النار تأتى على مساكن مصر لتمام أربعة وخمسين يوما ) فلما رحل أمورى عن البلاد أخذ الناس يعودون إلى الفسطاط ويصلحون ما تلف من أبنيتها شيئا فشيئا ولكن ذلك كان قاصرا على القسم الغربى من الفسطاط فيما بين جامع عمرو وشاطىء النيل أما القسم الشرقى منها فظل خرابا حتى يومنا هـذا وفى ذلك يقول المقريزى : ( ولم تزل الفسطاط فى نقص وخراب إلى أيامنا هـذه) أى حتى القرن الخامس عشر الميلادى


تـخـطـيط ـ الـفسـطاط


وبعد أن وضع عمرو بن العاص أساس جامعه سنة 21هـ (641- 642م)وكـل إلى أربعة من قـواده تخطيط الأرض حول الجامع إلى خطط وإنزال كل قبيلة بخطتها وهـم معاوية بن خديج التجيبى وشـريك بن سـمـى الغـطيفى وعمرو بن قحزم الخولانى وحيويل بن ناشرة المعافرى فأخذت كل قبيلة فى بناء مساكنها وكانت بسيطة فى عمارتها وتخطيطها بتكون كل منها من طابق واحد وكان لكل قبيلة مسجدها الذى تقام فيه الصلوات الخمس أما جامع عمرو فهو المسجد الجامع الذى تقام فيه الصلوات الجامعة وهـى صلاة الجمعة وصلاة العيدين كما كان يجتمع فيه الوالى بعماله وقواده للنظر فى شئون البلاد ويفصل فى المظالم التى ترفع إليه ويخطب الناس كلما اقتضى الأمر وكان يجلس فيه القضاة للقضاء بعد أن فصلت وظيفة القضاء عن الوالى ويحضر فيه الناس دروسا فى الدين والحديث والفقه عن أعلام المسلمين والمتفقهين فى الدين لتبصير الناس بأمر دينهم ودنياهم ومن تلك الخطط خطة مهرة وخطة تجيب وخطط لخم وجـذام وخـطة بنى بحر وهـم قوم من الأزد وخطة ثقيف وخطة غافق وخطة حضرموت وخطة يحصب وخطة المعافر وخطة سبأ خطة بنى وائل وخطة القـبض وخطة مـذحج وخطة بنى غطيف وبنى وعـلان وخطة بلى وخطة خـولان وخطة الصدف وخطة غنب وخطة سلامان وخطة السلف وخطة رعين وخطة الكلاع وخطة نافع وخطة مـراء وخطط الحمراوات والفارسيين وأغلب أصحاب تلك الخطط من عرب الجنوب أو اليمنية أما عرب الشمال أو قيس فكانوا أقلية ضئيلة وإنما تكاثروا فى عهد هشام بن عبد الملك ( 105- 125هـ) حيث انتقلت إلى مصر بطون كثيرة منها ولكنهم لم ينزلوا الفسطاط وإنما نزلوا الحوف الشرقى وقد عرف من بين تلك الخطط خطة أهل الراية وهـم جماعة من قريش والأنصار وخـزاعة وتمتد من جامع عمرو جنوبا حتى قصر الشمع وخطة مهرة وتقع إلى الجنوب الشرقى من خطة أهل الراية كما كان لها خطة أخرى على جبل يشكر وخطة تجيب وتقع إلى الجنوب الشرقى من مهرة وخطط لخم وهـى ثلاث أهمها تلك التى تقع فى الشمال الشرقى من جامع عمرو وخطة اللفيف وكانت تلاصق خطة أهـل الراية وخطة وعلان فى جنوبى قصر الشمع وقد أفرد لغير وهم الذين لقبوا بالحمراء خطط ثلاث تمتد من جامع عمرو حتى جبل يشكر الذى سكنته إحدى هـذه القبائل ولذا سمى باسمها وهـذه الخطط الثلاث هـى الحمراء العليا والحمراء الوسطى وتقعان داخـل حـدود الفسطاط والحمراء الدنيا أو القصوى وتقع خارج حـدود الفسطاط الأصلية من ناحية الشمال ولعله من المفيد أن نشير هـنا إلى لفظ خـط الذى ظل مستعملا إلى عهـد قريب هـو نفس لفظ خـطة الذى استعمل وقت الفتح وما تلاه ولكن بعد ضـم أوله وحـذف التاء من آخـره فقـد كان يقال خـط الـمغربلين وخـط السيدة نفيسة وخط الحسينية وهـكذا .


تــراجــع الـنيـل


ولا يتبادر إلى الذهـن أن شاطىء النيل الحالى من جـهة الشرق هـو نفسه الذى كان موجـودا وقـت إنشاء مدينة الفسطاط فالشـاطىء الـحالى يبـعد عن الشاطىء الـقديم بنـحو خمسمائة متـر انـتقلها الشاطىء القـديم نـحو الـغرب وهـذه ظاهـرة جغرافية تمتاز بهـا الأنـهار فى مجاريها الـدنيا إذ يضعف التيار هـنا فينحت فى الجانب الغربى ويبنى فى الجانب الشرقى بما يجلبه معـه من رواسب وطمى وبهـذا الشكل تـزداد مساحة الأرض فيما جاور الساحل الشرقى بينما يتسع المجرى فى الساحل الغربى وهـذا ما حـدث بالفعل للنيل فى المنطقة الممتدة حاليا من ساحل أثر النبى بمصر القديمة حتى روض الفرج فقد روت المصادر التاريخية أن حصن بابليون وقت الفتح وجامع عمرو كانا يشرفان على النيل كذلك قرية أم دنين التى تقع فى مكان جامع أولاد عنان الحالى كانت هـى الأخرى تشرف على النيل وأن المقوقس عندما شرع يفاوض عمرو بن العاص فى شروط التسليم خرج من باب الحصن الغربى الذى يعرف بباب الحديد وكان مشرفا على النيل وركب زورقا عبر به النيل إلى جزيرة الروضة الغربية وهـذا الباب الذى يوجد اليوم فى كنيسة المعلقة يبعد عن النيل حاليا بنحو خمسمائة متر كما يبعد جامع عمرو عن النيل بنفس المسافة


مــدينــة مــصـر :


ومن هـنا يظهر أن المنطقة ما بين جامع عمرو وسيالة الروضة قد استحدثت منذ الفتح الغربى لمصر وأن الفسطاط الأصلية تقع شرقى خط يمتد من جامع عمرو إلى قصر الشمع الذى تعرف بقاياه اليوم بالكنيسة المعلقة وقد شمل هـذا الاسم أيضا المنطقة المستجدة الواقعة غربى هـذا الخط حتى سيالة الروضة وقد ظلت هـذه التسمية حتى آخـر القـرن السابع الهجرى ( الثالث عشر الميلادى ) فلما استولى الخـراب على القسم الشرقى اختفى اسم الفسطاط وحل محله اسم مدينة مصر التى تعرف اليوم باسم مصر القديمة


جــامــع عــمــرو :


وجامع عمرو ويسمى تاج الجوامع أو المسجد العتيق هـو أول مسجد أنشىء فى مصر كانت مساحته وقت إنشائه ( 50x30ذراعا) أو ( 29X 17 مترا ) وأرضه يغطيها الحصى وكان سقفه المنخفض المصنوع من الجريد محمولا على دعامات من جذوع النخل ولم يكن له صحن أو مئذنة أو محـراب وقد شيد له عمرو منبرا ولكن الخليفة عـمر أمـره بإزالته قائلا له ( أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس عند عقبيك ؟) وكانت له ستة أبواب بابان فى كل جانب ماعدا جانب القبلة وبلغ الضيق بالمصلين أنهم كانوا يصطفون وقت الصلاة خارج المسجد وقد كان يحيط به من الخارج طريق عرضه سبعة أذرع فى بعض الجهات فأنت ترى من وصف جامع عمرو أنه كان بدائيا فى تصميمه وبنائه وإن البناء الحالى يختلف عن الجامع الأصلى اختلافا تاما فقد هـدم عدة مرات وفى كل مرة يعاد بناؤه ويزاد فى مساحته ويعدل تخطيطه ويضيق المقام هـنا عن تتبع المراحل التى مر بها حتى وصل إلى شـكله الحاضر ولكنه مما لا ريب فيه أن من أهـم التعديلات تلك التى أدخلت عليه فى عهـد ( قــرة بن شــريك ) والى مصر من قبل الخليفة الأموى الوليد ابن عبد الملك سنة 93هـ ( 710م) إذ هـدمه وزاد فى مساحته وأنشأ فيه محرابا مجوفا ( مقعرا) ومنبرا خشبيا ومقصورة وصار للجامع أربعة أبواب فى كل من الواجهـتين الشرقية والغربية وثلاثة فى الواجهة البحرية ولم يصل المسجد إلى مساحته الحالية ( 5ر112x 5ر120 مترا ) إلا فى سنة 212هـ ( 827م) فى عهد عبد الله بن طاهـر والى مصر من قبل الخليفة العباسى المأمون فقد زاد مساحته إلى الضعف وكانت هـذه الزيادة خاتمة الزيادات وقد توالت على هـذا المسجد عهـود من الرعاية وأخـرى من الإهمال ففى عهـد كان مكانا لاجتماع الباعـة ولعب الأطفال والمهرجين وفى النهاية ازيـن واستكمل زخـرفه وحفل بالمصلين وطلاب العلـم مما استحق معه أن يسمى بتاج الجوامع وقد زار ناصر خسرو الرحالة الفارسى مصر من سنة 437هـ إلى سنة 439هـ ( 1045- 1047م) فى عصر الخليفة المستنصر الفاطمى وشاهد جامع عمـرو ومما ذكـره فى وصفه ( أنه قائم على أربعمائة عمود من الرخام والجدار الذى عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التى كتب عليها آيات من القرآن بخط جميل وتحيط بالمسجد الأسواق من جهاته الأربع وعليها تفتح أبـوابه ) وقال أيضا ( وكان يوقد فى ليالى المواسم أكثر من سبعمائة قنديل ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من قنديل وهـو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل من فيه فى أى وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرهـا )


وفى سنة 564هـ ( 1168-1169م) لحق بجامع عمرو من جراء حـريق الفسطاط أضرار بالغة فلما آل مـلك مصر إلى صلاح الدين الأيوبى سنة 568هـ ( 1172م) رمـم الجامع وجـدد بعض أجـزائه وأعـاد بياضه وفى سنة 702هـ ( 1302-1303م) حدث زلـزال أضر بكثير من مبانى القاهـرة فتشقـقت جـدران جامع عمرو وانفصلت أعمدته بعضها عن بعض فعهد الناصر محمد قـلاوون إلى الأمير سـلار نائب السلطنة فى تعمير الجامع تعميرا شـاملا ومن آثار هـذه العمـارة الشبابيك الجصية بالواجـهة الغـربية والمحراب الجصى الخارجى فى هـذه الواجهة الحافل بالزخارف والكتابات النسخية وفى 1212هـ ( 1797م) أمر مـراد بك والى مصر بإصلاح المسجد إذ كانت الأعمدة قـد مالت وأواوينه قد سقطت غير اتجاه عقود الأروقة فجعلها عمودية على جدار القبلة وبذلك سدت الشبابيك والمنارتان الباقيتان إلى اليوم هـما من آثار عمارته التى تمت فى أواخـر شـهر رمضان من هـذه السنة فصلى فيه آخـر جمعة من ذلك الشهر فدرج ولاة مصر منذ ذلك التاريخ إلى عهد قريب على صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان فى هذا الجامع وقد كان هـذا التقليد متبعا أيضا فى عهد الفاطميين.


دار عمـرو الكبرى وداره الصـغرى :-


وكان عمرو قد بنى لنفسه دارا شـرقى المسجد عرفت باسم دار عمرو الكبرى وبنى عبد الله بن عمرو لنفسه دارا أخرى تلاصق دار أبيه من جهة الشمال وقد عرفت بدار عمرو الصغرى وفى غربى هـذه الدار بنى الزبير بن العوام لنفسه دارا ولكنها هـدمت جميعا ودخلت فى مساحة المسجد عندما ضاعف عبد الله بن طاهـر من مساحته


ظلت الفسطاط عاصمة للديار المصرية منذ نشأتها سنة 21هـ ( 641م) حتى سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة 133هـ (750م) وقد نشأت الفسطاط فى أول أمـرها بسيطة التخطيط والمبانى ولكنها ما لبثت أن ازداد عمرانها وكثرت دورها وحسنت عمارتها وتعددت شوارعها وطرقاتها وعمرت أسـواقها و تقـدمت صناعاتها وحفلت بالفقهاء والمحدثين وأهـل العلم وبالجملة فقد أصبحت مدينة عامـرة طار صيتها وطبقت الخافقين شهرتها واجتذبت إليها الزائرين والسائحين من مختلف أنحاء العالم


المبـانى :-


وكانت الدور فى أول الأمر تبنى من اللــبن ومن طبقة واحـدة كما هـو الحال اليوم فى كثير من ريف مصر ويحكى عن خـارجة بن حـذافة أنه بنى غـرفة فوق داره فنـهاه الخليفة عمر بن الخطاب عن ذلك وكتب إلى عمرو بن العاص يقول ( سلام أما بعد فانه بلغنى أن خارجة بن حذافة بنى غرفة ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابى هذا فاهـدمها إن شـاء الله والسلام )


ثم أخـذت عمارة الدور فى التقدم بالتدريج متمشية مع مقتضيات الأحوال وسنة التقدم والرقى وحاجيات السكان وقد دلت أعمال التنقيب التى قام بها المرحوم على بهجت سنة 1914م فى حفـائر الفسطاط أن الدور ( قوامها الآجر- الطوب المحروق – تتخلله لحامات ثخينة ومونة متخذة من الجير والقصرمل أو من الجير والحمرة وبلاط من الحجر الجيرى وأنابيب مصنوعة من الفخار وشباك من المجارير المنقورة فى الصخر ) وتشمل بعض هـذه الدور على أفنية بوسطها فسقيات تصل إليها المياه وتنصرف منها فى مجار مبلطة وتحيط بتلك الأفنية أروقة وقاعات وغرف بعضها لسكنى الحريم والبعض الآخر للاستقبال كما يحددها من الجنوب أحواض الزهور وتظللها من جهة الغرب الأشجار ولكن يجب أن يكون مفهوما أن الدور التى كشفت عنها هـذه الحفائر لا يمكن أن ترجع إلى عصر الفتح وإنما ترجع إلى عصر ازدهـار الفسطاط وبلوغها أوج عزها حـوا لى القرن الرابع الهجرى ( العاشر الميلادى ) وكانت المبانى تزخرف بوضع الآجـر على هيئات مخصوصة ومن ألـوان مختلفة فيوضع الحجر الأبيض والآجر ألأحمر على هـيئة تعاريج ومشبكات وكحلة اللحامات بمونة بيضاء ناصعة بارزة قليلا من وجه الجدار ولقد استعيض عن هـذه الطريقة فى العصرين الطولونى والفاطمى بطلاء الأبنية بالجص من الداخل والخارج فلما استخدم الحجر بدل الآجر فى أبنية القاهـرة منذ أواخر العصر الفاطمى قضى بطبيعة الحال على هـذه الطريقة وصارت الزخارف تحفر فى الأحجار وازدانت الفسطاط بكثير من الدور والقصور والبساتين من ذلك دار عمرو الكبرى ودار ابنه عبد الله التى عرفت بدار عمرو الصغرى وكانتا شرقى جامع عمرو كما أسلفنا ودار الزبير بن العوام غربى دار عبد الله بن عمرو وشيد عبد الله بن سعد بن أبى سرح لنفسه قصرا كبيرا كان يعرف بقصر الجن لكبره وضخامته كما أمر مروان بن الحكم ببناء الدار البيضاء التى سكنها فى أثـناء إقامته بمصر كذلك أمر عبد العزيز ابن مروان ببناء الدار الذهبية سنة 67هـ ( 686-687م) غربى المسجد الجامع وكان يطلق عليها المدينة لعظمها ومعروف أن الاسلام قد حض على النظافة حتى أنه اعتبرها من الإيمان [ النظافة من الإيمان ] فأمر بالوضوء قبل كل صلاة خمس مرات فى اليوم والاغتسال لذلك كثرت بالفسطاط الحمامات ويذكر المقريزى أنه كان يوجد بالفسطاط ألف ومائة وسبعون حماما وكانت حمامات القاهـرة فى عام 685هـ ( 1286م) ثمانين حماما فقط وبلغ عدد الطبقات فى الدور بالفسطاط وهـى فى أوج عـزها ثمانيا فبدت كالمنائر وأسفل الدور غير مسكون وربما سكن الدار الواحدة المائتان من الناس وهـذا يدلك على سعتها وعظم ارتفاعها ويقول ناصر خسرو الرحالة الفارسى المشهور ( وترى مصر من بعيد كأنها جبل وبها بيوت من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وبها أسواق وشوارع توقد فيها القناديل لأن ضوء الشمس لا يصل إلى أرضها لأنها مسقوفة ) وكان الحمالون يحملون الماء من النيل إلى المنازل فى الروايا [ القرب ] ويصعدون الدور كل طبقة بنصف دانق ويحكى ناصر خسرو أنه كان بمصر والقاهـرة عام 440هـ (1048-49 م) اثنان وخمسون ألف جمل لحمل قـرب ماء الشرب فى هـاتين المدينتين ومما ذكره أيضا أن ركوب الخيل كان وقفا على الجند والمتصلين بالجيش بينما كان سائر الآهلين ينتقلون على حمير ذات سروج جميلة وكان فى الفسطاط والقاهـرة نحو خمسين ألف حمار للتأجير يشاهـد المـرء عددا كبيرا منها عند مداخل الشوارع والأسواق


الحــالـة الاقـــتصادية :-


كانت الفسطاط مركزا اقتصاديا عظيما وسوقا تجاريا كبيرا بالإضافة إلى أنها قصبة الحكم وعاصمة البلاد ولم تفقد شهرتها كسوق تجارى عظيم حتى بعد بناء القطائع والعسكر بل والقاهـرة أيضا فظلت مركز الحركة التجارية والاقتصادية ذلك لسهولة اتصالها بداخلية البلاد وبالعالم الخارجى أيضا فقـد كانت على اتصال وثيق بداخلية البلاد بواسطة النيل فترد إليها الحاصلات والسلع من كل الوجهين القبلى والبحرى وفى ذلك يقول ابن بطوطة الرحالة المشهور (وان بنيل مصر من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية تمر صاعدة إلى الصعيد ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق ) كما ذكر ناصر خسرو أنه ( كان للباعة [بالقطاعى ] دكاكين بمدينة مصر[ الفسطاط] على ساحل النيل وكانت البضائع تفرغ على أبوابهم وكان الازدحام من الشدة بحيث كان يستحيل نقل البضائع على ظهور الدواب ) كانت الفسطاط تغص بالأسواق المليئة بمختلف السلع والمتاجر فقد بنى عبد العزيز بن مروان قيسارية العسل وقيسارية البال وقيسارية الكباش وقيسارية البز [ المنسوجات ] وقد أسهب ناصر خسرو فى الكلام عن الفسطاط وعظمتها وبيوتها الشاهـقة وجوامعها الكبيرة وحدائقهـا الغناء وصناعاتها الزاهـرة ووصف الثروة فى أسواقها والازدحام فيها وقال إن الحوانيت مملوءة بالسلع المختلفة والأقمشة الثمينة والذهب وسائر الحلى حتى أن المشترى لا يجد فيها محلا يجلس فيه وكان شديد الإعجاب بسوق القناديل بجوار جامع عمرو فقال انه لم يعرف مثله فى أى بلد آخـر وان التحف النادرة والثمينة كانت تحمل إليه من أصقاع العالم كله وترجع هـذه التسمية إلى أن سكان هـذا الحى كان لكل منهم قنديل على باب مسكنه كذلك تفد على الفسطاط السلع والمتاجر من بحر الروم ( البحر المتوسط) بواسطة النيل أيضا ومن بحر القلـزم ( البحر الأحمر ) بواسطة الدواب أو خليج أمير المؤمنين ومما تشتمل عليه سلع بحر الروم الجوارى والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف ومما تشتمل عليه متاجر بحر القلزم المسك والعود والكافور والدارصينى وغير ذلك مما يحمل من السند والهـند والصين


خــلـيج أميـــر المــؤمنـين :-


وخليج أمير المؤمنين ترعة كان قد أمر بحفرها نخاو فرعون مصر لتوصيل النيل بالبحر الأحمر (سيزوستريس) ثم ردمت في أواخر حكم الرومان لمصر فلما كان الفتح العربى جدد عمرو بن العاص حفرهـا سنة 23هـ ( 643- 44م) بأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهذا أطلق عليها اسم خليج أمير المؤمنين وكانت هـذه الترعة تخرج من فم الخليج شمالى مصر القديمة متجهة إلى الشمال حتى نهـاية القاهـرة وتمر بعد ذلك فى الأراضى الزراعية حيث مجرى الترعة الإسماعيلية إلى العباسية بمديرية الشرقية ثم إلى مدينة الإسماعيلية ومنها إلى القـلزم [ السويس ] على البحر الأحمر وقد أقيم على هذا الخليج فى العهود التالية كثير من القناطر ليتيسر للناس عبوره سنورد أسماء أشهـرها فى مواضعها وقد كان هذا الخليج عرضة للأهـواء السياسية فيـردم إذا أراد أحد الخلفاء الضغط السياسى على مصر وتجويع سكانها وتحويل تجارة الهـند عنها إلى بغداد ووادى الفرات كما فعل الخليفة المنصور العباسى


الـحـالـة الـعـلـميــة:-


اتخذت الحركة العلمية فى أوائل عصر الفتح شكلا دينيا حيث كان الناس بحاجة إلى من يفـقههم فى أمور دينهم ويعلمهم أصـول الدين الإسلامى أكثر من حاجتهم إلى العلوم الدنيوية والفلسفية تلك الأصــول التى اجتمعت فى القـرآن والسنة وكان من حظ مصر أن حضر إليها مع جيش المسلمين عدد كبير من الصحابة الذين تشربوا الدين خالصا عن النبى صلى الله عليه وسلم فتلقى عنهم أهـل مصر فصارت الفسطاط معقلا حصينا من معاقل الدين تنافس المدينة وبغداد والبصرة ودمشق وغيرها من أمهـات المدن الإسلامية ومن هـؤلاء الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرى والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة العدوى ومسلمة بن مخلد وكثير غيرهم ممن وفدوا على مصر بعد الفتح لكثرة خيراتها وخصب أرضها وطيب هـوائها وكانت معظم دروس الفقه والكلام تعطى فى المسجد والمستمعون على هـيئة حلقة بين المدرس وكان يتخذ مكانه إلى جانب عمود فى المسجد مستندا بظهـره إليه إن أمكن وقد أحصى المقدسى فى المسجد الجامع بالقاهـرة وقت العشاء مائة مجلس وعشرة من مجالس العلم وأشهر من عـلم بمصر من الصحابة بعد الفتح عبد الله بن عمرو بن العاص ويعتبر بحق مؤسس مدرسة مصر الدينية إذ أخذ عنه كثير من أهلها وكانوا يكتبون عنه ما يحدث وقد بلغ قرابة مائة حديث وممن اشتهر من علماء مصر وفـقـهائها الأمير عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى والى مصر المتوفى بحلوان والمدفون بالفسطاط سنة ست وثمانين هجرية ( 705م) وقد اشتغل برواية الحديث وله مناقب كثيرة ويزيد بن حبيب واسمه سويد الأزدى أبو رجاء المصرى وقد كان فـقيه مصر وشيخها ومفتيها ولد سنة اثنتين وخمسين بمصر وتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة وأبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمى الغافقى والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى وكان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر وتأثرت مصر بالمذاهب الإسلامية التى ظهرت فى العصر العباسى ففى ذلك العصر امتزجت العقلية العربية بالعقلية الفارسية واليونانية وارتفع مستوى الثقافة بين العلماء بفضل تشجيع بعض الخلفاء للعلماء والفقهاء والأدباء والشعراء وإقبال نخبة من العلماء على تعريب الكتب الأجنبية ودراستها وأهـم المذاهـب التى ذاعت فى العصر العباسى المذاهـب الأربعة والتى ما زالت باقية بمصر حتى اليوم وأقـدم هـذه المذاهـب مذهـب الإمام أبى حنيفة النعمان المولود بالكوفة سنة ثمانين هـجرية والمتوفى ببغداد سنة 150هـ وثانى هـذه المذاهب مذهب الإمام مالك ابن أنس المولود بالمدينة سنة 93هـ أو سنة 95هـ المتوفى بها سنة 179هـ والثالث مذهـب الشافعى وهـو الإمام محمد بن إدريس الشافعى المولود بغزة سنة 150هـ وقد حضر إلى مصر سنة 198هـ وكون بها مذهب الجديد وتوفى بها سنة 204هـ والرابع مذهـب الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المولود ببغداد سنة 164هـ والمتوفى بها سنة 241هـ وظل المصريون يتبعون المذهـب المالكى حتى قـدم مصر الإمام الشافعى وأنشأ مذهـبه الجديد بها فاتبعه كثير من المصريين ولم يمض قرن من الزمان حتى أصبح المذهب الشافعى منافسا للمذهـب المالكى فى مصر ومن أشهر فقهاء فى ذلك العهد أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى وقد جلس مكان الشافعى بعد وفاته وعبد العزيز بن عمران ابن أيوب الخزاعى المصرى والربيع بن سليمان بن داود الأزدى الجيزى نسبة إلى الجيزة وكان مركز الحركة العلمية فى مصر جامع عمرو مثله فى ذلك الجامع الأزهر اليوم فكان جامع عمرو ملتقى العلماء والفقهاء والأئمة إليه يلجأ الناس للاستفتاء واليه يفد الطلاب لتلقى العلوم التى كانت تدرس فى ذلك الحين وفيه يتخرج خيرة العلماء والفقهاء وأصبحت مصر مركزا علميا هـاما خصوصا فى أواخر عصر الولاة فكان يفد إليها الطلاب لتلقى العلم وخاصة من افريقية والمغرب والأندلس وبذلك أثرت مصر على الأندلس والمغرب فى المذاهب وفى العلوم الدينية التى كانت تدرس حينذاك وفى سنة 326هـ ( 938م) كان للمالكيين فى المسجد خمس عشرة حلقة وللشافعين مـثـلها ولأصحاب أبى حنيفة ثلاث حلقات فقط فى عهـد المقدسى تولى إمامة مسجد ابن طولون أحـد الشافعية لأول مرة ولم يتقدم فى محراب هذا المسجد إمام قط قبله إلا وهـو يتفقه لمالك وكان معظم الفقهاء بمصر من أصحاب مالك ويقول السيوطى أن أبا بكر النعالى المتوفى عام 380هـ ( 990م) كان إمام المالكية بمصر وكانت حلقته فى الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها


الــقضـاء :-


ونشأ القضاء فى عهـد الولاة بسيطا ثم ارتقى وتطور تدريجيا فمثلا لم يكن هـناك محكمة خاصة للفصل فى القضايا وإنما كانت مجالس القضاء تعقد فى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط للفصل فى قضايا العرب الفاتحين أو بين من يسلمون من أهـل البلاد أو بين الذميين الذين يحتكمون فى خصوماتهـم إلى القضاة المسلمين ويذكـر الكنـدى أن القاضى خير بن نعيم الحضرمى ( 120- 128هـ ) كان يقضى بين المسلمين فى المسجد ثم يجلس على باب المسجد بعد العصر فيقضى بين النصارى وكان القاضى محمد بن مسروق الكنـدى ( 177- 184 هـ ) يسمح للنصارى المتخاصمين بالدخول فى المسجد الجامع كالمسلمين ليقضى بينهم وكان القاضى يستمد أحكامه القضائية من مصادر التشريع الإسلامى وهـى القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد أو القياس ولم تكن أحكام القضاة تدون كذلك لم يكن للقاضى شىء تصان فيه كتبه وأوراقه بل كان كاتب القاضى يحضر ومعه الكتب فى منديل ويحمل محبرته [ دواته ] فى حزامه ولهذا كانت المحابر تصنع من المعدن ولها يد بحيث يمكن أن ترشق بين طيات الحزام وبالتدريج سجلت الأحكام فى سجلات وصارت تحفظ فى دواليب خاصة ومن التقاليد التى نشأت فى هـذه الفترة أيضا خروج القاضى فى نفر من أهل الصلاح لرؤية هـلال رمضان واثبات الرؤية وكانوا يخرجون لرؤيته فى الجيزة حتى لا يختلف الناس فى شهاداتهم وبعد ثبوت الرؤية تسير مواكب الناس حاملة المشاعل وهى تهتف : ( صيام! صيام! حسبما أمر قاضى الاسلام ) وما يزال هـذا التقليد متبعا حتى اليوم حيث يترأس الاحتفال بالرؤية فى القـاهـرة رئيس المحكمة الشرعية العليا ويهتف الصبية بما هتف به أسلافهم من قبل


الـصنـاعـات والـفـنـون :-


لما فتح العرب الأقطار العديدة وأخضعوا لحكمهم كثيرا من الأمم أثـر العرب فى تلك الأمم فنشروا بينهم لغتهم وآدابها ومختلف فنونها كما نشروا بينهم دينهم وأثرت تلك الأمم بدورها فى العرب فقد كانت لهم علوم وفنون توفر عليها العرب بالدرس والتحميص بفضل ما أوتوه من حس مرهـف وذوق سليم واختاروا أصلحها وأكثرها اتفاقا مع تقاليدهم ودينهم وصاغوا من كل ذلك ثقافة عالية وفنا إسلاميا جميلا أفاد منهما العالم قرونا طويلة ولقد كان للعرب فى حكم الشعوب أساليب ناجحة وطرائق قويمة ففضلا عن إطلاقهم حرية العبادة وكثيرا من الحريات الأخرى فقد أبقوا دفة الحكم فى أيدى حكام منهم ما خلا الوظائف الخطيرة والمناصب الرئيسية كذلك تركوا للناس صناعاتهم وحرفهم يزاولونها فى حرية واطمئنان بل إنهم أولوهم كثيرا من التشجيع والمؤازرة واكتفوا بالتوجيه السديد حسبما تقضيه الأوضاع الجديدة والدين الجديد فانصرف الناس إلى أعمالهم يحدوهم الاطمئنان وتملأهم الثقة ويحفزهم ذلك إلى الجد والإتقان ولقد دخل المصريون فى دين الله أفواجا واعتنق أكثرهم الاسلام وزاول الصناع صناعاتهم سواء منهم من أسلم ومن لم يسلم فنرى منتجات الفنون الإسلامية فى عصورها الأولى وقد تأثرت بالمنتجات الفنية القبطية نظرا لاعتماد العرب على الصناع والفنيين القبط ولأن التطور فى أساليب الصناعية كان بطيئا ولم يصل الفن إلى الطراز الإسلامى البحت إلا فى العصر الفاطمى بعد أن اجتاز مرحلة انتقال امتدت منذ الفتح العربى لمصر واشتملت على العصرين الطولونى والإخشيدى وإن كان قد تأثر فى العصر الطولونى بالأساليب العراقية التى أتى بها أحمد بن طولون من مدينة سامراء التى نشأ فيها وشب وترعرع ولم تقتصر استعانة العرب بالصناع المصريين فى صنع كل ما يلزمهم من حاجيات ومن بناء ما كانوا يحتاجون إليه من أبنية على مصر وحدها بل إننا نجد فى الوثائق التاريخية ما يدل على إرسال العمال والصناع المصريين إلى الشام وبلاد العرب للعمل فى بناء المساجد أو زخرفتها بالفسيفساء والجص وغير ذلك وقد ذخرت الفسطاط بالمصانع من كل نوع تنسج المنسوجات وتصنع المصنوعات المعدنية والخشبية والأوانى والخزفية والأدوات المنزلية ووجدت فى حفائر الفسطاط بقايا من تلك المصنوعات كما يوجد بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة نماذج قليلة منها .

العسكر :


مـنى مروان الثانى آخـر خلفاء بنى أمية بهزيمة ساحقة أمام جيوش بنى العباس فى موقعة الزاب بالقرب من الموصل فركن إلى الفرار واتجه صوب دمشق ثم التجأ إلى مصر ليتخذ منها قاعدة لمهاجمة العباسيين واستعادة ملكه المسلوب وعرشه المتداعى ولكن أبا عون وزميله صالح بن على القائدين العباسيين لم يتركا له فرصة لتحقيق أمـله وظلا يطاردانه حتى قبضا عليه فى قرية أبى صير من أعمال الجيزة حيث قتلاه وبذلك انقطع آخر خيط فى نسيج دولة الأمويين واندك ملكهم وقامت على أنقاضه دولة العباسيين الذين ورثوا حكم مصر ضمن ما ورثوه من أملاك الدولة البائدة وكما نقل العباسيون قصبة الخلافة من دمشق التى ارتبطت بذكر الأمويين إلى بلاد العراق حيث شيدوا لهم حاضرة جديدة هـى بغداد كذلك شرع القائدان أبو عون وصالح سنة 133هـ ( 750م) فى بناء عاصمة جديدة لمصر بدل الفسطاط سمياها العسكر فى الفضاء الذى عسكرت فيه جنودهما وتجمعت عند مطاردتهما لمروان الثانى وكانت تقع شمالى الفسطاط ويشرف عليها جبل يشكر الذى شيد فوقه أحمد بن طولون فيما بعد جامعه المشهور .


موقـع الـعـسـكـر :-


يـؤخذ من وصف المقريزى لموقع العسكر فى خططه أنها كانت تمتد وبمحاذاة الشاطىء الشرقى للنيل يحف بجدران جامع عمرو إذ ذاك ويحدها جنوبا قناطر المجرى [ العيون ] وشمالا شارع مراسينا إلى ميدان السيدة زينب حيث قناطر السباع أمام المشهد الزينبى وغربا السد والديورة وشرقا خط وهمى يمتد من مصطبة فرعون بجوار مسجد الجاولى بشارع مراسينا إلى باب السيدة نفيسة المعروف قديما بباب المجدم.


امــتـداد الــعسـكر :-


أمر أبو عون أصحابه بالبناء فيها وشيد صالح بن على دارا للأمارة كما شيد الفضل بن صالح بن على مسجدا جامعا عرف بجامع العسكر ومازالت العمارة تزداد فيها حتى اتصلت المبانى بالفسطاط وصارت العسكر مدينة { ذات محال وأسواق ودور عظيمة } واستمرت العسكر حاضرة البلاد إلى أن قدم مصر أحمد بن طولون فوجدها لا تتسع لجنده وحاشيته وما اعتزم تشييده من منشآت متعددة فاستقر عزمه على تشييد عاصمة أخرى واختط لهـذا الغرض مدينة القطائع التى شغلت حيزا كبيرا من العسكر بل وتدخلت فيها ولم يبق من معالم العسكر فى أيام المقريزى شىء يذكر وهنا يقول ( ولم يبق الآن من العسكر ما هـو عامر سوى جبل يشكر الذى عليه جامع ابن طولون وما حوله من الكبش وحدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات وخط قناطر السباع إلى جامع ابن طولون ) .

القطائع :


قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس كما هـو معروف لذا كانت لهم الحظوة عند خلفائها الأولين فقوى نفوذهم وعلا شأنهم وصار منهم الوزراء والقواد وكبار الدولة الذين إليهم المرجع فى كل صغيرة وكبيرة من شئونها ولما اشتدت وطأة النفوذ الفارسى حاول الخلفاء المتأخرون التخلص من ذلك النفوذ فاستبدلوا بالفرس قوادا وحراسا من الأتراك وسرعان ما انتشر نفوذ هـؤلاء وصاروا أصحاب الحول والطول فى مقر الخلافة بل وفى أقاليمها وممتلكاتها فآلت مصر إلى واحد من أولئك الأتراك هـو الأمير بقبق أو بايكباك ثم إلى الأمير برقوق وأناب كل منهما عنه فى حكم مصر أحمد بن طولون وهـو تركى الأصل مثلهما من إقليم بخارى فى بلاد ما وراء النهر وكان الأول زوج أم أحمد والثانى حماه أى أبا زوجته قدم أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ (868م) وبين جنبيه آمال كبار فهو يريد أن ينشىء من مصر دولة تنافس الخلافة قوة وعظمة وأن يؤسس لها حاضرة تماثل ( سـر من رأى ) أى سامراء قصبة الخلافة فى عهده والتى ولد فيها وترعرع وأعجب بجمال قصورها ورحابة ميادينها وعظمة مساجدها ومنشأتها لذلك عـول منذ أن وطئت قدماه أرض مصر على إقامة العاصمة المرجـوة فكان له ما أراد وأسماها القطائع ذلك لأنه أقطعها قطعا بين خدمه وحاشيته ورجال دولته وشيد فيها القصور والمستشفيات والملاجىء وأقام مسجده الجامع الذى ما زال يطاول الزمن ببقائه درة فريدة بين مساجد القاهرة والذى يستحق بلا ريب أن يطلق عليه اليوم اسم شيخ جوامع القاهـرة إذ لا يزال تخطيطه ومبانيه على الحال الأولى التى وجد عليها فى عهد منشئه .


مــوقــع الـقـطائــع :-


فالقطائع ثالثة العواصم الإسلامية فى مصر كانت تقع شمالى الفسطاط ( وكان موقعها من قبة الهواء التى صار مكانها الآن قلعة الجبل إلى جامع ابن طولون وهـو طول القطائع وأما عرضها فانه كان من أول الرملية من تحت القلعة إلى الموضع الذى يعرف الآن بالأرض الصفراء عند مشهد الرأس الذى يقال له الآن زين العابدين وكانت مساحة القطائع ميلا فى ميل ) وقد حدد العلامة الأثرى المرحوم محمد رمزى هذه المدينة كما يلى ( الحد البحرى ويبدأ من جامع سنجر الجاولى حتى باب العزب بالقلعة والحد الشرقى سور القلعة من باب العزب حتى جامع السلطان الأشرف قنصوه الغورى عند باب اليسار المعروف الآن بباب الجبل والحد القبلى ويبدأ من جامع الغورى المذكور حتى جامع سيدى على زين العابدين والحد الغربى من جامع سيدى على زين العابدين وينتهى بجامع سنجر الجاولى ) وقد تدخلت القطائع فى العسكر وشغلت الجزء المعروف الآن بقلعة الكبش وبتلول زينهم .


قصـــر أحمـد بن طــولــون :-


وقد بدأ ابن طولون فى بناء القطائع فى شعبان سنة 256( يوليو سنة 870) بأن شيد قصره الذى كان بمثابة نواة للمدينة وكان يقع فى الفضاء المعروف الآن بميدان صلاح الدين والذى عرف بالرملية وقـره ميدان والمنشية والذى كان يمتد إلى ما وراء جامع السلطان حسن الآن تحت المرتفع الذى كانت تقع عليه قبة الهواء التى فى مكانها بنى صلاح الدين قلعته المعروفة بقلعة الجبل وقد حول ابن طولون السهل الواقع بين القصر وجبل يشكر إلى ميدان كبير يضرب فيه بالصوالجة فسمى القصر كله الميدان وكان للقصر عدة أبواب منها باب الميدان الكبير وكان منه دخول الجيش وخروجه وباب الخاصة وباب الجبل الذى يلى جبل المقطم وباب الحرم وباب الدرمون وباب دغناج وسميا كذلك نسبة إلى حاجبين بهذين الاسمين كانا يجلسان أمامهما وباب الساج لأنه كان مصنوعا من خشب الساج وباب الصلاة الذى يخرج منه ابن طولون للصلاة وكان على الشارع الأعظم وكان يعرف أيضا بباب السباع إذ كانت صورتا سبعين من جبس وكانت هذه الأبواب لا تفتح كلها إلا فى يوم العيد أو يوم عرض الجيش أو يوم صدقة وما كانت تفتح إلا بترتيب فى أوقات معروفة وكان للقصر شبابيك تفتح من سائر نواحى الأبواب تشرف كل جهة على باب وكان للقصر مجلس يشرف منه ابن طولون يوم العرض ويوم الصدقة لينظر من أعلاه من يخرج ويدخل وكان الناس يدخلون من باب الصوالجة ويخرجون من باب السباع وكان على باب السباع مجلس آخـر يشرف منه ابن طولون ليلة العيد على القطائع ليرى حركات الغلمان وتأهبهم وتصرفهم فى حوائجهم .


تـخطيط الـقـطائع :-


بعدئذ تقدم أحمد بن طولون إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لأنفسهم حول القصر والميدان فاختطوا وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة الفسطاط ثم قطعت القطائع وسميت كل قطيعة باسم من سكنها فكانت للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم وللفراشين قطيعة مفردة بهم ولكل صنف من الغلمان قطيعة مفردة تعرف بهم وبنى القواد فى مواضع متفرقة فعمرت القطائع عمارة حسنة وتفرقت فيها السكك والأزقة وبنيت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمامات والأفران وسميت أسواقها فقيل سوق العيارين وكان يجمع العطارين و البزازين وسوق الفاميين ويجمع الجزارين والبقالين والشوايين فكان فى دكاكين الفاميين جميع ما فى دكاكين نظرائهم فى المدينة وأكثر وأحسن وسوق الطباخين ويجمع الصيارف والخبازين والحلوانيين ولكل من الباعة سوق حسن عامر فصارت القطائع مدينة كبيرة أعمر و أحسن من الشام وامتدت هذه المبانى إلى العسكر والفسطاط حتى أصبحت المدن الثلاث بلدا واحدا عامرا لاتصال مبانيها بعضها ببعض .

الجــامـــع:-


طلب ابن طولون إلى مهندس سنعرض بعد قليل إلى جنسيته أن يشيد له مسجدا له لا تأتى عليه النيران أو تهدمه مياه الفيضان ( فإن احترقت مصر بقى وإن غرقت بقى ) فحقق المهندس رغبته فبناه جميعه من الآجر الأحمر ورفعه على دعامات من الآجر أيضا ولم يدخل فى بنائه أعمدة من الرخام سوى عمودى القبلة ( لأن أساطين الرخام لا صبر لها على النار) ويؤخذ من اللوحة التذكارية الموجودة بالجامع أن الفراغ من بنائه كان سنة 265هـ ( 878-879م) وقد استغرق بناؤه عامين وجامع بن طولون مربع الشكل تقريبا ( 50ر162×73ر161 مترا ) يتوسطه صحن مكشوف تحيط به من جوانبه الأربعة أروقة مسقوفة وقد اتبع هذا التخطيط كثيرا بعد ذلك فى بناء المساجد فى العهود المتوالية ويتكون إيوان القبلة من خمسة أروقة أما الأواوين الثلاثة الأخرى فيتكون كل منها من رواقين ويحيط بالجامع فيما بين جدرانه والسور الخارجى من جهاته الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والغربية الجنوبية ثلاثة أروقة خارجية عرفت بالزيادات وتلك ميزة أخرى انفرد بها جامع ابن طولون بين مساجد القاهـرة والدعامات التى ترتكز عليها العقود مستطيلة الشكل محلاة فى أركانها الأربعة بأعمدة من نفس مادة الدعامات أى من الآجر وتيجانها كورنثية يطلق على أوراقها شوك اليهود أما العقود فمن الطراز الستينى ولم تستعمل فى مصر قبل ذلك ويوجد بين كل عقدين فوق الدعامة طاقة صغيرة بقصد التخفيف عن الدعامات وعقدها ستينى أيضا كالعقود الكبيرة وقد طليت جميع جدران المسجد ودعاماته وعقوده بطبقة من الجص وزخرفت واجهات العقود بزخارف نباتية متصلة كما حليت بواطن العقود حول الصحن بزخارف قوامها خطوط متداخلة وخطوط لولبية وأشرطة وخطوط منكسرة كلها معروفة فى الفن البيزنطى ومنه تسربت إلى الفن القبطى وفنون العراق ويدور تحت السقف إزار من ألواح خشبية نقشت عليها بحروف كوفية بارزة من طراز الكتابة الطولونية التى سادت هذا العصر سورتا البقرة وال عمران وبالجزء العلوى من الجدران صف من الطاقات مركب عليها شبابيك من الجص مخرمة يتكون من تخريمها أشكال هندسية بسيطة جميلة تنوعت أشكالها تدور حول جدران المسجد الأربعة وأربعة فقط من هذه الشبابيك موجودة بجدار القبلة زخرفتها معاصرة لإنشاء المسجد وللمسجد خمسة محاريب عدا المحراب الأصلى المجوف الموجود فى جدار القبلة ولقد أنشئت المحاريب الخمسة فى العصور التالية لإنشاء المسجد اثنان أحدهما فى منتصف حبل الطارات الثانى مما يلى الصحن الأيمن عمل فى عهد المستنصر الفاطمى والثانى فى عهد حسام الدين لاجين المملوكى واثنان فى النصف الثالث من حبل الطارات بجانبى دكة المبلغ ومحراب خامس وهو فى جدار القبلة على يسار المحراب الكبير وجميع هذه المحاريب من الجص ومزينة بالكتابة الكوفية أو النسخية والزخارف النباتية .
وكانت توجد وسط الصحن نافورة ماء أنشأها ابن طولون كى يشرب منها المصلون وسط حوض من الرخام تعلوها قبة مذهبة مقامة على ستة عشر عمودا من الرخام ولكنها تهدمت وأعيد بناؤها فى العصر الفاطمى ثم تهدمت ثانيا وأقيم مكانها البناء الحالى جدده السلطان حسام الدين لاجين سنة 696هـ ( 1297م) كما يدل على ذلك كتابة على لوح من خشب مثبت فى قاعدة القبة ضمن ما جدده من بناء المسجد وأثاثه مما سيأتى ذكره بعد ولكن النافورة خرجت هذه المرة عن الغرض الذى أنشئت من اجله أولا فقد صارت الآن ميضأة يتوضأ فيها المصلون وكان ابن طولون قد أبى أن تكون مكانا للوضوء خيفة أن تصبح مصدرا [ للنجاسة ] والقذارة فلما أخذ على المسجد خلوه من مكان للوضوء أقام ميضأة بالزيادة الغربية بعيدا عن داخل المسجد كما أنشأ بهذه الزيادة صيدلية بها الأدوية وعليها الخدم وفيها طبيب يجلس يوم الجمعة لإسعاف من يصاب من المصلين بحادث وقت الصلاة ولهذا المسجد مئذنة فريدة فى شكلها لا نظير لها بين مآذن مساجد القاهـرة وهى ميزة أخرى امتاز بها جامع بن طولون فهى مربعة فى جـزئها الأسفل اسطوانية فى جزئها الأوسط مثمنة فى جزئها العلوى وهـى بهذا تحمل بعض الشبه لمئذنة جامع المتوكل بسامراء المعروفة بالملوية ويحيط بالمسجد بموازاة الأروقة الثلاثة الخارجية أسوار مبنية من الآجر الذى بنيت منه جدران المسجد تعلوها شرافات مخرمة شبهها بعضهم بعرف الديك وبهذه الأسوار أبواب يقابل كل منها بابا من الأبواب المسجد وعدة هذه الأبواب جميعا أربعون بابا


مـهـنـدس الـجـامــع :-


ولما كان اسم مهندس هذا الجامع مجهولا فقد أدى ذلك إلى كثير من التكهنات حول جنسيته فذكر بعض المؤرخين أنه كان بيزنطيا وقال آخرون انه كان قبطيا وقال فريق انه كان عراقيا غير أن الشبه الكبير بين هذا المسجد ومسجد المتوكل فى سر من رأى يحمل على الاعتقاد بأن مهندسه عراقى ولا عبرة بأن يكون مسلما أو نصرانيا قدم إلى مصر يحمل معه أساليب العراق وفنونه فاستخدمه ابن طولون فى تنفيذ بناء مسجده.


الـتجديـدات الـتى أدخـلـت على هـذا الـمسجـد :-


وقد أدخلت على هذا المسجد إصلاحات كثيرة فى العهود التالية يضيق المقام عن حصرها وأهم هـذه الإصلاحات ما قام به حسام الدين لاجين السلطان المملوكى سنة 696هـ ( 1297م) منها النافورة التى سبق ذكرها والمنبر الخشبى الجميل
وما زال موجودا حتى اليوم والقبة التى فوق المحراب الكبير ولكن أهـم ما أدخل عليه من تجديد فى العصر الحديث هـو ما قامت به لجنة حفظ الآثار العربية منذ سنة 1882م من جهود فى سبيل إعادته إلى حالته الأولى فهدمت المنازل والعشش التى أطبقت عليه من كل جانب ورممت المتداعى من جدرانه وطلتها بالجص معيدة زخارفه سيرتها الأولى .


قــناطــر الميـــاه :-


ولكى يمد ابن طولون قطائعه بالماء أمر بحفر بئر فى الجنوب الشرقى من القطائع فى الموضع الذى يعرف اليوم بالبساتين وشيد عليها قناطر يرفع إليها الماء بواسطة ساقية ومد تلك القناطر حتى القطائع فصار ينحدر عليها الماء فى سهولة ويسر إلى القطائع وقد بنيت هـذه القناطر من الآجر الذى بنى منه الجامع فيما بعد كما أن عقودها ستينية كذلك لهذا يعتقد أن المهندس الذى شيدها هـو نفس المهندس الذى شيد الجامع ولا تزال بقية منها باقية حتى اليوم


توفى أحمد بن طولون عام 270هـ ( 884م) وخلفه على ملك مصر ابنه أبو الجيش خمارويه وقد كان مسرفا إلى حد السفه ميالا إلى الأبهة والعظمة ولا أدل على ذلك من تجهيزه ابنته قطر الندى للخليفة العباسى المعتضد سنة 281هـ( 894م) جهازا لم تجهز به عروس من قبل حتى صار مضرب الأمثال فى البذخ والترف مما أفقر الدولة وجر عليها الخراب والدمار فلما قتل سنة 283هـ ( 896م) ترك خزائنها خاوية مما أدى إلى زوال دولة بنى طولون ومما يدل على بذخه وإسرافه أنه أحال ميدان أبيه الفسيح إلى بستان غرس فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر ( ونقل إليه النخل اللطيف الذى ينال ثمره القائم ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار النخل وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورود وزرع فيه الزعفران وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعهدهـا البستانى بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة وزع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والجنوى العجيب وأهـدى إليه من خراسان كل أصل عجيب وطعموا شجر المشمش باللوز وأشباه ذلك مما يستظرف ويستحسن وكسا أجسام النخل نحاسا مذهـبا حسن الصنعة وجعل بين النحاس وأجسام النخل مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر فكان يخرج من تضاعيف قوائم النخل عيون الماء وتنحدر إلى مساق معمولة ويفيض منها الماء إلى مجار تسقى سائر البستان وبنى فيه برجا من الخشب الساج فكانت هـذه الفوارات والبرك والعيون المائية الصناعية ــ على طريقة المصريين القدماء فى عمل البساتين إلى جانب أبراج الخشب مما يزيد البستان جمالا) وسرح فى البستان من الطير العجيب كالطواويس ودجاج البش ونحوها شيئا كثيرا وعمل فى داره مجلسا برواقه سماه بيت الذهب طلى حيطانه كلها ذهـب وجعل فيه مقدار قامة ونصف صورا فى حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياه والمغنيات اللاتى تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق وجعل على رءوسهن الأكاليل من الذهـب الخالص الإبريز فكان هـذا البيت من أعجب مبانى الدنيا وجعل بين يدى هـذا البيت بركة من زئبق يقال انها خمسون ذراعا طولا فى خمسون ذراعا عرضا وملأهـا بالزئبق وعمل فرشا من أدم ( جلد) يحشى بالريح ( الهواء ) حتى ينتفخ فيحكم حينئذ شده وينزل خمارويه فينام عليه فلا يزال الفراش يرتج ويتحرك بحركة الزئبق ما دام عليه حتى ينام متغلبـا على الأرق الذى كان مصابا به وقد ازدادت عمارة القطائع فى عهده وازينت ولم تصبح فقط مقر الأمير وبطاتنه ورجال حكومته بل اتسع نطاقها وأنشئت فيها المساجد الجميلة والحمامات والأفران والطواحين والحوانيت واختطت فيها الشوارع وصارت مدينة زاهـرة عامرة جديرة بأن تكون عاصمة لدولة بنى طولون العظيمة وبعد مقتل هـارون بن خمارويه سير المكتفى بالله الخليفة العباسى محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر فوصلها فى سنة 292هـ ( 905م) وانقض على آثار الطولونيين بالهـدم والتخريب إذ بلغ حقده عليهم مبلغا دفعه إلى محو آثارهم جملة ولولا حرمة مساجد الله وقداسة بيوته لهـدم أيضا المسجد الجامع ولكنا فـقدنا بذلك أثـر ا عظيما من أهـم الآثار الإسلامية بمصر أما القطائع فـقد ظلت عامرة إلى نهاية المستنصر الفاطمى حين وقعت الشدة العظمى من 457 إلى 464هـ ( 1065-1072م) فخربت هـى والعسكر وتهدمت وتحولت إلى تلال وكيمان فيما بين مصر والقاهـرة .


الـحيـاة الاقـتـصـــادية :-


لما قبض أحمد بن طولون على ناصبة الأمور فى مصر واستقل بحكمها عن الخلافة العباسية عنى بشئونها واهـتم بتحسين مواردها حتى تضاعف دخلها وكثر ثراؤهـا وفاقت الخلافة نفسها عمرانا ورخاء ومنعة وقوة ومما يدل على ثروة مصر ورخائها فى عهد ابن طولون أن خراجها قد بلغ فى أيامه أربعة آلاف ألف وثلاثمائة دينار هـذا مع كثرة صدقاته وإنفاقه على مماليكه وعسكره وأنفق على البيمارستان ستين ألف دينار وعلى حصن الجزيرة ثمانين ألف دينار وعلى الميدان خمسين ألف دينار وحمل إلى الخليفة المعتمد فى مدة أربع سنين ألفى دينار ومائتى ألف دينار وقد وصفنا لك بستان خمارويه وألمحنا إلى تجهيز ابنته قطر الندى للخليفة المعتضد العباسى جهازا لم نجهز به عروس من قبل أو من بعد ذلك الجهاز الذى تكلف مليون دينار أو ما يقرب من نصف مليون جنيه مصرى ومما اشتمل عليه ذلك الجهاز أربعة آلاف منطقة مرصعة بالجواهر وعشرة صناديق مملوء بالجواهر وألف هـاون من الذهب لسحق العطور وألف تكة بلغت تكاليف الواحدة عشرة دنانير كما بنى لها على طول الطريق بين القطائع وبغداد وعلى رأس كل مرحلة من مراحل الطريق منزلا تأوى إليه أعد فيه من أسباب الراحة والترف ما يصلح لمثلها فى حالة الإقامة فلا تحس بوعثاء السفر حتى لكأنها لم تتعد أسوار قصر خمارويه فى القطائع ولقد أولى ابن طولون البلاد كل عناية وتعهدها بالإصلاح والتعمير وعنى بصفة خاصة بأعمال الرى وأصلح مقياس النيل فى جزيرة الروضة .


الـحـيـاة الاجـتماعية :-


واتسعت رقعة البلاد وترامت أطرافها فعم الرخاء أرجاءها ويسر العيش بها وازينت القطائع بالقصور الفاخرة والدور العامرة ولقد تغلب على مشكلة المرض فأنشأ أول مستشفى فى مصر جنوبى القطائع فسبق بهـذا عصره بأحد عشر قرنا وقد انفق على بنائه وتجهيزه ستين ألف دينار وعنى بالمرضى عناية فائقة ولم يقتصر على مدهـم بالدواء بل أمدهـم بالغذاء والكساء وشرط ألا يعالج فيه جندى ولا مملوك وقصره على أفراد الشعب والفقراء من الناس وألحق به حمامين : أحدهـما للرجال والآخـر للنساء وقد حبس على مسجده الجامع وقناطره ومارستانه دخل بعض الأبنية ولعل ذلك كان بدء نظام الوقف ذلك النظام الذى كان له أخطر أثر فى الحياة الاجتماعية فى الاسلام بعد ذلك


الــحـالـة الـعـلمـية :-


انحصرت الثقافة فى علوم القرآن والدين وما يتصل بها من فنون اللغة كالنحو والصرف وكان جامع ابن طولون منتدى العلماء والفقهـاء والمحدثين ومن أشهر المحدثين والفقهاء فى العهد الطولونى وقبله الربيع ابن سليمان المرادى بالولاء ( 174-270هـ/ 790-883م) وقد امتاز بسعة الحفظ وجمع الرواية خصوصا رواية مذهب الشافعى وقد كان يدرس فى جامع الفسطاط ثم استدعاه أحمد بن طولون إلى التدريس فى مسجده لما بناه ويروى أن ابن طولون أعطاه فى أول درس ألقاه فى جامعه كيسا به ألف دينار وكان المحدثون يفدون على مصر من الأقطار المختلفة ليأخذوا عنه إذ كان يعتبر إمام الشافعية فيها كذلك كان أبو جعفر الطحاوى إمام الحنفية فيها ( 229-321هـ/ 843-933م) وكان من اسبق المؤلفين المصريين فى فنون مختلفة من بينها علوم القرآن والتاريخ وأكبر من كان يمثل الثقافة الدينية فى مصر فى هذا العصر أبو بكر بن الحداد فـقد كان يلقب بفقيه مصر وفصيحها وعابدها توفى سنة 344هـ(955م) ومن أشهر الفقهاء علما فى ذلك العصر [ سيبويه المصرى ] فقد كان يعلم كثيرا من معانى القرآن وقراءاته وغريبه وإعرابه وأحكامه ويعرف من النحو والغريب ما لقب بسببه سيبويه .


ومن أشهر المؤرخين ابن يونس ( 281-347هـ / 894-958م) فـقد عنى بنشر مفاخر مصر ورجالها مع العناية بحوادثها وقد جمع لها تاريخين أحدهما وهـو الأكبر ويختص بالمصريين منشأ والآخر صغير فيمن ورد على مصر من الغرباء وكان محمد بن يوسف الكندى ( 283-350هـ / 896-961م) من أعلم الناس بتاريخ مصر وأهلها وأعمالها وثغورها وهـو مصرى نشأ بمصر ومات بها وهـو صاحب كتاب ( الولاة والقضاة) وهـو من أهـم مصادر تاريخ مصر وكتاب ( فتوح مصر والمغرب والأندلس ) وهـو أيضا من أهـم المراجع فى تاريخ تلك البلاد ومن اشهر مؤرخى هـذا العصر أيضا ابن زولاق الحسن بن إبراهيم الليثى بالـولاء عنى كذلك بتاريخ مصر فأكمل أخبار قضاة مصر للـكندى وعنى بخططها فألف فيها وكانت خططه أساسا لمن أتى من بعده ومن بينهم المقريزى ومن أشهر المؤرخين وان لم ينتموا إلى العصر الطولونى وإنما ينتمون إلى العصر الأخشيدى المؤرخ المشهور المسعودى وقد كان مؤرخا جغرافيا ممتاز على من سبقه بدقة نظره وسعة إطلاعه وكثرة رحلاته ومشاهداته فقد أضاف الى الثروة التاريخية كثيرا مكن الكتب والمراجع النفيسة وتوفى سنة 346هـ (957م) ومن أشهر مؤلفاته ( مروج الذهب ومعادن الجوهـر ) وقد ترجم إلى الفرنسية


عـــلــم الــطــب :-


وسبق أن ذكرنا أن أحمد بن طولون أنشأ بيمارستانا على أرض العسكر للعناية بالمرضى ألحق به صيدلية وحمامين أحدهما للرجال والآخر للنساء ورتب له الأطباء و الصيادلة والخدم للعناية بالمرضى من مختلف الأديان والأجناس ويدلك إنشاء هـذا المستشفى وما كان عليه من تنظيم وحسن ترتيب واهـتمام أحمد بن طولون نفسه بالمرضى والعناية بهم على مدى تقدم فن الطب والتمريض فى عهده وفى الواقع أن مصر اشتهرت فى هـذا العصر بطائفة من الأطباء ومن هـؤلاء سعد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون وكان نصرانيا وإبراهيم بن عيسى والحسن بن زيرك وكان من أطباء ابن طولون أيضا .


الــفــنــون :-


كذلك كان للدولة الطولونية الفضل الأول منذ الفتح الإسلامى فى جعل مصر مركزا مشهورا للفنون ومقرا لبلاط فخم ويعتبر الجامع الطولونى ذخيرة للفنون فى هـذه الحقبة من تاريخ مصر بما حفل به من نقوش وزخارف كانت معنيا لدارسى الفنون عند الطولونيين ولو أن يد محمد بن سليمان الكاتب امتدت إليه أيضا بالتخريب والتدمير كما امتدت لقصور القطائع وحماماتها وبساتينها وسائر أبنيتها لفقدنا حلقة هامة فى سلسلة الفنون الإسلامية فى مصر ولاضطررنا أن نضرب فى بيداء الحدس والتخمين تجاه تلك الفنون .


الـزخـارف الـجصية:-


واتخذ الطولونيون الجص ( الجبس ) مادة لطلاء أبنيتهم وزخـرفوها بزخارف تستمد كثيرا من عناصرها من الأشكال ومن الرسوم النباتية تلك الرسوم التى قوامها الفروع النباتية تخرج منها أوراق العنب وعناقيده كما يرى فى واجهات عقود الجامع الطولونى أو الخطوط المتداخلة والخطوط اللولبية واللآلىء والأشرطة أو الخطوط المنكسرة كما فى بواطن العقود


الأخشاب الـمحـفورة :-


واستخدام الطولونيون الأخشاب فى مبانيهم وقصورهم ومساجدهم ولقد أفادوا من خبرة القبط فى صناعة الأخشاب تلك الصناعة التى توارثوها عن المصريين القدماء فاستخدموا الخشب فى عمل السقوف والأبواب والمنابر والدكك وأشرطة الكتابة التاريخية أو الزخرفية وقد وصلت إلينا قطع من الخشب ذى الزخارف الطولونية مصدرها إما المسجد الجامع أو القصور أو الأبنية الطولونية البائدة ويشبه ما عليها من الزخارف الجصية وهـى محفورة حفرا عميقا منحرف الجوانب قوامها الفروع والخطوط الحلزونية التى تغطى الأرضية كلها وقد يغطى التربيعة من الخشب الطولونى رسم تخطيطى أو آخـر موضوعاته نباتية تحيط به أشرطة من أقراص صغيرة محفورة أو فروع مستديرة أو مربعات أ و أشكال مستطيلة وذكرنا فى وصف بستان خمارويه ما كان يحلى قصر الذهـب من تماثيل خشبية له ولمحظياته على مقدار قامة ونصف وللأسف لم يصل إلينا شىء منها أما الزخارف الجصية والأخشاب المحفورة فبالمتحف الإسلامى بالقاهرة نماذج كثيرة منها وذكرنا فى وصف الجامع الطولونى الإزار الذى يدور تحت سقفه المصنوع من الألواح الخشبية والمنقوش فى وسطه آيات من القرآن الكريم بحروف كوفية من طراز الكتابة الكوفية التى سادت العصر الطولونى وهـى المكونة من الحروف المربعة ذات الزوايا القائمة .


الـــخــزف :-


وقد وجدت فى أطلال الفسطاط قطع من الخزف ذى البريق المعدنى تحمل شبها كبيرا للخزف المصنوع فى سامرا مما يؤدى إلى الظن بأن هـذا الخزف نقل إلى مصر بواسطة أحمد بن طولون وقلـد فى المصانع التى أنشأهـا فى الفسطاط لهذا الغرض ويذهـب فريق من الباحثين فى دراسة الخزف ذا البريق المعدنى نشأ على ضفاف النيل ثم أخذ ينمو ويترعرع فى العصر الإسلامى فى مصر وقد ذكر المرحوم على بهجت فى كتابه عن الخزف الإسلامى فى مصر أن الخزف الطولونى أرق طينة من النوع الذى ينسبه الى ما قبل العصر الطولونى كما يمتاز بزخارفه ذات البريق المعدنى ذى اللون الأصفر أو الزيتونى على أرضية بيضاء مشربة بالصفرة أو ( كريم) وفى أكثر القطع الخزفية الطولونية خط يحيط بالزخارف الرئيسية فيكون منطقة تزين ما يخرج عنها ثلاثية الشكل أو دوائر صغيرة فى وسط كل منها نقطة وفى المتحف الإسلامى بالقاهـرة صحن فيه زخارف هـندسية صفراء وسمراء وعلى أرضيته البيضاء النقط المعروفة فى زخرفة الخزف العراقى بسامراء.


الــمنسـوجــات :-


وقد كان لمصر شهرة عظيمة فى صناعة المنسوجات قبل الفتح الإسلامى وظل المصريون يزاولون تلك الصناعة كغيرهـا من الصناعات الأخرى طوال العصر الإسلامى ولكنها أخذت تتطور تدريجيا بما يلائم ذلك العصر والتقاليد الإسلامية وتشتمل مجموعة المتحف الإسلامى بالقاهـرة على عدد من القطع النسيج بأسماء الخلفاء العباسيين والأمراء الطولونيين والمعرف أن الجزية التى كانت ترسلها مصر إلى بلاط الخليفة العباسى ثم الهدايا التى أرسلها احمد بن طولون إلى الخليفة المعتمد والتى أرسلها خمارويه من بعده إلى الخليفة المعتضد – كان فيها شىء كثير من الأقمشة الثمينة والمنسوجات النفيسة ولابد أن نشير هنا إلى مصانع النسيج كانت على نوعين : أهـلية وهـى التى تصنع المنسوجات الشعبية ويطلق عليها طراز العامة وتشرف عليها الحكومة . ومصانع حكومية تصنع بها المنسوجات للخليفة ورجاله بلاطه وخاصته وهـى التى يطلق عليها طراز الخاصة وقد كانت أسماء الخلفاء والأمراء تكتب على تلك المنسوجات ويقرن باسم الخليفة ألقابه وبعض عبارات الأدعية وكثيرا ما يذكر فيها اسم المدينة التى فيها الطراز واسم الوزير وصاحب الخراج وناظر الطراز .


صـناعـات أخــرى:-


وتذكر المصادر التاريخية أن عدة جيش ابن طولون كانت مائة ألف جندى فالمعقول أنه كانت توجد فى الفسطاط مصانع تصنع ما يحتاج إليه هـذا الجيش العظيم من أسلحة وعتاد وان لم يصل إلى أيدينا شىء منها كذلك تروى تلك المصادر أن دنانير ابن طولون كانت من الصفاء بحيث استعملت خاصة للتذهيب ومعنى ذلك أنه كانت بمصر دار لسك النقود كما كان بها مصانع للزجاج تصنع الأوانى الزجاجية والخواتم والأختام التى كان يطبع بها على الأوانى لبيان أحجامها المختلفة .

القاهرة :


استتب الأمر للفاطميين فى شمال إفريقيا وصار ملكهم يمتد من حدود مصر شرقا حتى ساحل المحيط الأطلنطى غربا ورنا الخلفاء الفاطميون ببصرهم إلى مصر وتمنوا أن تدخل فى حوزتهم وتنطوى تحت سلطانهم لمـا لهـا من مكانة ممتازة فى العالم الإسلامى فحاولوا غزوهـا فى عهد القائم بأمر الله سنة 324هـ ( 935م) ولكن حال دون تحقيق هـذه الأمنية قوة محمد الإخشيد - حاكم مصر إذ ذاك – ووقوفه لهم بالمرصاد وظلوا يتربصون بمصر الدوائر حتى واتتهم الفرصة عندما أخذ نجم بنى الإخشيد فى الأفول وتسرب الوهـن إلى ملكهم وتولى أمر مصر من ذراريهم حثالة من ضعاف الملوك لا حول لهم ولا قوة عندئذ اقتنص الفرصة المـعـز لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين فأنفذ إليها سنة 358هـ ( 968م) جيشا كبيرا على رأسه قائده الأول جوهـر الصقلى مجهزا بأحسن العدد والأدوات ووضع لذلك الخطط المحكمة والترتيبات الموفقة ليتحقق الأمل المنشود هـذه المرة وكان قد سبق الغزو الفاطمى دعاية للفاطميين واسعة النطاق واستمالة الفاطميين للمصريين بشتى الوسائل لذلك لم يجد جوهر فى فتحها كبير عناء وسرعان ما صارت مصر درة فى تاج الفاطميين وانتقل إليها كرسى الخلافة الفاطمية وعلا قدرهـا وذاع صيتها وطمست بشهرتها الخلافة العباسية فى الشرق والأموية فى الغرب وتعالت القاهـرة المعزية على بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية وصارت قلب العالم الإسلامى النابض ومحور نشاطه الـدافق .


وكان فى مقدمة ما عنى به الفاطميون شأنهم فى ذلك شأن من سبقهم من الأسرات الإسلامية اتخاذ قاعدة جديدة للحكم تحمل طابعهم وتتميز عما سبقها من قصبات الحكم لذا حرص جوهر ليلة وصوله الفسطاط فى 17 شعبان سنة 358هـ ( 7يوليو سنة 968م) على إنشاء الحاضرة المرتقبة أنه كان ينفذ رغبة من رغبات سيده المعـز .


تســميـة الــقاهــرة :-


وهنا ينشط القصاص كعادتهم فى نسج قصة طريفة اقترن بها بناء العاصمة الجديدة : فيروون أن جوهرا نظر إلى السهل الرملى الواقع شمالى الفسطاط وكان خلوا من المبانى إلا القليل الملحق بالبستان الكافورى ودير فسيح يطلق عليه دير العظام وحصن صغير يسمى الشوك فاختط فيه مدينته وأحـاطها بسياج من الأعمدة الخشبية وأوصلها جميعا بالحبال التى تتدلى منها أجراس قصد بها أن تدق جميعا فى لحظة واحدة عندما تعطى الإشارة بذلك لكى تكون إيذانا بوضع الأساس وقـد ترقبوا مرور كوكب ميمون الطالع فى سماء المدينة الجديدة ليوضع الأساس عند إشراقه تفاؤلا بمستقبل سعيد مرموق لها ولكن حدث ما لم فى الحسبان إذ حط فوق أحد الحبال غراب فدقت الأجراس لفورها فوضع العمال الأساس وفقا للتعليمات المعطاة واتفق أن ظهر فى تلك اللحظة كوكب المريخ قاهـر الفلك كما يطلقون عليه فلما رفع الأمر للخليفة المعز عند قدومه إلى مصر فى 5 رمضان سنة 362( 10 يونيو 972) وكان عالما فى التنجيم وافق على نسبة المدينة الجديدة إلى كوكب القاهـر الذى كان يتعهد فيه يمن الغدوات وبركة الروحات وأضيف إليها اسم المعز فصارت تعرف باسم القاهرة المعزية أو قاهـرة المعز ومهما يكن من أمر فليست هـذه القصة وأضرابها بالشىء الجديد فى عالم العواصم القديمة فقليل منها من لم يقترن إنشاؤه بقصة طريفة من هـذا النوع لتكسبها روعة وجدة على مر العصور والأزمان .


ســـــور الـقـاهــرة :-


وليس بعجيب أن يكون أول شىء يبدأ به جوهر فى بناء العاصمة الجديدة بناء السور إذ كان المقصود بالمدن فى العصور الوسطى أن تكون قلاعا حصينة يحتمى وراءهـا السكان ضد الغزاة الفاتحين ونواة الأبنية فى تلك المدن قصور الخلفاء والوزراء وملحقاتها من دور الحكومة والدواوين ثم المساجد وأماكن العبادة وغيرها وهـذا ما حدا بالمقريزى أن يذكر أن بناء القاهـرة إنما قصد به أن تكون ( منزل سكنى للخليفة وحـرمه وجنـده وخواصـه ومعقل قتال يتحصن به ويلجأ إليه ) وقـد شغلت القـاهـرة أول قطعة من الأرض مساحتها 340فدانا على شكل مربع طول ضلعه 1200مـترتقريبا وكانت تمتد من منارة جامع الحاكم شمالا حتى باب زويلة جنوبا وأحاطها جـوهـر بسور من الـلبن كما تقدم بقيت منه بقية إلى عهد المقريزى ( أى إلى أوائل القرن التاسع الهجرى والخامس عشر الميلادى) فوصفها بقوله ( وفـد أدركت من هذا السور الـلبن قطعا وأخـر ما رأيت منه قطعة كبيرة كانت فيما بين باب البرقية ودرب بطوط هـدمها شخص من الناس فى سنة 803هـ فشاهدت كبر لـبنها ما يتعجب منه فى زمننا حتى أن الـلبنة تكون قدر ذراعا فى ثلثى ذراع وعرض جدار السور عدة أذرع يسع أن يمر به فارسان وكان بعيدا عن السور الحجر الموجود الآن وبينهما نحو الخمسين ذراعا وما أحسب أنه بقى الآن من هـذا السور الـلبن شىء )


أبــواب الـقـاهــرة :-


ويحد المدينة من الشرق تلال المقطم ومن الغرب الخليج الكبير ومن الجنوب مدينة القطائع ويقع فى هذا السور ثمانية أبواب هـى : باب زويلة وباب الفرج فى الجنوب وباب الفتوح وباب النصر فى الشمال وباب القراطين – الذى عرف فيما بعد بباب المحروق وباب البرقية فى الشرق وباب سعادة ويقع فى موضعه الآن محكمة الاستئناف العليا ثم باب القنطرة فى الغرب ( وسمى كذلك لأن جوهرا بنى تجاهـه على الخليج قنطرة ) وقـد جـدد هـذا السور بدر الجمالى وزير المستنصر سنة 480هـ ( 1087م) ولا تزال ثلاثة من أبوابه باقية حتى اليوم وهى : باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة وقد بنيت فى مواضع قريبة من أبواب جوهر القديمة ولكنها لم تبن من الـلبن وإنما بناها بدر الجمالى من الأحجار الضخمة كما ترى اليوم فى أماكنها الحالية وكما ترى بقية ضئيلة من سور بدر الجمالى فى شارع الجيش فى منتصفه تقريبا .


الـقـصـر الـشـرقى الـكبير :-


واختط جوهـر أيضا قصرا كبيرا لإقامة المعـز عند قدومه إلى مصر وكان يقع بالقرب من السور الشرقى ولذا أطلق عليه اسم القصر الشرقى الكبير وكل ما نعلمه عن ذلك القصر مستمد من المصادر التاريخية إذ لا أثـر له اليوم يمتد من الموضع الذى يوجد به المشهد الحسينى الآن إلى الجامع الأقمر تقريبا وكانت له تسعه أبواب : ففى الناحية الشرقية كانت توجد أبوا ب العيد والـزمرد وقصر الشوك وفى الناحية الغربية كانت توجد أبواب البحر والذهـب والزهومة وفى الناحية القبلية كانت توجد أبواب تربة الزعفران والديلم وفى الناحية البحرية كان يوجد باب واحد هـو باب الريح وكانت أسماء هـذه الأبواب تدل على معان خاصة فسمى باب العيد كذلك لأن الخليفة كان يخرج منه فى يومى العيد إلى المصلى التى كانت خارج باب النصر وموضع هـذا الباب اليوم بشارع قصر الشوك وباب الزمرد كان يتوصل منه إلى قصر الزمرد وموضعه اليوم بشارع حبس الرحبة بالجمالية وباب البحر كان يخرج منه الخليفة عندما يقصد التوجه إلى شاطىء النيل بالمقس وموضعه اليوم مدخل حارة القاضى تجاه جامع الملك الكامل بشارع بين القصرين وباب الذهـب كانت تدخـل منه المواكب وجميع رجال الدولة وكان تجاه البيمارستان المنصورى وباب الزهومة وسمى كذلك لأنه باب مطابخ القصر فتمر منه اللحوم وحوائج الطعام فتنبعث منه رائحة اللحوم وكان يتوصل من باب قصر الشوك إلى القصر المسمى بهذا الاسم ( قصر الشوك ) وموضعه الآن مدخل عطفة القزازين بدرب القزازين وباب التربة وكان يتوصل منه إلى مقابر الخلفاء التى كانت بداخل القصر وموضعه الآن وكالة القطن بسكة البادستان بخان الخليلى وباب الريح ويظهر أنه سمى كذلك لهبوب رياح الشمال الرطبة من خلاله لوقوعه فى الواجهة البحرية للقصر وموضعه الآن وكالة سالم وسعيد بازرعة بشارع التمبكشية بجوار جامع جمال الدين وباب الديلم وكان يدخل منه إلى المشهد الحسينى من شرقيه ويقع اليوم تجاه الباب الأخـضر الشرقى للمشهد المذكور .


الـقـصـر الـغــربــى الــصغيــر :-


وشيد العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله قصرا آخر غربى القصر الكبير لذا سمى بالقصر الغربى الصغير ويشغل مكانه اليوم مستشفى قلاوون للرمد وكل المساكن التى تجاوره إلى شارع الخليج لذا عرف أيضا بقصر البحر بالإضافة إلى اسم القصر الغربى ( وكان يشرف على البستان الكافورى ويتحول إليه الخليفة من البركة التى كان يقال لها بطن البقرة ومن البستان المعروف بالبغدادية وغيره من البساتين التى كانت تتصل بأرض اللوق وجنان الزهـرى ) وكان بين القصر الشرقى والقصر الغربى فضاء متسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر ما بين فارس وراجل يطلق عليه ما بين القصرين كما كان يصل القصرين سرداب تحت الأرض يسلكه الخليفة ممتطيا بغلته عندما ينتقل من القصر الشرقى إلى القصر الغربى متخفيا عن أعين الناس .


تـحف الـقصر الـكبير وطـرائفه :-


وقد زاد الخلفاء المتعاقبون من قاعات القصر الشرقى وأبهائه وأفرطوا فى تزيينه وزخرفته فقد وصف هذا القصر فى أواخر عهد الدولة الفاطمية بعض السائحين الأجانب ممن قدر لهم زيارة القاهـرة وصفا شائقا فذكروا أن أرضه كانت مرصوفة بالفسيفساء وأسقفه تزينها الزخارف الذهبـية الجميلة وفى وسط أفنيته النافورات التى يجرى منها الماء فى أنابيب من الذهب والفضة إلى أحـواض وقنوات مرصوفة بالرخام كما تكثر بحدائقه الطيور البديعة والحيوانات الغريبة أما الستائر فكانت مصنوعة من الحرير الموشى بالذهب ومرصعة بالجواهـر واليواقيت وعليها رسوم الحيوان والطيور وبعض صور آدميـة وقـد حشد الخلفاء الفاطميون فى هـذا القصر من التحف والطرائف ما يكاد يصدقه العقل وقـد جمعوا كل ذلك فى خزائن كان بعضها فى داخل القصر والبعض الآخـر فى مبان ملحقة به وكان يقوم على حفظها والعناية بمحتوياتها خـدم وموظفون اختصوا بهذا العمل وحده وقد وصف المقريزى فى خططه تلك الخزائن ومحتوياتها وصفا مسهبا ومن هـذه الخزائن : خزائن السلاح وخـزانة الكتب وخـزانة الكسوات وخـزائن الجوهـر والطيب والطرائف وخـزائن الفرش والأمتعة وخـزائن السروج وخزائن الشراب وخزائن التوابل وقد نمت القاهـرة وعلا شأنها وطار صيتها وازداد عمرانها وتعددت أبنيتها فأعجب بها الرحالة الفارسى ناصر خسرو الذى زار مصر سنتى  439 و441هـ ( 1047-1049م) فذكر أن حوانيتها لم تقل عن عشرين ألفـا وخاناتها وحماماتها لا يمكن حصرها وكانت أبنيتها أعلى من الأسوار الحصينة وفى كل منها خمس أو ست طبقات وكانت البيوت فى المدينة مبنية بناء نظيفا محكما وكانت مفصولة بعضها عن عن بعض بحدائق يرويها مياه الآبار


الــمنـاظـــــر :


وكان للخلفاء الفاطميين مناظر كثيرة بالقـاهـرة ومصر والروضة والقرافة وبركة الجيش وظواهر القـاهـرة وهـى عبارة عن بساتين أشبه شىء باستراحة الملوك فى عصرنا الحاضر أثثت بأفخر الأثاث والرياش وأحيطت بأجمل المناظر وأبهاهـا خصوصا تلك التى كانت تقع على النيل أو الخليج الكبير وكان يقصدها الخلفاء للنزهـة والتريض أو حضور الاحتفالات أيام المواسم والأعياد أو المناسبات الخاصة كتوديع الجيش والأسطول أو استقبالهما وكان فى تلك المناظر بناء عال يرتقـيه الخليفة ليرى ما يدور حـوله دون أن يراه أحد فإذا كان الوقت ليلا أو قدت فيه النيران ليرى على ضوئها المنظر جميعه ومن هنا جاءت تسمية البناء المفرد بالمنظرة واهـم تلك المناظر : منظرة الجامع الأزهـر : وكانت بجوار الجامع الأزهـر من قبلية .. وكان يجلس فيها الخليفة لمشاهـدة ليالى الوقود ومنظرة اللؤلؤة : وكانت تقع على الخليج بالقرب من باب القنطرة ويطلق على القصر المحيط قصر اللؤلؤة ويصفه المقريزى بأنه أحد منتزهـات الدنيا لفخامة بنائه وفاخر أثاثه وجميل موقعه إذ كان يشرف من شرفته على البستان الكافورى ويطل من غربيه على الخليج وما يشرف عليه من بساتين وبرك وقـد بناه العزيز بالله ومنظرة الغزالة : وكانت تقع بجوار منظرة اللؤلؤة ومنظرة السكرة : وكانت توجد على الشاطىء الغربى للخليج وكان لها بستان عظيم وقـد بناها العزيز بالله أيضا ( ويجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج هـو والوزيـر وقـد فرشت المعدة لها فنفتح إحدى طاقات المنظرة ويطل منها الخليفة على الخليج ومن طاقة تقاربها يتطلع أستاذ من الخواص ويشير بالفتح فيفتحه عمال البستان بالمعاول فتدق الطبول وينفخ فى الأبواق من البــرين ) ومنظرة الدكة وكان لها بستان عظيم بجوار المقس فيما بينه وبين أراضى اللوق وقـد عمر البستان بالمبانى فيما بعد وصار يعرف بخط قنطرة الدكة ومنظرة المقس ومنظرة التاج ومنظرة باب الفتوح ومنظرة الصناعة ومنظرة بركة الجيش .

المـسـاجـد الـفـاطميـة

الجامع الأزهــر :


احتط جوهـر فى المدينة الجديدة أيضا مسجدا جامعا أسوة بجامع عمرو فى الفسطاط وجامع أحمد بن طولون فى القطائع لكى تقام فيه الصلوات الجامعة ولكى يدرس فيه المذهـب الشيعى الإسماعيلى وتعاليمه وقـد بدأ فى بنائه فى جمادى الأولى سنة 359( أبريل سنة 970) وكان الانتهاء منه فى رمضان سنة 361 ( يونيو سنة 972) وربما كانت تسمية بالأزهـر نسبة إلى فاطمة الزهـراء ابنة النبى صلى الله عليه وسلم وزوج على بن أبى طالب كرم الله وجهه والتى تنسب إليها الدولة الفاطمية أو إلى اللون الأبيض المزهـر الذى طليت به جدران المسجد كما كانت عادة الفاطميين فى دهـان مساجدهـم بشمال أفريقيا قبل رحيلهم إلى مصر والمسجد الحالى يختلف عن جامع جوهـر كل الاختلاف كما يحدث نفس الشىء لجامع عمرو الأصلى نتيجة للإضافات والتعديلات التى أدخلت عليه فى العصور المتعاقبة والتى أحالته إلى مسجد يخالف المسجد القديم تمام المخالفة ولكن لا تزال ثمة بقية من جامع جـوهـر باقية فيصبح بذلك أقدم أثر من آثار الفاطميين فى مصر .


تخطيط الجامع الأزهــر :


كانت مساحة الأزهر عند بنائه نصف مساحته الحالية التى تبلغ الآن  12000 متر مربع فتضاعف على مر العصور بل أضيف إليه من مبان فى العهود المختلفة وكان يتكون أول الأمـر من أربعة أواوين يتوسطها الصحن وكان الإيوان الشرقى – إيوان القبلة – يتألف من خمسة أروقة أو بائكات أما الإيوانان القبلى والبحرى فيتألف كل منهما من ثلاثة أروقة والإيوان الغربى من رواق واحد يدور حول الصحن أنشأه الحافظ لدين الله وكان الباب يتوسط هـذا الـرواق وترتكز عقود البائكات فى إيوان القبلة على أعمدة رخامية من طراز مختلفة بينما ترتكز عقود البائكات خلف الرواق المشرف على الصحن على أكتاف مبنية وجميع العقود مدببة وليست من النوع المعروف بالعقود الفارسية وهـذه لا يوجد إلا فى الرواق المحيط بالصحن ويخطىء بعض الكتاب إذ يظن أن العقد الفارسى ميزة من ميزات العمارة الفاطمية الأولى نقلت إلى مصر ولكن الحقيقة هـى أن العقد الفارسى ميزة من ميزات العمارة الفاطمية المتأخرة والعمارة الأيوبية الأولى فى مصر فهو لا يوجد فى جامع الحاكم ولا فى جامع الجيوشى ومن أهم ما امتازت به العمارة هـذا المسجد المجاز الذى يخترق الصحن إلى المحراب والذى تنتهى عنده العقود من كلا الجانبين وهـذا المجاز هـو الأول من نوعه فى مساجد القـاهـرة وقـد كانت توجد قبتان فى ركنى إيوان القبلة إحداهما فى الركن الأيمن عن يمين المحراب والمنبر وتقابلها قبة أخرى فى الركن الأيسر وقـد اتبع هـذا النظام فى بناء جامع الحاكم وفتحت بأعلى الجدران شبابيك جصية مفرغة بأشكال هندسية تتخللها مزخرفة أحيطت بإفريز مكتوب فيه بالخط الكوفى المزخرف آيات من القرآن ومازالت بقايا من هـذه الشبابيك موجودة فى جدران إيوان القبلة ولا يعرف شىء عن مئذنة الجامع الأصلية بل ولا يعرف مكانها والمحراب الحالى ليس هـو المحراب الأصلى وفى سنة 1934م كشفت إدارة حفظ الآثار العربية عن المحراب الأصلى للجامع وكان حجمه محراب من خشب يظن أنه عمل فى عهد الظـاهـر بيبرس فأصلحت الزخارف الجصية للمحراب القديم هـذا هـو الجامع الأزهـر الذى بناه جـوهـر لأداء الصلوات الخمس والصلوات الجامعة ولكى تدرس فيه أصول المذهب الشيعى ومن ثـم تنتشر فى طول البلاد وعرضها ولكنه ما لبث فى عهد العزيز أن اتخذ طريقه فى أن يصبح جامعة كبرى فابتنى بجواره دارا لجماعة من الفقهاء عدتهم خمسة وثلاثون فكانوا يجتمعون فيه بعد صلاة الجمعة ويقرءون القرآن إلى صلاة العصر وقد أجرى عليهم الخليفة الأرزاق وأغـدق عليهم وزيره يعقوب بن كلـس الأموال ونقل الحاكم نصف ما كان بدار الحكمة من كتب كما زاد فى بنائه وزاد على ما وقفه عليه أبوه من قبل من أوقات وما تقدم له من هبات وقـد تعطلت صلاة الجمعة فى الأزهـر فى عهد الأيوبيين مدة قرن من الزمان ثم عاد إليه بهاؤه ورونقه فى عهد المماليك واستأنف نشاطه وأقيمت صلاة الجمعة فى عهد الملك الظاهـر بيبرس ومنذ ذلك الوقت يهـرع إليها المسلمون من جميع أركان المعمورة لينهلوا من معانيه وليتفقهوا فى الدين وليسترشدوا بعلم أئمته وشيوخه الأعلام .


جــامــع الــحاكــم :


ثم جاء العزيز بالله نزار فشرع فى سنة 379هـ ( 989م) فى بناء مسجد آخر خارج باب الفتوح ولكنه توفى قبل إتمامه فأتمه ابنه الحاكم 403هـ ( 1012-1013م) لذا نسب إليه وصار يعرف بجامع الحاكم ويبلغ طوله 5ر120 مترا وعرضه 113مترا فمساحته اقل من مساحة جامع عمرو وفى نهايتى واجهته البحرية ( الشمالية الغربية ) وتوجد المئذنتان ويحيط بهما قاعدتان عظيمتان هـرميتا الشكل وتتركب كل قاعدة من مكعبين يعلو أحدهما الآخر والمكعب العلوى موضوع إلى الخلف قليلا فوق السفلى ويبلغ ارتفاع الأخـير ارتفاع أسوار الجامع وتبرز من كل من المكعبين العلويين مئذنة مثمنة الشكل وفى منتصف هـذه الواجهة البحرية وبين المئذنتين يوجد مدخل الجامع الأثرى وهـو أول مدخل بارز بنى فى جامع القـاهـرة يغطيه قبو إسطوانى عرضه 48ر3 مترا وطوله 50ر5مترا وفى نهايته باب عرضه 21ر2مترا ومعقود بعقد أفقى من الحجر وهـذا العقد والحائط الموجود فيه حديثا البناء ويوجد فى المدخل عن اليمين وعن اليسار بقايا نقوش بديعة ارتفاعها 60ر1مترا تكون طبانا فى المدخل ويؤدى المدخل إلى صحن الجامع الذى تحيط به أواوين هـى على الترتيب الآتى : الإيوان الجنوبى الشرقى ( إيوان القبلة) ويتكون من خمسة أروقة وبكل رواق 17عقدا ويقابله الإيوان الشمالى الغربى ويتكون من رواقين وبكل رواق 17 عقدا أيضا والإيوانات الشمالى الشرقى والجنوبى الغربى ويتكون كل منهما من ثلاثة أروقة وبكل رواق عقود وكل تلك العقود محمولة على أكتاف تشبه أكتاف الجامع الطولونى اذ توجد فى الأركان الأربعة لكل كتف أعمدة مثل أعمدة الجامع الطولونى غير أنها أثخن ولا تيجان لها وقد كانت جميع العقود مغطاة بسقف مسطح من الخشب ويحيط بالسقف من أسفله فيما بينه وبين العقود إزار جصى من الكتابة الكوفية البديعة وجميع الأكتاف والأعمدة من طوب داكن يشبه الطوب المستخدم فى بناء جامع بن طولون ويربط الأكتاف بعضها بعض مـيـد ( أربطة خشبية ) مكسوة بألواح مزخرفة بنقوش محفورة فى الخشب كما كانت تعلو الأعمدة فرشات من الخشب المسطح مكونة من قطعتين أو ثلاث قطع وتوجد فى نهايتى حائط القبلة قبتان محمولتان على مثمن كما توجد قبة ثالثة فوق المحراب وقد هـدمت القبة الشرقية بسبب إقامة السور الذى بناه بدر الجمالى ملاصقا للجدار الشرقى للجامع كما سدت جميع النوافذ فى هـذا الجدار أيضا لنفس السبب المتقدم وقـد كان يوجد عن يمين المدخل الحالى بابان آخران وقد سدت جميعها كما كان يوجد بابان فى الجانب الشرقى ( باب فى الوسط وباب ملاصق للمئذنة ) وباب فى منتصف الجانب الغربى وباب للخطيب بجوار المنبر فيصير مجموع الأبواب تسعة أما الشبابيك فى هـذا الجامع فموضوعة على محور كل عقد بخلاف شبابيك الجامع الطولونى فإنها منحرفة عنه قليلا وينتج عن ذلك أنه كان يوجد فى الجامع الحاكم 16 شباكا وفى كل من الحوائط الجانبية و17 شباكا فى كل من إيوان القبلة والحائط المقابل له وقد سدت المئذنتان شباكا من كل جهة فيصبح بذلك عدد الشبابيك 16 فقط ويوجد شباكان فى الحائط الخلفى لإيوان القبلة على يسار المحراب والزخرفة فى هـذين الشباكين لا تشمل على زخرفة هندسية بل تتكون من زخارف نباتية متداخلة بعضها فى بعض وكما ذكرنا كان يوجد إزار جصى يحيط بالجامع من الخط الكوفى البديع لا تزال آثاره باقية إلى اليوم فى إيوان القبلة كذلك كانت القباب والشبابيك مزينة بزخارف جصية بديعة وحتى المـيـد الخشبية كانت مزينة محفورة فى الخشب ولا يزال بعضها موجودا فى إيوان القبلة وقـد توالت صروف الزمان على هـذا المسجد فاعتدى عليه بدر الجمالى فسد منافذ الجدار الشرقى ببنائه السور ملاصقا لهذا الجدار كما أصابه زلزال سنة 702هـ ( 1303م) بتلف شديد فتهدم كثير من العقود والأكتاف الحاملة لها وسقط السقف كما هـوت قمتا المئذنتين وتوالت عليه المصائب حتى تهدمت جميع أواوينه ما عدا بعض عقود فى الإيوانين القبلى والشرقى فاستخدمته وزارة الأوقاف مخزنا وحفظت فيه التحف والآثار الإسلامية قبل نقلها إلى الدار الحالية وتشغله الآن مدرسة السلحدار الابتدائية وقـد أصلحت إدارة حفظ الآثار العربية أكتاف النصف الغربى من الإيوان القبلى وعقوده ولكن لا تزال حالة الجامع تبعث على الأسى والأسف مما لا يتناسب مع مكانته كأثر من الآثار الإسلامية الجديرة بالعناية والاهـتمام وقـد شيد الحاكم مسجدين آخرين هما جامع راشدة سنة 393هـ ( 1003م) الذى اشتق اسمه من الخطة التى بنى فيها وهـى خطة راشدة وجامع المقس الذى شيده على شاطىء النيل بالمقس ميناء القـاهـرة النهرى فى ذلك الحين وليس لهما أثر اليوم .


جــامــع الـجـيوشــى :-


يقوم هـذا المسجد أو الزاوية كما يسميه النقش الموجود فى أعلى مدخله على حافة جبل المقطم خلف القلعة والذى أمـر ببنائه هـو الـوزير أميـر الجيوشى بدر الجمالى سنة 478هـ ( 1085م) أما أهمية هـذا الجامع الأثرية فترجع إلى أنه :-


أولاــ أول بناء اشتمل على جامع ومقبرة فى نفس الوقت


ثانيـا ــ أنه أول جامع فى القـاهرة بنى بالحجر .

وليس ذلك غـريبا إذا عـرفنا أنـه مبنى فوق تل المقطم يحيط تلال جميعها من الحجر الجيرى الحيد وهـو منحرف نحو الشمال الغربى والجنوب الشرقى ولكن بناءه منسجم كما يظهر من تخطيطه بالرغم من عدم انتظام خـارجه وبحذف الإضافة الخارجية نجد أن هـذا الجامع مبنى على مستطيل مساحته 18×15مترا والمدخل فى منتصف الواجهة الشمالية الغربية أسفل المئذنة وهـو عبارة عن باب معقود مدبب يؤدى إلى ردهـة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى وعلى الجانب الأيسر من هـذه الـردهـة حجرة مربعة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى أيضا تحتوى على صهريج ماء وعلى الجانب الأيمن حجرة أخـرى مربعة مفتوحة إلى السماء بها سلم يـؤدى إلى السقف المسطح ويدخل الإنسان من الردهة إلى الصحن الجامع بواسطة قبو آخر مدبب ومساحة الصحن 45ر6×60ر5مترا وعلى كل من جانبيه حجرة مسقوفة بقبو نصف اسطوانى وعلى الضلع الجنوبى الشرقى للصحن توجد واجهة إيوان القبلة ذات الثلاثة العقود : عقد كبير يكتنفه عقدان صغيران ويتكىء العقد الأوسط على زوجين من الأعمدة الرخامية لها تيجان على هـيئة ورق اللوتس وقـواعد من ورق اللوتس المقلوب ويؤدى هـذا العقد إلى ردهة طويلة ذات عقد متقاطع تنتهى بعقد ثلاثى آخر يؤدى إلى القبة التى توجد أمام المحراب والتى يكتنفها من كل من جانبيها إيوان معقود متقاطع والمحراب الذى يبلغ ارتفاعه 15ر3مترا هـو قطعة فخمة من الزخرفة الجصية كما يزين القبة من أسفلها شريط من الكتابة الكوفية المزخرفة يجرى حول رأس المربع المقامة عليه القبة وترتكز القبة على مثمن فى كل ضلع من أضلاعه شباك ومنطقة الانتقال بين المربع والمثمن تتخللها حنيات أما المئذنة فقائمة فى منتصف الضلع الشمالى ويبلغ طولها 20مترا تقريبا وتتركب من قاعدة مربعة تنتهى بمقرنص يعلوه مربع آخـر فمثمن يحمل قبة وجميع حـوائط الجامع لغاية السقف المسطح مبنية من الحجر وجميع العقود وكذا الجزء من المئذنة الذى يعلو السقف المسطح وتوجد فى المبانى أربطة من جذوع النخل ويؤخذ من النقش الموجود على مدخل الجامع أن أمير الجيوش بدر الجمالى أمـر ببنائه سنة 478هـ ( 1085م) .


الــجـامـع الأقمر :-


يوجد هـذا الجامع فى شارع النحاسين وقـد بناه الـوزيـر المـأمون بن البطايحى بأمر من الخليفة الآمر بأحكام الله أبى على منصور سنة 519هـ ( 1125م) وهـو أول جامع فى الـقاهـرة حوت واجهته تصميما هندسيا بديعا وهـو أول جامع أيضا فيه الواجهة موازية لخط تنظيم الشارع بدل أن تكون موازية للصحن ذلك لكى تصير القبلة متخذة وضعها الصحيح ولهذا نجد أن داخل الجامع منحرف بالنسبة للواجهة وهـو مكون من صحن صغير مربع مساحته عشرة أمتار مربعة تقريبا يحيط به رواق واحد من ثلاثة جوانب وثلاثة أروقة فى الجانب الجنوبى الشرقى أى فى إيوان القبلة وعقود الأروقة محلاة بكتابات كوفية مزخرفة ومحمولة على أعمدة رخامية قديمة ذات قواعد مصبوبة وتيجان مختلفة تربطها مـيـد خشبية وأجمل شىء فى هـذا الجامع واجهته التى لا يضارعها فى زخارفها البديعة واجهة أخرى فى جوامع الـقاهـرة ويرى فى مدخله لأول مرة فى عمارة المساجد العقد المعشق الذى انتشر فى العمارة المملوكية فى القرن الخامس عشر الميلادى وفوق هـذا العقد يوجد العقد الفارسى وهـو منشأ على شكل مروحة تتوسطها دائرة فى مركزه واهـم ميزة فى تصميم الجامع استعمال المقرنصات ولم تستعمل قبل ذلك إلا فى مئذنة جامع الجيوشى كما سبق تفصيله تلك الزخرفة التى عــم انتشارها جميع العمارة الإسلامية تقريبا بعد هـذا الجامـع .


جــامـع الـصــالــح طـلائــع بن رزيـــك : -


يوجد هـذا الجامع على رأس تقاطع شارع الدرب الأحمر بقصبة رضوان وتجاه زاوية فـرج بن برقوق أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وزيـر الخليفة الفائز بنصر الله الفاطمى ثم الخليفة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية والمتوفى سنة 556هـ (1161م) فكان جامعه هـذا أثر انشىء فى عهد الدولة الفاطمية وقيل فى سبب بنائه انه بنى لتلقى رأس الحسين وقـد كانت قبلا مدفونة فى عسقلان التى أصبحت فى خطر من مهاجمة الصليبيين لها ولكن هـذا القول مردود لأن المشهد الحسينى أنشىء سنة 549هـ (1154م) أى قبل بناء الجامع بنحو ست سنوات وهـو جامع صغير بالنسبة لجامعى ابن طولون والأزهـر ويحيط بالصحن أواوين مرتبة على نسق أواوين الجامع الأقمر : فيتكون إيوان القبلة من ثلاثة أروقة ويتكون كل من الأواوين الثلاثة الأخرى من رواق واحد فقط وعقود هـذه الأروقة محمولة على أعمدة من الرخام وله أربع واجهات مبنية بالحجر أهمها الواجهة الغربية وبوسطها المدخل الرئيسى للمسجد وقـد أقـيم أمامـه رواق محمول على أربعة أعمدة رخامية وحليت عقوده بزخارف بديعة كما صدر هـذا الرواق وجانباه بزخارف على هيئة مروحة ونقشت بأفاريزه آيات قرآنية كتبت بالقلم الكوفى المـزهـر ويمتاز هـذا المسجد بأنه من المساجد المعلقة إذ أن أرضيته كانت أعلى من مستوى سطح الشارع بمقدار 80ر3مترا ويرتكز على أقبية كانت ولا تزال تستعمل كحوانيت ويوصل إلى الأبواب سلالم عمودية على الواجهات والى عهد قريب كانت هـذه الأقبية مختبئة لارتفاع سطح الشارع عما كان عليه من قبل بنحو ثلاثة أمتار تقريبا وقد عادت إلى الظهور بعد أن أزيل الـردم وجدرانه الأربعة مبنية من الخارج بالحجر المحلى بزخارف وكتابات كوفية محفورة فى نفس الحجر وواجهته الغربية الخارجية لا نظير لها فى مساجد الـقاهـرة من حيث تصميمها ويزيد فى جمالها تلك العقود المملوءة بزخارف على هيئة مروحة والمنبر الموجود حاليا بالمسجد صنع بأمـر الأمـير بكتمر الجوكندار سنة 699هـ ( 1299م) وكان قـد جدد مئذنته عقب سقوط المئذنة الأصلية بسبب زلزال 702هـ ( 1302-1303م) وبناء الجامع فى هـذا الموضع تجاه باب زويلة خطير من الوجهة الحربية على المدينة فلو أن عدوا مهاجما استولى عليه لأمكنه أن يهددهـا من هـذه الناحية ولاتخذ منه نقطة ارتكاز جيدة لاقتحام باب زويلة نفسه ثم المدينة بعد ذلك وقد شعر الصالح طلائع بهذا الخطأ قرب وفاته لذلك قال ( ما ندمت قط فى شىء عملته إلا فى ثلاث : الأولى بنائى هـذا المسجد على باب الـقاهـرة فإنه صار عونا عليها ... إلخ ) وظل هـذا الجامع حافظا لكيانه حتى سنة 882هـ ( 1477م) ثم أخذ يتهدم شيئا فشيئا حتى لم يبق منه سنة 1920م سوى إيوانه الشرقى فأخذت لجنة حفظ الآثار العربية منذ سنة 1915م فى تجديده وإعادته إلى سابق عهده وبذلت فى سبيل ذلك جهدا كبيرا وقـد وفـقت فى مهمتها إلى حد كبير .

الـحالـة الاقتصـادية فى عهـد الفاطميين

الاستقرار وأثره فى انتعاش الحياة الاقتصادية :-


لم تنفذ دولة إلى صميم الشعب وتتغلغل بين طبقاته مثل ما فعلت الدولة الفاطمية فى مصر ولم يكن ذلك غريبا فهى دولة إسلامية شيعية قبل كل شىء ولم يكن للمصريين سابق عهد بالتشيع وقـد رأينا كيف تمكنت المذاهـب الأربعة خصوصا المذهـب الشافعى فى مصر قبل الدولة الفاطمية فكان حتما على الفاطميين أن يروجوا لمذهـبهم بكل الأساليب ويـزينوا للناس الأخذ به والانضواء تحت لوائه فأضفوا على الحياة بهجة بما احتفلوا من أعياد ومواسم إسلامية جميلة ما يزال أغلبها باقيا حتى اليوم وقد انقضى على عهدهم نيف وعشرة قرون مثل : أول العام الهجرى ومولد النبى صلى الله عليه وسلم ويوم عاشوراء ووفاء النيل والعيدين :عيد الفطر والعيد الأضحى وخروج قافلة الحج إلى الحجاز بل ذهـبوا إلى أبعد من هـذا فقد احتفوا أيضا ببعض الأعياد القبطية مشاركة للقبط فى أفراحهم كليلة الغطاس والنيروز وخميس العهد وكانوا يولمون الولائم وينثرون الذهـب على الناس وتلبس القـاهـرة حلة قشيبة من البهجة والزخرف وترفرف عليها أعـلام الفرح والسرور ومهما يكن من أمر فقد نعمت مصر فى عهد الفاطميين بما لم تنعم به من قبل ، نعمت لأول مرة منذ عهد الفراعنة بالاستقلال الكامل والحرية التامة وأصبحت لأول مرة عاصمة ودار الخلافة الإسلامية بل إنه دعى للخلفاء الفاطميين فى صلاة الجمعة فى جميع المساجد من المحيط الأطلسى إلى البحر الأحمر وفى اليمن ومكة ودمشق وفى ذات مرة فى بغداد وفى الموصل ونعمت بالاستقرار الشامل والسلام المقيم اللذين حفلت البلاد فى ظلالهما بالرخاء والثراء وبحبوحة العيش ولا يغيب عن البال ما كانت تحدثه احتفالات الفاطميين من انتعاش فى الحركة الاقتصادية فى البلاد عموما وفى القاهـرة بصفة خاصة هـذا فضلا عما تضفيه عليها من ألوان البهجة والسرور وتقدمت القول أنه بالرغم من إنشاء القـاهـرة فقد ظلت الفسطاط تشغل المركز الأول فى الصناعة والتجارة بها دور الصناعة العديدة والمتاجر الغنية المتنوعة وقد حفلت بالمنتجات المحلية والسلع الشرقية والغربية ولحظ ناصر خسرو أن التجار فى مصر كانوا يبيعون بأثمان محدودة وإذا ثبت على أحدهم الغش فانه يركب جملا ويوضع فى يده جرس يدقه ويطاف به فى البلد ويرغم على أن يصيح بأعلى صوته ( قـد كذبت وها أنذا أعاقب وكل يقول الكذاب فجزاؤه العقاب )


لم تستفد مصر من ولاتها الذين حكموها منذ الفتح الإسلامي قدر ما استفادت وانتفعت من الفاطميين على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية وأن بناء القاهرة والجامع الأزهر لهما خير دليل على ذلك . . والتاريخ يحدثنا عن نهضة واسعة في الحياة الفكرية والأدبية في العصر الفاطمي كما يحدثنا عن ازدهار العلوم الفلسفية والرياضيات والفلك والتنجيم والطب .

ويقول الدكتور محمد كامل حسين : . . في العصر الفاطمي نرى تطورا جارفا في الحياة الفكرية ولا سيما في العلوم الفلسفية على اختلاف ألوانها وفنونها . إذ ازدهرت هذه العلوم ورعاها الخلفاء الفاطميون .

بل كان هؤلاء الخلفاء من العلماء المبرزين في بعض هذه العلوم . وخاصة في الإلهيات والفلك . . وقد اهتم الفاطميون برصد النجوم واهتموا بعلماء الرياضيات اهتماما خاصا . . كما اهتموا بالشعر واتخذوه وسيلة من وسائل دعوتهم السياسية .

وكان الفاطميون أساتذة فن الدعاية واتخذوا لها كل الوسائل الممكنة في عصرهم وجندوا للدعاية كل من يفيدهم في هذا المضمار . . ولا أكاد أعرف دولة من الدول الإسلامية أقامت للشعراء هذا التمجيد . أو اهتمت بهم هذا الاهتمام فلا غرو إذا إن ازدهر الشعر المصري ازدهارا لم يعرف من قبل .

ويقول الدكتور عبد المنعم الماجد : . . ويرجع الفضل إلى الفاطميين في خلق أهمية مركز مصر الدولي للتجارة . إذ أنهم عرفوا مزايا الموقع الجغرافي لمصر في مفترق القارات لتربط بين عالمين ولكي يسهل الفاطميون نقل التجارة بين الشرق والغرب فتحوا القنال بين النيل والبحر الأحمر وهو ما عرف في عهد المستنصر بالخليج الحاكمي نسبة إلى الحاكم بأمر الله .

وقد ذكر الرحالة ناصر خسرو عندما مر بمصر في تلك الفترة : أن المصريين كانوا في حالة حسنة جدا . وأنه رأى أموالا يملكها بعض المصريين لو ذكرها أو وصفها لما صدقه أحد . فهي لا تقع تحت تحديد أو حصر . وهي للنصارى والمسلمين على السواء .

وذكر أيضا : وقد رأيت الأمن والعدل فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع : الأول بالدشت أيام نشكر خان . والثاني بالديلم أيام أمير الأمراء جستان بن إبراهيم والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين . والرابع بطبس أيام الأمير أبي الحسن بن محمد . فلم أسمع على كثرة ما سافرت بهذه الجهات عن الأمن ولم أره .

لقد أصبحت مصر لأول مرة في التاريخ مركز الحكم والتوجيه وتحولت القاهرة إلى عاصمة للعالم الإسلامي كما أصبحت منارة العلم وقبلة المتعلمين وذلك بفضل الفاطميين الشيعة .

وكانت الدولة الفاطمية تمتد من أقصى المحيط الأطلسي إلى الفرات وبلغت دعوتها إلى أقصى انتشارها ووصل غناها إلى الذروة . وهكذا كان حال الدولة الفاطمية حين تسلمها المستنصر بالله الخليفة الثامن من خلفاء الفاطميين .

وكانت الدولة الفاطمية في خلافة الظاهر والد المستنصر في غاية الاستقرار والرفاهية ولأجل ذلك مال الظاهر إلى الدعة والراحة ولما جاء المستنصر ركن إلى هذا الحال .

وقد ازدهرت الحركة العمرانية في عهد الفاطميين كما ازدهرت صناعة النسيج واشتهرت مصر بصناعة أنواع خاصة من النسيج .

وكانت الحكومة تقوم بكسوة موظفيها في الصيف والشتاء وكسوة العامة من الفقراء والمحتاجين . ولم تكن المواكب المترفة غاية الترف التي كانت تخرج في شوارع القاهرة في المناسبات الدينية كعيد الفطر والأضحى وبداية رمضان وكذلك في عيد ميلاد الخليفة - هذه المواكب تشير في دلالة واضحة إلى حالة الرخاء والسعة التي كانت تعيشها في تلك الفترة . وجميع أفراد الشعب كانوا يتأنقون لهذه المواكب فيلبسون أغلى الملابس وأروعها والتي كانت تصنع في دور الطرز المصرية . وهي أماكن لصناعة الملابس أغلبها مذهبة . يشملها زي مصري عام ذو أكمام واسعة . . وقد بلغت الناس غاية التأنق في عهد الظاهر .

وكان الخليفة العزيز يقول : أحب أن أرى النعم عند كل الناس ظاهرة . وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر. ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار. وأن يكون ذلك كله من عندي.

ويروي المؤرخون الكثير عن عدل المستنصر ورحمته بالناس فقد كان يعطي الدواء لمن يطلبه المجان ويخالط الناس ويسمع شكواهم وقد أحبته الرعية حبا شديدا .

كما يروى أن النفقة على قافلة الحج في عهد المستنصر بلغت مائتي ألف دينار ولم تبلغ هذه النفقة مثل ذلك في دولة من الدول حيث كانت تشمل ثمن الطيب والشمع والحماية والصدقة وأجرة الجمال ومعونة خدم القافلة ومن يسير معها من العسكر الذين بلغت نفقاتهم في عهد المستنصر ستين ألف دينار زيادة على مرتباتهم أو ألف دينار في اليوم .

وقد أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395 ه‍ وزودها بالكتب من كل نوع في العلوم والآداب والعقائد وكان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار . فكانت أشبه بجامعة تتكون من عدة كليات .. وكانت خزانة الكتب في زمن المستنصر لا نظير لها في جميع بلاد الإسلام وهي تتكون من أربعين خزانة فيها أكثر من مائتي ألف كتاب وعدد كبير من الكتاب والنساخ . وبلغ عدد المساجد في مصر آنذاك ستة وثلاثون ألف مسجد في جميع المدن والقرى ولكل مسجد يقع في حدود الدولة من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها الخليفة المستنصر من زيت وحصير وسجاجيد للصلاة ورواتب للقوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم .

واعتاد خلفاء الفاطميين أن يقيموا في قصورهم الولائم الفاخرة في الأعياد لعامة الناس حيث تقدم لهم الفطرة وهي حلوى من دقيق وفستق ولوز وبندق وتمر وزبيب وعسل وهي تنشر كالجبل الشاهق على مائدة طويلة بالإيوان الكبير .

وفي عيد الأضحى كان الخليفة ينحر بنفسه الأضاحي إيذانا منه ببدء النحر . وكانت تنحر في فترة العيد ما يزيد على الألف رأس توزع لحومها على الموظفين وطلبة العلم والقائمين بشئون الجوامع .

إن الدولة الفاطمية التي استقرت بمصر فكانت أوفرها بين الدول بهاء وأبقاها أثرا وما زال الجامع الأزهر غرس الدولة الفاطمية اليانع يقوم منذ ألف عام أثرا خالدا ورمزا باهرا لهذا العصر الزاهر وهذه الدولة المستنيرة العادلة .

وربما كان العصر الفاطمي بين عصور مصر الإسلامية الغابرة أجودها من هذه الناحية بالدرس والتمحيص وأحفلها بالمواقف الشائقة وأكثرها سحرا وفتنة وأبعثها إلى التأمل والعطف لأن الخلافة الفاطمية بالرغم مما كان يحيق بأصولها وأمامها من الريب فقد كانت بنظمها الطريفة ورسومها الفخمة وخلالها الباهرة تنثر من حولها فيض من العظمة والبهاء وتطبع العصر بطابع عميق من روحها الباذخ كما يحدثنا التاريخ .

وفي أيام هذه الدولة أخذت أنوار الحضارة الإسلامية تنبثق من هذه المدينة الزاهية على أرجاء الأرض . وأخذ الفن المصري الإسلامي يتألق في جميع نواحيه .

وفي رعاية هذه الدولة وثبت العمارة الإسلامية وثبة قوية حتى قاربت الكمال لأن خلفاءها تباروا في إنشاء وتأسيس المساجد الكبرى والحصون والقصور والمناظر والحدائق والبساتين .

وفي هذا العصر الزاهي انتشر الزخرف في واجهات المساجد وانتعش التصوير ونبغ المصورون وترقت ودقت صناعة الجص والأخشاب . . وكانت أيامهم كلها أعيادا بما ابتكروه من حفلات جمعت بين جلالة الملك وطرب الشعب وبهجته .

العادات الرمضانية الشهيرة :


كان الخليفة الفاطمي يصلي أيام الجمع الثلاث, الأولى والثانية والرابعة على الترتيب التالي, الجمعة الثانية في جامع الأزهر، والثالثة في مسجد الحاكم, أما الجمعة الرابعة التي تعرف بالجمعة "اليتيمة" فكان يؤديها في جامع عمرو بالفسطاط. وكان يصرف من خزانة التوابل الند وماء الورد والعود برسم بخور الموكب والمسجد, وعقب صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان يذاع بلاغ رسمي عرف بـ"سجل البشارة"!


غرة الشهر


قبل رمضان كان يخرج القاضي ومعه أتباعه لتفقد المساجد وتزويدها باللازم حتى تستقبل المصلين، فإذا كان الأسبوع الأخير من شهر شعبان عهد إلي قضاة مصر بالطواف بالمساجد في القاهرة وباقي الأقاليم لتفقد ما تم إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق المسارج والقناديل.


ويصف الرحالة ناصر خسرو الذي زار مصر في القرن الخامس الهجري. التنور الثريا الذي أهداه الخليفة الحاكم بأمر الله إلي مسجد عمرو بالفسطاط بأنه كان يزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة. كما يقول عن جامع عمرو: إنه كان يوقد في ليالي المواسم والأعياد أكثر من سبعمائة قنديل. وإن المسجد يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض.
وإذا ما انتهي شهر الصوم تعاد تلك التنانير وكذا القناديل والمشكاوات إلي مكان أعد لحفظها فيه داخل المسجد. كذلك كانت الدولة تخصص مبلغا من المال لشراء البخور الهندي والكافور والمسك الذي يصرف لتلك المساجد في شهر رمضان.
وكان لخلفاء الدولة الفاطمية عادات ورسوم في جميع المناسبات, ومنها ما اشتهر بـ"ركوب أول رمضان", وهو من الأيام المشهودة في مصر الفاطمية, فكان موكب الخليفة في زيه وبنوده وقبابه يحتشد بباب الذهب داخل سور القصر الكبير الشرقي وقد امتطى أكرم الجياد, مرتديا "شاشية موكبية مكملة مذهبة" وبيده "قضيب الملك" متوجا بعمامة ضخمة، يحيط به إخوته وبنو عمه مترجلين وكبار أمراء الدولة وأرباب السيوف والمقدمين أصحاب ركاب الخليفة, ثم طوائف العسكر، وما يضاف إليهم من الأجناد نحو سبعة آلاف, كل طائفة منهم بزمام وبنود ورايات وتشد فوق رأس الخليفة "المظلة" وهي من أفخر أنواع الحرير المطرز بالذهب والجوهر, ولابد أن يكون لونها من نفس لون ملابس الخليفة!


فانوس رمضان


يظل الفانوس رمزاً مميزاً لشهر رمضان، ومن القصص التي تُروى عن أصل الفانوس: إنه في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي كان محرماً على نساء القاهرة الخروج ليلاً, فإذا جاء رمضان سمح لهن بالخروج لأداء التراويح في المساجد, بشرط أن يتقدم السيدة أو الفتاة صبي صغير يحمل في يده فانوساً مضاء ليعلم المارة في الطرقات أن إحدى النساء تمر, فيفسحون لها الطريق, وبعد ذلك اعتاد الأولاد حمل هذه الفوانيس في رمضان.‏


وقصة أخرى عن أصل الفانوس, تقول: إن الخليفة الفاطمي العاضد كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال شهر رمضان وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق, كل طفل يحمل فانوسه مرددين بعض الأغنيات التي تُعبر عن سعادتهم بقدوم شهر رمضان.‏


والبعض يقول أن المصريين عرفوا فانوس رمضان عام 358 هجرية, وهو اليوم الذي وافق دخول المعز لدين الله الفاطمي القاهرة ليلاً, فاستقبله أهلها بالمشاعل والفوانيس الملونة وهتافات الترحيب عند صحراء الجيزة حتى وصل إلى قصر الخلافة, ومن يومها ارتبط الفانوس بالاحتفال بشهر رمضان, حيث قام الأطفال بالتجول في الشوارع والأزقة وهم يحملون الفوانيس ويطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون, كما صاحب هؤلاء الأطفال بفوانيسهم المسحراتي ليلاً لإيقاظ الصائمين وقت السحور, وهي عادات استمرت حتى بعد زوال الدولة الفاطمية, وبدء عصر الدولة الأيوبية وما تلاها من عصور.‏


"سماط" الخليفة!


وبالإضافة إلى إحياء ليالي رمضان وتزويد المساجد بالوقود اللازم لإضاءتها طوال ليالي رمضان، كان القائمين على قصر الخليفة يوفرون راتبا كبيرا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان الكنافة والقطايف وغيرها، كما يقول د. أيمن فؤاد.
ويضيف: هناك أيضا دار الفطرة ومهمتها إعداد الكعك وما شابه لتوزيعه في ليالي الفطر والعيد، وتعد بالقناطير لتوزع على مجموع المصريين في القاهرة. كما كان يحرص الخليفة على إقامة مائدة إفطار رمضان تسمى "سماط" بحضور رؤساء الدواوين، الحاكم، والوزراء. وكانت في هذا الوقت القاهرة مدينة خاصة للخليفة وخاصته، وفرق الجيش المختلفة.
وتعددت الأسمطة الرسمية التي كان يحضرها الخليفة الفاطمي بنفسه, فكان السماط يمد في "قاعة الذهب" بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان وفي العيدين وليالي الوقود الأربعة والمولد النبوي وخمسة موالد: الحسين, السيدة فاطمة, الإمام علي, الحسن, الإمام الحاضر, بالإضافة إلى "سماط الحزن" في يوم عاشوراء.


فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان, رتب عمل السماط كل ليلة بقاعة الذهب إلى السادس والعشرين منه, ويستدعى له قاضي القضاة ليالي الجمع توقيرا له, فأما الأمراء ففي كل ليلة منهم قوم بالنوبة ولا يحرمونهم الإفطار مع أولادهم وأهاليهم, ويحضر الوزير فيجلس في صدر السماط, فإن تأخر كان ولده أو أخوه, وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب.


ويقول العلامة "المقريزي" عن سماط رمضان بقاعة الذهب: "… وكان قد تقرر أن يعمل أربعون صينية، حلوى وكعك وأطلق برسم مشاهد الضرائح الشريفة, لكل مشهد سكر وعسل ولوز ودقيق وشيرج, ويعمل خمسمائة رطل حلوى تفرق على المتصدرين والقرّاء والفقراء.


ثم يجلس الخليفة في منظرة القصر, ويتوافد كبار رجال الدولة فيقبلون الأرض بين يديه ويتلو المقرئون القرآن الكريم, ثم يتقدم خطباء: الجامع الأنور وجامع الأزهر وجامع الأقمر, مشيدين في خطبتهم بمناقب الخليفة, ثم ينشد المنشدون ابتهالات وقصائد عن فضائل الشهر الكريم".


وترجع فكرة "موائد الرحمن" إلى الولائم التى كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في أيام الفاطميين.
يروي لنا د. أيمن أنه من ضمن مظاهر الاحتفالات والعادات الرمضانية كان سحور رمضان الذي كان احتفالية أخرى تبدأ منذ صلاة العشاء حتى السحور الذي كان يتبناه الخليفة في الـ 26 ليلة الأولى فقط من رمضان


وعن مراسم سحور الخليفة قال ابن المأمون:


في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان, كان القصر الفاطمي يشهد احتفالاً خاصا بـ"ختم القرآن الكريم" وفيها تخرج الأوامر بمضاعفة ما هو متخصص للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختام الشهر الكريم.
ويحضر الوزير لتناول طعام الإفطار مع الخليفة, كما يحضر العلماء والمقرئون وترسل سيدات القصر موكبيات وأواني ماء مثلج ممزوج بماء الورد ملفوفة في الديباج وتوضع بين المقرئين لتشملها "بركة ختم القرآن الكريم", ويتناوب المقرئون قراءة القرآن من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ثم يخطب بعض العلماء مكثرين من الدعاء إلى الله في هذه الليلة, ثم يأخذ المنشدون في إنشاد القصائد الصوفية، وتقدم أجفان القطائف والحلوى, وتحمل أواني الماء إلى دور صاحباتها فيهدين منها على سبيل البركة, ثم تفرق الخلع الشريفة وصرر الدنانير والدراهم على العلماء والمقرئين والمؤذنين, فينالهم من هذه الليلة ومن كل ليالي رمضان الخير العميم.

مظاهر تسامح الفاطميين :


التسامح الديني والمذهبي سمة السياسة الفاطمية

على الرغم من حملة التشويه الكبرى لتاريخ الفاطميين التي اضطلع بها خصومهم ـ لا سيما فيما يتعلق بمظاهر القمع تجاه المخالف ـ نلاحظ ثمة الكثير من المفارقات في تلك الأحكام التاريخية. فتارة يصفونهم بأنهم لا دين لهم وأنهم ملاحدة، إنما غايتهم تدمير الدين وأنهم أصحاب انحلال ومجون وفسوق. وتارة يصفونهم بأنهم أهل تشدد في تفاصيل الاعتقاد. وهذا يكفي لبيان تطوّح الطريقة التي تعاطى بها المؤرخ مع هذا المفصل التاريخي الهام. والحال أن مظاهر التسامح ظلت بادية في السياسة الدينية الفاطمية. لا بل لو تأملنا كل السياسات الدينية الشيعية مغربا ومشرقا سنجدها غاية في التسامح مع المخالف. فالبويهيون أبقوا على العباسيين وتسامحوا مع معتقدات الأهالي ولم يقعوا في الشطط في استعمال السلطة تجاه الأقليات. ومثله فعل الأدارسة كما فعل الفاطميون. كل الأخبار التي تحدثت عن مواقف صارمة تجاه المخالفين هي مواقف فردية يمكن أن نجد لها أمثلة كثيرة في كل مراحل وأشكال السلط على مر تاريخنا العربي والإسلامي.

وأما ما قيل حول ما لقيه الفقيه المالكي أبي العرب على يد المهدي الشيعي، فهو مما له صلة بموقف سياسي وليس دينيا. وما حمل المهدي على أبي العرب إلا لأن هذا الأخير ما فتئ يؤلب على الخليفة، ويدعوا لاستئصال الفاطميين. فاللاّتسامح انطلق من خطاب أبي العرب. فهو ممن روى حديثا طبقه على الفاطميين:" سيأتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة إن أصبتموهم فاقتلوهم لأنهم كفار". ولكن الفاطميين بعد أن أخمدوا الثورة التي فجرها أبو يزيد وكان لأبي العرب أثر في تحريض الناس على الثورة، لم يفعل الفاطميون أكثر من أن زجّوا به في السجن ولم يقتلوه. فالذي ضاق بالمختلف هو أبو العرب وليس الفاطمي.

وانظر مثلا إلى الطريقة التي تصرف بها أحد عمالهم الغادرين المعروف بالمعز بن باديس حينما استقل ببلاده. فقد وضع على غلاف المصحف الذي هداه إلى مسجد القيروان عبارة جاء فيها:" يا إلهي العن بني عبيد أعداءك وأعداء رسولك ليجعلنا الله نستفيد من الحقد الذي نكنه لهم..."

وطبيعي إذا ما انبرى فقيه يكفر الحاكم والدولة ويخرجها من الإسلام ويؤلب عليها الدهماء أن يلقى المصير نفسه في كل دولة وفي كل جيل. يؤكد "الفريد بل" على ذلك التسامح من خلال قوله:" هكذا كانوا (الفاطميون) متسامحين إلى حد معقول مع أهل السنة وخصوصا من كانوا على مذهب أبي حنيفة (...) وكثير من الزهاد والعلماء المالكية عاشوا تحت حكمهم في القيروان وغيرها متبعين مذهب أهل السنة بل وكانوا يدرسونه أحيانا دون عائق جدي".

فلم نر تجاه عموم الفقهاء من مختلف المذاهب من واجه مضايقة من قبل الفاطميين. وفي اعتقادي أن الدولة متى ما فكرت في أن تحل محل الخلافة في الشرق كانت أكثر تسامحا مع المخالفين لها في المذاهب ومتى ما أصبحت منزوية على حدودها التقليدية فإنها تتشدد تبعا لذلك في أمر المذهب. وهكذا ذكروا أنه كان للمالكية في الأزهر في العهد الفاطمي خمس عشر حلقة كما للشافعية مثلها وللحنفية ثلاث حلقات. فضلا عن تعيين شيخين من أهل السنة في دار العلم في عهد الحاكم بأمر الله، أحدهما أبو بكر الأنطاكي.

يكفي ما جاء في قول الشاعر الذي كان يجهر بخلاف اعتقادهم مثل عمارة اليمني وهو صاحب البيت:

مذاهبهم في الجود مذهب سنة
وإن خالفوني في اعتقاد التشيع

بل ومن عظيم شأن هذا الشاعر السني الكثير الوفاء للدولة الفاطمية وهو ليس من جنس الشعراء المتملقين وإلا لما حافظ على مذهبه وجاهر به. فلقد قتل بسبب رثاءه دولة الفاطمي في قصيدته الرائعة حيث جاء فيها:

لهفي ولهف بني الآمال قاطبة على فجيعتها في أكرم الدول
مررت بالقصر والأركان خالية من وفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد من الأعادي ووجه الود لم يحل
أسلت من أسف دمعي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل
أبكي على ما تراءت من مكارمكم حال الزمان عليها وهي لم تحل
دار الضيافة كانت أنس وافدكم واليوم أوحش من رسم ومن طلل

ويختمها عمارة اليمني بقوله:

والله ما زلت عن حبي لهم أبدا ما أخر الله لي في مدة الأجل

ولقد قتل حسب المقريزي في خططه بسبب هذه القصيدة.

وعموما لقد كانت حالات الاعتدال والتطرف شخصية في ردود الفعل من قبل الدعاة. حتى أن منهم من لم يكن سلوك بعض الدعاة محل رضا منه. ولم يكن حتما ذلك سياسة للدولة وخلفائها الفاطميين الذين رفع فيهم الداعي شعار:"إن دولتنا دولة حجة وبيان وليست دولة قهر واستطالة". وتعود حكاية هذا الشعار إلى منع أبي عبد الله أخاه أبا العباس أن يستغل السلطة في إكراه الناس على إتباع مذهبه. وكما ينقل النويري:" ولما وصل أبو العباس، أراد أن ينفي عن القيروان من يخالف مذهبه، فقال أبو عبد الله: إن دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاترك الناس على مذاهبهم".

وهذا يدل دلالة جلية على مدى تسامح الدولة الفاطمية مع المخالف سواء في المذهب كما ذكرنا أو حتى في الدين لما بلغنا من حسن سيرتهم مع الأقباط في مصر. حيث شاركتهم دولة المعز لدين الله الفاطمي وغيره أعيادهم، كيوم الغطّاس وخميس الجسد وعيد الميلاد.ومثل هذا الموقف لم نر له مثيلا في التاريخ السياسي الإسلامي.

ولم يكن تشييع الأهالي مطلبا للفاطميين، فلقد أصدر المهدي فيما يورد المقريزي في اتعاظ الحنفا، للدعاة أمرا بالكف عن طلب التشيع من العامة.

وما عليك مما جاء من مبالغات من أرخ لهم من الخصوم ولا من تلك الصور التي نقلها أمثال ابن العذاري. وحتى لا نطنب في ذلك يكفي ردود المنصفين، كما يكفي ما عالجه العقاد من أشكال التحامل الرخيص على تلك الدول.

وأما ما بدا من مظاهر التسامح الديني في مستوى القضاء والفقه فإن ذلك مرده إلى اختصاص الفقه الشيعي بكثير من الآراء الفقهية الميسرة والعقلانية فضلا عن بعض ما كان يصدر عن الدعاة والخلفاء الفاطميين من آراء فقهية إزاء بعض النوازل.

الــحـالـة الــفنيـــة


حيــاة التــرف :-


ولقد نافست الخلافة الفاطمية فى عهد العزيز خلافة بغداد وامتلأت خزانة الدولة ذهـبا ونضارا ولا أدل على ذلك من حياة الترف والنعيم التى كان يحياهـا الخلفاء الفاطميون فى قصورهـم التى وإن عفت آثارهـا واندثرت معالمها إلا أن كتب الرحالة والتاريخ سجلت لنا وصفا لها ولمحتوياتها مما تحار منه الألباب وتدهـش له العقول


شـاهـد عيان يصف القصر الفاطمى :-


ولقد أوفد الملك أمورى حاكم بيت المقدس إلى الخليفة العاضد سنة 562هـ ( 1167م) رسولين فى قصره ليعقدا معه باسم سيدهما محالفة يدفع بمقتضاها مائتى ألف دينار معجلة ومثلها مؤجلة نظير دفاع الصليبيين عن مصر ولقد أعجب الرسولان بعظمة ما شاهداه فى القصر أيما إعجاب ووصف غليوم رئيس أساقفة صور زيارة هـذين الرسولين ولخص هـذا الوصف الكاتب الفرنسى جوستاف شلمبرجيه والمؤرخ الإنجليزى لين بول ونقل المرحوم الأستاذ زكى محمد حسن فى كتابه { كنوز الفاطميين } إلى العربية تلخيص الكاتب الفرنسى كما نقله أيضا الأستاذ محمد فريد أبو حديد فى كتابه { صلاح الدين وعصره } تلخيص المؤرخ الإنجليزى وننقل إليك ترجمة المرحوم الأستاذ الدكتور زكى محمد حسن بنصها فيما يلى ( وسار السفراء الفرنج يقودهـم الوزير شاور بنفسه إلى قصر له رونق وبهجة عظيمان وفيه زخارف أنيقة نضيرة وكان هؤلاء المبعوثون متأثرين بما حولهم جد التأثير دون أن يتطرق إلى نفوسهم أى خوف أو رهـبة ووجدوا فى هـذا القصر حراسا عديدين وسار الحراس فى طليعة الموكب وسيوفهم مسلولة وقادوا الفرنج فى ممرات طويلة وضيقة وأقبية حالكة مظلمة لا يستطيع الإنسان أن يتبين فيها شيئا وربما كان المقصود بذلك بعث الهيبة إلى قلوبهم وزيادة التأثير فيهم فلما خرجوا إلى النور اعترضتهم أبواب كثيرة متعاقبة كان يسهر على كل منها عدد من الحراس المسلمين الذين كانوا ينهضون عند اقتراب شاور ويحيونه باحترام ثم وصل الموكب إلى فناء مكشوف تحيط به أروقة ذات أعمدة وأرضيته مرصوفة بأنواع من الرخام متعددة الألوان وفيها تذهـيب خارق العادة بنضارته وبهـائه كما كانت ألواح السقف تزينها الزخارف الذهـبية الجميلة وكان كل ذلك مونقا رائعا وبهيا رائعا بحيث لا يملك أشغل الناس بالا وأكثرهم هما إلا أن يقف للإعجاب به وكان فى وسط الفناء نافورة يجرى الماء الصافى منها فى أنابيب من الذهـب والفضة إلى أحواض وقنوات مرصوفة بالرخام وكانت ترفرف فى الفناء أنواع لا حد لها من الطيور الجميلة ذات الألوان المفرطة فى الندرة مجلوبة من شتى أنحاء الشرق ولم يكن يرى هـذه الطيور دون أن تصيبه الحيرة والدهـشة إعجابا بها ودون أن يقول أن الطبيعة كانت تمرح وتلعب حين كونت هـذه المخلوقات الجميلة ومن هـذه الطيور ما كان يلزم النافورة ومنها ما كان يظل بعيدا عنها كل بحسب طبيعته وكان لكل منها من الغداء ما يوافقه وهـنا استأذن فى الرجوع الحراس الذين كانوا يسيرون فى معية الفرسان الفرنج حتى ذلك الوقت وحل محلهم بعض العظماء من الأمراء المقربين إلى الخليفة نفسه وسار هـؤلاء الأمراء بالسفيرين الفرنجيين فى أفنية جديدة أشد جمالا وإبداعا ثم إلى حديقة لطيفة وغناء لم تكن الحديقة الأولى شيئا بجانبها ورأوا فى هـذه الحديقة أنواعا من الحيوانات ذوات الأربع غربية بحيث يتهم المرء بالكذب إذا وصفها أو تحدث عنها وبحيث لا يستطيع أى مصور أن يتخيل أو أن يحلم بمثل هـذه الحيوانات ولم يكن يعرفها إلا بما كان يسمع من الأقوال وبعد أن عبروا أبوابا عديدة أخرى وساروا فى تعاريج كثيرة كانوا يرون فيها أشياء جديدة تزيدهـم دهـشة وإعجابا وصل الفرنج إلى القصر الكبير حيث يقطن الخليفة وفاق هـذا القصر كل ما وراء قبل ذلك وكانت أفنيته تفيض بالمحاربين المسلمين متقلدين أسلحتهم وعليها الزرد والدروع تلمع بالذهـب والفضة وعليهم سيماء الافتخار بما كانوا يحرسون من الكنوز وأدخل المبعوثون فى قاعة واسعة تقسمها ستارة كبيرة من خيوط الذهـب والحرير المختلف الألوان وعليها رسوم الحيوان والطيور وبعض صور أدميه وكانت تلمع بما عليها من الياقوت والزمرد والأحجار النفيسة ولم يكن فى القاعة أحـد لكن شاور خر راكعا فور دخوله ثم نهض واقفا ثم قبـل الأرض ثانية وخلع السيف الذى كان يلبسه فى عنقه ثم خر ساجدا مرة ثالثة فى ذلة وخشوع كأنه يسجد لله وارتفعت الحبال فجأة وانكشفت الستارة الحريرية الذهـبية بسرعة البرق كأنها ملاءة خفيفة وظهر الخليفة الطفل ( السلطان العاضد) لأعين الفرنج المبعوثين وكان على وجه هـذا الأمير نقاب يخفيه تماما وهـو جالس على عرش من الذهـب مرصع بالجواهـر والأحجار الثمينة)


وصـف لـشـاهـد آخـر :-


وهـناك وصف ثان لشاهـد عيان آخـر زار مصر فيما سنتى 439و441هـ ( 1047-1049م) ذلك هـو الرحالة المشهور ناصر خسرو المتقدم ذكره فقد ذكر أن قصر السلطان كان يقع فى وسط القـاهـرة وبينه وبين الأبنية المحيطة به فضاء يفصله عنها وكان يحرسه فى الليل خمسمائة حارس من الفرسان وخمسمائة حارس من الرجالة وكانت أسواره عالية فلا يستطيع أحد رؤيته من داخل المدينة بينما يبدو من خارجها كالجبل وكان فى القصر ألوف من الخدم والنساء والجوارى وله عشر بوابات فوق الأرض وباب يقود إلى ممر تحت الأرض يعبره الخليفة راكبا ليصل إلى قصر آخر وكان كل كبار الموظفين فى قصور الخليفة من الروم أو السود


خـزائــن الـقصـر :-


تقدم القول أنه كان بالقصر الكبير عدة خزائن منها خزانة الكتب وخزانة البنود ( الأعلام) وخزائن السلاح وخزائن الفرش وخزائن الكسوات وخزائن الخيم وخزائن الجوهـر والطيب والطرائف وغيرهـا مما لا يتسع المقام لوصفها وشرح محتوياتها وكان لكل خزانة عامل يدير شئونها وصناع يشتغلون فيها إن كانت محتوياتها مما يتطلب ذلك وفراش يقوم هـو ومساعدوه بتنظيفها والسهر على محتوياتها والسهر على محتوياتها ولكل هـؤلاء مرتب يتقاضونه من بيت المال


خــزائن الجـوهـر والطـيب :-


ولقد حوت خزائن الجوهـر والطيب والطرائف ما يحار له العقل من لآلىء وأحجار كريمة وتحف صنعت من الذهـب والفضة والنحاس المكفت ونفائس غالية تجلى فيها الحذق والمهارة الفنية ولقد روى المؤرخون فى ذلك أخبار لا يكاد يصدقها العقل إلا إذا أخـذ فى اعتباره ما كانت تنعم به البلاد فى عهد الفاطميين من ثروة وغنى ورخاء ويسر وهـدوء وأمن شهـد به الرحالة ممن وفدوا على مصر وأقـاموا فيها ردحا من الزمن ورأوا بأعينهم العز الذى ينشر ألويته على ربوعها ويعم جميع أرجائها


الـتحف الـمعدنية :-


فقد كان من بين تلك التحف حصيرة مصنوعة من الذهـب تزن ثمانية عشر رطلا ( أى ما يساوى سبعة كيلوجرامات ) يقال أن بوران بنت الحسن بن سهل جلست عليها يوم زواجها بالخليفة المأمون وكانت توجد ثمان وعشرون صينية من المينا المحلاة بالذهـب وقد قدرت كل صينية منها آلاف دينار واستولى عليها ناصر الدولة الذى كان قائد الجند فى ذلك الحين وكانت هـناك أيضا صـناديق مملوءة مرايا من حديد محلاة بالذهـب والفضة وبعضها مكلل بالجواهـر النفيسة وله محفظات أو غلف من الكيمخت وهـو نوع من الجلد المتين وأخرى من الأقمشة الحريرية النفيسة وكان للمرايا المذكورة مقابض من العقيق وقد أخذت من خزائن القصر آلاف الآلات المصنوعة من الفضة المكفتة بالذهـب ذات النقش العجيب والصنعة الدقيقة كما وجدت كميات كبيرة من قطع الشطرنج والنرد المصنوعة من الجوهـر والذهـب والفضة والعاج والأبنوس ولها رقاع من الحرير المنسوج بخيوط من الذهـب واستولى الجنود – فيما استولوا عليه من نفائس القصر وتحفه فى أثناء الشدة العظمى فى عصر المستنصر- استولوا على أربعمائة قفص مملوءة بالأوانى الفضية الثمينة المكفتة بالذهـب وقد سبكت كلها ووزعت على الثوار .. واستولوا كذلك على أربعة آلاف قنينة مذهـبة للنرجس وعلى ألفى تنينة للبنفسج ووجد من السكاكين الثمينة ما بيع بأبخس الأثمان وبلغت قيمته على الرغم من ذلك ستة وثلاثين ألف دينار أى خمسة عشر ألف جنيه


الـنفـائـس :-


ومن أجمل النفائس التى كانت تزين القصر الكبير تحف على شكل حيوانات وطيور منها طاووس من ذهـب مرصع بالجواهـر النفيسة عيناه من ياقوت أحمر وريشه من الزجاج المموه بالمينا على ألوان ريش الطاووس ومنها ديك من الذهـب له عرف كبير من الياقوت الأحمر المرصع بالدر والجواهـر منها غزال مرصع أيضا بالجواهـر النفيسة ومائدة كبيرة واسعة من اليصب أو حجر الدم الذى يشبها العقيق وأخـرى من العقيق ونخلة من الذهـب مكللة ببديع الدر والجوهـر يمثل أجزاءها وما تحمله من بلح وقد بلغ من غرام الفاطميين بجمع التحف الفنية أن الأميرات كن ينافسن الأمراء فى هـذا الميدان وأن بعضهن تركن كنوزا ثمينة فرشيدة ابنة المعز توفيت سنة 443هـ ( 1051م) وتركت تحفا تقدر قيمتها بنحو مليون وسبعمائة ألف دينار : منها ثلاثون ثوبا من الخز الثمين ( أى من قماش الصوف والحرير ) كما وجد فى خزائنها بعض العمامات المرصعة بالجواهـر مما يذكر بعمامات الأمراء الهنود . ويقال أيضا أنها كانت تمتلك الخيمة التى توفى فيها هـارون الرشيد بمدينة طوس وقد كانت من الخز الأسود وقد ضمت كل كنوزها إلى خزائن القصر بعد وفاتها فى عهد المستنصر ومن التحف التى تركتها الأميرة عبدة بنت المعز التى توفيت سنة 442هـ( 1050م) نحو أربعمائة سيف محلى بالذهـب ونحو أردب من الزمرد !! وغيرهـا من الجواهـر والأقمشة النفيسة والأباريق والطسوت من البلور الصافى .


التحف المصنوعة من البلور :-


وقد كان بخزائن القصر شىء كثير من البلور والتحف الفنية الزجاجية المحكمة الصنع والمموهـة بالذهـب وغير المموهـة وقد قال أحد المستخدمين فى بيت المال أن صندوقا من الصناديق التى نهبت من القصر ذات يوم كان مملوءا بأباريق من البلور النفيس بعضها منقوش بزخارف ورسوم جميلة وبعضها غير منقوش والظاهـر أنها كانت لشراب الفقاع ( وهـو نوع من البيرة كان منتشرا فى القـاهـرة فى العصور الوسطى )


الـخـزف اللامــع :-


وقد سلم لنا القليل من هـذه التحف معروض الآن بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة بين آنيـة من الخزف اللامع المعروف بالخزف ذى البريق المعدنى من أصص وأطباق وصحون وبرانى تزينها الزخارف النباتية ورسوم الطير والحيوان مرسومة بأيدى أشهر فنانى ذلك العصر مثل سعد ومسلم واسترعت صناعة الخزف فى مصر انتباه الرحالة الفارسى ناصر خسرو بصفة خاصة فذكر أن المصريين كانوا يصنعون أنواع الخزف المختلفة وأن الخزف المصرى كان رقيقا وشفافا حتى لقد كان ميسورا أن ترى من باطن الإناء الخزفى اليد الموضوعة خلفه وكانت تصنع بمصر الفناجين والقدور والبرانى والصحون والمواعين الأخرى وتزين بألوان تشبه لون القماش المسمى بوقلمون وهـى ألوان تختلف باختلاف أوضاع الآنية وساعات النهار وذكر أيضا عن استخدام التجار والبقالين الأوانى الخزفية فيما يستخدم فيه التجار الورق فى العصر الحاضر أنهم كانوا يصنعون فيها ما يبيعونه ويأخذه المشترون بالمجان ولعمرى أن هـذا ليدل على مدنية ورقى لم تبلغهما الصناعة أو التجارة حتى فى يومنا هـذا .


التحـف الـخشبية:-


كذلك معروض بهـذا المتحف الخشبية المحفورة من أبواب وألواح ومحاريب متنقلة وحشوات تخلفت من القصور الفاطمية من أبدع تلك التحف ألواح خشبية كانت تزين القصر الفاطمى محفور عليها مناظر تمثل الحياة اليومية على أرضيته من زخارف نباتية بديعة وتحف مصنوعة من العاج كقطع من الشطرنج والتماثيل الصغيرة .


الأقـمشــة :-


وتوجد بالمتحف السالف الذكر أيضا قطع من القماش كتانية وحريرية وصوفية عليها كتابات كوفية باسم الخليفة الحاكم وعليها رسوم نباتية وحيوانية وكلها مما لا يغنى فيه الوصف عن المشاهـدة فهـى قطع فنية رائعة تدل على مبلغ ما وصل إليه الذوق الفنى الرفيع عند الفاطميين من التقدم والسمو .


الـتصـويـر :-


وكان للفاطميين فى ميدان التصوير باع طويل فزاولوا التصوير على مدى كبير فصوروا الإنسان والحيوان والنبات على الخزف والأخشاب وعلى الجص والمنسوجات وخلا ما هـو موجود على قطع الخزف اللامع والأخشاب والمنسوجات المحفوظة بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة لم تصل إلينا لوحات من التصوير الفاطمى ما عدا بعض صور مرسومة على الجص وجدت على جدران حمام فاطمى بجهة أبى السعود جنوبى القـاهـرة نقلت إلى المتحف الإسلامى أهمها صورة إنسان تحيط برأيه هـالة وهـى ملونة بالأحمر والأسود وعليه عمامة جميلة وفى يده اليمنى كأس يحمله على النحو الذى نراه كثيرا على نقوش الخزف والأوانى الفارسية الساسانية من فضة ونحاس وقد حدثنا المقريزى عن المباراة بين المصورين ابن عزيز وقصير وعن المنافسة التى كان يذكيها بينهما اليازورى الوزير الفاطمى المشهور وحدث أن جمعها اليازورى يوما فى مجلسه وقال ابن عزيز : ( لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها خارجة من الحائط ) فقال قصير ( لكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها داخلة فى الحائط) فقال الحاضرون هـذا عجب . وأمر اليازورى المصورين أن يصنعا ما وعدا به فرسما الصورتين فى حنيتين متقابلين وكان رسم قصير راقصة بثياب بيض فوق أرضية الحنية بينما كان رسم ابن عزيز راقصة بثياب أحمر فوق أرضية الحنية التى دهنها باللون الأصفر فظهرت الراقصة كأنها بارزة من الحنية فاستحسن اليازورى ذلك وخلع عليهما كثيرا من الذهـب .

الـحالـة العـلميــة:-

كان فى مقدمة ما عنى به الخلفاء الفاطميون جمع الكتب مما يستدل معه على ميلهم إلى إحياء العلوم وشغفوا بصفة خاصة بجمع النادر من الكتب فى كل علم وفن وكثيرا ما كانوا يحرصون على اقتناء نسخ من مختلف الكتب بخط مؤلفيها ويدفعون فى سبيل ذلك أغلى الأثمان مبالغة فى التحقيق والتدقيق هـذا فضلا عن تنسيق تلك الكتب وتبويبها والمحافظة عليها وفق نظام دقيق تيسيرا للرجوع إليها والاغتراف من مناهلها


خــزانـة الـكتـب :-


وذكرنا فى معرض الكلام عن خزائن القصر أنه كان من بينهما خزانة للكتب وقد ذكر المقريزى فى خططه أنها كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب – أى مليون وستمائة ألف وكانت فى أحد مجالس المارستان العتيق – أى أنها كانت فى الموضع الذى أنشىء فيه مارستان قلاوون بعد ذلك وكانت تتألف من أربعين قسما ويحتوى كل قسم على عدة رفوف فى دور ذلك المجلس العظيم . والرفوف مقطعة بحواجز وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل ومن بين ما تحتوى عليه كتب فى الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة وكتب الحديث والتواريخ وسير الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء والمصاحف الكريمة بخط ابن مقلة ونظائره كابن البواب وغيره وثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة وألفان وأربعمائة ختمة قرآنية فى ربعات بخطوط منسوبة زائدة الحسن محلاة بذهـب وفضة وغيرهما وأن جميع ذلك ذهـب فيما أخـذه الأتراك فى واجباتهم – أى أجورهم ومرتباتهم – ببعض قيمته أيام الشدة الكبرى فى عهد الخليفة المستنصر ومن طريف ما ذكره المقريزى فى هـذا الشأن : أن رجلا حمل إلى العزيز بالله نسخة من كتاب الطبرى اشتراهـا بمائة دينار فأمر العزيز أمناء المكتبة فأخرجوا من الخزائن ما ينيف عن عشرين نسخة من تاريخ الطبرى منها نسخة بخط يده ولعله فعل ذلك لكيلا يركب الرجل متن الشطط فى تقدير ثمن الكتاب ونقل المقريزى عن صاحب الكتاب الذخائر : ( قال وكنت بمصر فى العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة فرأيت فيها خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محمولة إلى دار الوزير أبى الفرج محمد بن جعفر المغربى فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذهـا من خزائن القصر هـو والخطير بن الموفق فى الــدين بإيجاب وجببت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الجبليين )


شـغـف الـخلـفاء بالـعـلـم :-


ولم يكن اقتناء الكتب والمحافظة عليها حبا فى الزينة وجريا وراء المظاهـر البراقة وإنما كان الخلفاء الفاطميون يدمنون القراءة والمطالعة بل قد عرف عن بعضهم أنهم كانوا من أعلم أهـل زمانهم كالمعز لدين الله الذى كان عالما وفقيها وعلما من أعلام الدين والأدب بليغ الأسلوب ملما بكثير من اللغات وما رئى فى مجلس أو عابرا طريقا إلا وبيده كتاب وكان هـو وكثير من أسرته من بعده ومن بينهم الحاكم بأمر الله يشتغلون بعلوم النجوم ويميلون إلى علوم الأوائل ويقربون إليهم أهلها ويفرضون العلم على أولادهـم ومماليكهم وكثيرا ما كان الخليفة يزور خزانة الكتب فيجىء راكبا ثم يترحل ويتخذ مجلسه فوق دكـة منصوبة ويمثل بين يديه أمين المكتبة ويأتيه بمصاحف كثيرة مكتوبة بأقلام مشاهـير الخطاطين وغير ذلك مما يقترحه من الكتب فإن عــن له أخذ شىء منها أخذه ثم أعاده


عنــاية الـوزراء بالـعـلـم:-


ولم يكن الخلفاء وحدهـم يشتغلون باقتناء الكتب وينقبون عنها ويدمنون القـراءة ويطيلون البحث فيها بل إن وزراءهـم كانوا يقتفون آثارهـم وينهجون نهجهم فقد روى عن يعقوب بن كلس وزير العزيز أنه كان يرتب فى داره الكتاب والأطباء وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين وأجرى عليهم الأرزاق وألـف كتبا عدة فى الفقه والقراءات ونصب له مجلسا فى داره يحضره الفقهاء والمتكلمون وأهـل الجدل يتناظرون بين يديه وكان فى داره كذلك عـدة كتـاب ينسخون القـرآن الكـريم والفقه والطب وكتب الأدباء وغيرهـا من العلوم فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت


الـجوامـع كمـراكـز لنشـر الـعـلـم :-


ولم تقف جهود الخلفاء الفاطميين فى أحياء العلوم ونشر المعارف عند اقتناء الكتب والمحافظة عليها بل إنهم نشروا العلم وشجعوا الناس على الاغتراف منه بكل الوسائل والطرق فلقد ظل العلم يلقى فى جامع عمرو فى حلقاته العلمية والأدبية التى كانت تعقد بانتظام ويشهدها عدد كبير من الأساتذة والطلاب والأدباء والشعراء كما كان يحدث فى عهد الدولتين الطولونية والإخشيدية وأوقف عليه الخلفاء الفاطميون وعلى غيره من المساجد الأوقاف والهدايا وقد كان يصيب هـذا الجامع لهـذا السبب كثير من الترميمات والإصلاحات بين آن وآخر كذلك كان الخلفاء الفاطميون يشملون الطلاب بالرعاية والعطف وترتب لهم نفقات مأكلهم ومشربهم فضلا عما يقدم لهم من الأطعمة والحلوى فى جميع المواسم والأعياد ومن أشهر الفقهاء الذين جلسوا للتدريس فى جامع عمرو فى عهد الفاطميين على بن نصر بن سليمان الزنبقى اللغوى وقرىء عليه كثير من الكتب الأدبية واللغوية والنحوية وأبو أسامة جنادة بن محمد النحوى وأبو الحسن طاهـر بن بابشاذ وكان كلاهـما عالما فى اللغة والنحو


الـجوامع كمـراكـز لنشـر الـمذهـب الشيـعى :-


غير أنه لا يغيب عن البال أن الخلفاء الفاطميين كانوا يتخذون من الجوامع مراكز لنشر المذهـب الشيـعى وإشاعة عقائدهـم بين الناس فقد جلس بجامع عمرو كثير من الفقهاء درسوا فيه الرسالة الوزيرية التى ألـفها الوزير يعقوب بن كلس فى الفقه الشيعـى فى عهد العزيز كما قام فيه بتدريس العلوم الشيعية فى زمن الحاكم بأمر الله القاضيان الحسين بن على بن النعمان وعبد العزيز بن محمد بن النعمان كذلك أدى جامع ابن طولون دوره كمعهد علمى غير أنه لم يتح له من النشاط والشهرة مثلما أتيح لجامعى عمرو والأزهـر إذ لم يرو لنا التاريخ أسماء لامعة قامت بالتدريس فيه مثل روى ممن أسماء العلماء والأدباء والفقهاء الذين حاضروا فى الجامعين المذكورين


الـجامع الأزهر :-


أما لجامع الأزهر فقد عقدت له الزعامة الثقافية والعلمية والدينية على غيره من الجوامع ومعاهـد العلم وذلك لما كان يختصه به الخلفاء الفاطميون من رعاية وعناية وما يخلعونه عليه من زخرف وزينة وما يضاء به فى المواسم والأعياد من أنوار ساطعة فهـو مسجدهـم المفضل الذى يخطب فيه الخليفة وتعقد فيه مجالس الدروس وتنتشر منه تعاليم المذهـب الفاطمى وينعم فيه الأساتذة والطلاب بالأرزاق الوفيرة والهـدايا الحسنة ولقد اختصه الحاكم بوقفيه ملكية هـى أول وقفية صدرت للإنفاق على هـذا المسجد وقف فيها ريع كثير من ممتلكاته من دور وحوانيت ومخازن للإنفاق على أثاثه وخدمه وأئمته وعلى إنارته وإصلاحه لذلك لم يكن غريبا أن يصبح أكبر جامعة إسلامية فى الشرق يفد عليه الطلاب من كل حدب وصوب يتلقون فيه مختلف العلوم الدينية والفلسفية والمنطق وبعض الرياضيات والطب على يد علماء ذلك العصر مثل أبى على بن محمد بن الحسن بن الهيثم الذى رحل إلى مصر فى زمن الحاكم وظل إلى أن توفى سنة 430هـ ( 1038-1039م) وهـو أشهر علماء المسلمين فى الطبيعة والبصريات ويعرف عند الأوربيين باسم { الهازن } ومن أشهر كتبه فى البصريات المسمى ( كتاب المناظر ) الذى يعتبر أساس علم الضوء حتى وقتنا هـذا وقد ضاع أصله العربى ولكن بقيت ترجمته اللاتينية والحوفى إمام العربية والنحو وابن بابشاذ المتوفى سنة 469هـ ( 1076م) وغيرهـم من علماء الفقه والدين واللغة العربية ونحوها وصرفها وآدابها ولقد قصد الفاطميون من إنشائهم الجامع الأزهـر أن يكون جامعة شيعية ولم يدروا أنهم يضعون أساس أكبر جامعة إسلامية سنية بل وأعظم قلعة حصينة يذاع منها الاسلام فى مشارق الأرض ومغاربها فما دالت دولة الفاطميين إلا وحمل الأزهر الأمانة وظل طوال القرون التالية حتى اليوم حصن الاسلام الحصين وركنه الركين وانعقدت لعلمائه فى تاريخ مصر الحديث الزعامة والرياسة فى توجيه الرأى العام وقد وصف المقريزى حركة العلم فى الأزهر فقال : ( ولم يزل فى هـذا الجامع منذ بنى عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه وبلغت عدتهم فى هـذه الأيام – أيام المقريزى – 750 رجلا ما بين عجم وزبالقة ومن أهـل ريف مصر ومغاربة ولكل طائفة رواق يعرف بهم فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن ودراسته والاشتغال بأنواع العلوم والفقه والحديث والتفسير والنحو والمجالس الوعظ والإرشاد وحلق الذكر فيجد الإنسان إذا دخل هـذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده فى غيره وصار أرباب الأموال يقصدون هـذا الجامع بأنواع البر من الذهـب والفضة والفلوس وإعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى وكل قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلويات ولاسيما فى المواسم


دار الحـكمة أو الـعـلـم :-


لم تقف جهود الفاطميين فى نشر العلم على المساجد بل تعدت ذلك إلى إنشاء المعاهـد التى انفردت بنشره فقد انشأ الحاكم فى سنة 400هـ ( 1009-10م) دار العلم أو دار الحكمة وكانت تلاصق القصر الغربى وأمدها بالأثاث ورتب لها الخدم والفراشين وحمل إليها من خزانة القصر عددا كبيرا من الكتب فى مختلف العلوم والفنون وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة للإنفاق على الطلاب والأساتذة والأدوات وذكر المقريزى أنه ( حصل فى هـذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التى أمر بحملها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها وحضرهـا الناس على طبقاتهم فمنهم من يحضر لقراءة الكتب منهم من يحضر للنسخ ومنهم يحضر للتعليم وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر ) وظلت دار العلم تؤدى رسالتها طوال العهد الفاطمى ما عدا فترات قصيرة أغلقت فيها ثم يعاد فتحها إلى أن دالت الدولة وقامت على أنقاضها دولة بنى أيوب فأحالها صلاح الدين الأيوبى وكان قد أوقف جهوده على القضاء على المذهـب الإسلامى الشيعى إلى مدرسة لتعليم الإسلام وفق المذهـب الشافعى .


مـجالـس الـمناظـرة فى الـقصـر :-


وفى القصر كانت تعقد مجالس المناظرة تحت إشراف الخليفة ووزرائه وبحضور العلماء والأدباء وكبار رجال دولته فيتناظر العلماء فى مختلف .المسائل وفى النهاية المناظرة ينهض الشعراء ينشدون ويتبارون فى مدح الخليفة والإشادة بمجد آبائه وأجداده ولا غرو إذا وفد على مصر كثيرا من الشعراء من مختلف الأقطار يسعون إلى مجلس الخليفة ينشدون عطاءه ويبتغون كرمه من هـؤلاء أبو حامد الأنطاكى ومحمد ابن القاسم بن عاصم وأبو الحسن عبد الواحد البغدادى المعروف بصريع الدلاء وأبو الحسن على بن نوبخت وعبد الوهاب بن نصر المالكى وقد مدح ابن هانىء الأندلسى المعز لدين الله الفاطمى فى قصائد رنانة غالى فيها فى مدح المعز وكان يزمع الرحيل إلى مصر فى أثر المعز بعد رحيله من بلاد المغرب ولكنه توفى فى الطريق فحزن عليه المعز كثيرا .

الــحـالــة الاجـتمـاعـيـة


المجتمـع المصـرى :-


كان المجتمع المصرى فى عهد الفاطميين ينقسم بصفة عامة إلى مسلمين سنيين وهـم جمهـرة المصريين قبل وفود الفاطميين إلى مصر وشيعيين وهـم الذين وفدوا إليها من بلاد المغرب وقد تحول كثير من السنيين بل ومن النصارى واليهود إلى المذهـب الشيعى طمعا فى الهبات والعطايا التى كان الفاطميون يغرون بها الناس للانضمام إلى مذهـبهم وتقليد كثير من اليهود بعد إسلامهم وتشيعهم أرقى المناصب فى الدولة ومن بينها منصب الوزارة وبالإضافة إلى السنيين وهـم أهل مصر والشيعيين وهـم المغاربة أو من اعتنق هـذا المذهـب من المصريين كانت توجد طبقة الأتراك الذين تكاثروا منذ عهد أحمد بن طولون التركى الجنس والسودانيون الذين استكثر منهم كافور الإخشيدى وقد ظهر أمرهـم فى عهد الحاكم حيث استعان بهم على الجنود الأتراك فأحرقوا القـاهـرة عقابا للمصريين الذين كانوا يحنقون عليه لسوء سياسته وقد استمر العراك بين الأتراك والسودانيين طوال العصر الفاطمى


الإدارة :-


وقد كانت الإدارة فى عهد الفاطميين تتبع النظام العباسى وكان الجيش مكونا من ثلاث طبقات :-


1-الأمراء ومن بينهم كبار الضباط وحملة السيوف من حرس الخليفة


2-ضباط الحرس وهـؤلاء يشملون الأساتذة والخصيان


3-الفرق المختلفة التى كانت تحمل أسماء منسوبة إلى أحد الخلفاء أو الوزراء أو إحدى الجنسيات مثل الحافظية والجيوشية والسودانية


كبـار المـوظفيـن :-


وكان الوزراء من طبقات متعددة أرقاهـم رجال السيف الذين يشرفون على الجيش والحرب ثم سادة الباب أو كبار الحجاب وكانت وظيفتهم تقديم السفراء الأجانب أما رجال القلم فكان من بينهم القاضى والمحتسب الذى يشرف على الموازين والمكاييل والمقاييس والآداب العامة وخازن الدولة الذى يشرف على بيت المال وكانت أقل مرتبة فى طبقة رجال القلم الموظفون المدنيون ومن بينهم الكتــاب والسكرتارية فى مختلف الدواوين


الأعيـاد والـمواســـم :-


وقد كان للخلفاء الفاطميين عناية خاصة بالأعياد والمواسم وقد ذكرنا فيما سبق أسماء المواسم التى احتفلوا بها والتى مازال كثير منها باقيا حتى اليوم نحتفى به ونحييه وفى تلك الأعياد خصوصا عيدى الفطر والنحر كانت الأسمطة { الموائد } وتعد ألوان الطعام الوفيرة ويدعى الناس إليها من جميع الطبقات لا فرق ولا تميز ليأكلوا هـنيئا ويشربوا مريئا مما لـذ وطاب وهـم إنما يلتمسون من وراء ذلك رضا الشعب ومحبته واجتذاب الناس إلى المذهـب الشيعى الذى كانوا يحاولون بشتى الطرق تثبيت دعائمه ونشر لوائه ( ففى يوم عيد الفطر كان يقام السماط مرتين وفى عيد النحر مرة واحدة فى قاعة الذهـب إحدى قاعات القصر الفاطمى ويعبى السماط فى الليل وطوله ثلاثمائة ذراع فى عرض سبعة أذرع وعليه من أنواع المأكل أشياء كثيرة فيحضر إليه الوزير أول صلاة الفجر والخليفة جالس فى الشباك ومـكـنت الناس منه فاحتملوا ونهبوا ما لا يأكلونه يبيعونه ويدخرونه وهـذا قبل صلاة العيد فإذا فرغ من صلاة العيد مـد السماط المقدم ذكره فيؤكل ثم سماط ثان من الفضة يقال له المدورة عليها أوانى الفضة والذهـب والصينى فيها من الأطعمة الخاص ما يستحى من ذكره والسماط بطول القاعة وهـو خشب مدهـون شبه الدكك اللاطية عرضه عشر أذرع ويحط فى وسط السماط واحد وعشرون طبقا وفى كل طبق واحد وعشرون خروفا ‍‍‍‍‍‍!! ومن الدجاج ثلاثمائة وخمسون طائرا ومن الفراريج – الدجاج – مثلها ومن فراخ الحمام مثلها وتتنوع الحلوى أنواعا ثم يمد بخلل تلك الأطباق – أى فيما بينها- أصحن خزفيات فى جنبات السماط فى كل صحن تسع دجاجات فى ألوان فائقة من الحلوى والطباهـجة – وهـو ضرب من قلى اللحم المشرح – الفتقة بالمسك الكثير – أى المحشوة به – وعدة الصحون خمسمائة صحن مرتب كل ذلك أحسن ترتيب ثم يؤتى بقصرين من حلوى – أشبه شىء بالتورتة اليوم – قد عملا بدار الفـطرة زنة كل واحد سبعة عشر قنطارا!! فيمضى بواحد من طريق قصر الشوق إلى باب الذهـب ويشق بالآخر من الجانب بين القصرين فينصبان أول السماط وأخر ثم يخرج الخليفة راكبا فينزل على السرير عليه المدورة الفضية وعلى رأسه أربعة من كبار الأساتذة المحنكين وأربعة من خواص الفراشين ثم يستدعى الوزير فيجلس عن يمينه والأمراء ومن دونهم فيجلسون على السماط فيتداول الناس السماط ولا يرد أحد عنه حتى يذهـب عن آخره فلا يقوم الخليفة إلا قريب الظهر ثم يخرج الوزير ويذهـب داره ويعمل سماطا يقارب سماط الخليفة وهـكذا يقع عيد النحر فى أول يوم منه ) وكان يمد سماط عظيم فى سرادق رحب على شاطىء النيل على مقربة من المنظرة المعروفة بمنظرة السكرة كما كان يصنع فى موسم مولد النبى صلى الله عليه وسلم عشرون قنطارا من الحلوى توضع على ثلاثمائة خوان – صينية – وتوزع على الناس فى الأزهـر وما زالت الحلوى إلى اليوم تصنع وتباع فى مولد النبى وأولياء الله الصالحين فى طول البلاد وعرضها .


ركــوب الـخـلفـاء الـفاطـمييـن:-


وكان الخلفاء الفاطميون فى موكب يخرجون فى مواكب غاية فى الفخامة والأبهة للاحتفال بالأعياد والمواسم أو الصلاة فى المساجد أو لتوديع فرقة من الجيش أو لإحياء مناسبات أخرى وكان ركوب الخلفاء لا ينقطع من أول العام حتى شهر رمضان


الاحـتفـال بأول الـعـام الـهجرى :-


وأفخم مواكبهم يوم الاحتفال بأول العام الهجرى حيث توضع الترتيبات والتنظيمات وتفتح خزائن الفرش والكسوات والأسلحة والأعلام والبنود والسروج والتجميل وتمد كل فئة بحاجتها من العدد والأدوات مما تستلزمه تلك المناسبات
( ويخرج الخليفة فى جمع زاخر من أفراد أسرته وغلمانه وبطانته ووزرائه وموظفى دولته وجنوده من مختلف الأسلحة والأجناس راجلين وراكبين يحملون السيوف والرماح وينشرون الأعلام والبنود ويلبسون الملابس الفاخرة ويركبون الجياد المطهمة ويسيرون وفق نظام دقيق وترتيب موضوع ويصطف الأمراء والوزراء على باب النصر حتى يهل عليهم الخليفة بطلعته وحوله الأستاذون المحنكون ودابته تمشى على بسط مفروشة خيفة أن تزلق على الرخام فعندها يقترب من الباب يقترب رجل ببوق من ذهـب لطيف معوج الرأس بصوت عجيب يخالف أصوات الأبواق الموكب وتنتشر المظلة ويخرج الخليفة من الباب فيقف مقدار ما يركب الأساتذة المحنكون وأرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة ويكون لباسه البياض يزين رأسه تاج مرصع بالجوهـرة اليتيمة وهـى جوهـرة عظيمة لا تعرف لها قيمة حولها ما دونها من الجواهـر وهـى موضوعة فى هـلال من ياقوت أحمر ليس له مثال فى الدنيا زنته أحد عشر مثقالا وقيل أكثر يقال له الحاضر فتنظم فى خرقة من حرير أحسن مايمكن من الوضع ويخاط على التاج بخياطة خفيفة فيكون ذلك بأعلى جبهة الخليفة وبدائرهـا قصب الزمرد الذبابى العظيم القدر ) ثم يسيرون والمظلة على يسار الخليفة وصاحبها يبالغ ألا يزول عنه ظلها وصبيان الركاب منهم جماعة كبيرة من الشكيمتين وجماعة أخرى فى عنق الدابة وجماعة أخرى فى ركابيه فالأيمن مقدم المقدمين هـو صاحب المقرعة التى يناولها للخليفة ويتناولها منه ويؤدى عن الخليفة الأوامر والنواهـى مدة ركوبه) .


{ والمظلة تشاكل بذلة الخليفة وعمودهـا من الزان ملبس بأنابيب الذهـب ورأسها كالرمانة ويعلوه أيضا رمانة صغيرة كلها ذهـب مرصع بجوهـر ولها رفرف دائر عرضه أكثر من متر ونصف }


( ويسير الموكب وبأوله أخلاط بعض العساكر ثم الأماثل ثم أرباب المناصب ثم أرباب الأطواق ثم الأستاذون المحنكون ثم حاملا لوائى الحمد من الجانبين ثم حامل الدواة ثم صاحب السيف وهمت فى الجانب الأيسر وكل من تقدم ذكره بين العشرة والعشرين من أصحابه وأهـل الوزير من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنكين ثم الخليفة وحوله صبيان الركاب المذكورة بقرقرة السلاح منهم وهـم ما يزيد على ألف رجل وعليهم المناديل الطبقيات ويتقلدون بالسيوف وأوساطهم مشدودة بمناديل والسلاح مشهور بأيديهم من جانبى الخليفة كالجناحين وبينهم فـرجة لوجه الدابة ليس فيها أحد وبطول الموكب والى القـاهـرة رائح وعائد يفسح الطريق ويسير الفرسان فيلقى فى عوده الاسفهسالار – القائد العام – كذلك فى حث الأجناد فى الحركة وينكر على المزاحمين ويلقى أيضا فى عوده صاحب الباب بمن فى زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الاسفهسالار فيعود لترتيب الموكب )


{ وخلف دابة الخليفة قوم من صبيان الركاب لحفظ أعقابه وخلفهم أيضا آخر يحمل كل واحد سيفا فى خريطة ديباج أحمر وأصفر بشراريب يقال لها ( سيوف الدم ) لضرب الأعناق ثم صبيان السلاح الصغيرة أرباب الفرنجيات }


( ثم يأتى الوزير وفى ركابه قوم من أصحابه وقوم يقال لهم صبيان الزرد من أقوياء الأجناد يختارهم لنفسه نحو خمسمائة رجل من جانبيه كأنه على قلق من حراسة الخليفة ويجتهد ألا يغيب عن نظره وخلفه الطبول والصنوع والصفافير بحيث تدوى منهم الدنيا فى عدد كثير ثم يأتى حامل الدرقة والرمح ثم طوائف الراجل من الركابية والجيوشية وقبلهما المصامدة ثم الفرنجية ثم الوزيرية زمرة بعد زمرة فى عدد وافر يزيد على أربعة آلاف نفر ثم أصحاب الرايات ثم طوائف العساكر من الآمرية والحافظية والحجرية الكبار والحجرية الصغار والصقلية ثم الأتراك المصطنعون ثم الديلم ثم الأكراد والغز المصطنعة وهـم البحرية ويقدم هـذه الفرسان عدة وافرة من المرجلة أرباب قسى اليد وقسى الـرجل فى نيف وخمسمائة نفر وهـم المعدون للأساطيل وجملتهم نحو ثلاثة آلاف وأكثر وهـؤلاء الذين ذكرناهـم بعض من كل لا جميع عسكر الخليفة ثم يدخلون من باب الفتوح ويقفون بين القصرين كما كانوا )


{ فإذا وصل الخليفة إلى موضع جامع الأقمر الآن وقف وقفة وانفرج الموكب واتجه الخليفة إلى القصر يحف به الوزير والأمراء والأستاذون المنحكون وهـم مشاة إلى أن يصل إلى باب القصر فينزل الخليفة وينصرف الوزير والباقون وينتظرون فى بيوتهم فتأتيهم دنانير ذهـبية كانت قد ضربت فى العشر الأخير من ذى الحجة عليها تاريخ السنة التى ركب فيها فيحمل للوزير شىء كثير منها والى أولاده وأقاربه ثم إلى أرباب الرتب من أرباب السيوف والأقلام من عشرة دنانير إلى رباعى إلى قيراط والى دينار واحد فيقبلون ذلك تبركا)


ركـوب الـخليفـة إلى مصر { الفسطاط }


( وكان أكثر ركوب الخليفة إلى { الفسطاط } فإذا ركب ركب الوزير وراء الخليفة فى أقل جمع مما تقدم ذكره فى ركوب أول العام فيشق الخليفة القـاهـرة إلى جامع أحمد بن طولون إلى المشاهـد { كمشهد زين العابدين ومشهد السيدة نفيسة ومشهد السيدة أم كلثوم } إلى درب الصفا ويقال له الشارع الأعظم إلى دار الأنماط { وتعرف بدار الحصر } إلى جامع مصر { جامع عمرو } ثم يسير الخليفة إلى دار الملك فينزلها والوزير معه وكلما مر من القصر إلى دار الملك بمسجد أعطى قيمـه دينارا ماعدا شيخ جامع عمرو فيعطيه ثلاثين دينارا له وللقامة والمؤذنين خاصة ثم تأتى المائدة من القصر وعليها كل ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية فيحمل الخليفة إلى الوزير منها جزءا وافرا ويعطى الأمراء ومن حضر ثم يوصل إلى أهـل مصر { الفسطاط} من ذلك كثيرا من الفضلات )


( ثم يصلى الخليفة العصر ويتحرك إلى العــود والناس فى الطريق جلوس لنظره وزيه فى هـذه الأيام لبس البياض المذهـبة والملونة وهـى العمامة والمنديل مشدود وشدته مفردة عن شدات الرعية وذؤابته تقرب من الجانب ألأيسر ويتقلد السيف العربى المجوهـر بغير حنك ولا مظلة ولا يتيمة ولذلك أوقات مخصوصة فلا يمر بمسجد فى طريقه إلا ويعطى قيمة دينار كما جرى فى الرواح وينعطف من باب الخرق { المعروف اليوم بباب الخلق } فيدخل من باب زويلة ويشق القـاهـرة إلى القصر .

قــاهــرة صــلاح الــديــن


أدرك الوهـن دولة الفاطميين فى أواخر أيامها منذ عهد الشدة العظمى فى عهد الخليفة المستنصر أى منذ سنة 450هـ ( 1058م) ودب الضعف فى أوصالها فترنحت وهـوت سنة 567هـ ( 1171م) وقامت على أنقاضها الدولة الأيوبية التى شيدها صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قدوم صلاح الدين إلى مصر بصحبة عمه أسد الدين شيركوه سنة560هـ ( 1164م) حضرا تلبية لاستغاثة الوزير شاور أحد وزراء العاضد آخر الخلفاء الفاطميين وكان شاور فى نزاع مع ضرغام أبى الأشبال أحد أمراء البرقية الذى ظل يترقى حتى صار صاحب الباب ولم يستطيع أحد منهما التغلب على عدوه إلا بالاستعانة بقوة خارجية وفى هـذا ما يدلك على مبلغ انحطاط الوطنية والأخلاق عند وزراء ذلك العهد الذين بلغ عددهـم أربعين وزيرا فى مدة تسع سنوات فاستعان ضرغام بالصليبيين وهـم جماعة من مسيحيى أوربا استولوا على بيت المقدس سنة 492هـ ( 1099م) وأنشأوا لهـم إمارات على طول ساحل الشام وكانوا يتمنون لو استطال ملكهم فشمل مصر أيضا لذلك رحبوا بدعوة ضرغام لهم لمناصرته على شاور وسارعوا إلى الزحف على مصر ليحققوا الأمل الذى داعب خيالهم أما شاور فقد استعان بنور الدين محمود بن زنكى صاحب حلب وقد أدرك هـذا ما سيبلغ الصليبيون من قوة إن هـم استولوا على مصر لذلك سارع هـو الآخر إلى تلبية نداء شاور عندما استغاث به ضرغام الذى كان قد هـزم شاور فهرب الأخير إلى الشام يطلب العون من نور الدين وقد استمرت مصر ردحا من الزمان ميدانا للتنافس بين نور الدين والصليبيين يرسل كل منهما جيشه إليها فيتحاربون ثم يغادرون البلاد بشروط يشترطها كل فريق مع حليفه من الوزيرين ثم يعودون إليها وهـكذا وانتهى الآمر بقتل كل من ضرغام وشاور وخلصت مصر لأسد الدين شيركوه وحل فى الوزارة محل شاور ولكن لم يلبث أن عاجلة الموت بعد شهرين من توليه أمرها فخلفه صلاح الدين وحل محله فى الوزارة فى جمادى الآخر سنة 564هـ ( مارس سنة 1169م)ولم يكن صلاح الدين ليغبط على مركزه إذ كان فى الواقع مركزا شاذا تحفه كثير من الصعاب فبينما كان وزيرا للعاضد الشيعى كان فى نفس الوقت نائبا عن نور الدين محمود السنى هـذا بالإضافة إلى قيام الفتن والثورات التى كان يشعل نارها الحاقدون عليه من شيعة ومغاربة وسودانيين ولكن صلاح الدين وقد حالفه الحظ ولازمه التوفيق وبما وهبه الله من سعة الحيلة وبعد النظر ذلل جميع ما اعترضه من عقبات فتوفى العاضد سنة 569هـ ( 1171-1172م) ثم أعقبه نور الدين محمود فتوفى سنة 569هـ ( 1173-1174م) فخلا له الجو وخلص له ملك مصر وصار صاحب الحول والطول فيها بلا منازع وقضى على الشيعة وشتت شملهم وأخذ فى إحلال المذهـب السنى محل المذهـب الشيعى مستعينا فى ذلك بأهله وأقاربه ورجال دولته وبعد أن استتب له الأمر فى مصر وثبتت أقدامه أخذ يعد العدة للقضاء على الصليبيين وتوجيه ضربة قاصمة لهم تزلزل أقدامهم وتهد كيانهم وقد أتيح له ذلك فى موقعة حطين الحاسمة ( 25ربيع الثانى 583/5 يوليو سنة 1187) حيث أنزل بالصليبيين هـزيمة ساحقة وانتزع منهم بعد ذلك بيت المقدس ثم أجلاهم عن بقية مدن الشام وفلسطين ولم يبق فى أيديهم سوى بعض المدن الساحلية الصغيرة وأهمها صور وبذلك صار جلاؤهـم عن بلاد الشرق جلاء نهائيا أمرا محتوما والواقع أنه لم يتفق لملك من ملوك الشرق أو زعيم من زعمائه ما اتفق لصلاح الدين من بطولة وشجاعة وشدة بأس وعلو همة وبعد نظر وثاقب رأى وصفاء نفس واستمساك بالعدل والإنصاف والرحمة بالناس غير مفرق بين عدو وصديق أو بين مسلم ومسيحى مما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء وأجمع عليه المؤرخون بالرغم من تباين أجناسهم واختلاف نحلهم ونزعاتهم هـذا إلى تفقه فى الدين ورسوخ كعب فى الأدب ومصاحبة للعلماء والأدباء وبعد حياة حافلة الأعمال توفى صلاح الدين إلى رحمة الله ورضوانه فى 27من صفر سنة 589 ( 4 مارس 1193) بعد أن أصيب بالحمى الصفراء التى لم ينقذه منها علاج ودفن فى دمشق ومع انه كان صاحب الكلمة النافذة فى إدارة شئون البلاد وليس من ينازعه فى أى أمر من أمورهـا أو يراجعه فى أى شأن من شئونها فقد مات ولم يخلف فى خزائنه من الذهـب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية ودينارا واحد ذهـبا صوريا كما ذكر ابن شداد ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولابستانا ولا مزرعة وقال ابن شداد أيضا يصف وقع موت صلاح الدين فى نفوس الناس : ( وكان يوم موته يوما لم يصب الاسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين – رضى الله عنهم – وغشى القلعة والمـلك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى وقد علمت من نفسى ومن غيرى أنه لو قـبـل الفداء لفدى بالأنفس ) ألا رحم الله صلاح الدين رحمة واسعة وأنزله منازل المجاهـدين المكافحين والأبـرار والصديقين الذين رفعوا لواء الاسلام عاليا وذادوا عن حياضه واستماتوا فى الدفاع عنه حتى النفس الأخير .


الـقـاهـرة فى عهـد صـلاح الـدين :


رأينا فى المقدمة ما كانت تعنى به أية دولة عند بدء قيامها إنشاء عاصمة جديدة لها تتفق ومكانتها وتجتمع فيها مقومات عظمتها وتفتـتح بها صفحة جديدة فى تاريخها ولما كان صلاح الدين يدين بالمذهـب السنى وينقم على المذهـب الشيعى فقد آل على نفسه أن يطمس آثار الفاطميين وألا يترك سبيلا لإحياء ذكراهـم واستعادة سلطانهم لذلك فإنه لم يبق على قصورهـم وما احتوت عليه من تحف وطرائف فأسكنها أتباعه وحاشيته وضباط جيشه وأقاربه وأهمل مدينتهم التى التصقت بها ذكراهـم وارتبطت بمنشآتها شهرتهم وعول منذ اللحظة الأولى على يدمج القـاهـرة والعواصم التى سبقتها بعضها فى بعض ويوحـد بينها فيحيطها جميعا بسور عظيم لتصبح حاضرة دولته وعاصمة إمبراطوريته على أن يشيد له فوق رابية المقطم قلعة حصينة لإقامته ولتشرف على تلك العاصمة الموحدة تحمى ذمارها وتدفع عنها غارة العدو المهاجـم وأى عدو لمصر فى ذلك الحين غير الصليبيين الذين أجلاهـم عن أرضها بعد أن كادت تقع لقمة سائغة فى حلوقهـم والواقع أن صلاح الدين هـو الذى وضع أساس القـاهـرة الحالية بعد أن وحـد بين العواصم الأربع القديمة وهـو الذى مهـد لها كى تصبح أكبر مدينة فى الشرق جديرة بما لمصر من مركز الصدارة بين دول العالم الإسلامى ودول الشرق الأوسط ورسم طريق تقدمها فى مستقبلها العظيم الذى كان ينتظرها فى العهود التالية وفى العصر الحديث وبعد أن كانت قاهـرة الفاطميين مقصورة على سكنى الخلفاء وحاشيتهم فقـد شجع صلاح الدين أفراد الشعب على سكنى القـاهـرة وإقامة المنازل فيها فنقلوا الأنقاض من مدينة مصر { الفسطاط} التى تخلفت عن حـريق شاور فى 30ربيع الأول سنة 564هـ (أول يناير سنة 1169م) ذلك الحريق الذى استمر 54يوما واستعملوا الأنقاض فى تشييد مبانيهم ولما كان صلاح الدين دائم التنقل بين القاهـرة والشام للإشراف على أعماله الحربية ضد الصليبيين فقد وكل إلى وزيره ( أبو سعيد قراقوش ابن عبد الله الأسدى الملقب ببهاء الدين ) إنفاذ خططه والإشراف على أعمال البناء فأنقذ تلك الخطط بكل نشاط وإحكام ومن هـنا جاءت شهرته بالصرامة وعـلـق باسمه الاستبداد فلقبـه الناس بقراقوش ومعناها الطائر الأسود { العقاب } عنوانا على الصرامة والاستبداد وشبهوا كتابا عن بهاء الدين عنوانه ( الفاشوش فى أحكام قراقوش ) ضمنه كثيرا من الأمور التى يبعد وقوعها منه ولم يمتد أجل صلاح الدين ليتم جميع أعماله الإنشائية فأتمها خلفاؤه من بعده وعلى الرغم من أنه لم يقم طويلا فى القـاهـرة إلا أن أحدا ممن سبقوه من الحكام لم يترك فيها مثلما ترك من آثار


منشآت صـلاح الـديـن :-


الســور:- كانت نفقات حروب صلاح الدين تستنفد جانبا كبيرا من ميزانية الدولة لذلك رأى توفيرا للنفقات الكثيرة التى يستلزمها بناء سور جديد أن يمد سور بدر الجمالى من شماليه ويتجه به غربا حتى شاطىء النيل الشرقى حيث أقيم حصن المقس المنيع كذلك رأى أن يمده جنوبا حتى باب الوزير بالقرب من سور القلعة الجديد ثم هـو يتمم هـذا السور بمده جنوبا ليحيط بمدينة مصر { الفسطاط } حتى يلتقى بالنيل ثانية جنوبى الفسطاط ولم يكتمل بناء السور فى أثناء حياة صلاح الدين وإنما أتمه خلفاؤه من بعده وكل ما تم منه فى عهـده ما يأتى :


1-السور الشمالى :- ويمتد من غرب باب الفتوح ويسير غربا ثم إلى الجنوب الغربى ثم يتجه إلى الغرب ثانية ويسير باطراد ماعدا قطع واحد بالقرب من شارع الخليج المصرى { شارع بورسعيد حاليا } وبعد ذلك يمكن للإنسان أن يتتبعه وهـو يسير خلف سكة الفجالة وشارع الطلبة حتى ميدان المحطة مصر { ميدان رمسيس الآن } حيث تجد بقايا منه على طول هـذا الاتجاه الذى ينتهى بقلعة المقس وقد زالت ولم يبق لها أثر اليوم وكان قد شيد بجوارها جامع المقس الذى يعرف اليوم بجامع أولاد عنان .


2-الجزء من السور الشرقى :- ويمتد من باب النصر فدرب المحروق حتى باب الوزير بالقرب من سور القلعة الجديد ويوجد فى هـذا الجزء برج الظفر وعند وفاة صلاح الدين لم يكن بدىء فى بناء السورين الجنوبى والغربى كما لم يكن السور الشرقى قد اتصل بعد بباب الوزير ومما تجدر الإشارة إليه أن هـذا السور بنى من الأحجار بخلاف سور جوهـر الذى بنى من اللبن كذلك يمتاز سور صلاح الدين بوجود الأبراج الدائرية الخالية من الحجرات الداخلية والمنافذ والفتحات ولا يزال ممكنا تتبع أجزاء من هـذا السور بين المنازل القديمة أو خلال تلال المقطم .


الــقــلعــة:-


وقد شرع صلاح الدين فى نفس الوقت الذى كان يبنى فيه السور فى تشييد القلعة فوق جبل المقطم فى موضع كان يعرف بقبة الهـواء قيل أن حاتم بن هـرثمة هـو أول من بناهـا ثم صار موضعها مقبرة فيها عدة مساجد ولم يعرف أن صلاح الدين سكنها لأنه توفى قبل إتمام مبانيها وإنما تمت فى عهد الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب فكان أول من سكنها واتخذهـا دار الملك فى الديار المصرية واستمرت كذلك فى جميع العهود التالية حتى عهد محمد على وبعض خلفائه من بعده وقد هـدم صلاح الدين بعض الأهـرام الصغيرة فى الجيزة واستعمل أحجارهـا فى بناء القلعة والسور واستخدم كثيرا من أسرى الفرنجة فى أعمال النحت والبناء وقد قيل فى سبب بناء القلعة أن صلاح الدين أراد أن يحتمى بها من الفاطميين وأشياعهم ولكن المعقول أن يكون قد قصد بنائها تحصين البلاد ضد عدو أشد خطرا ألا وهـو الصليبيون وقد شاهـد فى أثناء تجواله فى سوريا أن لكثير من البلاد فيها قلاعا حصينة تحميها فلم ير بدا وهـو بصدد تحصين القـاهـرة بسور عظيم أن يزيد فى مناعتها ويضاعف من قوتها بإقامة قلعة حصينة فوق جبل المقطم وأسوة بمدن سوريا التى شاهـدهـا من قبل وأعجب بقلاعها وحصونها وقد بلغ طول هـذا السور حسب تقدير المقريزى 29302ذراعا هـاشميا وقد بدىء فى بناء القلعة سنة 572هـ ( 1176م) وتمت فى عهد الملك الكامل سنة 614هـ ( 1207-1208م) وفى الضلع الغربى للقلعة يوجد الباب المدرج وفوقه كتابة تاريخية كتبت بعد البدء فى إنشاء القلعة بست سنوات ولا يزال موجود حتى اليوم وهـذا نصها ( بسم الله الرحمن الرحيم ، أمر بإنشاء هـذه القلعة الباهـرة المحاورة لمحروسة القـاهـرة التى جمعت نفعا وتحسينا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه وتحصينا مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محيى دولة أمير المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين على يد أمير مملكته ومعين دولته قراقوش ابن عبد الله الملكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة ) ويقابل هـذه السنة سنة 1183-1184م)


الـقـلـعة بعـد صلاح الدين :-


ولم يبق من منشآت صلاح الدين بالقلعة سوى بعض أجزاء السور والأبواب ذلك لأنه أدخلت عليها كثير من التغييرات والإضافات فى العصور التالية : فقد أنشأ الكامل قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل حجما من سورها الأول كما أنشأ الظاهـر بيبرس برجا كبيرا وطباقا للمماليك وقصرا فخما لوالده الملك السعيد وأنشأ الأشـرف خليل بن قلاوون مقعدا فخما شاهقا يطل على الجيزة والنيل وأنشأ الناصر محمد بن قلاوون برجا مربعا كبيرا لا يزال باقيا إلى الآن بالقرب من الناحية البحرية الشرقية أسفل جامع محمد على كما بنى قصره المعروف بالقصر الأبلق الذى لا تزال توجد بقية منه أنشأ أيضا مسجدا وأنشأ الناصر حسن بن محمد قصره المسمى بالبيبسرية سنة 1160هـ ( 1359-1360م) وقيل انه جعل شبابيك من الذهـب وفى سنة 791هـ ( 1388-1389م) جدد السلطان الظاهـر برقوق سور القلعة وقد شيد السلطان الغورى إيوانا كبيرا جمع كثيرا من بدائع الفن وحوالى سنة 1160هـ ( 1747م) أنشأ الأمير رضوان كتخدا الجلفى باب العزب المشرف على ميدان صلاح الدين وقد أصلح محمد على جانبا كبيرا من سورها وأبراجها وأبوابها وأنشأ الجامع وسراى الجوهـرة والعدل ودار الضرب ودار المحفوظات المقابلة للباب الجديد الذى أنشأه سنة 1241هـ ( 1825م)


بـئـر يـوسـف الـحـلـزونـى:-


وحفر صلاح الدين فى القلعة بئرا يستقى منها الجيش وسكان القلعة إذا منع الماء عند حصارهـا وهـى من أعجب ما تم من أعمال فى عهد صلاح الدين إذ أنها محفورة فى الصخر على عمق 90مترا تقريبا من مستوى أرض القلعة ولا يخفى ما يتطلبه هـذا العمل من جهد وتتركب هـذه البئر من طابقين لكل منهما ساقية ترفع المياه منها بواسطة الدواب التى خصص لها منحدر لتسهيل النزول والصعود وقد فتحت بجانبه فتحات لإيصال النور إلى هـذا الممر ولا تزال توجد السواقى بمعداتها أسفل البئر حتى الآن .

القاهرة بعد صلاح الدين :


خلف صلاح الدين سبعة عشر ولدا وفتاة واحدة وقد اقتسم أولاده وإخوته مملكته العظيمة فوقعت مصر من نصيب ابنه عماد الدين عثمان الذى لقب بالملك العزيز ولكنه لم يعمر طويلا إذ توفى فى 21محرم سنة 595هـ ( 24نوفمبر سنة 1198م) أى بعد ست سنوات من ولايته فخلفه ابنه ناصر الدين محمد وعمره ثمانى سنوات ولقب بالملك المنصور فأقام الملك العادل بن أيوب نفسه وصيا عليه وما لبث أن خلعه فى شوال سنة 596هـ ( 15 يوليو سنة 1200م) وانفرد بحكم مصر بل إنه سرعان ما مد نفوذه على بلاد الشام أيضا وسائر دولة صلاح الدين فعادت البلاد إلى حظيرة سلطان واحد وتحت قبضة يد واحدة ويظهر أن هـذا الحل الموفق كانت تقتضيه أحوال ذلك العهد وما لابسه من ظروف خطيرة فالصليبيون لم يلبثوا بعد وفاة صلاح الدين أن أخـذوا يستعيدون نشاطهم ويمنون أنفسهم باستعادة ممتلكاتهم بعد أن أجلاهـم عنها صلاح الدين فاشتبك العادل معهم فى عدة حروب بالشام ولكنهم حولوا وجوهـهم شطر مصر واستولوا على دمياط فى 4 ربيع الأول سنة 615هـ ( أول يونيو 1218م) وتوغلوا فى أرض الوجه البحرى وكان العادل قد توفى حينذاك فتصدى لهم الكامل بن العادل وهـزمهم بعد قتال عنيف هـزيمة ساحقة فى 7 رجب سنة 618هـ (  6 سبتمبر سنة 1231م) فى الموضع الذى أطلق عليه فيما بعد [ المنصورة ] ثم أجلاهـم عن أرض مصر ولكنهم عادوا إليها فى عهد ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان قد تولى الملك فى 25ذى القعدة سنة 636هـ ( أول يوليو 1239م) ولكنه توفى قبل أن يتم النصر عليهم فقام بهذه المهمة ابنه المعظم غياث الدين توران شاه وهـزمـهم هـزيمة ساحقة عند المنصورة أيضا وأسر ملكهم لويس التاسع سنة 648هـ ( 1250م) وفى نفس العام توفى توران شاه وبموته انقرضت دولة الأيوبيين وانتهى عـهدهـم  


القلعة والأسوار :-


ذكرنا أن الملك الكامل أكمل بناء القلعة سنة 614هـ ( 1207م) وأنشأ بها قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل ارتفاعا من سورهـا الأول ثم اتخـذهـا مقرا لملكه


قـبة الإمام الشافعى :-


ولقد أنشأ صلاح الدين فيما أنشأه من مدارس مما سيأتى ذكره قريبا المدرسة الصلاحية سنة 572هـ ( 1176م) وأنشأ بجوارهـا ضريحا للإمام الشافعى وفى سنة 574هـ ( 1178م) أنشأ التابوت الخشبى الذى يعلو تربة الشافعى وهـو مصنوع من خشب الساج الهندى ومقسم إلى حشوات هـندسية منقوشة نقشا غاية فى الإتقان ومكتوب عليه آيات قرآنية وترجمة حياة الشافعى واسم الصانع الذى صنعه وذلك بالخط الكوفى والنسخى وبجوار قبر الشافعى دفنت الأمير { شمس } زوج صلاح الدين والملك العزيز عثمان ابنه ووالدة الملك الكامل لذا شيد ولدهـا الكامل فى جماد الأولى سنة 608هـ ( أكتوبر 1211م) قبة ضمت قبر الشافعى وبعض أفراد الأسرة الأيوبية وتمتاز هـذه القبة بما فيها من نقوش وزخارف ويوجـد فوقها من الخارج فى مكان الهلال مركب صغير من النحاس يقال أنها تسع من الحب قدر أردب لإطعام الطيور ويغلب على الظن أن تكون هـذه المركب رمزا لعـلم الشافعى الذى شبه بالبحر الزاخر ثم انه أنشأ تابوتا من الخشب فوق تربة والده لا يقل دقة عن تابوت الشافعى وركب على باب القبة مصاريع خشبية تماثل صناعتها صناعة التابوت ولا تزال هـذه القبة الجميلة المرتفعة قائمة إلى اليوم تعلو قبر الإمام الشافعى المجاور لمسجده بشارع الإمام الشافعى بالقرافة ولما تسرب الوهـن إلى المدرسة الصلاحية وتعطلت إقامة الشعائر الدينية بها هـدمهـا الأمير عبد الرحمن كتخدا وأنشأ مكانها مسجدا عظيما سنة 1176هـ ( 1762-1763م) وضم إليه ضريح الإمام الشافعى وقد أصاب هـذا المسجد بعد ذلك تصدع وخلل فرممه على الصورة التى هـو عليها الآن الخديو محمد توفيق سنة 1309هـ ( 1890-1891م).


تـربـة الـصالـح نـجـم الدين أيوب :-


وتوجد بشارع مابين القصرين فى الجهة البحرية الغربية للمدرسة الصالحية وقد أنشأتها الملكة شجرة الدر ليدفن بها زوجها الصالح نجم الدين أيوب وبها تابوت خشبى بلغت صناعته الدقيقة درجة عظيمة من الإتقان كذلك تعد شبابيكها النحاسية المفرغة ورخام المحراب من أقدم النماذج التى من نوعها


الحالة الاجتماعية فى عهد الأيوبيين


نعمت البلاد فى عصر صلاح الدين بأمن مستتب وهـدوء شامل وعدل مقيم ورخاء عميم ولا يظن ظان أن انشغال صلاح الدين طوال حياته بالحرب والنضال قد صرفه عن تعهد البلاد بكل ما تحتاجه من إصلاح والواقع انه حفر الترع وطهر القديم منها فأينع الزرع وكثر الرزق وعمت الخيرات


انـتشـار الـعـدل :-


وكان محبا للعدل يجلس فى كل يوم اثنين وخميس فى مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء ويصل إليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز وما استغاث به أحد إلا أجابه وكشف ظلامته


الـحمـامـات :-


ولقد زار مصر فى عهد صلاح الدين وبعد وفاته عبد اللطيف البغدادى الرحالة المشهور فأعجب بكل ما شاهـد فى القاهرة من غرائب الأبنية ووسائل الراحة وأطنب فى وصف حماماتها فقال ( وأما حماماتهم فلم أشاهـد فى البلاد أتقن منها وصفا ولا أتم حكمة ولا أحسن منظرا ومخبرا أما أولا فان أحواضها يسع الواحد منها مابين راويتين إلى أربع روايا وأكثر من ذلك يصب فيها ميزابان ثجاجان حار وبارد وقبل ذلك يصبان فى حوض صغير جدا مرتفع فإذا اختلطا فيه جرى منه إلى الحوض الكبير وهـذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره فى عمقها ينزل إليه المستحم فيستنقع فيه وداخل الحمام مقاصير بأبواب وفى المسلح أيضا مقاصير لأرباب التخصص حتى لا يختلطوا بالعوام ولايظهروا على عوراتهم وهـذا المسلح بمقاصيرة حسن القسمة مليح البنية وفى وسطه بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة وجميع ذلك مزوق السقوف مفوف الجدران مبيضها مرخم الأرض بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه وترخيم الداخل يكون أبدا أحسن من ترخـيم الخارج وهـو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الآذاج جاماته مختلفة الألوان صافية ألأصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثر الخروج منه لأنه إذا بالغ بعض الرؤساء أن يتخذ دارا لجلوسه وتناهـى فى ذلك لم تكن أحسن منه ) وإذا كثرت الحمامات فى بلد كان ذلك عنوانا على النظافة أبدان أهـله وصحة أجسامهم وسلامة عقولهم وبالتالى دليلا على رقيهم وتقدمهم وقد كان هـذا الحال أهـل القـاهـرة فى عهد صلاح الدين وفى عهد خلفائه من بعده


رعـايـة المـرضـى :-


وقد شمل صلاح الدين المرضى وذوى العاهات برعايته وعنايته فأنشأ لهم دورا لعلاجهم والعناية بهم من ذلك بيمارستان بالإسكندرية وآخـر بالقـاهـرة كان يطلق عليه البيمارستان العتيق الذى أشأه سنة 577هـ ( 1181-82م) محل قاعة بالقصر الكبير بناها العزيز بالله الفاطمى سنة 284هـ ( 897م)وكانت آيات من القران مكتوبة على جدرانها وموضع هـذا البيمارستان اليوم مجموعة المبانى الواقعة خلف دورة مياه المشهد الحسينى من الجهة البحرية إلى عطفة القزازين وقد أوقف على كلا البيماستان الأوقاف الجيدة شأنه فى ذلك شأن جميع المدارس التى أنشأهـا بمصر والشام والتى سيأتى الكلام عنها عاجلا وقد أصاب مصر فى عهد هـذه الدولة قحط مما يتهدد البلاد دواما فى العصور الوسطى من جراء انخفاض النيل وافتقار الأرض إلى مياه الرى فيجف الزرع ويقل القوت وتنتشر المجاعة ويعقبها حدوث الأويئة التى تفتك بالناس وتحصدهم حصدا فإذا ما ارتفع النيل بعد ذلك لم يجد الأيدى التى تفلح الأرض وتستنبت النبات فيمتد القحط بالبلاد عدة سنوات ربما بلغت سبعا كما حدث فى عهد المستنصر الفاطمى مما سبق وصفه قبل الآن


الـقحـط فى حـكـم الـعـادل :-


وقد حدث فى السنوات الأولى من حكم الملك العادل ( 596-615هـ / 1200-1218م) قحط لا يقل هـولا عما حدث فى عهد المستنصر الفاطمى وقد وصف عبد اللطيف البغدادى الذى عاصر الدولة الأيوبية هـذا القحط بقوله : ( يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وأشعر أهلها البلاء وهـربوا من الخوف الجوع وانضوى أهـل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا فى البلاد أيدى سبا ومزقوا كل ممزق ودخل إلى القـاهـرة ومصر [ الفسطاط ] منهم خلق كثير واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيفة والكلاب والبعر والأرواث ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بنى أدم فكثيرا ما يعثر ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل ورأيت صغيرا مشويا فى قفة وقد أحضر إلى دار الوالى ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر باحراقهما)


وقد اجتاح الوباء أهـل مصر ( حتى أن القرية التى كان فيها خمسمائة نفس لم يتأخر بها سوى اثنين أو ثلاثة وكانت الأزقة كلها بالقـاهـرة ومصر لا يرى فيها من الدور المسكونة إلا القليل وعدمت الحيوانات جملة فبيع فروج بدينارين ونصف دينار وبيع الرأس الواحـد من البقر بسبعين دينارا.. فلما أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد أحد يحرث أو يزرع فخرج الأجناد بغلمانهم وتولوا ذلك بأنفسهم )


الـحالـة الـعلمـية والـثقافـية


الــمـدارس :-


أراد إحلال المذهب السنى محل المذهب الشيعى فأنشأ صلاح الدين المدرسة الناصرية سنة 566هـ (1170م) بجوار الجامع العتيق [ جامع عمرو ] لتعليم الدين وفق المذهـب الشافعى وكان حينئذ يتولى وزارة مصر للخليفة العاضد وهـى أول مدرسة أقيمت بمصر وأنشأ فى نفس السنة مدرسة أخرى بجوار الجامع نفسه عرفت بالمدرسة القمحية لتعليم الدين وفق المذهـب المالكى وإنما عرفت بهذا الاسم لأنه أوقفت عليها ضيعة بالفيوم يوزع قمحها على الطلاب وشيوخهم وفى سنة 571هـ ( 1176م) أنشأ المدرسة الصلاحية بجوار قبر الإمام الشافعى برسم فقهاء الشافعية وبنى مدرسة ثالثة مجاورة للمشهد الحسينى وفى 572هـ ( 1177م) أمر بإنشاء مدرسة لتعليم الدين وفق المذهـب الحنفى هـى مدرسة السيوفية وهـى أول مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر وهـى من جملة قصر الوزير المأمون البطائحى ووقف على مستحقيها اثنين وثلاثين حانوتا بخط سويقة أمير الجيوش وباب الفتوح وحارة برجوان كما أنشأ بالإسكندرية سنة 577هـ ( 1181م) مدرسة أخرى ولكى يضمن ازدهـار هـذه المدارس واستمرارها فى أداء رسالتها أوقف عليها كما رأيت الخيرات والأرزاق وعنى بالطلاب والشيوخ على حد سواء وكما ابتدع صلاح الدين إنشاء المدارس فى مصر تلك المدارس التى أخذ خلفاؤه من بعده يتبارون فى إنشائها فانه كان أول من أدخل تصميم بناء المدرسة إلى مصر نقلا عن المدارس فى سوريا وقد أخذ هـذا التصميم فى الانتشار أيضا من بعده حتى غلب تصميم المدرسة على المسجد فأنشىء على مثالها الكثير من المساجد حتى لو لم تخصص لتدريس المذاهـب الأربعة وقد اندثرت هـذه المدارس جميعا ولم يبق لها اليوم أدنى أثر فالمدرسة الصلاحية دخلت فى بناء جامع الإمام الشافعى والمدرسة التى كانت بجوار المشهد الحسينى أدخلت أيضا فى هـذا المشهد وأصبح فى محلها الإيوان الشرقى عند المحراب الحالى للجامع ومدرستا الشافعية والمالكية بجوار جامع عمرو قد زالتا وأصبح مكانهما أرض فضاء فى الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من الجامع المذكور ومشغولة بقمائن الجير والفواخير


الـمدارس فى عهـد خلفـاء صلاح الدين :-


ولم يبق من مدارس خلفاء صلاح الدين سوى الإيوان الشمالى الغربى من المدرسة الكاملية الموجودة على الجانب الغربى من سوق النحاسين اليوم بجوار جامع السلطان برقوق من بحريه وكان قد أنشأهـا الملك الكامل بن العادل بن أيوب لتدريس الحديث سنة 622هـ ( 1225م) لذا عرفت بدار الحديث الكاملية وهـى أول دار أنشئت بمصر لهذا الغرض وثانى دار فى الشرق بعد دار الحديث التى أنشأهـا الملك العادل نور الدين محمود زنكى بدمشق وقد بنى الكامل هـذه الدار وأوقفها على المشتغلين بالحديث النبوى ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية وتعرف اليوم باسم جامع الكاملية أو جامع الكامل وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك قد أنشأ سنة 641هـ ( 1243-44م) مدرسة خصصت لدراسة المذاهـب الأربعة وهـى أول مدرسة يجتمع فبها تدريس المذاهـب الأربعة وكان إنشاؤها على قطعة أرض من جملة القصر الشرقى الفاطمى مساحتها 6000مترا مربعا تقريبا ودخل فيها باب الزهـومة أحد أبواب القصر وكانت تتكون من قسمين : أحدهما على يمين الداخل من الباب العمومى والثانى على يساره وكان بكل قسم إيوانان ويتوسط القسمين صحن كبير يدرس الطلاب بكل إيوان مذهـبا من المذاهـب الأربعة ولم يبق من مبانى هـذه المدرسة سوى واجهتها التى بها الباب العمومى المشرف على شارع مابين القصرين وتعلوه مئذنتها ولكن يحجب هـذه الواجهة الأثرية الجميلة الحافلة بالزخارف والكتابات سبيل خسرو باشا وما يجاوره من دكاكين حقيرة بشارع بين القصرين وقد نقل الباب الخشبى لهذه المدرسة إلى المتحف الإسلامى بميدان أحمد ماهـر بالقـاهـرة وقد تخلف من الجزء البحرى الإيوان الغربى الملاصق لتربة منشىء المدرسة وبقايا بسيطة من الإيوان الشرقى وأما النصف القبلى فقد أغصبت أواونيه ولم يبق منه سوى الواجهة وتحتله وكالة الجواهـرجية


الأدب والثـقـافـة :-


وقد كان للأدب والثقافة فى دولة بنى أيوب شأن ذلك لأن صلاح الدين كان يجالس سوى الأدباء والفقهاء والعلماء ويجزل لهم العطاء ويصلهم بالمنح والمكافآت بل إن وزارته كانت تضم اثنين من كبار الأدباء : أحدهما القاضى الفاضل والآخر عماد الدين الكاتب الأصفهانى اللذان اشتهرا بحسن الأسلوب ورشاقة الرسائل وكان أخر سكرتير خاص له بهاء الدين بن شداد الذى كتب تاريخ حياته ( وقد كانت تحيط به جمهرة من الأذكياء الذين لم يقتصروا على وزرائه الباهـرين بل أيضا أشخاصا متميزين كطبيبه اليهودى ابن ميمون والعالم المبدع العراقى عبد اللطيف البغدادى ( 1162-1231م) الذى يعتبر وصفه لمصر من أهـم المؤلفات الطبوغرافية التى كتبت فى العصور الوسطى


عمـاد الدين الـكاتب :-


وقد كان العماد كاتبا مجيدا وشاعرا مفلقا ومؤرخا عالما وله مؤلفات كثيرة منها { كتاب خريدة القصر وجريدة العصر } جمع فيه تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس وهـو يدخل فى عشرة مجلدات وكتاب ( البرق الشامى والفتح القسى فى الفتح القدسى ) وكتاب ( السيل على الذيل ونصرة الفطرة وعصرة القطرة فى أخبار الدولة السلجوقية ) وقد رثا صلاح الدين بقصيدة عامرة جاء فيها :


شمل الهدى والملك وعم شتاته والدهـر ساء وأقلعت حسناته
بالله أين الناصر الملك الذى لله خالصة صفت نياته
أين الذى مد لم يزل مخشية مرجوة رهـبانه وهـباته
أين الذى كانت له طاعاتنا مبذولة ولربه طاعاته
أين الذى زال سلطانا لنا يرجى نداه وتنقى سطواته
أين الذى شرف الزمان بفضله وسمت على الفضلاء تشريفاته
لا تحسبوه مات شخصا واحدا قد عـم كل العالمين مماته
ملك عن الاسلام كان محاميا أبدا لماذا أسلمته حماته


الـقـاضـى الـفـاضـل :-


أما القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى فقد كان شاعرا استشهد علماء البديع بكثير من شعره فى أنواع كثيرة ومن شعره الذى جرى مجرى الأمثال قوله :


وإذا السعادة لاحظتك عيونها نم فالخاوف كلهن أمـان
واصطد بها العنقاء فهى حبائل واقـتد بها الجوزاء فهى عنان


وقال فيه ابن خلكان { وبرز فى صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين وله فيه الغرائب مع الإكثار أخبرنى أحد الفضلاء الثقاة المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله فى المجلدات والتعليقات فى الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهـو مجيد فى أكثرها } وكفاه فخرا ما كان يقوله فيه صلاح الدين [ لا تظنوا أنى ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل ] ومن شعراء هـذا العصر الشيخ شرف الدين أبو حفص وأبو القاسم عمر ابن أبى الحسن على بن المرشد بن على المعروف بابن الفارض الحموى الأصل المصرى المولد والدار والوفاة الصالح الشاعر المشهور أحد البلغاء الفصحاء الأدباء يروى أن الملك محمد الكامل أراد أن يصله بالعطاء فأبى كما أنه رفض مقابلته وقد قصد الملك الكامل داره وذلك لزهـده وبعده عن زخرف الدنيا وله ديوان شعر جمع أشهر قصائده ومن عيون تلك القصائد البائية التى منها :


سائق الاظعان البيد طى منعما عـرج على كثبان طى
وبذات الشيخ عنى إن مررت بحى من عريب الجزع حى
وتلطف وأجر ذكرى عندهم عنهم أن ينظروا عطفا إلى
قل تركت الصب فيكم شيخا ماله مما يراه الشوق فى


ومن مقطعات شعره قوله :


وحياة أشواقى إلـيــــك وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرت عينى سواك ولا صبوت إلى خليل


وقد توفى بالقـاهـرة فى جماد الأولى سنة 632هـ ( يناير سنة 1235م) ودفن بجهة الأبجية بسفح المقطم بمسجده المعروف بمسجد عمر بن الفارض


عبد اللطيف الـبغـدادى :-


أما عبد اللطيف البغدادى فقد ولد بغداد سنة 557هـ ( 1162م) ودرس الطب والفلسفة وعلوم اللغة وتنقل بين الشام ومصر والعراق واتصل بصلاح الدين وغيره من الأمراء الأيوبيين واجتمع بأعلام الأساتذة ولم يكن ( يأخذ بقلبه ويملآ عينه ) إلا النفر القليل منهم وقد لقى القاضى الفاضل فى معسكر صلاح الدين بظاهـر مدينة عكا فأرسله إلى مصر بتوصية منه إلى وكيله ولكن عبد اللطيف لم يلبث أن غادر مصر ورحل إلى القدس للقاء صلاح الدين يمم شطر دمشق وقدم مصر ثانية بعد وفاة صلاح الدين واشتغل بالتدريس فى الأزهـر ومن مؤلفاته [ الإفادة والاعتبار فى الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر ] وهـو يشتمل على وصف رحلته إلى وادى النيل فى نهاية القرن السادس الهجرى { الثانى عشر الميلادى } وهـو على اختصاره يمتاز بدقة الوصف والاتجاه العلمى وليس هـذا بعجيب من عالم طبيب كالبغدادى وقد وصف فيه خواص مصر العامة وما تختص به من النبات والحيوان وما فيها من الآثار القديمة مثل الأهـرام وأبى الهول والمسلات والمعابد فى مصر العليا ومنارة الإسكندرية وعمود السوارى


مـوسـى بـن مـيـمـون:-


وموسى بن ميمون ويعرفه العرب بأبى عمران عبيد الله فهو يهودى الأصل ولد فى مدينة قرطبة بالأندلس سنة 530هـ ( 1135م) ولما شب تلقى العلم على علماء قرطبة وفلاسفتها من المسلمين ويهود ثم نزح إلى بلاد المغرب سنة 555هـ ( 1160م) وأقام بمدينة فاس ثم رحل إلى عكا بفلسطين سنة 561هـ ( 1165م) وبعد أن أقام بها نصف سنة رحل إلى مصر فى أواخر عهد الدولة الفاطمية وقد ظل بها إلى حين وفاته سنة 601هـ ( 1204م) وقد أقام بمدينة الفسطاط يلقى المحاضرات فى علوم الرياضة والفلك والفلسفة وقد شهد سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية وعاصر أكثر ملوكها وقام بتطبيبهم وتطبيب أفراد أسرتهم ومداواة الناس على اختلاف مللهم ولم يمنعه كل ذلك عن التدوين والتصنيف فى الفلسفة والطب والمنطق والدين اليهودى وقد انتهى به الأمر إلى أن أصبح رئيس الطائفة اليهودية بمصر


الـحالـة الـفـنـية


انطبع العصر الأيوبى كما رأيت بالطابع الحربى الذى استلزمه مقاومة الصليبيين والقضاء على أطماعهم كما انطبع أيضا بالطابع السنى وقد استلزم ذلك حماية البلاد من عودة الفاطميين إلى امتلاكهم مصر ونشر تعاليمهم فيها وكان لذلك كله أثره الواضح فى سير الفنون واتجاهـاتها:-


الـمـبـانـى :-


ففى المبانى انتشر بناء الأسوار والحصون وقد أتينا قبل الآن على وصف قلعة صلاح الدين وأسوار القـاهـرة وما تخللها من أبراج وحصون وكل ذلك لتحصين الخطر الصليبى الذى كان يهدد البلاد فى ذلك العهد


الـمـدارس :-


كذلك انتشر بناء المدارس لتعليم الدين وفق المذاهـب الأربعة دفعا للمذهـب الشيعى وقضاء عليه وقد استتبعت هـذه السياسة الدينية الجديدة إجراء تعديل فى تخطيط المسجد فقد كان المألوف فى تصميم المسجد قبل إنشاء هـذا المدارس أن يتكون من أربعة أواوين مسقوفة فى الغالب ومحمولة عقودهـا على عمد أو أكتاف أكبرهـا إيوان القبلة ويتوسط الأواوين صحن مكشوف تتوسطه أحيانا قبة تحتها فسقية أما تصميم المدرسة فيشمل على إيوانين أو أربعة أواوين معقودة متقابلة تكون شكلا متعامدا Cruiform أكبرهـا إيوان القبلة وأصغرهـا الإيوانان الجانبيان ويتوسطها غالبا صحن مكشوف به قبة الفسقية ويلحق به عادة مدفن للمنشىء وسبيل يعلوه كتـاب ومساكن للطلاب ولما صغر حجمها غطى الصحن واستغنى عن الفسقية وعن قبتها وقد ساد هـذا التصميم فى عصر المماليك


الـفـنـون :-


ازدهـرت فى بعض نواح مثل الحفر على الأخشاب والخزف المطلى بالمينا


الأخشاب المـحفورة :-


أما الحفر على الأخشاب فقد بلغ الذروة فى عهد الأيوبيين يرى ذلك فى ثلاثة توابيت : أحدهـا على قبر الإمام الشافعى والثانى على قبر الملكة شمس زوج صلاح الدين الموجودة بجانب قبر الشافعى والثالث كان موضوعا فوق الإمام الحسين رضى الله عنه وهـو الآن موجود بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة وهـذه التوابيت الثلاثة المتخلفة عن العصر الأيوبى تتكون من ترابيع خشبية قوامها حشوات صغيرة يربط بعضها البعض { سقاسات } من الخشب بهذه الترابيع فى مجموعها شريط من كتابات كوفية يليه شريط آخر من كتابات نسخية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات فروع نباتية وأوراق ذات فصوص عناقيد العنب وهـى تذكرة إلى حد كبير بالزخارف الموجودة على جوانب محراب السيدة رقية وفى ظهره


الأبواب :-


وبقية ضريح الإمام الشافعى وكذلك بمسجد الإمام الليث بن بابان يرجعان إلى العصر الأيوبى مؤرخان سنة 608هـ ( 1211-12م) وقوام الزخرفة فى هـذين البابين أطباق نجمية تتكون من الحشوات الصغيرة المدقوقة ( أيـمـه ) تحيط بها السقاسات مما مهد لانتشار هـذا النوع من التصميم فى الأبواب أيام المماليك ويوجد بالمتحف الإسلامى باب مخلف من قبة الإمام الشافعى مصفح بالنحاس مثبت به حشوات نحاسية فى أطباق نجمية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات أوراق وفروع نباتية والحشوات هنا مسطحة ليس بها بروز وهـذا الباب هـو النموذج الثانى من نوعه إذ أن النموذج الأول هـو باب مسجد الصالح طلائع المنشأ سنة555هـ ( 1160م) والموجود الآن بالمتحف الإسلامى بالقـاهـرة


الأبواب الـنحـاسية :-


ولقد كان ظهور مثل هـذه الأبواب النحاسية تمهيدا لانتشار مثل هـذه الأبواب ذات الحشوات البارزة فى أيام المماليك وخير مثل لهذا النوع من الأبواب الباب النحاسى لمسجد السلطان حسن سنة 764هـ ( 1362-63م) والذى نقله المؤيد سنة 818هـ ( 1415م) إلى مسجده الذى فرغ من بنائه فى نفس السنة والقائم خلف باب زويلة


الـخـزف :-


ويظهر فى العصر الأيوبى نوع جديد من الخزف والزخرفة فى هـذا النوع الجديد منقوشة تحت الطلاء والكتابة عليه بالخط النسخى وهـو يخالف الخزف الفاطمى أو الطولونى المعروف بالخزف ذى البريق المعدنى luster pottery
والذى كانت الكتابة عليه بالقلم الكوفى ويوجد بالمتحف الإسلامى بالقاهـرة من الخزف الأيوبى منها : قطعة قوام زخرفتها رسم باللونين الأزرق والأسود يمثل شخصين فى قارب مزين بمربعات سوداء وزرقاء وأخرى قوام زخرفتها رسم حيوان باللون الأسود وتمتاز بتصرف وحرية يجعلانه يشبه بعض الرسوم الزخرفية فى العصر الحديث وثالثة عليها رسم أرنبين باللون الأزرق الفاتح وكل منهما يولى الآخر ظهره وبينهما رسوم زهـور باللون الأحمر ومما يلفت النظر فى هـذه التحفة التماثل والتقابل فى رسم الأرنبين ثم الحركة التى تبدو فيهما ورقة الرسوم النباتية

الــقــاهـــرة فى عــهــد الــممـالـيـك

لما تولى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل سابع ملوك الدولة الأيوبية سلطنة مصر فى 25 من ذى القعدة سنة 636( أول يوليو سنة 1239) استكثر من شراء المماليك وجعل منهم أمراء دولته وخاصة بطانته والمحاطين بدهـليزه ودعاهـم بالحلقة إشارة إلى أنه لا يبرح محاطا بهم كيفما توجه كما فعل الخليفة المعتصم العباسى من الاستكثار من المماليك والأتراك وأنشأ لهم فى جزيرة الروضة سنة 638هـ ( 1240-41م) قلعة قرب المقياس عرفت بقلعة الروضة وقد أنفق فى عمارتها أموالا كثيرة حيث بنى فيها الدور والقصور وعمل لها ستين برجا وبنى بها جامعا ثم اتخذهـا دار ملك وسكن فيها بأهـله وحرمه وأسكن فيها مماليكه وكانت عدتهم نحو ألف مملوك وقد عرفوا بالمماليك البحرية لسكناهـم هـذه الجزيرة الواقعة فى [ بحر] النيل وقد درست هـذه القلعة بما كان فيها ولم يبق لها أثر اليوم وتوفى الصالح فى 14شعبان سنة 647هـ ( نوفمبر سنة 1249) بالمنصورة فى أثناء قتاله ضد حملة لويس التاسع فأخفت جاريته شجرة الدر أو شجر الدر خبر وفاته وكانت أمـة تركية أو أرمنية من بين نساء الخليفة المستعصم العباسى ثم دخلت فى خدمة الملك الصالح الذى أعتقها بعد أن أنجبت له ولدا يسمى خليل وكانت امرأة أريبة راجحة العقل بعيدة النظر كثيرا ما عهد إليها الصالح بإدارة الأحكام فى أثناء غيابه فى حملاته الحربية فلما رأت دقة موقف الجيش المصرى وهـو يحارب الأعداء وخشيت وقوع الفرقة والاضطراب بين قواده إذا هـم علموا بوفاة الملك الصالح كتمت هـذا الأمر وأخذت البيعة لابنه الملك المعظم غياث الدين توران شاه واستقدمته على جناح السرعة وكان متغيبا بالشام فحضر وقاد الجيش ضد الفرنسيين حتى هـزم لويس التاسع واندحر جيشه ولما أراد توران شاه أن يكافىء مماليكه الذين أحضرهـم معه من الشام وقدم بعضهم على مماليك أبيه وكان هـؤلاء ذوى أنفة وغطرسة لا يطأطئون الرأس لأحد ويرون أنفسهم أحق بملك مصر لما أحرزوه من نصر على الفرنسيين ولما اشتدت إهاناته وتحقيره لهم وثب به أربعة منهم وفتكوا به ويمكن القول أنه منذ هـذه اللحظة بدأت تبزغ إلى الوجود دولة المماليك البحرية فلما رأت شجرة الدر ما حل بتوران شاه ورأت كفة المماليك الراجحة تواطأت مع عز الدين أيبك التركمانى أتابك العسكر { القائد العام للجيش} وكان أقوى المماليك نفوذا وأعظمهم شأنا وكان يربطها به ود قديم منذ أيام الملك الصالح فأخذت لنفسها البيعة من الأعيان والأمراء وقبضت على ناصية الأمور فى 10صفر سنة 648هـ ( مايو سنة 1250) وتكنت بعصمة الدين أم خليل ونقـش اسمها على النقود ودعـى لها على المنابر بعد الدعاء للخليفة بما نصه( احفظ اللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ذات الحجاب الجميل والستر الجليل والدة المرحوم المستعصمية زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب ) وعينت عز الدين أتابكا عندهـا لتدبير المملكة ولكن الأمر لم يستقم لها طويلا اذ يحدث قبل أن حكمت المسلمين امرأة وعاب الخليفة المستنصر العباسى ذلك على أهـل مصر وقد كانت شجرة الدر كما تقدم إحدى جواريه قبل أن يشتريها الصالح فبعث برسالة لاذعة إلى أمراء مصر يقول لهم فيها ( إن كان الرجال قد عدموا عندكم فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا ) فخلع المماليك طاعتها ووثب إلى العرش عز الدين أيبك التركمانى وبويع بالسلطنة فى آخر ربيع الثانى سنة 648( يولية 1250) ولقب بالملك المعز الجاشنكير التركمانى الصالحى وتزوج من شجرة الدر وينسب إليها أنها أول من أرسلت المحمل من مصر إلى مكة عـز على شجرة الدر أن ينفرد أيبك بالملك من دونها وأن يشرع فى الزواج من سيدة أخرى فيقضى على مركزها كسيدة مصر الأولى ويلقى بها فى زوايا النسيان فأكل الحسد أحشاءهـا وسرعان ما دبرت له مؤامرة فانقض عليه نفر من عبيدهـا وقتلوه وهـو فى الحمام فلما تولى ابنه نور الدين على قبض على شجرة الدر وعهد بها إلى نساء بيته فانهلن عليها ضربا بالقباقيب حتى لفظت أنفاسها وألقى بجثتها فى خندق بالقلعة وأخيرا دفنت قرب مدفن السيدة نفيسة .

الـحـالـة الاقـتصـاديـة

الـزراعة :-


كانت الزراعة مصدرة الثروة الرئيسى فى عهد المماليك وكانت الأرض تنبت جميع المحاصيل المعروفة اليوم من حبوب وبذور وخضر وفاكهة وأزهـار ومما كان يعوق تقدم الزراعة وازدهـارهـا كثرة الضرائب التى كان المماليك يثـقلون بها كاهـل الفلاحين والتجار واستعمال القسوة والتعذيب فى جبايتها لذلك كان الفلاحون يمتنعون أحيانا عن عرض محاصيلهـم فى الأسواق ويخفى التجار متاجرهـم فى الحواصل والمخازن فرارا من قسوة الجباة وظلمهـم وإلحاح السلاطين فى جمع أكثر ما يمكن جمعه من الأموال لكى يحصلوا على المال اللازم لحملاتهـم الحربية ونفقات بلاطـهم وحفلاتهـم ومواكبهـم ومبانيهـم العظيمة ومن هـذه الضرائب : ضريبة الأرض أو الخراج وزكاة الدولة والجوالى ومقرر جباية الدينار والمكوس والرسوم الجمركية وموارد الديوان الخاص وضريبة التركات وما يتحصل من دار ضرب النقود بالقاهـرة وما يجبى عند وفاء النيل


الـصنـاعـة :-


وازدهـرت فى عهد المماليك كثير من الصناعات أيمـا ازدهـار وبلغت درجة عظيمة من التقدم والرقى ولقد تركزت معظم هـذه الصناعات فى مديـنـتى مصر والقـاهـرة وأحرز الصناع مهارة تستحق الإعجاب وإنما ساعدهـم فى بلوغ ذلك شيوع نظام الطوائف فقد كان لكل حرفة طائفة ولكل طائفة شيخ يـهيمن على شئون أفرادهـا ويـوجهـهم التوجيه الفنى الصحيح ويرعـى مصالحـهم ولابد للصبى قبل أن يصبح صانعا ماهـرا أن يسلك عدة خطوات ثم يحصل بعد ذلك من شيخ الطائفة على شهادة بأنه حذق الصنعة فينادى به الشيخ معلما ويصبح عضوا فى طائفة حرفته وكان لكل حرفة مشايخها وأعلامها وطبولها وتمثل فى الاحتفالات العامة كمولد النبى ووفاء النيل ورؤية هـلال رمضان وتمثل هـذه الطوائف اليوم نقابات العمال إلى حـد ما ومن أهـم الصناعات التى ازدهـرت بالقاهـرة فى عصر المماليك صناعة المنسوجات والفرش والستور والخيم والسروج وصناعة الأوانى النحاسية المكفتة كالأباريق والصحون والطسوت والموائد والـثريات والمقالم ... الخ وصناعة الزجاج خصوصا المطلى بالمينا فصنعت منه المشكاوات والدوارق وصناعة الخزف والبلور الصخرى والتحف الخشبية المطعمة بالسن والأبنوس مما سيأتى ذكره عند الكلام على الفنون فى عهد المماليك هـذا بالإضافة إلى الصناعات الحيوية التى تتصل بمعاش الناس وحياتـهم كصناعة السكر والحلوى وعصر الزيوت وصناعة القلل والأزيار والبرانى وصناعة الحصر والبناء وصبغ المنسوجات وغير ذلك من الصناعات التى لا تزال موجودة حتى اليوم كذلك قامت بالقـاهـرة صناعة الأسلحة وأدوات الحرب كالسيوف والرماح والسهام والأقواس والدروع وأدوات الرياضية والصيد وصناعة السفن


الـتجـارة :-


ولقد نعمت مصر فى عهد المماليك بمصدر آخـر من مصادر الغنى والثروة ملأ خـزائنـهم بالأموال الطائلة وهـيأ لـهم حياة العز والنعيم ومكنهم من بناء القصور الفخمة والمساجد العظيمة ذلك هـو التجارة الشرقية التى كانت تخترق مصر أو الشام فى طريقها إلى أوربا وكان كلا الطريقين فى حوزة المماليك فيجبون على تلك التجارة ما شاءوا أن يجبوه من المكوس والضرائب الباهـظة ولم تكن فائدة مصر من مرور التجارة الشرقية بأراضيها قاصرة على الضرائب الفادحة التى كان المماليك يجبونها عليها بل إنها كانت تعمر الأسواق فى القاهـرة فتنشط حركة البيع والشراء ويثرى التجار بدورهم وقد نعم هـؤلاء بالغنى والثروة أيضا حتى أصبح لهم مركز ممتاز بين طبقات الشعب ومكانة ملحوظة فى سياسة البلاد وسير الأمور فيها وقد استلزم تفاقم حركة النشاط التجارى بناء الخانات والفنادق والأسواق ففى الخانات والفنادق ينزل التجار ببضائعهـم وسلعهـم ودوابـهم ويختزنون بضائعهـم فى المخازن والحواصل وتؤدى لهم الأعمال المصرفية وتفد عليهم تفد عليهم تجار التجـزئة لشراء حاجياتـهم من البضائع التى يعرضونها للبيع فى حوانيتهم بالأسواق


الـخـانـات :-


ومن أشهر الخانات ( خان مسرور ) وقد كان فى الحقيقة خانين : أحدهـما كبير والثانى صغير وكان موضعه خـزانة الدرق إحدى خـزائن القصر الفاطمى الكبير وكان قبل تشييده ساحة لبيع الرقيق وقد أدرك المقريزى هـذا السوق ( فى غاية العمارة تنـزله أعيان التجار الشاميين بتجاراتهم ) ومسرور كان خادما لصلاح الدين وهـو الذى بنى هـذا الخان و( فندق بلال المغيثى ) فيما بين خط حمام خشبية وحارة العدوية أنشأه الأمير الطواشى الحبشى حسام الدين بلال المغيثى خادم الصالح نجم الدين أيوب وكثير من سلاطين المماليك بعده وآخـرهـم الناصر محمد ابن قلاوون ( وما برح هـذا الفندق يودع فيه التجار وأرباب الأموال صناديق المال المملوءة بالذهـب والفضة ) و ( خان منكورش ) بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهـر أنشأه منكورش احد مماليك السلطان صلاح الدين الأيوبى وعرف بعد ذلك بخان النشارين .و ( وكالة قوصون ) وهـذه الوكالة تدخل فى عداد الفنادق والخانات ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب والرب ونحو ذلك وموضعها فيما بين الجامع الحاكمى ودار سعيد السعداء وقد شـهدهـا المقريزى ودهـش لكثرة ما هـنالك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها ويعلو هـذه الوكالة رباع تشتمل على ثلاثمائة وستين بيتا عامرة كلها بالسكان ويقدر سكانها بنحو أربعة آلاف نفس مابين رجـل وامرأة وصغير وكبير . و( فندق دار التفاح ) ومكانه تجاه باب زويلة وكان يرد إليه الفواكه على اختلاف أصنافها مما ينبت فى بساتين ضواحى القاهـرة ومن التفاح والكمثرى والسفرجل الواصل من البلاد الشامية ومنها ينقل إلى سائر أسواق القـاهـرة ومصر ونواحيهما وأنشأ هـذه الدار طقوزدمر بعد سنة أربعين وسبعمائة وبظاهـر هـذه الدار عدة حوانيت تباع فيها الفاكهة ( تذكر رؤيتها وشم عرفها بالجنة لطيبها وحسن منظرهـا وتأنق الباعة فى تنضيدهـا واحتفافها بالرياحين الأزهـار وما بين الحوانيت مسقوف حتى لا يصل إلى الفواكه حر الشمس ) .و( وكالة باب الجوانية ) ومكانها تجاه باب الجوانية من القاهـرة فيما درب الرشيدى ووكالة قوصون كان موضعها عدة مساكن فابتدأ الأمير جمال الدين محمود بن على الاستادار بهـدمهـا سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وبناهـا فندقا وربعا بأعلاه فلما كملت رسم الملك الظاهـر برقوق أن تكون دار وكالة يرد إليها ما يصل إلى القاهـرة وما يرد من صنف متجر الشام فى البحر كالزيت والرب والدبس وما يرد فى البر يدخـل به على عادته إلى وكالة قوصون .و( خان الخليلى ) وقد أنشأه الأمير جـهاركس الخليلى أميراخور السلطان الظاهـر برقوق المتوفى فى سنة 791هـ ( 1389م) فى مكان تربة الخلفاء الفاطميين التى كانت تجاور القصر الشرقى الكبير والتى كانت تعرف باسم تربة الزعفران فلما رغب جهـاركس فى بناء هـذا الخـان نبش تربة الزعفران حقدا على الفاطميين وتعصبا وألقى بما كان بها من عظام على التلال الموجودة خارج القاهـرة معتذرا عن ذلك بأن الفاطميين كانوا كفارا وهـذه الدعوى الفاجرة التى لا تمت للإسلام بصلة من غير شك لا تنهض عذرا لهذا العمل الشنيع ولا لما يقتضيه جلال الموت من احترام للموتى ورفاتهم ومع ذلك فقد أوقف هـذا الخان وغيره من المبانى على فقراء مكة وجعل ريعها خبزا يوزع عليهم ثم استبدل بالخبز نقودا وهـذا عمل آخر من أعمال السوء التى كان يرتكبها بعض المماليك ثم يكفرون ع