عن وهم اسمه محمد البرادعي
د.ثائر دوري
22/02/2010
تجارة الوهم أكثر أنواع التجارة ربحاً و أقلها رأسمالاً و تكلفة ، فكل ما تحتاجه شخصاً يملك قلباً قوياً ، و ضميراً معدوماً .
و الوهم بضاعة يمكن بيعها في كل الأماكن و في كل المهن و لكل الأشخاص . يمكن أن يتاجر بها السياسيون ، و الأطباء ، و المهندسون ، و بائعو الجملة و المفرق ، و المقبلون على الزواج ، و الخارجون منه ، و الأصحاء ، و المرضى ، و الصغار و الكبار ، و الذكور ، و الإناث . و الوهم قد يبيعه الشخص لنفسه فيما يسمى بخداع النفس " أعلل النفس بالآمال .."و قد يشتريه الشخص من غيره . و قد يكون بيع الوهم مقنوناً كحال بطاقات اليانصيب ، و قد يكون ممنوعاً كبيع المخدرات . و هناك أشخاص ، بل دول ، بل أنظمة اجتماعية متخصصة ببيع الأوهام كحال النظام العالمي الرأسمالي القائم القائم على وهم إمكانية الصعود الاجتماعي من طبقة لأخرى . كما أن زعيمة النظام الولايات المتحدة تعتبر تجارة الوهم جزءاً من قوتها الناعمة ، فمن الوهم المسمى " الحلم الأمريكي" الذي باعته هوليوود لعشرات السنين و جنت منه مليارات الدولارات ، و دمرت به الاتحاد السوفيتي و منظومته قبل أن تكتشف الشعوب بعد الأزمة الاقتصادية العالمية أنها كانت تشتري مخدراً لا وجود له على أرض الواقع ، إلى الوهم المسمى " رامبو " الذي اكتشف العالم أجمع في العراق أن عضلاته منفوخة بالسليكون و لا قيمة لها أمام الإرادة الإنسانية المصممة على نيل حريتها . لكن آلة صناعة الأوهام الأمريكية رغم كل النكبات التي أصيبت بها منذ عام 2003 و حتى اليوم لا تتوقف عن العمل فهي تصنع وهماً وراء الآخر .
تجارة الوهم ككل تجارة تحتاج إلى بائع و مشتري ، فالمشتري طرف أساسي في دائرة بيع الوهم و لولا إقباله على هذه السلعة لانهارت تجارة الوهم . و الإقبال على تجارة الوهم يزداد في الأوضاع الميؤوس منها ، فالتعلق بالأوهام يشتد مع اشتداد الأزمة و كلما كانت الأزمة أكثر استفحالاً و لا حل لها انتشرت الحلول السحرية و بشكل أسرع . فمنسوب الأوهام يرتفع مع اشتداد الأزمات و استعصائها. و من المؤسف أن ترى أناس أذكياء ناجحون مهنياً يتحولون أمام سطوة الأوهام إلى أطفال صغار ، فتراهم ينتظرون بابا نويل الذي سيخرج من المدخنة حاملاً هدية العيد . أو يقتنعون و يقنعون الآخرين أن السماء ستمطر ذهباً ،و أن العنقاء طائر حقيقي . فها هو شخص ذكي و روائي حساس استطاع في اعماله أن يشخص أمراض المجتمع المصري ، و كذلك صحفية ناجحة نراهم يتعلقون بوهم رجل اسمه محمد البرادعي ، و يقدمونه للناس على أنه الرجل القادم من بين الغمام ليشفي الأبرص و يجعل المشلول يمشي و الأعمى يبصر ، و ليحيي العظام و هي رميم !
محمد البرادعي رجل ترأس منظمة دولية هامة ، و كلمة دولية لا يعني أنها تابعة لكل دول العالم ، بل هي تخفيف لكلمة أمريكية ، فمنظمة الطاقة الذرية مثلها مثل مجلس الأمن ، مؤسسة دولية تملكها الولايات المتحدة و شركائها ، فالرجل كان يعمل عند الولايات المتحدة و شركائها ، و لم يعرف عنه روح التمرد فقد أدار المؤسسة كما أراد مجلس ادارتها الغربي إذ كان يشهر سلاح التفتيش على المنشآت النووية عندما يطلب الغرب ذلك ، كما فعل في حالات ليبيا و العراق و ايران و كوريا الشمالية و سوريا ، أو كان يصمت صمت القبور و يصبح أعمى أصم أبكم عندما يطلب الغرب منه ذلك كما في حالة الملف النووي الصهيوني .و حتى عندما كان الملف العراقي على صفيح ساخن ، و مجلس الإدارة الغربي منقسم على نفسه فضل الرجل البقاء على مسافة من الشركاء الغربيين ، فلم يقترب من معارضي الحرب مثل الفرنسيين و الألمان ، و لم يبتعد كثيراً عن دعاة الحرب ، الأمريكيين و البريطانيين ، فكان يعطي كل طرف الحجج التي تدعم موقفه ، مبقياً على خطوطه مفتوحة مع طرفي مجلس الإدارة دون أن يغيب عن باله و لو للحظة واحدة أن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر ، و بالتالي فرضاها هو الأهم ، و مقارنة محمد بهانز بليكس السويدي ، أي غير العربي و غير المسلم ، و الذي كان في موقع مشابه لموقعه . هذه المقارنة ليست في صالح السيد البرادعي . و تقديراً لمواقفه كلها و تفانيه في خدمة الشركة التي يديرها فقد كافأه مجلس الإدارة بتعويض نهاية خدمة كبير و هو جائزة نوبل .
إن السيد البرادعي كان موظفاً مخلصاً لمجلس الإدارة الذي يدير مؤسسته و يدير العالم ، نعني الغرب ، و على رأسه الولايات المتحدة ، و لا أعتقد أن السيد البرادعي يتخيل لنفسه دوراً آخر غير هذا الدور ، دور مدير مؤسسة تابعة للغرب . فقد قضى حياة مهنية ناجحة بالمعايير الغربية ، و بمعايير النجاح المادي و المهني ، دون أن يعني ذلك أنها ناجحة من الزاوية الأخلاقية و من زاوية الانتماء القومي و الديني و الإنساني . رجل بهذه المواصفات لماذا نتوقع منه أن يدير مصر إذا وصل لحكمها بطريقة مختلفة ؟
هل أزمة مصر هي أزمة حكم شخص أو أسرة،حتى يعني استبدال الشخص أو الأسرة أن الأمور باتت تسير على ما يرام ؟ هل أزمة مصر أنها لا تدار بطريقة تابعة للغرب حتى نأتي بمدير غربي ناجح كالسيد البرادعي !
مصر مريضة بكامب ديفيد ، و بتبعيتها للنظام العالمي . مصر مريضة بالشيء الوحيد الذي يعرف محمد البرادعي فعله . فهل يكون الحل على طريقة "داوها بالتي كانت هي الداء".
أيها الروائي الكبير و أيتها الصحافية الناجحة كفاكما تعلقاً و بيعاً للأوهام ( لاحظ أن تاجر الوهم قد ينزلق ليجربه ). و ابحثوا عن حلول جدية لمشاكل مصر . كفاكم بيعاً لمخدر اسمه محمد البرادعي .
كاتب سوري
****
كلهم عراة!
إلياس خوري
23/02/2010
حكاية الشريط المصور الذي بثته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي لمدير مكتب محمود عباس، لا يزيد جديداً على ما يعرفه الجميع. فأخبار الفضيحة المخابراتية الفلسطينية معروفة منذ أكثر من سنة، لكن الصمت كان يلفها، لأن الصمت هو سمة المرحلة في الواقع الفلسطيني المتردي.
وسائل الإعلام احتفت بالفضيحة، وبصور رفيق الحسيني عاريا، بعدما قامت المخابرات الفلسطينية بتصويره في أوضاع جنسية. وبعد عملية ابتزاز واسعة يبدو أنها تعثرت، قام فهمي شبانة التميمي بكشف الفضيحة على الهواء الاسرائيلي، وكشف معها سلسلة من فضائح الاختلاس المالية التي تمس مجموعة من مسؤولي السلطة الفلسطينية.
لا يستطيع المراقب إلا أن يشعر بالأسى والغضب، أهذا ما تفعله سلطة لا تملك سوى سلطة اسمية؟ ماذا سيفعلون غداً إذا امتلكوا سلطة حقيقية؟
جرت محاولة تغطية الفضيحة عبر اللجوء إلى حجتين:
تقول الحجة الأولى أن السيد فهمي شبانة، وهو ضابط امن فلسطيني، قد يكون عميلا مزدوجاً، وبهذا المعنى يكون الشريط الذي بثّه التلفزيون الاسرائيلي جزءا من الحملة على السلطة الفلسطينية بهدف تطويعها، وإخضاعها في شكل نهائي. وهنا يذكّرنا أصحاب هذه الحجة بالحملة على الفساد في عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكشف الدور الذي لعبه خالد سلام على المستوى المالي. كانت تلك الحملة مقدمة للإجهاز على عرفات، لا لأنه يحمي الفساد مثلما يدعون، بل لأسباب سياسية لا علاقة لها بالموضوع.
أجد في هذه الحجة خللا على مستويين:
المستوى الأول هو المقارنة بين عهد قائد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبين العهد الحالي. فبمقدار ما رفض عرفات التنازلات، ولم يعر المطلب الأمريكي بالخلاص من البندقية الفلسطينية أي التفات، فإن السلطة الحالية قدمت كل التنازلات المطلوبة، وتصرفت وكأن 'حسن النوايا' يكفي لإقناع إسرائيل بتسوية مشرفة وبالقبول بدولة فلسطينية مستقلة. بالطبع وقع أبو مازن في فخ تصديق الموقف الأمريكي الذي وضع وقف الاستيطان شرطا لاستئناف المفاوضات. الأمريكيون تخلوا عن شرطهم، ووجد الرجل بعد فضيحة الموقف من تقرير غولدستون نفسه عاجزا عن تقديم تنازلات جديدة.
لا شك أن هناك مصلحة إسرائيلية في بهدلة كل ما يمت إلى الحركة الوطنية بصلة، وهذا ما يفسر احتضان التميمي من قبل الإسرائيليين، لكن المسألة في رأيي تقف عند هذا الحد. أي أن إسرائيل تتعامل مع السلطة بنفس طويل يراهن على انها ستتداعى من الداخل لأنها لم تعد تمتلك خيارات جدية.
المستوى الثاني، يقوم بمقارنة أداء جهاز المخابرات الذي قام بالتصوير بهدف الابتزاز، بأجهزة المخابرات في الدول العربية، التي تمارس الابتزاز والتصوير وترعى الفساد. وهذه مقارنة باطلة من الأساس، فالمشروع الوطني الفلسطيني قام واكتسب شرعيته في وصفه نقيضاً لهذا النوع من الممارسات، لأنه ابن قضية يحتضنها شعبها. أما أن تصل الأمور إلى اعتماد الكاميرات من اجل الاعتداء على خصوصيات الناس بهدف الابتزاز والتشهير، فهذا يعني أن الجهاز الفلسطيني فقد كل صلة له بقضيته، وصار آلة قمعية، وبهذا المعنى فإن الانتهازية والتعامل مع الاحتلال، بل والخيانة تصير أكثر من احتمال، وتتحول إلى إحدى حقائق الحياة السياسية.
الحجتان باطلتان، ما جرى فضيحة مدوية، أبطالها معروفون ولا حاجة إلى البحث عنهم. لا يكفي أن يبكي فهمي التميمي أمام كاميرات التلفزيون، فالضابط المذكور يعيش اليوم في القدس، أي تحت الحماية الإسرائيلية المباشرة. ولم يكن اعتماده سلاح الفضيحة سوى إعلان صارخ بالإفلاس السياسي والأخلاقي.
أما الجهاز الذي رتّب العملية، أي جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، فإن محاولته التملّص من الجريمة لا تجدي، حتى لو ادعى انه طرد شبانة من صفوفه، وان هذا الأخير طبع نسخاً من الشريط واحتفظ بها، كي يبتز الناس.
السؤال هو عن مهمة الأمن الفلسطيني في مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية. نعرف أن إسرائيل قامت بتدمير الشرطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية وإذلالها. وان العديد من رجال هذه الأجهزة قاتلوا إلى جانب أبناء شعبهم في ظروف صعبة.
كما نعرف من جهة أخرى أن التنسيق الأمني مع الاحتلال نتجت عنه اختراقات كبيرة. لكن ما لا نعرفه اليوم، هو مهمات الأمن الفلسطيني، وخصوصا مهمات المخابرات. هل مهمتهم هي في تأمين الأمن للمواطنين ومعرفة مخططات الاحتلال ومقاومتها، أم أنهم يملكون أجندة مهمات أخرى، تبدأ بالرشوة، وتنتهي بالابتزاز؟
كان مشهد العري الذي بثه التلفزيون الاسرائيلي مثيرا للشفقة. وبدلا من أن يعترف رفيق الحسيني بما جرى، حاول تلفيق الأمر. هل كان المشهد الجنسي جزءاً من استغلال السلطة، أم كان علاقة بامرأة؟ رغم الفرق الكبير بين المسألتين فإن الدفاع عن الأخلاق الحميدة ليس وظيفة المخابرات، وتصوير المشهد هو اعتداء فاضح على الخصوصية، والذي ركّب هذا الفيلم يجب أن يعاقب مهما علا شأنه.
أما حكايات الفساد، فصارت طويلة بحيث بات من المتعذر العمل على إيقافها. 'هناك شيء يتعفن'، مثلما صرخ هاملت. العفن يحتل كل الزوايا، وهؤلاء العراة يحتلون المسرح من دون أن يشعروا بفداحة عريهم.
'لقد هزلت حتى بدا من هزالها
كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ'.
هزلت يا جماعة، وما على هؤلاء العراة سوى النزول عن خشبة المسرح، قبل أن تلتهم الحرائق كل شي.
****
'مجلس حرب' في دمشق
عبد الباري عطوان
2/27/2010
الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في دمشق يوم أمس الأول وضم الرئيسين السوري بشار الأسد وضيفه الإيراني محمود احمدي نجاد علاوة على السيد حسن نصر الله زعيم 'حزب الله' جاء بمثابة 'مجلس حرب' لوضع الخطط المستقبلية وتوزيع الأدوار والمهام في حال حدوث أي هجوم إسرائيلي على أي من الأطراف الثلاثة أو جميعها. ولا ننسى لقاء موسعا بين السيد نجاد وقادة الفصائل الفلسطينية في الإطار نفسه.
توقيت هذا الاجتماع، والطريقة التي تم بها، والمؤتمر الصحافي الذي انعقد في ختامه، تؤكد كلها على أن حلفا استراتيجيا تتوثق عراه ويشكل جبهة جديدة ستكون رأس الحربة في مواجهة التحالف الأمريكي ـ الاسرائيلي ومن ينضم إليه، سرا أو علنا، من الحكومات العربية، في حال اندلاع الحرب.
الرئيس الإيراني توقع أن تندلع شرارة هذه الحرب في الربيع أو الصيف المقبلين، أي بعد اشهر معدودة، بينما أكد السيد نصر الله انه سيضرب تل أبيب ومطاراتها ومحطات كهربائها إذا ما تجرأت إسرائيل على ضرب مطار لبنان أو أي من محطاته الكهربائية وأهدافه الحيوية.
نحن أمام لغة جديدة، وثقة بالنفس غير مسبوقة، واستعدادات للرد لم نسمع بها من قبل، خاصة من الأنظمة العربية منذ الجنوح نحو خيار السلام، وإسقاط كل الخيارات الأخرى، وتأكيد هذا الجنوح بمبادرة سلام عربية أعدت بنودها بعناية في المطبخ الأمريكي على أيدي طباخين مهرة.
المنطقة العربية تقف حاليا أمام مرحلة فرز جديدة، تشبه تلك التي سبقت الحربين على العراق (1991 و2003)، ووفق البوصلة نفسها، أي وقوف البعض في الخندق الأمريكي والبعض الآخر في الخندق المقابل. ومثلما تحالف بعض العرب مع الأمريكيين ضد العراق البلد العربي لأول مرة في تاريخ المنطقة، فإننا في المرحلة المقبلة قد نشهد سابقة أخرى أكثر خطورة أي وقوف عرب في الخندق الأمريكي ـ الاسرائيلي ضد التحالف السوري ـ الإيراني وتفرعاته.
القيادة السورية حسمت موقفها فيما يبدو، وقررت أن تغلق الأبواب أمام الغزل الأمريكي الممجوج والرخيص وتعزز تحالفها الاستراتيجي مع إيران، في رد واضح على نصائح السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية التي طالبتها (أي القيادة السورية) بالابتعاد عن إيران التي تثير المشاكل في المنطقة.
' ' '
هذا الحسم السوري يأتي بعد فترة طويلة من اعتماد الدبلوماسية الهادئة وإبقاء الأبواب مواربة مع الغرب، والولايات المتحدة على وجه التحديد، ولكن يبدو أن اقتراب موعد المواجهة، أدى إلى التخلي عن هذا النهج والبدء في الاستعداد لاحتمالات 'ام المعارك' المقبلة.
سورية لا تستطيع الخروج من حلفها الاستراتيجي مع إيران الذي يمتد لأكثر من ثلاثين عاما، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها لم تفكر في هذا الخيار مطلقا، لان البدائل المطروحة كانت هزيلة، علاوة على كونها مهينة بكل المقاييس.
السيدة كلينتون التي خرجت عن الدبلوماسية، بل وكل الأعراف الأخلاقية المتبعة بطلبها من سورية الابتعاد عن إيران، لم تقدم لها في المقابل أي شيء آخر غير التلويح بعودة سفير أمريكا إلى دمشق، وكأن سورية لا تستطيع العيش بدون وجود سفير أمريكي فيها.
ثلاثون عاما وسورية ضلع أساسي في المثلث المصري ـ السعودي الذي حكم المنطقة لثلاثين عاما، وراهن على السلام، فماذا قدمت واشنطن لها مقابل 'اعتدالها'؟.. هل أعادت إليها هضبة الجولان، أم أطلقت العنان لملياراتها لكي تحط الرحال في استثمارات تخلق الوظائف والعيش الكريم للعاطلين فيها، أم أنها أزالتها من قائمة الدول الإرهابية؟
لا يوجد خط طيران مباشر بين دمشق وأي من المدن الأمريكية، بل لم نشاهد طائرة أمريكية واحدة تحط في مطار دمشق الدولي منذ خمسين عاما، رغم أن سورية عارضت نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وشاركت بطريقة غير مباشرة في 'تحرير' الكويت، وتعاونت بالكامل في الحرب على الإرهاب وما زالت.
نحن أمام تطورات متسارعة في المنطقة، فمتى شاهدنا السيد حسن نصر الله يحط الرحال علنا في دمشق، ومتى شاهدنا السيد احمدي نجاد يصلي في مسجد وخلف إمام سني، وينفعل في وجه مراسل تلفزيون العالم الذي حاول استفزازه بسؤال استنكاري حول هذه المسألة.
' ' '
ربما يجادل البعض بأنها خطوة إعلامية جرى الإعداد لها بعناية، بهدف التقرب من الطائفة السنية، وربما كان الحال كذلك، وأين الخطأ، فنحن جميعا مسلمون، والمملكة العربية السعودية إحدى أبرز دول محور الاعتدال المناوئ لإيران، أطلقت من خلال عاهلها الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرتين مهمتين في العامين الماضيين، الأولى من خلال فتح حوارات معمقة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، السنية والشيعية على وجه الخصوص، والثانية إطلاق حوار الأديان بين أتباع الديانات السماوية الثلاث.
نتمنى أن نرى زعماء عربا سنة يصلون خلف أئمة من أتباع المذهب الجعفري، وفي مساجد شيعية من اجل تحقيق المصالحة التاريخية ووأد الفتنة المذهبية التي تعمقت في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، فما المانع في ذلك، ألسنا جميعا أتباع امة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
ندرك جيدا أن التحالف السوري ـ الإيراني الجديد لا يملك الرؤوس النووية، ولا الأسلحة المتطورة التي تملكها إسرائيل وأمريكا، أي أن الميزان العسكري غير متكافئ، ولكن ألم يكن الوضع كذلك عندما أرسلت إسرائيل طائراتها ودباباتها لاجتياح جنوب لبنان صيف العام 2006.. فماذا كانت النتيجة؟
القوة الضاربة الأمريكية ـ الإسرائيلية جبارة بكل المقاييس، ولا جدل في ذلك، ولكن علينا أن نتذكر بان اليابان بقيت اليابان رغم إلقاء قنبلتين نوويتين على ناجازاكي وهيروشيما، وألمانيا توحدت بعد خمسين عاما على تقسيمها، وسورية ومصر ظلتا سورية ومصر بعد هزيمة عام 1967، ولكن السؤال هو عما إذا كانت إسرائيل ستبقى على الوجود في حال إقدامها على عدوان جديد، وحتى لو بقيت هل ستبقى على الحال الذي هي عليه الآن؟
إسرائيل تعيش أزمة خانقة داخليا ودوليا وباتت مكروهة حتى في أوساط حلفائها الغربيين الذين ضاقوا ذرعا بغرورها وصلفها وعدوانها المتكرر على الضعفاء في غزة وغيرها، ورفضها الاستفزازي لكل طروحات السلام ومشاريعه، ولذلك تعيش حالة من التخبط انعكست بجلاء في إرسالها 'كتيبة' من العملاء لاغتيال شخص واحد اعزل اسمه محمود المبحوح في إمارة دبي، ارتدت عليها، رغم نجاحها في تحقيق هدفها، بنتائج عكسية تماما.
' ' '
الإسرائيليون يقرعون طبول الحرب، وإدارة أوباما تبدو غير قادرة على كبح جماحهم، وربما باتت أكثر اقتناعا بوجهة نظرهم في حتمية شن عدوان على إيران وسورية، وهذا ما يفسر تخليها عن عملية السلام، وإقرارها بحق إسرائيل في الاستيطان في القدس المحتلة، والتعاطي بطريقة لا مبالية مع حلفائها في السلطة الوطنية الفلسطينية.
هجمة المسؤولين العسكريين الأمريكيين على المنطقة ابتداء من مايكل مولن رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية، وجوزيف بايدن نائب الرئيس، واللقاء الذي تم أمس بين روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي مع نظيره الاسرائيلي إيهود باراك في واشنطن، وزيارة نتنياهو المتوقعة الأسبوع المقبل للعاصمة الأمريكية، كلها مؤشرات على اقتراب الحرب وليس ابتعادها.
إسرائيل لا تستطيع أن تتعايش مع قوة نووية في المنطقة تلغي تفوقها الاستراتيجي، كما أنها لا يمكن أن تقبل بكتلة إسلامية على حدودها تضم إيران وسورية وتركيا ولبنان والأردن تلغي التأشيرات، وتسمح لمواطنيها بالتنقل بالبطاقة الشخصية، وبما يؤدي إلى توسيع دائرة التبادل التجاري والمشاريع المشتركة.
ولهذا ليس من قبيل الصدفة أن تتواتر أنباء الانقلاب العسكري التركي الفاشل ضد حكومة رجب طيب أردوغان التي حققت هذه المعادلة الجديدة وعززتها، عندما تقاربت مع إيران وسورية والعرب الآخرين، وابتعدت عن إسرائيل في الوقت نفسه.
لا نعتقد أنها 'زلة لسان' تلك التي وردت في مداخلة السيد احمدي نجاد في مؤتمره الصحافي الذي عقده مع الرئيس الأسد عندما قال إن شعوب سورية وإيران ولبنان وفلسطين.. و'العراق' ستتصدى لإسرائيل وعدوانها. هل سمعت واشنطن هذه 'الزلة' التي تؤكد فشل عدوانها على العراق، وإنفاقها أكثر من 800 مليار دولار في هذا الصدد.
الأيام المقبلة حافلة بالمفاجآت ونأمل أن تكون سارة بالنسبة إلينا كعرب ومسلمين.
****
هل يرد العاهل السعودي على احمدي نجاد ويصلي خلف إمام شيعي؟
د. فؤاد شربجي
3/2/2010
إن المخيلة الإبداعية أو الاستشراف يعتبران أساسا من أسس التفكير الإستراتيجي لدى القادة ـ ولدى الشعوب ـ لذلك نسأل:
ماذا لو فاجأ الملك عبد الله بن عبد العزيز الجميع، وانضم إلى قمة دمشق مع أحمدي نجاد وبشار الأسد وحسن نصر الله وخالد مشعل ورمضان عبد الله شلح؟!
سيقول قائل : هذا خيال، مجرد خيال.
ورداً على هذا القول نقول، إن ما قام به الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت الاقتصادية فاجأ حتى أقرب المقربين له، ودعوته القادة العرب لتناسي خلافاتهم وتوحيد كلمتهم مثل ندائه للقادة (أستحلفكم بالله....) كانت يومها شيئاً من الخيال، ولكنه خيال استراتيجي بني على قراءة الوضع الإقليمي بعد حرب غزة، هذه القراءة أوصلته إلى ضرورة نبذ الخلاف، وتوحيد العمل العربي في مواجهة المخاطر.....
وربما .. ربما قراءة موازية - إن قام بها الملك السعودي ـ ربما توصله إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل لا ترفض الحل السلمي فقط (المبادرة العربية ) بل تريد تدمير المنطقة والهيمنة عليها، ومن ضمن هذا المخطط هناك ما يستهدف المملكة العربية السعودية ، كما يستهدف سورية وفلسطين ولبنان ، وسيصل الملك إلى هذه النتيجة خاصة إذا أستحضر خريطة الشرق الأوسط الجديد، التي أعتمدها وعممها المحافظون الجدد (جيش إسرائيل الأمريكي) والتي قسمت فيها المملكة إلى أجزاء وبلدان متفرقة.
قد يعترض معترض، مؤكدا أن قراءة العاهل السعودي التي أوصلته إلى طلب المصالحة مع سورية كانت تقول:
(أن العداء والعزل الذي مورس مع سورية لم يبعدها عن إيران وحزب الله وحماس، ولابد أن نجرب التعاون مع دمشق والمصالحة والود فربما ننجح باحتواء سورية ونبعدها عن إيران ، لذلك علينا الاتجاه لها ومد اليد إليها...) أي أن المصالحة السعودية مع سورية كان هدفها احتواء سورية وأخذها بعيدا عن محور المقاومة ـ وبالأخص بعيدا عن إيران ـ وحسب هذا المعترض، فإن العاهل السعودي إن أعاد القراءة الآن سيجد أن تجربة المصالحة لم تحقق أهدافها ولم تبعد سورية عن حزب الله وإيران وحماس، والمصيبة في هذا الاعتراض، إنه يتعامى عن أن المخاطر التي تحيط بالمنطقة عموماً، وبالسعودية كجزء منها هي مخاطر إسرائيلية مدعومة أمريكياً، وخريطة الشرق الأوسط الجديد التي قسمت المملكة ليست مشروعاً إيرانياً، بل هي مشروع إسرائيلي أمريكي، مازال موجوداً في العقل الإسرائيلي، ومازال فاعلاً في الوجدان الصهيوني.
لذلك فإن قراءة الملك السعودي لأوضاع المنطقة بعد تدمير العراق، وحصار غزة، ووصول حرب الاغتيالات الإسرائيلية إلى الخليج، قراءة العاهل السعودي لا بد أن تلمس الخطر الصهيوني. كما أن هذه القراءة، ستوصل الملك عبد الله إلى نتيجة مفادها، أن سلوك النظام المصري المتعاون مع المشروع الصهيوني الأمريكي. أوصله إلى أرذل المواضع داخلياً وشعبياً وعربياً. وهذه النتيجة لا تنسى أن المجاملات الدولية لمبارك، هي من قبيل المخدرات التي توهم الرئيس المصري بحكمته وعظمته بينما الشارع المصري ينتفض ضده بسبب سوء أحواله الحياتية، وبسبب بؤس المآل الذي يقوده النظام نحوه- إن كان من ناحية علاقته بالأمة العربية وقضاياه، وإن كان من ناحية حماية مصر واستقلالها وكرامتها.
إن مثل هذه القراءة السياسية والإستراتيجية للمنطقة. لابد أن تضع العاهل السعودي أمام نتيجة ستحرك حسه العروبي القومي (الذي تحدث عنه الرئيس الأسد) وستدفعه لأن يكون جزءاً من جبهة القوة تجاه المخاطر. وستدفعه للانضمام إلى الفعالية السورية التي تراكم مع الحلفاء مفاعيل القوة والجهوزية للوقوف في وجه مشاريع الهيمنة والتقسيم.
ولكن .. هناك في المملكة قوى فاعلة ومؤثرة مازالت تعتبر أن إيران هي الخطر وهي من يريد امتلاك السلاح النووي ليهيمن على الخليج العربي كله، وعلى الشرق الأوسط... هذه القوى ما زالت تصور للملك عبد الله أن طهران هي ما يهدد المملكة وليست إسرائيل، وتجاه هذا الإلحاح لا بد أن يفكر الملك ملياً بما يقوله الرئيس الأسد عن البرنامج النووي الإيراني، حيث يؤكد الرئيس السوري أنه برنامج سلمي لإنتاج الطاقة، وهو حق ليس لإيران فقط بل لكل الدول. ولكن هل هذا يكفي؟ هل يكفي أن يستمع العاهل السعودي لرأي الرئيس الأسد ليقتنع؟ وكأي سياسي، سيطلب الملك ما يطمئنه وما يقنعه بسلمية البرنامج النووي الإيراني، لذلك فإنه سيطلب من سورية وقيادتها أن تقدم له ما يطمئنه، وسيطلب من الرئيس الأسد أن يلعب دوراً فاعلاً بين المملكة وبين إيران، ليكون الملك على قناعة من أن إيران ليس لها أي أطماع في الخليج، ولا تريد بأي شكل من الأشكال الهيمنة على المنطقة، بالعكس، هي تريد أن تكون جزءاً فاعلاً من منظومة استقرار وأمن المنطقة، تحمي شعوبها من مخاطر وأطماع إسرائيل والغرب.
وسيسمع العاهل السعودي من الرئيس الأسد، عن تجربة وعن خبرة وعن استشراف، سيسمع أن التعاون مع إيران سيزيد في الاطمئنان لمستقبل العراق. وسيفيد في تعاون لدعم العملية السياسية في العراق بشكل يحميه من الفوضى والتقسيم، وفي كل ذلك مصلحة سعودية عربية، وقوة للسعودية والعرب.
وإذا تابع الملك عبد الله قراءته للمنطقة عبر تفاعله مع سورية فإنه سيرى الصورة واضحة لمستقبل القضية الفلسطينية، فانضمام السعودية لتعاون مع سورية وإيران وتركيا والمقاومة اللبنانية والفلسطينية، سيضع إسرائيل وأمريكا أمام حقائق إستراتيجية تجبرهم للانخراط في سلام مشرف وعادل يساهم في استقرار المنطقة ودعم قوتها.....
إنني أتساءل، هل يخطر ببال الملك السعودي وهو يجري ـ هذه القراءة- أن انضمامه لهذا التعاون الإقليمي سيقلب الموازين ويلغي إمكانيات الحرب والتفجير، وسيدفع للاستقرار؟!
هل يخطر ببال الملك السعودي أن خطوته هذه بالانضمام إلى هذا التعاون الإقليمي سيعطي لهذا التعاون الثقل الأكبر، وسيجعله فاعلاً وبقوة. بحيث يعيد ترتيب موازين القوى الدولية في المنطقة؟
إن خطوة مثل هذه، إن قام بها الملك عبد الله بن عبد العزيز ستجعل منه رجل التاريخ الحديث. الذي قلب موازين المنطقة وحمى بلاده وصان أمته وحقق الاستقرار والهدوء والأمن للجميع....
في قراءته لما يجري، لابد أن ينتبه الملك عبد الله جيداً إلى معنى حضور الرئيس أحمدي نجاد للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، حيث حضر المناسبة مع الرئيس الأسد، في جامع سني، وصلى وراء إمام سني، وصلى ركعتي السنة القبلية، وكل هذا جاء بعدما قال في المؤتمر الصحافي، أن أمة الإسلام واحدة وأن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، جاء ووحد كلمة الأمة بالإسلام.
وإذا استعملنا المفردات الطائفية، التي اعتمدها مشروع المحافظين الجدد للفتنة في المنطقة، فإن الرئيس الإيراني لو كان يخوض حرب (تشييع) لنشر المذهب الشيعي في المنطقة لما صلى في دمشق كما صلى، ولما انسجم مع المدائح التي مدحت الصحابة والنبي وجعلته مأخوذاً لروحية ما يحضر.... بالعكس فإنني أرى أن على زعماء العرب من السنة أن يبادلوا أحمدي نجاد، وأن يصلوا خلف إمام شيعي وفي مسجد شيعي، وكم سيؤثر الملك عبد الله بن عبد العزيز لو أنه زار طهران، وصلى في أحد مساجدها وراء إمام شيعي.... هل سيبقى بعد ذلك من يشعل الفتنة بين السنة والشيعة؟ إن صلاة أحمدي نجاد في دمشق جعلته زعيماً يعمل لوأد الفتنة.. وإن قيام العاهل السعودي بالصلاة في مسجد إيراني وراء إمام شيعي ـ إن حصلت- ستجعل من الملك عبد الله بن عبد العزيز، جامع وموحد الأمة الإسلامية وحاميها من الفتنة.
السياسة والفكر الاستراتيجي عملية تقرأ لوقائع لتتجاوز الواقع، ولتستشرف المستقبل وآفاقه.
والقادة هم من يفهمون الواقع ويبنون المستقبل بخطوات متقدمة على الأفكار العادية، أو المتعصبة...
من هنا، ليس من قبيل الخيال، بل من باب الفكر الاستراتيجي الاستشرافي، نقول: لابد وأن الملك السعودي يفكر بما يجري ويرسم لخطوات قد تقوده للانضمام للتعاون مع سورية وإيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية، لابد وأن يفعل... إلا إن كان هناك من يمنع عنه قراءة الواقع ويلهيه عن بناء المستقبل.
' كاتب وإعلامي من سورية
Fouad.sherbaji@gmail.com
****
ضوء أخضر عربي خائن لضرب إيران يجب أن يطفأ
****
ما أحوجَ زعمائنا لنهج عبد الناصر
محمد رشاد عبيد
3/2/2010
أنظمتنا العربية الرسمية وطيلة عقود من الزمان، التي مرت وتوالت على قادتها وزعاماتها، سواء من رحلوا أو من بقوا على كراسي السلطة والحكم المحنطة والتوريثية؛ فشلوا في تحقيق حلم شعوبهم العربية، المتمثل في "الوحدة العربية"، بين الأقطار العربية برمتها.
وبغض النظر فيما لحق ببعض الدول العربية من فترات استعمار واحتلالات أوربية وأجنبية، إبان الحرب العالمية الأولى عام 1914، والثانية في 7 تموز- يوليو عام 1937 في آسيا، و1 أيلول- سبتمبر عام 1939 في أوروبا- وانتهت باستسلام اليابان عام 1945، واستطاعت السياسية الصهيو- أمريكية(فرق تسد)، أن تفرقهم وتزيد من تقسيمهم وتشرذمهم إلى دويلاتٍ ومحاور اعتدال وممانعة، دون أن يحدث بين القادة والزعماء العرب، أي اتفاق مصيري تاريخي. فإذا تتبعنا تاريخ الأنظمة العربية الرسمية، منذ حقبة الأربعينيات، نجد أن العرب لم يستطيعوا تأسيس أي من الكيانات العربية، التي ترمز إلى وحدتهم واتحادهم، سوى قطرة من بحر إن صح التعبير، ولا يكاد يذكر، وأبرزها تكاد تكون مؤسسة اتحاد الجامعة العربية في القاهرة في 22 آذار- مارس عام 1945، وبعدها وبشكل جزئي وليس جماعي مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس في الـ 25 أيار – مايو 1981، في اجتماع عقد في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، ورغم ذلك لم يسلم من الخلافات والانقسامات، التي خرجت عبر وسائل الإعلام، على سبيل المثال لا الحصر بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، تارة على مقر صندوق النقد الخليجي، فالسعودية كانت تريده في عاصمتها الرياض، والإمارات تريد أن يكون مقره في أبو ظبي؛ وتارة أخرى على حقل الشيبه النفطي، الواقع بين حدود البلدين، وخلافاته المتجذرة وإن حاولت حكومتا كلا البلدين تكتيم أو تقتير ذلك صحافياً وإعلامياً، تعود لأكثر من ثلاثين عاماً؛ إضافة إلى مطالبة الإمارات بالشريط الساحلي، المقابل لذلك الحقل(منطقة العيديد)، تعتبره تابعا لها. وكانت السعودية منعت في آب أغسطس الماضي مواطنين إماراتيين من دخول أراضيها باستخدام بطاقات الهوية الخاصة بهم، لأنها تحتوي على خريطة تظهر أراضي سعودية كجزء من الإمارات، حسب تعبير مصادر سعودية. وكذلك اتحاد أربع دول عربية، وهي: اليمن ومصر والأردن والعراق، تحت ما سمي اتفاقية مجلس التعاون العربي، التي وقعها القادة الأربعة في بغداد في الـ 15 و16 شباط- فبراير عام 1989، وهم الملك الحسين بن طلال ملك الأردن، والرئيس الراحل صدام حسين رئيس الجمهورية العراقية، والرئيس المصري محمد حسني مبارك، و الرئيس اليمني العقيد علي عبد الله صالح، وكان من نصوصه ومواده الرئيسة التمسك بميثاق جامعة الدول العربية ، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي، والمؤسسات والمنظمات المنبثقة عن الجامعة العربية. غير أن ومن وجهة نظرنا كصحافيين عرب ومراقبين محايدين، تآكل ذلك المجلس جزئياً منذ حرب صدام حسين مع الخليج، ودولة الكويت على وجه الخصوص، ووقوف اليمن سياسياً مع نظام صدام في حربه تلك، فيما بين أعوام 1989 و 1990 و 1991، وانتهى بشكل كامل، عقب الحرب الأمريكية ضد نظام البعث وصدام حسين، وسقوطه في التاسع من نيسان- أبريل عام 2003، على أيدي المحتلين الأمريكيين الغزاة، وأذنابهم من العراقيين العملاء ، الذين أتوا من خارج العراق على ظهور الدبابات الأمريكية. فما أحوجَ زعمائنا العرب إلى عقد اتفاق وحدة عربية تاريخية، بعد أن أصبحت منطقتهم العربية ملتهبة، بالأطماع والحروب الصهيو- أمريكية الطائفية الإحتلالية، أكثر من أي وقتٍ مضى .. والعراق خير مثال على ذلك. وما أحوجهم أيضاً إلى تذكر مقالة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، إن أرادوا أخذ الدروس والعبر من التاريخ، الداعية إلى توحيد الصف العربي وإعلان الوحدة العربية، تحت عنوان" العرب أمةٌ واحدة." المنشورة في مجلة الهلال المصرية عدد أيلول- سبتمبر عام 1957 ، نختم بنقاط بسيطة منها" هذه حقيقة مؤكدة ، لا تنقضها دعوى مدعٍ في الشرق ولا في الغرب، فالعربي في مصر أخو العربي في نجد، وفي صنعاء، وفي بغداد، وفي دمشق، وبيروت، والدار البيضاء من أقصى الغرب.. ولأني لأعجب كيف عشنا ، نحن العرب، قروناً غافلين عن هذه الحقيقة الصريحة، فأتحنا للأجنبي الدخيل بيننا أن يغْلِبَ ، ويتسلط ويتورع في بلادنا في مناطق نفوذ، ويجعلنا في سوق السياسة تجارة، وفي أتون الحرب وقوداً... أننا نملك من أسباب القوة ما تحقق لنا السيادة الكاملة، وقوة التوجيه للسياسة العالمية العامة. وهذه النقطة الأخيرة من مقالة عبد الناصر تنطبق في أيامنا هذه، على قادتنا في الخليج، التي تنوي الولايات المتحدة الأمريكية استخدام قواعدها العسكرية في أراضيهم، وخاصة في السعودية والإمارات والبحرين، إذا ما شنت أي ضربة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
صحافي من اليمن.
Obeid2008@hotmail.com
****
مصر من جمهورية العلم إلى مملكة الطماطم
محمد فوزي عبد الحي
3/3/2010
حاول العديد من كتاب الدراما المصرية الضحك على عقول المصريين خاصة والعرب عامة خلال العقدين الماضيين منذ بداية عقد التسعينات وحتى الآن.
ولا يسعني أن أنكر دهاء صناع الدراما في مصر خلال العقدين الأخيرين في تنبؤهم بسرقة الحلم من الأغلبية واحتكار الأقلية له بكافة مفرداته، فجاءت أهم المسلسلات الدرامية تحكي قصص نجاح الفقراء والتعساء والكادحين في رسالة لمزيد من الأمل والحلم حتى الموت، فزاهية تتحول من فلاحة أمية إلى نائبة في البرلمان الدرامي عام 1992 رغم تزوير انتخابات 1995 في الدراما الواقعية، والخادم شخلول يتحول إلى رجل أعمال وكبير من كبار الفلاحين ليبتاع أرض وممتلكات سادته ويتزوج من عقيلتهم رغم أنفها، والحاج عبد الغفور البرعي يتحول من "الواد عبده الشيال" إلى رجل أعمال وصهر الوزير وتحية لمن لا يعيش في جلباب أبيه، والحاج متولي يصبح أشهر من تزوج من أربع زوجات في التاريخ العربي..
هذه نماذج قليلة، ويمكن لأي متابع جيد للدراما أن يزيد القراء من هذه الأعمال التنويمية، حيث أنني وللأسف متابع غير جيد وغير مقتنع بعملية التخدير والتنويم المغنطيسي التي يتكفل بها سدنة الفن والأدب المرضي عنهم في البلاط الأموي العربي بمختلف ممالكه الطائفية..
على أي حال، الفاضح في هذه الأعمال أنها لا حقيقة لها في الواقع ولا دليل على صدقها حيث كان الجد والعمل والتعلم هو السبيل إلى الرفعة والمكانة.. وهذه حقيقة لا ينكرها أحد ولكنها حقيقة ماتت بموت جمهورية العلم والعمل وقيام سياسة النهب في مملكة الطماطم..
من المفهوم للغاية أن ترقي أصحاب العلم في السلم المالي والاجتماعي أمر طبيعي ومستحق بل يجب ضمانه في كل ثقافات العالم، وهو نقيض ما يجري اليوم في مصر خلال العقود الأخيرة؛ حيث إن الترقي يقوم على أساس استراتيجية النهب، ومملكة الطماطم وقصة الصابون والصامولة الذهبية..
أعرف أن القاريء أوشك أن تفلت أعصابه من أحاديث مملكة الطماطم المجرمة واستراتيجية النهب، عموما حتى أحل لك اللغز.. عندما يصير أحد العلماء مستور الحال بعد سنوات من الغربة أو يشتري أحد الكادحين بعض الممتلكات بعد سنوات الكدح هذا أمر طبيعي، أما ما يحدث في مصر فهو غير الطبيعي، وعلى سبيل المثال البعض سرقوا أرض مصر فدفعوا للمتر وربما للفدان من الأرض جنيها واحدا أو جنيهات قليلة على الورق ثم أخذوا قروضا من المصارف بضمان القيمة الحقيقية بل والمبالغ فيها لهذه الأرض التي حازوها بوثائق ملكية صحيحة بحسب استراتيجية الصابون – زحلق لي وأزحلق لك والحقيقة أسفل الرغوة - وذلك بعد تثمين هذه الأرض من قبل المصارف ومن خلال هذه المليارات اشتروا مصانع مصر وابتنوا القرى السياحية وأصبحوا يمثلون مصر في المحافل الدولية باعتبارهم رجال المال والأعمال وكبار الاقتصاديين ، وذلك دون أن نراهم يدعمون مركز أبحاث أو يخرجون بابتكار صناعي أو يغزون فضاء عالميا أو يقيمون مشروعا قوميا يسترعي الاحترام وهذه هي استراتيجية الصابون.
أما حديث الصامولة فهو ذو شجون وخاصة بعدما أسس المعلم البرعي لإمبراطورية الصامولة، حيث يعمل الأجير الفقير بإحدى المهن كخادم أو تابع، وهو في ذلك يتطلع إلى حياة أفضل بحكم قصص العاشقين في الأفلام والمسلسلات المصرية التي تحاول فك لغز الحب منذ ظهور السينما وقد حاولت مرارا وتكرارا كلاما وغزلا وشعرا وعريا ولا زالت تحاول.. ولن تصل فيما يبدو في القريب ..
يقوم هذا الطامح بالتعرف على تجار المخدرات أو تجار السلاح أو تهريبات الجمارك أو مافيا تهريب العمالة للخارج أو غسيل الأموال، وبعد شهر فعام يتغير الحال والمثل المصري يقول: "ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب"، أما شرطة من أين لك هذا فهي شرطة تفصيل حسب المقاس، وحيث لا زالت مصر تتميز بحياة أسرية وعائلية يعرف فيها الناس بعضهم البعض، فإن هؤلاء الطامحين يختارون النزوح إلى مدن أخرى تبعد عن موطنهم وبعد عام أو عامين يعودون إلى موطنهم ليحكوا لنا قصة الكفاح والنجاح وحكاية الصامولة الذهبية والرغوة الفضية وحديث الجد والاجتهاد والكد والسداد وتوفيق رب العباد، ومغامرات الزئبق في مدينة الذهب، ومن خلال استيراد الصامولة وربما الزيتونة تركوا عشش الطيور وطاروا للقصور، وهجروا أكل الفول واتجهوا للحمام أبو زغلول وحنيذ العجول.. وربنا يقيهم عيون كل بهلول.
أما مملكة الطماطم فلها قصة أجمل من هذه وأطرف بكثير، فعندما شاعت المعرفة وانتشر التلفزيون وعرف المصريون - بفضل وزارة الثقافة وهيئة الآثار - أن الآثار التاريخية لها قيمة عظيمة وهي موجودة في معظم القرى القديمة على أرض مصر بل وقامت هيئة الآثار بتحديد أماكن أثرية في مئات بل آلاف المواقع الريفية، قام العديد من الأهالي بمحاولة فك شفرة خوفو ومحاولة الحظوة بحضرة رمسيس وأمثاله، وبعد أن كانت القطع الأثرية يتم التخلص منها بالكسر والرمي نتيجة الجهل بقيمتها أصبح العثور عليها واحدا من أعظم أماني العارفين..
انتشرت عمليات البحث عن الآثار وأسعد الحظ الكثير من المصريين، فوجدوا آثار الأجداد وباعوها بأبخس الأثمان، ولكن أبخس الأثمان هذه تعني الملايين، فلا جرم أن تحول كثير من الفقر المدقع إلى الغنى الفاحش، وعندما فتشوا ونقبوا عن سبب وجيه لهذا الغنى وقع بعضهم على المجرمة الطماطم، فالطماطم عندما تصيبها نوبة جنون ويصير الكيلو الواحد بخمسة جنيهات مثلا هي التي تجلب الملايين وتقلب الموازين، ويصير المواطن سرحان أبو العينين مليونيرا في غمضة عين، بينما كان الشعب في سابع نومة... مظلومة الطماطم يا ناس، والسر عند الملك خوفو.
عموما أمراء مملكة الطماطم ومنظرو استراتيجية الصابون يعدون الآن العدة لانتخابات البرلمان بينما تقف جمهورية العمل في ذهول تنتظر جود أمراء مملكة الطماطم وماذا عسى أن يقدموه لمواطني الجمهورية من مساعدات في مقابل الهيمنة على حاضرهم ومستقبلهم، وعموما هم أولى بذلك من أصحاب مساعدات عمو سام وإن كان الجميع من أولاد الحرام.
أخيرا، ألا تدركون معي التشابه الكبير بين صناع الدراما في مصر وبين دراما الواقع المصري حيث تنسج القصص الخيالية لتبرير عمليات الصعود المفاجيء وغير المستحق، الفارق الوحيد أن أبطال الدراما التلفزيونية يضحكون علينا بقصص وهمية دون أن يسرقونا أما صناع دراما الواقع فيضحكون علينا بعد أن يأخذوا كل شيء في طريقهم ويتركونا لحلم شخلول والمعلم البرعي.
كاتب مصري.
****
حراس التخلف
د. عبد العزيز بنحمادي
3/3/2010
يعيش الوطن العربي في القرن الواحد والعشرين مرحلة من التخلف الشامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، بل قد انحدر خلال العقود الأربعة الأخيرة من خانة الدول النامية إلى خانة المتخلفة أو العالم الثالث، وتلحق حالة بعض أقطاره بالعالم الرابع وهي الحالة التي عليها بعض أقطار إفريقيا جنوب الصحراء.
فما هو التخلف؟ وما هي البلاد المتخلفة؟ وما هي أسبابه أو عوامله و مظاهره؟ وما هي نتائجه وانعكاساته على المجتمعات المصابة به والتي تعاني من دائه؟
التخلف ظاهرة مركبة، ذات حلقات تفاعلية مترابطة تعرف من خلال أوصافها أو سماتها وأعراضها ـ كالمرض لأنها تشم ولا تحك كما يقول النحاة،أو بآثارها كما يقول قس بني ساعده: البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير... ـ ومن خلال ذلك تدرك الظاهرة التي تناولها عدد كبير من الدارسين في تخصصا ت مختلفة، ومن بينهم أستاذ الجغرافيا السياسية الفرنسي yves Lacoste في كتابه جغرافية التخلف Géographie du sous déveloement معللا تناول الجغرافيا للظاهرة بالدراسة إمكانية رسم خريطة تميز بين الدول المتقدمة والمتخلفة، وأن كل ما يمكن توضيحه على الخرائط تتناوله الجغرافيا بالدرس.
يستعرض لكوست أراء عدد من الدارسين لظاهرة التخلف وسمات الدول المتخلفة؛ حيث يرى بعضهم أن الدول المتخلفة هي التي لا يتوفر لمواطنيها الحد الأدنى مما يحتاجون إليه للعيش البيولوجي، الذي من أبرز مظاهره الجوع. ويرجعه آخرون إلى نقص الموارد الطبيعية مقارنة بعدد السكان الذين يتكدسون في مساحات محدودة من البلاد مما يجعلها مكتظة بالسكان رغم أن معظم البلاد المتخلفة محدودة السكان نسبيا. ويرجعه فريق ثالث إلى ضعف الإنتاجية لتدني المستوى التقني وندرة رؤوس الأموال وافتقاد اليد العاملة المدربة، أي يجعل التخلف مرادفا لنقص الإنتاج .بينما يرجعه رابع إلى النمو الديموغرافي السريع الذي تعرفه الدول المتخلفة منذ بضعة عقود. وينسبه فريق خامس إلى ضعف الإستغلال للموارد المتاحة طبيعيا وبشريا ممثلا في انتشار البطالة ومحدودية استعمال رؤوس الأموال وما يتوفر من آلات. ويرجعه سادس إلى انخفاض الناتج القومي الخام p.n.b ونصيب الفرد منه مقارنة بالدول المتقدمة[ يتناقض ذلك في الدول البترولية التي تحصل الحكومات فيها على دخل كبير مما يجعل الدخل القومي مرتفعا، بينما يسود الفقر العدد الأكبر من السكان.]. ويرى سابع أن التخلف عبارة عن وضع اقتصادي واجتماعي تقليدي أو بدائي يشبه حالة أوروبا في العصور الوسطى حيث الصناعة ضعيفة وعدد العاملين في الفلاحة مرتفع مع ضعف الإنتاجية، وانتشار سوء التغذية يضاف إلى ذلك الدور الاستغلالي للشركات العالمية الغربية الكبرى في قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ويرجعه فريق ثامن إلى الانغلاق الاقتصادي لغياب الصناعة ورؤوس الأموال والإطارات الكفؤة المسيرة ومنافذ التسويق. ويراه تاسع في الثنائية dualismeالاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في قطاعين اقتصاديين أحدهما عصري متقدم وآخر تقليدي متخلف غير مرتبطين، وانعكاس ذلك على ثنائية المجتمع حيث يرتبط أصحاب القطاع الأول بالغرب الأوروبي الأمريكي اجتماعيا واقتصاديا. ويرى فريق عاشر أن الظاهرة في مجموعها تعود إلى سيطرة القوى الإمبريالية وإدخالها لقطاعات صناعية حديثة لمستعمراتها السابقة للحصول على المواد الخام.
وهكذا تتعدد الآراء حول مظاهر التخلف أو عوامله التي يبدو أنها تتشابك وتتفاعل متبادلة التأثير والتأثر لتفضي حلقاتها بعضها إلى بعض بحيث يكون أحد العوامل سببا لثان وهذا سبب لثالث...الخ مما يشبه الدور والتسلسل.
ومهما اختلف الباحثون في توصيف الظاهرة وتعددت آراؤهم حول العوامل المسببة لها، فإنه من خلالها جميعا يتأكد تخلف العالم العربي، سواء في مجمله أو على مستوى كل قطر،وبغض النظر عن مصادر ذلك داخلية كانت أو خارجية. إذ تعاني الشعوب العربية من ضعف نصيب الفرد من الدخل القومي (المرتفع جدا في بعض الأقطار) وبالتالي ضعف الاستهلاك فمستوى الرفاهية أي عدم قدرة السكان على إشباع حاجاتهم رغم توفر الموارد التي لا يستغل معظمها،ويساء استغلال البعض الآخر كما لا يزال الإنتاج بدائيا. والإنتاجية ضعيفة، والدخل الفردي متدن، مما يحول دون الادخار ثم الإستثمار.
فما هي أسباب تخلف الأقطار العربية؟ قبل الإجابة على السؤال لا بد من الإشارة إلى أن ندرة بعض الموارد أو نقصها أو حتى انعدامها لم يحولا دون تقدم عدد من الدول ذات الموارد المحدودة جدا كاليابان وألمانيا اللتين تمثلان ثاني وثالث أكبر الاقتصاديات العالمية. بل أقلعت كوريا الجنوبية لتلتحق بركب الدول المتقدمة في زمن قياسي لا يتعدى ثلاثة عقود رغم قلة مواردها الطبيعية.
فالتخلف لا يعود إذا لنقص الموارد فضلا على أن الوطن العربي يزخر بها أو بجلها ،مما يجعل منه لو توحد أكبر قوة اقتصادية في العالم.فهو أول منتج ومصدر للطاقة الأحفورية في العالم ـ عصب الصناعات الحديثة ـ ومخزونه الضخم منها والمكتشف يكفي حسب رأي الخبراء إمداد العالم لأكثر من قرنين، كما أنه أغنى أقاليم العالم من حيث الطاقة الشمسية ـ طاقة الغد ـ.كما ينتج الكثير من مختلف المواد الأولية ويحتل في العديد منها مكانة عالمية متقدمة كالفوسفات الذي يقدر فيه الإحتياطي العربي بنحو 75 % من الإحتياطي العالمي. وهو غني أيضا بمختلف الثروات المعدنية المكتشف منها والمستغل جزئيا أو لم يستغل بعد، ويعتقد أن غير المكتشف أكبر واهم،إذ يمسح الوطن العربي أكثر من أربعة عشر مليون كم2 أي قرابة نصف مساحة القارة الإفريقية ما يزال الجزء الأكبر من أراضيه بكرا لم يجر به مسح دقيق وشامل أو لم يجر أصلا. والحال لا يختلف كثيرا على مستوى كل قطر. وإذا كان ينقص بعض أقطاره موردا أو أكثر فإنه في مجموعه يتكامل. كما لا تنقصه الطاقة البشرية، فعشرات الألوف من الأدمغة العربية في مختلف التخصصات هاجرت إلى الغرب تبعا لعاملي الطرد والجذب كما اختار بعضها البقاء فيه بعد إنهاء الدراسة لنفس العوامل.
إذن ما هي أسباب التخلف العربي على مستوى القطر أو المجموعة؟ لا يعود تخلف العالم العربي أو أقطاره منفردة إلى العوامل الطبيعية ولا معظم البشرية التي استعرضها لكوست للباحثين. بل يعود إلى عامل واحد لم يلق اهتمام أولئك الدارسين، وهو غياب الإرادة السياسية التي تعود إلى طبيعة أنظمة الحكم في الأقطار العربية التي هي أنظمة دكتاتورية شمولية غاشمة ومستبدة وظلامية [تمييزا لها عن الإستبداد المستنير الذي يعمل للصالح العام كما مثله عبد الناصر] يعمل فيها الحاكم لحسابه الخاص وحساب أسرته أولا وثانيا وثالثا والانتهازيين الملتفين حوله رابعا وأخيرا ولمقتضى الحال للشعب المطحون. ويمكن إدراك علاقة الدكتاتورية بالتخلف وأنها صنو له والحارس الأمين لبقائه وديمومته من خلال مقارنة بين بلدين سلك أحدهما سبيل الديمقراطية وتمسك الآخر بالدكتاتورية بعد أن أظلم استنارتها مستحبا العمى على الهدى. وبالمثال يتضح الحال كما يقول المثل أو بأضدادها تتمايز الأشياء كما يقول المنطق. تقدم الذي اختار الديمقراطية وارتكس من اختار نقيضها فزاد تخلفا. هذان البلدان هما الهند ومصر، كانتا في عهد عبد الناصر ونهرو كبلدين ناميين على نفس الدرجة تقريبا، بل كانت الهند أسوأ حالا حيث كانت تجمع جثث الموتى من الشوارع مع جمع القمامة والمزابل نتيجة البؤس الاجتماعي، لكن الهند (الذي يزيد عدد سكانه عن1,1 مليار ساكن ـ مليار ومئة مليون نسمةـ أي ضعف سكان مصر5,13 مرة، بنما مساحتها لا تزيد إلا قليلا عن ثلاثة أضعاف)، اليوم تغزو الفضاء وذرية وتمتلك صواريخ عابرة القارات بفضل امتلاك التكنولوجيا وناصية الصناعات الدقيقة، وتصعد نحو القمة بخطى سريعة وثابتة. بينما زادت مصر تخلفا مقارنة بما يحصل في العالم.
لقد اتفقت مصر والهند على الاشتراك في صنع طائرة كان الرئيس عبد الناصر يضع نموذجها على مكتبه، وكان من الممكن أن تزدهر النواة الصناعية التي أقامها ـ الصناعات الحربية ـ لكن ذلك لم يحدث وتوقف بعد هزيمة 1967 وتحولت بوصلة السياسة المصرية بنسبة تسعين درجة.
اكتفت الهند غذائيا منذ الثورة الخضراء لأنديرا غاندي بينما يزداد استيراد مصر من الغذاء سنة بعد أخرى رغم امتلاكها النيل الخالد الذي فكر السادات يوما إيصال مياهه لري صحراء النقب في فلسطين المحتلة،في الوقت الذي تحاصر فيه شريط النيل الزراعي الضيق ثلاث صحارى هي: الشرقية والغربية والنوبة ـ جنوبا ـ . وتِؤمن الهند معظم احتياجاتها المصنوعة من مصانعها بينما تستورد مصر معظم حاجاتها من ذلك. فما هو السر في تقدم الهند التي ينتظر أن تصبح قريبا إحدى القوى الاقتصادية العملاقة (بحكم الطبيعة التراكمية للمعرفة الفاعلة للتقدم) بينما تعيش مصر على الإعانات الأمريكية ا لتي كبلت إرادتها وما تزال والتي لا يكاد يستفيد منها المواطن المصري المسحوق سياسيا والمجوع اقتصاديا؟.السر يكمن في النظامين السياسيين للبلدين، فالهند أكبر ديمقراطية يعرفها العالم الحديث، تداول على السلطة، انتخابات نزيهة وشفافة يفوز فيها من يثبتون كفاءاتهم ويسخرونها لخدمة وطنهم، بينما تعيش مصر في ظل نظام دكتاتوري متخلف حتى الدرك الأسفل منفصل عن الشعب الذي تعصره حالة الطوارئ ـ رغم الصلح مع العدو الحقيقي ـ وتهصره المحاكم الاستثنائية والإدارية وأمن الدولة، لذلك تحول من مستنير إلى ظلامي، تحتكر فيه الترشحات لتكون على قياسات معينة جامعة مانعة، موثوق من ولائها المطلق للدكتاتور الذي يحيط نفسه بمن انتقاهم من الانتهازيين الذين يسهل إخضاعهم. يحتكر الحاكم في ظل الدكتاتورية وسائل الإعلام الحكومية المختلفة لخدمته مستعينا بحفنة من المثقفين وعلماء السلطان فاقدي الضمير والذين لا هم لهم إلا حصتهم من الكعكة الذي يتناسب طردا مع التطبيل والتزمير والانبطاح. ويجعل الدكتاتور من نفسه ملهما، ثاقب الفكر متقد الذكاء ـ حتى شبه الأمي ـ نطقه بفيض حكمة وصمته عبرة، وكلامه توجيهات سديدة ومبادئ مفيدة وتعليمات واطروحات عصماء يقوم أعوانه بتحليلها وشرح مضامينها للشعب، ويؤلف بعضهم ممن يطمع في منصب وزير أو سفير...كتبا. تعليمات للتنفيذ دون نقاش، ومن يفعل ذلك فسينتحر اقتصاديا وسياسيا ـ والتجويع من أمضى أسلحة الأنظمة الدكتاتورية في مواجهة معارضيهم.
الحكم في النظام الدكتاتوري وسيلة للثراء الخيالي الظاهر منه والخفي وهو أهم، في الداخل وفي الخارج وهو أخطر كجبل الجليد،من قصور وفلل في الداخل والخارج وأرصدة متخمة لكل أفراد الأسرة أو الأسر حتى الصبية لهم أيضا أرصدتهم. يحظى هؤلاء بكل التسهيلات والتراخيص والويل لمن يقف في طريقهم أو رفض مطالبهم غير المشروعة في أغلبها، معفون من الجمارك إيرادا وتصديرا، وكم طارت رؤوس تلكأ ت لمجرد طلب الاستفسار. لذلك يسيطرون على أغلب المشاريع الاقتصادية الأكثر ربحا والأقل كلفة والتي أعدت لهم من طرف الدولة والمال العام أ ومشاريع ناجحة انتزعت من أصحابها أو منافسة قضي عليها لفائدتهم، لذلك يجمعون الثروات الخيالية ببنما تنتزع الممتلكات الخاصة باسم المصلحة العامة وهي عمليا مصادرة يجبر المظلوم فيها على خوض نزاع قضائي طويل محطم للأعصاب طرفه الدولة التي تحسم ظلمها التي لا تنفع أمامه حجج دامغة ولا وثائق صادقة بالضربة القاضية من المحكمة الإدارية التي تصبح فيها الدولة الخصم والحكم ـ والمحاكم الإدارية في هذه الأنظمة هي أحدى أدوات القمع و الظلم المقنن ـ . ويحتكر الحاكم الدكتاتور كل السلطات المنفصلة صوريا وعلى الورق، لذلك تصدر القوانين والتشريعات وفق ما يخدم الدكتاتور وأسرته ـ الموسعة ـ والملتفين حوله من خلال دستور يصاغ على مقاسه ومع ذلك يغير من بنوده ما شاء وكيف شاء ومتى شاء.
والطريقة لذلك هي تزييف الاستفتاءات التي أدخلوها على الدساتير واللجوء إليها عند الحاجة. كما يحتكر الدكتاتور القوة ممثلة في الأجهزة الأمنية المرتفعة العدد والحسنة التجهيز والمتعددة الفرق مختلفة الاختصاصات والأسماء وهدفها واحد هو إخضاع الشعب للإيرادات المريضة، ويدير شؤون البلاد بإرادة ذاتية غالبا مزاجية تتسم بالآنية ورد الفعل. أما المستشارون فهم ديكور كوجود بعض أحزاب للمعارضة ـ الشكلية ـ يكيل فيها رؤساؤها للحاكم من المدح والثناء أكثر ما يكيله لنفسه، وكذلك الحال بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني التي تنبثق من رحم النظام ويوكل تسييرها لمن يلتزم بخطوط السير المرسومة.
يرفع الحاكم الأسعار بنسب أو تختفي بعض السلع من السوق خدمة لبعض المحتكرين أو تزود الأسواق بسلع فاسدة فلا تسمع لتلك المؤسسات صوتا. وتقوم أحيانا لتلميع صورة النظام بحملة يواكبها التلفزيون الحكومي بمراقبة الأسعار ومعاقبة المخالفين ـ الذين قد يكون عدد منهم ممن رفض الابتزاز ـ.
أما غالب المجتمع فمهمش، لكنه مراقب لا من طرف أعوان الأمن الذين ترتفع أعدادهم في الأنظمة الدكتاتورية إلى أرقام خيالية حيث يفوق عددهم في مصر عدد أمثالهم في أكبر أربعة دول أوروبية هي:
ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا. بل يجعلون أعدادا من المواطنين مرتبطين بالأمن يقومون بدور المراقبة أيضا. وما يقال عن مصر ينطبق على معظم الدول العربية. أنظمة فاسدة حتى الأذقان، فاقدة للشرعية، متمسكة بالسلطة متشبثة بها وبكل وسيلة تعينها على ذلك مهما بلغت خساستها بما في ذاك التحالف مع الأعداء. حكم فردي يستأسد فيه الحاكم ويتغول على شعبه، ويجعل من نفسه مرادفا للدولة ممثلا قول لويس الرابع عشر: أنا الدولة، حكم مدى الحياة حتى الخرف وفقد السيطرة على منافذ الجسم،لذلك يسعى عدد منهم خوفا من الحساب وطمسا للجرائم إلى التوريث سواء أكان له ابن حتى وإن لم تتوفر فيه المؤهلات أو لم يكن له (في صفقة من نوع يلتسين ـ بوتن )، توريث يتم الإعداد له بعناية والتمهيد له على مراحل، وأمثلة ذلك في أكثر من قطر عربي. أما المعارضون فتسلط عليهم كل صنوف الأذى والتنكيل التي من أكثرها قسوة وأشدها إيلاما ـ للردع والترهيب ـ تلفيق الاتهامات والقضايا ضدهم وقطع أرزاقهم بطردهم من العمل ومصادرة ممتلكاتهم بعد اتهامهم بالتهرب من دفع الضرائب وتسليط غرامات ماحقة عليهم وسجنهم كمجرمي حق عام. وفي السجون والمعتقلات تمارس كل صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، وما يرويه من اكتوى بنارها ترتعد له الفرائص وتصطك له الأسنان وتصم من هوله الآذان، الداخل فيها مفقود والخارج منها دون إعاقة مولود لكنه محروم من العمل ومراقب.
ذلك هو وضع أغلب الأقطار العربية، يقوم على استدامة تخلفها حراس أمناء انفصلوا عن الانتماء لأحاسيس شعوبهم وأمتهم وتحالفوا مع المستفيدين من ذلك التخلف في الداخل والخارج والحريصين على استمراره. لكل ذلك يقطر واقع العرب بالفشل وفي كل جوانب الحياة واقع ينزف ألما وبتصبب حسرة، واقع يحاول صانعوه وباستماتة وأد كل أمل شعبي وطني في التغيير وحلم بغد مشرق وفي الإنعتاق من عبودية القريب الأشد مضاضة، ورغم طول الإنتظار فالأفق لا يزال ملبدا. انتظار الحكم الرشيد القادر على رسم السياسات الحكيمة المرتكزة على مرجعيات علمية وتخطيط استراتيجيات التنمية المستدامة والمناسبة للبلاد والعباد والسهر على تنفيذ ذلك بإرادة صلبة وجد يدفعان الجهد البشري الفعال لاستثمار الموارد المتاحة، وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار. والتوزيع العادل للثروة وناتج التنمية، ولكن ذلك لن يسقط من السماء ولن تقذفه الأرض ولن يتحقق بحار الدعاء ـ الذي لم تتوفر شروطه ـ "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
أما نتائج التخلف وانعكاساته على المجتمعات التي أصيبت به وبحراسه فعديدة وسلبية، من أهمها انتشار الظلم على كل المستويات من القمة إلى القاعدة، يظلم الظالمون دون خشية من عقاب أو حساب، وانتشار الظلم يعني سيادة الخوف وانعدام الشعور بالأمن رغم عدد أعوانه في هذه الأنظمة التي أنشأته لقمع حركة الشعب وإخراس صوته، وعندما يعم الخوف ويسود الرعب تنصب جهود الأفراد على اتـقاء شر النظام وزبانيته،فيختفي الإبداع لأن الفكر لا يبدع إلا في أجواء الحرية لذلك يسود التصحر الثقافي والعلمي بدليل أن ما يصدر في بلد أوروبي واحد من مطبوعات متنوعة كفرنسا يفوق ما ينشر في اثنين وعشرين بلدا عربيا. أما داخليا فما ينشر في لبنان ـ للحرية النسبية ـ يفوق ما ينشر في دول الخليج مجتمعة وربما كل بلدان المغرب العربي. لذلك كله يسود نكد العيش بدل طيبه وينتشر التوتر ويعم التأزم علاقات الشعب بالنظام والأفراد بعضهم ببعض ويزيد الوضع حدة انتصاب مجموعات في المدن والقرى والأرياف يرفعون شعار خدمة النظام يقومون بنهب الأرض حتى المعالم الأثرية والمسجلة تراثا قوميا وابتزاز المواطنين، ويصبح قضاء المصالح والحصول على الحقوق المشروعة لن يتم إلا بواسطة أو بالشراء، وخلاف ذلك معجزة والناس على دين ملوكهم.
*كاتب من تونس
****
رسالة إلى أخي الشهيد محمود المبحوح
3/3/2010
أخي الشهيد محمود المبحوح 'أبو العبد'، اليوم الخميس 4 ربيع الأول 1431 18 فيفري 2010 ومن أمام قبر أمي السيدة رحمها الله، قرأت لك الفاتحة وترحمت على روحك الطاهرة ودعوته جل جلاله أن يرزقك الجنة وجميع شهداء أمتنا المسلمة بدءا بفلسطين وغزة ودعوته أن يظهر حقك كله وأن يقهر الصهاينة لما تجرأوا عليه من جريمة اغتيالك 'صعقا بالكهرباء' وهذا يدل بالدليل القاطع على عجزهم على محاربتك نظرا لقوتك ورباطة جأشك وصدق إيمانك وإخلاصك، كما توسلت إليه عز وجل أن ينصر أيضا إخواننا المقاومين في غزة وهم الذين ضربوا أمثلة رائعة في الدفاع عن أنفسهم وعن أهاليهم وعن أرض فلسطين وعن الأسرى وعن المسجد الأقصى الشريف والقدس وعن كرامة الأمة وهم تحت وطأة عدو يستفرد بهم يحاصرهم ويلاحقهم في كل مكان وهو يصول ويجول في العالم، طبيعته الاستيطان والاغتيال والتهويد والتدليس وتغيير الحقائق والكذب على الخلق وهو الذي بلغ هذه الدرجة من الإجرام والإبادات البشرية وإهدار الكرامة الإنسانية بالعمل على عامل 'ربح الوقت' لمخططاته التي يستبيح فيها كل شيء، حرمة العباد والبلاد والهويات البشرية والمتاجرة في الأعضاء البدنية للخلق واستباحة المس من حرمة العباد والبلاد أينما شاؤوا، عاملا في الوقت نفسه على تلهية الآخرين بما لا يفيدهم وبما يلهيهم عن المقاومة وعن مقاومة ظلمه لهم وسلبه لممتلكاتهم المقدسة بالدرجة الأولى وهي ممتلكات المسلمين أينما كانوا. اللهم ارحم أخينا الشهيد البطل محمود المبحوح 'أبو العبد' وادخله في أعلى جنات النعيم وانزل الصبر والسلوان على عائلة الشهيد المؤمنين بك والمتوكلين عليك فأنت عز جاهك قاهر الظالمين المعتدين أعداء تحرير فلسطين من قبضة الصهاينة المتغطرسين جعل الله كيدهم في نحورهم ولا يضيع عند الله حق شهيد شريف مقاوم عن أرض فلسطين المباركة، أرض إسراء ومعراج خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا وعزتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. لا مجال للاستغراب، فمن أقدم على محرقة في غزة بـ'شبه' مطر فسفوري حارق ليبيد قوما على مرأى من الكون بأسره، ثم أليس التقتيل والاغتيال من فنون الصهاينة وهم الذين جعلوا لهم سجلا حافلا بالاغتيالات للإخوة الفلسطينيين داخل أرض فلسطين وخارجها، يستبيحون حرمات الدول ويقترفون جرائم قتل على أراضيها ولا رادع لهم بل لهم حتى من يحاول 'تجميل صورتهم' على أنهم يريدون السلام.. أي سلام يطلبه محتل لأراضي غيره ومستبيح لمواطنيها ومبيد لها، يتغاضون حتى عن ذكر كلمة وجود سلاح نووي عند إسرائيل وهو الذي أثبت تدميره للأخضر واليابس ولم تفرض عليه عقوبات وها هو تقرير غولدستون مازال في طي ال.. المستوطنات متواصلة وغيرها من جرائم الاحتلال التي يعرفها القاصي والداني والمسلم وغير المسلم. إن من أرسل ما يشبه الأمطار النارية الفسفورية على قطاع غزة من البديهي جدا أن يستعمل الكهرباء لقتل أخينا الشهيد محمود المبحوح رحمة الله عليه. وبما أن هذا الكيان الغاصب قد تمادى في عدوانه حتى بلغ تجرؤه على 'حرق الغزاويين رضّعا، نساء، شيوخا، صغارا وكبارا..' ولم يقع ردعه من أية جهة دولية كانت، فإنه بلغ درجة عالية من الإجرام والإرهاب الدوليين وعلى نطاق عالمي وارتكب هذه الجريمة البشعة لمقاوم أراد تحرير أرضه وبلاده فليس للمحتل أن يغتصب حقوق غيره وأكثر من ذلك يدعي الدفاع عن نفسه.
ثم إنه من المفروض أن شخصيات مهمة جدا بحجم أخينا 'أبي العبد' المفروض أن توفر لها حراسة أمنية في غاية الدقة خصوصا عندما تكون خارج مكانها أي قطاع غزة. وقد اختار الصهاينة أن تكون الجريمة في هذا البلد دون تفجير نزل أو مبنى آخر بل بملاحقة هدفهم بتلك الطريقة، دخلوا للمكان الذي به الشخص 'المبرمج على القائمة لاغتياله' بتلك الصورة المصورة وعملهم هذا لا يغطي جريمة استهدافهم للأخ الشهيد 'أبي العبد' ولحرمة البلاد التي نفذوا على أرضها واستباحوا لأنفسهم قتل من يريدون وفي المكان الذي يريدون.
وها أن قصة 'تزوير أو صحة جوازات السفر التي استعملها المجرمون' تجعل الدول التي وجه إليها السؤال معنية وسنرى النتائج لذلك وقد تسبب ذلك في شعور غير المسلمين بإمكانية استغلال هوياتهم في جرائم من هذا النوع وفي بريطانيا التي كادت توقف ليفني بسبب جريمة الحرب على غزة.
والمؤلم حقا هو تورط فلسطينيين في الاغتيال وكيف أنهم تحكموا في نظام سير نزل بأكمله وبالتعاون مع الصهاينة. نحن متعطشون لرؤية تسجيل الواقعة كاملا. ولو كان 'وكلمة لو من الشيطان أعوذ بالله منه' في الغرفة 237 المواجهة لغرفة الأخ الشهيد محمود المبحوح رقم 230 وفي الطابق كاملا رجال الأمن والحراسة لاستعصى الأمر أكثر على المجرمين للقيام بجريمتهم ولكن، واضح أيضا طبيعة الاحتراف الكبير لدى المجرمين.
سبحان الله أصبحنا نرى الجريمة كأنها فيلم مصور نتعاطف مع الضحية ونتابع جزئيات الجريمة ونتخيل المشهد أمامنا ونتساءل أسئلة كثيرة، لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
ملاحظة أخيرة تتبادر إلى الذهن وهي أن ينتبه المسلمون وغيرهم من البشر أنه ليس كل من يبتسم، يبتسم حقيقة، فالمرأة المشاركة في الجريمة وقع تصويرها وهي تبتسم... حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
هند الهاروني- تونس
*****
التغيير الذي طال في مصر
3/3/2010
لا بد من التغيير في حكم مصر. فليس هناك في أي دولة فى العالم الحاكم فيها يحكم إلى مالا نهاية حتى يموت إلا في مصر. سنة الحياة التغير، ولكن سنة الحياة في مصر أن يجثم الحاكم على الصدور حتى يخنق الأنفاس.لا يهم إن تقدمت الدنيا وتأخرت مصر ما دام الحاكم متمكنا من كرسي الحكم بالقوانين التي فصلت على مقاسه هو وكل من سيأتي من قبله.
إن حاكم مصر هو أسعد حكام الدنيا، فهو يحكم شعبا مغلوبا على أمره، شعبا بلغ من الطيبة مبلغا عظيما مذهلا لدرجة تثير الأسى والحزن! تسأل الفرد البسيط هل يعجبك ما آل إليه حال البلد؟ فيجيب بكل إستكانة: يا عم اللي تعرفه أحسن م اللي متعرفوش: دول سرقوا البلد وشبعوا. موش عارفين اللي جاي هايسرق كام ؟! لقمة العيش مدوخانا العيال هتموت م الجوع. شعب مغلوب على أمره ليس له الحق أن يعارض أو يتظاهر أو حتى يعتصم وله كل الحق أن يموت فقط .
يوسف البسيوني
****
إيران في 'الكماشة'... والعرب من الفاعل إلى المفعول به
3/3/2010
من بوابة النفط العربي، والقواعد العسكرية الأمريكية المترامية 'كالفقاع' في منطقتنا العربية الجريحة... صدحت التهديدات الأمريكية لإيران ..تهديدات سمعناها سابقا في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وتعودنا عليها وانتظرنا تغيير الرئيس أوباما لتلك القبائح لكن هذه المرة على لسان هيلاري كلينتون وزيرة خارجية إدارة أوباما المتحصل حديثا على جائزة نوبل 'للحرب'... عفوا ....'للسلام'.. نرجو من السيد أوباما أن يسامحنا لأنه أصبح لنا كل الحق أن ننسى السلام ...في زمن الحروب، هذا الحلم المزعج ...ولا نتذكر إلا آلات القتل وجحافل الجنود والدبابات تزلزل الأرض تحت أقدام شعوبا فقيرة وبريئة ومسالمة.. ولا تنطق ألسنتنا إلا بهذا الشبح المخيف الذي تلازم بعده مع القتل والدمار حتى لعملية ما يسمى 'بالسلام'. هذا الشعار الجميل الذي يخفي ستاره أقبح الجرائم بحق الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها وثنائي الزعامة إسرائيل والولايات المتحدة اللتين إذا تكلمت واحدة منهما عن السلام، والمفاوضات ...وما لف لفه من مناوراتهما الخبيثة على من هو خارج 'كماشتهما' أن يستعد لهجوم عسكري أو ضغوطات سياسية أو كذلك فرض لعقوبات جهنمية، وتصفيات جسدية لكل من أعلن معارضته للوحش الكاسر وحفيده... اليوم وأكثر من أي وقت مضى بدأت عملية الإطباق على الجمهورية الإسلامية تأخذ منحى تصاعديا وجديا خطيرا للغاية ...وبدأت شعوبنا العربية والإسلامية تتذكر مراحل ما قبل العدوان على العراق سنة 2003 وبنفس العبارات واللهجة يتكلم الأمريكان والصهاينة وتقريبا نفس عناوين الادعاءات وكذلك نفس المطالب الأمريكية لإيران ومن أخطرها وأهمها نزع وتسليم الصواريخ...وهو الخطأ الذي كلف العراق الاحتلال، وصدام حسين المشنقة...لكن شتان بين هذا وذاك.. فإيران ليست العراق... وأحمدي نجاد ومعاونوه وصانعو الثورة ليسوا صدام حسين ..ونتمنى أن لا تحصل عملية اختبار للفرق في هذا المجال لأن المحرقة ستلتهم أكثر من دولة... وأكثر من منطقة.. وبل الجحيم المر يترقب الجميع..
في اعتقادي الشخصي لن ترتكب الولايات المتحدة حماقة عسكرية في هذا الوقت بالذات لأنها أولا غارقة في عدة مستنقعات يقينها بالفشل فيها أكثر من النجاح ولن تترك إسرائيل تقوم بالمهمة بدلا عنها لأن أي عدوان عسكري على إيران من كليهما يعني بالضرورة الحتمية تورط الجهة الثانية بل سيتبع 'الشيطان الأكبر' في المفهوم الإيراني سياسة الضغط بقوة والعقوبات الكبيرة على كل المجالات لخنق إيران وإعادة عزلها من جديد عن أي تحرك خارجي من شأنه إرباك مخططاتها السياسية والعسكرية في المنطقة وستستغل الوضع الداخلي الإيراني 'كمحماش نار' من أجل إتمام المهمة المرغوب فيها وهي إسقاط النظام وتغيير أيديولوجية القيادة، والقضاء عبر المعارضة على التشدد الإيراني وحكم ولاية الفقيه وإن لم يحصل ذلك بعد تشديد خنقها بحصار قاهر سيدفع بإيران لرد الفعل بتوجيه ضربة عسكرية استباقية انتقامية لإسرائيل أو المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية في المنطقة وتحصل بذلك أمريكا وإسرائيل على الذريعة الشرعية لقصف همجي وحشي لإيران..
وللوصول للهدف المرجو غيرت أمريكا نظرياتها في التعامل مع طهران، وبدأت تلعب أوراقا جديدة فيها بعض التنازلات للدول الحليفة للدولة الفارسية مثل روسيا التي بدأت تعود من جديد إلى الحرب الباردة بينها وبين 'مغول العصر' فيما يخص الدرع الصاروخي وما شابهه..وانخرطت حكومة 'الكريملين' في لعبة المناورات والشد والجذب ووضعت مصالحها فوق كل العلاقات القديمة مع أصدقائها وتوخت أسلوب المنفعة مع الحذر الشديد لأنها تدرك أن الرياح تجري أحيانا بما لا تشتهيه المصالح...وتغيير المواقع السياسية وتحالفاتها خصوصا وأن هاجس روسيا وأمريكا الصين ـ غير بعيد عن مسرح الأحداث وتنتظر حكومة 'بكين' تغيير المواقع حتى تقرر فعليا اختيار موقعها على خارطة الكبار وتستفيد من التحولات المنتظرة.
لقد وجدت الولايات المتحدة كل الدعم والمساندة في مخططها ضد إيران من بعض الدول العربية وهذا شيء مؤسف له لأن الوضع السياسي والاقتصادي الأمريكي تهرأ، وتراجع وأنحدر لكن بعض 'المستعربين لا يريدون لحاميهم وحراميهم' هذا الوضع لأنهم يرون أن الحفاظ على مصالحهم وبقائهم على عروشهم في بقاء أمريكا سيدة العالم وهم خدمتها وحافظون' لمزابلها'..في الوقت الذي ضاعت فيه المصالح العربية وانهارت كل الآمال والطموحات في حلحلة الوضع الراهن والخروج بالقضايا المصيرية للنور وتحقيق السلام العادل والشامل .. في خضم هذه المعارك الجانبية والتوترات المصطنعة أنطفأ النور عن القضية المركزية والجوهرية في كل الصراعات الدائرة في المنطقة والعالم وهي الصراع العربي الإسرائيلي الذي جعل كل الدول العربية والإسلامية تعاني منه كل واحدة حسب موقعها الجغرافي وخيارها السياسي وأصبح موضوع النووي السلمي الإيراني في نظرهم هو الكارثة العظمى التي تهدد الكون ...وتحت هذا الغطاء شنت وتشن حروبا قذرة ضد شعوب لا ناقة لها ولا جمل فيما يحصل من انتهاكات وقتل ودمار ..
لقد علمنا الماضي والحاضر أن طغاة هذا العالم عندما يقررون الاعتداء على دولة أو شعب آمن يوفرون أجواء ساخنة وملتهبة في أماكن أخرى وقضايا على رصيف آخر من أجل شد عقول الناس عن الجريمة المرتكبة في البقعة الثانية وهو ما تقوم به حاليا أمريكا في أفغانستان وباكستان .. وما يحدث في العراق من أجل تمرير كل ما يرغبون في تمريره بأمن وسلام..وفي كل ما حصل ويحصل والعرب حاضرون بالغياب ..إما لا دور لهم أو يكلفون بمهمات تخدم وتساعد على الفوضى وتمرير ما يرغب الإمبرياليون في تمريره.. وأصبحوا يمسكون بعداد الهزائم والنكبات ويعددون في كل المحافل ومؤتمرات التآمر الانتهاكات التي تتعرض لها الأمة من طرف قادة الظلم والحروب، وكأنه ليس لنا أي دور في كل ما يحدث بعد أن انتقلنا من دور الفاعل إلى دور المفعول به.
'عبد الستار العياري
ayari.abdeaar@yahoo.fr
****
المغرب يرفض تصوير فيلم سينمائي لمخرج إيراني يجسد شخصية النبي محمد
3/4/2010
الدار البيضاء ـ د ب ا: نفى محمد باكريم المسؤول عن التواصل في المركز السينمائي المغربي أن يكون المغرب وافق على تصوير فيلم عن النبي محمد للمخرج الإيراني مجيد مجيدي.
وكان المخرج الإيراني قال إنه سيخرج فيلما عن النبي محمد من ثلاثة أجزاء يقوم هو فيه بتجسيد شخصية النبي.
ونقلت صحيفة 'أخبار اليوم' المغربية في عددها الصادر أمس الأربعاء عن باكريم قوله، إن المركز 'لم يوافق على طلب للمخرج بغرض تصوير جزء من هذا الفيلم الإيراني فوق التراب المغربي، كما أن المركز واضح في مجال تصوير الأفلام الأجنبية'. وأضاف 'رغم أن أفلام مجيد مجيدي تعتبر من الأفلام الضخمة من الناحية الإنتاجية 'إلا أن المغرب حسم الأمر منذ زمن، حيث هناك العديد من المواضيع التي لا يتم التطرق إليها ولا يمكن السماح بتصويرها في المغرب'.
يشار إلى أن المخرج الإيراني سبق أن أعلن أنه سيصور الفيلم الخاص بحياة النبي محمد في إيران والمغرب والأردن، غير أن مسألة تصوير الأفلام الأجنبية بالمملكة المغربية تخضع لمجموعة من القوانين الإدارية والمالية.
****
أوروبا وأمريكا مستعدتان لعقوبات جديدة على إيران
الفيصل للصين اليوم وأنباء عن عرضه نفطا بسعر رخيص
الأسد:علاقاتنا مع طهران وحزب الله غير قابلة للتفاوض
4/3/2010
لندن ـ الناصرة ـ 'القدس العربي'
ـ من زهير أندراوس:
فيما يبدأ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل اليوم الخميس زيارة إلى بكين يسلم خلالها الرئيس الصيني هو جينتاو رسالة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تتعلق بالأوضاع في المنطقة والملف النووي الإيراني، كشف النقاب أمس عن أن الرئيس السوري بشّار الأسد، نقل رسالة واضحة إلى الإسرائيليين والأمريكيين مفادها أن علاقة سورية بإيران وحزب الله وحركة حماس، غير قابلة للتفاوض.
وقال مصدر دبلوماسي في الرياض أن الفيصل سيقوم بزيارة إلى بكين تستغرق عدة ساعات يسلم خلالها الرئيس الصيني رسالة خطية من الملك السعودي 'تتعلق بعملية السلام في المنطقة والرؤية السعودية تجاهها إضافة الى وجهة نظر الرياض تجاه الملف النووي الإيراني'.
ورفض المصدر تحديد ما إذا كانت الرسالة تتضمن الاقتراح الأمريكي بان تستخدم الرياض نفوذها لدى الصين لحملها على تغيير موقفها المتحفظ إزاء تشديد العقوبات على إيران.
وقال محللون غربيون أن السعودية ستحاول إقناع الصين بدعم مشروع أمريكي لاستصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات جديدة على إيران على خلفية ملفها النووي. وان الرياض ستقوم بعرض نفط وغاز بأسعار منخفضة لتعويض الصين عن مصادر الطاقة الايرانية.
وأعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الأربعاء استعدادهما لتأييد فرض عقوبات جديدة على إيران بسبب برنامجها النووي المثير للجدل، واعتبرت واشنطن خلال اجتماع للوكالة الدولية للطاقة الذرية انه لم يعد أمام المجتمع الدولي 'خيار آخر' غيره.
واتهمت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إيران أمس بخرق قواعد الشفافية لعدم إخطارها مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الوقت المناسب بأنها رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم، وقالت أن هذا السلوك 'الاستفزازي' يستوجب فرض عقوبات أكثر صرامة.
وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أمس أنها تعتقد أن إيران لن تتفاوض بصدق مع المجتمع الدولي بخصوص برنامجها النووي إلا بعد فرض عقوبات عليها.
وقالت في مؤتمر صحافي في البرازيل حيث تقوم بزيارة رسمية 'الآن هو وقت العمل الدولي. لن تتفاوض إيران بصدق إلا بعد أن نقر العقوبات في مجلس الأمن'.
جاء ذلك فيما كشفت صحيفة 'هارتس' في عددها الصادر أمس الأربعاء النقاب عن أن الرئيس السوري، الدكتور بشّار الأسد، نقل رسالة واضحة إلى الإسرائيليين والأمريكيين مفادها أن علاقة سورية بالجمهورية الإسلامية الايرانية وحزب الله وبحركة حماس في فلسطين، ليست مطروحة على الطاولة، أو بكلمات أخرى، غير قابلة للتفاوض.
وقال المحلل السياسي في الصحيفة، عكيفا الدار، انّه اعتمد في النبأ المذكور على مصادر أمريكية وصفها بأنها رفيعة المستوى.
ونقلت الصحيفة ايضا انّ الرئيس ان الاسد قال لزواره انّ الشروط لتسوية سلمية مع اسرائيل معروفة بما فيها الانسحاب لحدود حزيران عام 1967 مقابل اتفاق وقف اطلاق النار وتبادل السفارات وليس سلاما كاملا، موضحا انه لن يكون السلام كاملا بين سورية واسرائيل دون تسوية مع الفلسطينيين.
وزاد المحلل السياسي في الصحيفة قائلا أن الرئيس الأسد التقى قبل أسبوعين مسؤولين سابقين في البيت الأبيض، وقال أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في الـ 10 أعوام الأخيرة كانت خاطئة وتركت فراغا، ما استدعى تركيا وإيران ودولا أخرى لسداده.
وأضافت الصحيفة أن الأسد أوضح لمحدثيه أن علاقة سورية بإيران وقوى المقاومة ليست للتفاوض، فيما أبدى رضا عن لقائه بنائب وزيرة الخارجية الأمريكية، وليام بيرنز، قبل أسبوعين. وكتب الزوجان، بلينت وهيلاري لورت، اللذان خدما في مجلس الأمن القومي الأمريكي في فترة كلينتون وبوش الابن، في موقع الكتروني لمعهد أبحاث يترأسانه أن الأسد لا يرى بالدور الإيراني المتصاعد في المنطقة تعبيرا عن طموحات إيرانية جديدة في المنطقة.
وأضاف بلينت لورت قائلا انّه سمع من احد مستشاري الأسد أن من الصعب على سورية الابتعاد عن إيران، لأنها الدولة الوحيدة التي ساندتها في مواجهة الضغوطات والعزلة الأوروبية والأمريكية، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) من العام 2005.
ويرى بلينت، بحسب ما نقلته الصحيفة الاسرائيلية عنه، أن موقف سورية تجاه إيران ليس تعبيرا وجدانيا محضا، بل إن سورية تسعى للتقارب من إيران في البيئة الاستراتيجية غير الآمنة في منطقة الشرق الأوسط، على حد تعبيره.
بالإضافة إلى ذلك، نقل المحلل الاسرائيلي عن غبرييل ريفكيند رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مجموعة أكسفورد للأبحاث أن الوزير المعلم أكد على أن سورية لن تجري مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من خلال الوساطة التركية، بل إن المرحلة الثانية من المفاوضات تستدعي تدخلا أمريكيا مباشرا في المفاوضات خصوصا فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية، وقيام الطائرات الأمريكية بجولات فوق الجولان المحتل. وأوضح المعلم في حديثه لريفكيند، حسب الصحيفة، أن علاقة سورية مع الجمهورية الإسلامية الايرانية ومع منظمة حزب الله اللبنانية و حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية ليست محور تفاوض، إذ أن سورية دولة سيادية ولا يمكن بحث الموضوع قبل الوصول إلى تسوية سلمية، فيما رجحت ريفكيند في حديثها لـ'هآرتس' أن سورية قد تتوصل إلى هدنة طويلة الأمد بين إسرائيل وفصائل المقاومة في حال التوصل لتسوية دائمة.
وقال المحلل الاسرائيلي انّه من ناحية الدولة العبرية فانّ العلاقات السورية الايرانية والعلاقات السورية مع تنظيمات الرفض الفلسطينية، هي التي تشكل العائق الأكبر أمام الحكومة الإسرائيلية، كما أكدت ريفكيند، التي زادت قائلة للصحيفة الإسرائيلية انّه في حالات حل الصراعات والنزاعات فانّ سورية يمكنها أن تلعب دور الوسيط بين الدولة العبرية وبين التنظيمات الفلسطينية ومنظمة حزب الله اللبنانية، بهدف تحسين الأجواء بهدف التوصل إلى هدنة طويلة الأمد، على حد قولها.
****
هل تتكرر ثورة يوليو 52 في مصر ؟
إبراهيم أبو عواد
3/4/2010
إن الناظر في أحوال مصر هذه الأيام يرى حراكاً سياسياً شديد الزخم ، فيبدو أن الشعب الغريق صار يستشعر عمق المستنقع الذي يحيا فيه حياة البؤس والفساد الضارب جذوره من رأس هرم السلطة حتى القاعدة .
لذلك فإن الناس راحوا يتعلقون بأي طوق نجاة سواءٌ كان صالحاً أو غير صالح ، لأن الغريق لا يقدر أن يفرض شروطه على الآخرين ، فهو في موقف ضعيف لا يؤهله لأن يحدد نوعية طوق النجاة .
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة تم تصوير مجيء البرادعي إلى مصر كمجيء مالك الحلول السحرية ، وصاحب الخلاص السياسي القادر على نقل مصر إلى العالم الأول، وإيجاد الوصفة الخارقة التي تنقل المجتمع من الانهيار الشامل إلى التقدم الحتمي .
وهذه الصورة السينمائية طبيعية في مجتمع عربي عاطفي اعتاد على تحكيم الأحاسيس المرهفة في العمل السياسي ، والتصفيق للحق والباطل ، والهتاف للزعيم الفاتح بسبب ودون سبب . فالبنية الاجتماعية العربية المتخلفة غير مستعدة لتداول سلمي للسلطة ، وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ، وتعزيز مبدأ المشاركة السياسية ، وإنشاء دولة القانون والمؤسسات ، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة .
ونحن هنا لا نقلل من قيمة البرادعي كعالم ومفكر وسياسي دولي وصاحب كفاءة وخبرة في الإدارة. ولكن من قال إن الوطن العربي مستعد لاستقبال الكفاءات وأصحاب العقول اللامعة ؟. فمن يطالع نسب تهجير الأدمغة العربية إلى أمريكا وأوروبا سيصاب بالذهول المرعب ، وسيتأكد أن هناك خطة منهجية من قبل الأنظمة العربية الحاكمة لطرد أصحاب الكفاءات لكي يظل الشعب غارقاً في جهله كقطيع الغنم يُساق إلى الذبح دون أن يعترض . فالنظرية الفلسفية التي يعتنقها الحاكم العربي ولا يحيد عنها هي : إن العقل المفكر يشكل خطراً على نظام الحكم، وبالتالي ينبغي التخلص منه .
ونظرة سريعة إلى وزن العلماء العرب والمسلمين في الغرب تؤكد هذه الحقيقة . فعلى سبيل المثال لا الحصر : إن الدكتور أحمد زويل ( مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) من أهم العلماء في العالم ويحمل جائزة نوبل في الكيمياء ( 1999م ) . وأشهر جراح قلب في العالم هو الدكتور مجدي يعقوب ( مصري يحمل الجنسية البريطانية ).وأشهر مهندسة معمارية في العالم هي زها حديد ( عراقية تحمل الجنسية البريطانية ) . ومن أبرز علماء الجيولوجيا في العالم الدكتور فاروق الباز الذي ساهم في وصول الإنسان إلى القمر ، وهو أيضاً مدير معهد الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن ( وهو مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) .
وما أود أن أصل إليه من خلال الأمثلة السابقة هو عدم قدرة الوطن العربي على احتضان أصحاب الكفاءات القادرين على الإدارة وإحداث التغيير، لأن النظام السياسي العربي تم تصميمه وفق العقلية البدوية العشائرية والعصبية القبلية والارتماء في أحضان أمريكا التي تمنح القمح ، وتفرض شروطها ، وتدير شؤون الأمة العربية بأجهزة التحكم عن بعد .
فالهتاف للبرادعي يأتي في إطار صرخة الغريق ولا يأتي في إطار العمل السياسي الواعي ، لأن البرادعي لا مكان له في النظام السياسي المصري . فالدستور المصري تم تفصيله لتكريس الحكم الفرعوني حتى يوم القيامة، وتعزيز سلطة الزعيم الأوحد الحاكم بأمر الله المدعوم خارجياً . خصوصاً أن هذه التوجهات البوليسية تنال القبول في أمريكا وإسرائيل اللتين توفران الغطاء الشرعي للنظام المصري في المحافل الدولية مقابل خدماته الجليلة مثل : القيام بعمليات التطهير العِرقي بحق أهل غزة ومحاصرتهم لكي يموتوا في صمت دون إزعاج ضمير الشرعية الدولية والعالم الحر ، وإهداء الغاز المصري لإسرائيل مجاناً أو بسعر رمزي كعربون محبة وسلام ، وتجويع الشعب المصري الذي يموت على طوابير الخبز ، وفتح المنتجعات السياحية للسياح الإسرائيليين وإغلاقها في وجه المصريين ، وتحويل الدولة المصرية إلى بلدية تابعة لتل أبيب .
لكن السؤال الحاسم الذي يفرض نفسه : لماذا يقوم الرئيس المصري بكل هذه الخدمات المجانية مع أنه على حافة قبره ( 82 سنة )، ومستقبله السياسي أضحى وراءه، وفقد كل أوراقه ، ولا يعرف ماذا يحدث حوله ، فهو يعيش على الإبر المقوية لكي يقدر على المشي ، ويصبغ شَعره لكي يبدوَ في عنفوان الشباب .
والجواب يتمحور حول سعي الرئيس المصري لنيل رضا أمريكا وإسرائيل لكي تسمحا بتولي جمال مبارك الحكم بعد وفاة أبيه . لكن المفاجأة غير السعيدة بالنسبة لأصحاب مشروع التوريث هي أن جمال مبارك _ رغم تلميعه وتقديمه للأمريكان كرجل المرحلة _ لا يقدر أن يحكم مصر لانعدام خبرته ، وعدم وجود غطاء شعبي مستمد من الجماهير ، وعدم امتلاكه خلفية عسكرية كرؤساء مصر بعد ثورة يوليو 52 .
وهذه النقطة الأخيرة تقلق أمريكا وإسرائيل بشكل بالغ ، لأن مصر هي الدولة العربية المركزية . فهي إذا تحركت تحرك العرب ، وإذا ماتت مات العرب . ووجود قيادة ضعيفة مهزوزة مثل السيد جمال مبارك في سدة الحكم قد يعرض المصالح الصهيوأمريكية للخطر . والوضع في المنطقة العربية لا يحتمل مغامرات غير محسوبة ، أو عمليات تجريب .
وفي ظل هذا الأفق المسدود يظهر الحل الأكثر رومانسية في دول العالم الثالث البدائية وهو قلب نظام الحكم عسكرياً. وهذا ليس غريباً على مصر وباقي الأقطار العربية ، فتاريخها حافل في الانقلابات العسكرية .
لكن البعض قد يستبعد حدوث انقلاب عسكري في مصر بسبب هدوء الجيش وابتعاده عن التجاذبات السياسية ومشاريع تأييد التوريث ومعارضته . وهذه هي مركز الخطورة لأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، والنار التي تحت الرماد ، فالصمت هو المخيف لا الجعجعة .
وكل انقلاب عسكري إنما يتأسس على عنصر المفاجأة والمباغتة، خصوصاً أن الوضع المصري قد يمهد الطريق لحدوث عمل ضخم على غرار ثورة يوليو 1952م لعدة أسباب من أهمها : ضعف قبضة الرئيس المصري بحكم الشيخوخة والانهيار الصحي ، وانفتاح شهية الطامعين في الحكم المقتنعين بقرب نهاية حقبة مبارك، وفق مبدأ " إذا وقع الجمل كثرت السكاكين " ، ووفق نظرية تمرد التلميذ على الأستاذ . فقد رأينا الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي كيف انقلب على أستاذه العجوز المريض بورقيبة في عام 1987م عندما سنحت له الفرصة لتنحيته واستلام زمام المبادرة .
وهذا الدور قد يلعبه في مصر مدير المخابرات عمر سليمان أو قائد القوات المسلحة أو حتى رئيس مباحث أمن الدولة بحكم كثرة الأوراق في أيديهم ، وخبرتهم الأمنية في تجذير الدولة البوليسية ، وقمع الحركات الإسلامية التي تشكل خطراً على الاحتلال الصهيوني ومشاريع الهيمنة الغربية ، واتساع دائرة نفوذهم وأتباعهم ، وارتباطهم بعلاقات وثيقة مع الغرب وإسرائيل .
بل إن أتباع هذه المؤسسات الأمنية من الصف الثاني والثالث قادرون _ بحكم خبرتهم _ على قلب نظام الحكم رغم رتبهم العسكرية المتدنية نسبياً . وأمامنا ثورة يوليو التي قادها ضباط شباب من رتب عسكرية منخفضة . فجمال عبد الناصر كان آنذاك في الأربعين تقريباً ، وأنور السادات في بداية الثلاثينات من العمر . لذلك فمن المؤكد أن حقبة الرئيس مبارك قد انتهت ، وأن الانقلاب العسكري _ على الأرجح _ قادم على غرار ثورة يوليو 1952م ، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لتحديد لحظة الانقضاض ، والانتهاء من حبك خيوط اللعبة .
وهذا سيدشن عودة الوطن العربي إلى عصر الانقلابات في الدول المركزية ذات الثقل . والذي يدعم هذه الرؤية الإستراتيجية فشل الدولة العربية في تحقيق أي نجاح، وسير المجتمع بأسره إلى الدرب المغلق ، وغياب أي أفق لعلاج مشاكل الناس الذين سيتحركون حين يتساوى عندهم الحياة والموت. وهذا ما نشاهده في جنوب اليمن ، وشاهدناه في دارفور سابقاً ، وما خُفي أعظم .
كاتب أردني
****
جورج غالاوي: شوكة في ثقافة القطيع
3/5/2010
في زمننا المنحوس هذا! والزائل لا محال 'فدوام الحال من المحال !زمن أحادية القطب الكارثية. زمن الهيمنة والعنجهية والتغطرس، والظلم المفرط، للسيد الأمريكي المتصهين والمتجبر، على مقدرات الأرض والعباد. زمن إشاعة ثقافة الخنوع. ثقافة الخضوع للأقوى وليس الأصلح. زمن شيوع ثقافة القطيع، في ظل قانون الغاب!
الذي تروج له، ماكنة الأعلام التابعة للبيت الأسود! وحلفاؤه.
ينقسم الناس. عامة الناس، في مواقفهم الحياتية المصيرية. بين خاضع وخانع وذليل. وبين رافض ومتمرد وثائر. وبين من يرتضي لنفسه، العيش على هامش الحياة. دون أن يسجل وبشجاعة، موقف منها. وكأنه كائن غريب عن الأرض، زائر من كوكب أخر. ويعد رجلنا الجليل، جورج غالاوي. واحداً من شرفاء الرافضين والمتمردين والثائرين. على الوضع الإنساني المأساوي والمستشري ظلماً وجرماً.
فهذا المناضل. يعلنها جهارا، نهارا، رفضه لهيمنة وتسلط، السيد المتجبر وحلفائه، بلا وجه حق.
فجورج غالاوي. يقف متمردا، وبفروسية الأحرار. بوجه من يسعى، إلى بسط تسيده عنوة، وعلى بشر ولدوا أحرارا !
وجورج غالاوي. ثائر ثورة الفرسان. يبارز أعداءه، من عبيد الدولار، على جماجم ملايين الأحرار. ينازلهم منازلة الفرسان في عقر دارهم. ليفتق عوراتهم أمام من يمتلك بصيرة، في زمن الغواش !
لهذا كله، تجهد الأقلام المأجورة منها، والمحسوبة منها على مثقفي القطيع، والمتأثرة منها بالماكنة الإعلامية، تجهد تلك الأقلام القابضة، أو المضللة. إلى خلق رأي عام ضد، رجل مناضل. كل ذنبه نصرة الحق والمظلومين. فطوبى لمن أخلص لمبادئه قولا وفعلا، طوبى !
حبيب محمد تقي
habibtaki@hotmail.com
****
مصير الأمة بين إيران والسعودية
خالد محمد المغربي
إن الحكم على الواقع من خلال معطياته الجديدة دون الرجوع إلى الماضي سيحدث فراغا كبيرا بين الحقيقة والمنطق ، فالحقيقة لا يمكن أن تكون منطقية عندما نقول إن إيران عدو رئيسي للعرب دون أن نرجع إلى أسباب وجود الجسم الغريب المزروع في جسد الأمة العربية ألا وهو (إسرائيل) .
أيضا قبل أن نقول إن إيران هي العدو الرئيسي للأمة العربية يجب أن نبحث عن سبب تشتُت أكثر من سبعة ملايين فلسطيني خارج فلسطين المحتلة ، وقبل أن نحكم أي حكم تعسفي ضد إيران يجب أن نراجع أنفسنا خصوصا الحكام العرب وما قدموه من خدمة للأمريكان والصهاينة وعلى طبق من ذهب تحقق للغرب بفعلها مصالح متعددة بخلافات يختلقها بعض الحكام العملاء العرب ضد قادة عرب عادوا الأمريكان والصهاينة ، هذه الخلافات نوع من أنواع استرضاء الغرب وللحد من الخطر ضد مصالحه في المنطقة ونوع من أنواع تمازج المصالح من خلال التطابق الضمني في التفاعل مع الأحداث لتكون النتيجة ولاء مع ضمان حماية لهؤلاء الحكام من شعوبهم بالدرجة الأولى ، ففي واقع الأمر لا يوجد عدو خارجي تخشاه دول المنطقة غير إسرائيل ولو قلنا أن إيران هي الخطر فلنقل لماذا ..؟ هل يعقل أن تفكر إيران فيما يحاول بعض رجال الدين في المملكة وغيرها الترويج له ألا وهو أن إيران تريد أن تأخذ مكة أو أنها تريد قبري الخلفاء أبو بكر وعمر وقبر السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا في وقت ندرك فيه جميعا أن كل ذلك هو محاولة لإبعاد العرب والمسلمين عن قضيتهم الرئيسية فلسطين ، إن الدول الكبرى المنتصرة ليست سهلة والعدو الصهيوني لا يفوّت مسألة إلا واستغلها في تفكيك هذه الأمة فهذا العدو يقوم بما قد لا نفكر في قيامه به كمسائل صغيرة جدا ولو كانت طريقة إطفاء سيجارة في نفاية الدخان فلو وجد فيها ما يخدم مشروعه سيجعل قائدا أو ملكا عربيا مدخن يقوم بذلك بحسب الطريقة التي يريدها ما دامت ضرورية ولو استغرق ذلك عشرات السنين فهم يعملون من خلال ضرورة تحقيق الأهداف بغض النظر عن الملك الموجود أو الحاكم أي كانت طبيعة حكمه وأي حاكم يشكل عائقا أمامهم تتكاثف الحركة الصهيونية مع دول الغرب (بريطانيا فرنسا ألمانيا وطبعا الولايات المتحدة الأمريكية وحتى روسيا وغيرها ضده ) من أجل ممارسة ضغوط على هذه الشخصية الكاريزما العربية كما حدث مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وما تعرضت له القيادة الليبية من حصار واختلاق قضايا أثبت الواقع براءة ليبيا منها ، وأقوى ما يدعم مصالح الصهاينة والغرب بعض الملوك والحكام العرب ممن يختلقون الخلافات مع هؤلاء القائدة لإفشال أي محاولة التفاف شعبية عربية أو إسلامية بهم وآخرهم الرئيس الشهيد البطل الراحل صدام حسين فمئات الآباء والأمهات سموا أولادهم باسمه في العالم العربي والإسلامي وهنا أريد أن أطرح سؤالا ( ما شأن فلاح بسيط في صعيد مصر أو في أقصى المغرب العربي وشأن صدام ليسمي ابنه باسمه ....؟) إن العلاقة ليست بمجرد الاسم لكنها العلاقة بما وراء التسمية وهي مساندة هذا القائد عسا يكون سبيل خلاص للأمة العربية من هذا الانحطاط الذي تعيشه ونعيشه جميعا ..وأيضا انتشار اسم أسامة اعتزازا بالشيخ أسامة بن لادن حينها أي بعد تفجير برجي التجارة في 11سبتمبر ..إن شعوب هذه الأمة أكبر من أن يجر بها في مهازل الرضوخ والانحطاط التاريخي الذي تسبب به بعض الحكام العرب بل أغلبهم ماذا نريد نحن الشعوب العربية والإسلامية من الحكام سوى النهضة بديننا فبقدر ما نقدر دور الأسرة السعودية في توحيد قبائل جزيرة العرب والاحترام الذي تحظى به في المنطقة بقدر ما نتمنى أن يكون هذا التاريخ سبيلا لجعل أطهر بقعة على الأرض مصدر نور وإشعاع إسلامي يعود بهذه الأمة الإسلامية إلى أمجادها التي انطلقت من مكة ، فما أصعب أن يتلخص دور هذه الأسرة في خدمة الحرمين الشريفين فأفقر فقراء الأمة قادر على أن يأتي حبوا للدفاع عنها ولخدمتها فما بالك دولا عربية وإسلامية لها مؤسساتها التي تستطيع من خلالها خدمة الحرمين الشريفين بما تتفق عليه الأمة ، وما تتفق عليه الأمة ينبثق من واقع حالها فلا يمكن أن تتفق الأمة على أن تجعل الدول الكبرى التي تمارس إرهابا عالميا ضد الإسلام من نفسها دول حماية للإسلام لا يمكن أن يرضى أي مسلم أن تطأ أراضينا المقدسة رجل أي جندي تسبب في قتل وتمزيق أهلنا في العراق وفلسطين وفي كل مكان من العالم باسم مصلحة الأسرة السعودية ، لا يمكن نرضى أن يجعل هذا العدو من نفسه صديقا ويجعل من دولا إسلامية نعوّل عليها بدور كبير في تحرير فلسطين عدوا لنا فنحن في أمس الحاجة إلى دور إيران في المنطقة وحتى التذبذب التركي كفيل بأن يكون إسلاميا خالصا ذات يوم أي عندما تشعر تركيا بقوة دور العرب لتعوّل عليه عوضا عن أملها في الاتحاد الأوروبي وقد بدأ ذلك يتحقق ولكن من خلال منظور مصالحها الاقتصادية وبعد أن استيأس الأتراك من الدخول في الاتحاد الأوروبي سعوا إلى المنطقة العربية للعب دور أوسع يغيض دول هذا الاتحاد .
ما أحب أن أشير إليه هنا وما هو بالغ الأهمية هو الدور السعودي في واقع حالنا العربي والإسلامي فالاحترام الذي تحظى به المملكة بين دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تستثمره دول هذا المجلس لصالح الأمة الإسلامية وليس لمجرد التعاطف مع السعودية كمملكة ، يجب أن تفعّل دول المجلس دور المملكة نحو القضايا الإسلامية ذات الأهمية فكل مسلم يرفض أن تكون مكة للمسلمين مجرد مزار ديني بل تكاد تصبح مكة معلما سياحيا بعد أن فقدت خصوصيتها الإسلامية تجاه قضايا الأمة ، فمادام ذلك قائما ويشعر به كل مسلم فإننا جميعا يمكن أن نلتمس العذر لإيران إذا فكرت في البحث عن بديل إسلامي أقوى لجزيرة العرب يكون باتفاق إسلامي فلا يمكن لأي مسلم في العالم أن يعيش بمعزل عن أهمية الدور الديني للأمة الإسلامية الذي مصدره جزيرة العرب (بمكة) هذه المسألة لا تقبل المجاملة بل لم يقتصر الأمر على تهميش الدور الإسلامي لجزيرة العرب بل أصبحت هذه الجزيرة موطأ رجل لكل من يريد لهذه الأمة المهانة والخنوع فما حدث في العراق كان سيحدث لسوريا وبعداء سعودي حينها لولا الدور الإيراني البارز هل يعتقد أحد أن وضع سوريا كان سيكون على ما هو عليه لولا شعور الغرب بخطورة الموقف الإيراني وجديته لماذا تلعب إيران هذه الأهمية الإسلامية في المنطقة ....؟؟ الجواب بالتأكيد لغياب الدور ذاته والذي نحتاجه من السعودية وغيرها ، السعودية التي تعتبر من أكثر دول العالم في الإنفاق العسكري فما صرفته السعودية من تريليونات على الإنفاق العسكرية أكثر بكثير مما صرفته إيران على مفاعلاتها النووية وما استفاد به الاقتصاد الأمريكي من بيع الأسلحة للسعودية كفيل بأن يشكل قوة اقتصادية عربية رهيبة وكفيل بقهر الفقر والجوع والعوز في كل الوطن العربي وليس في المملكة فحسب وكفيل بلعب دور قوي في تحرير فلسطين لماذا لم تجعل دول الغرب من السعودية دولة نووية كإسرائيل ضد إيران بدلا من بيعها أسلحة تنعش اقتصادها كدول تبحث لصناعتها العسكرية عن سوق..؟ والسؤال الذي يطرح نفسه أيضا هنا ضد من يمكن أن تُستخدم هذه الأسلحة السعودية..؟
هل ضد كل من يشكل خطرا على المملكة وعلى الأمة الإسلامية فلو نظرنا إلى القاعدة فقد قامت بعدة عمليات ضد القوات الأمريكية وضد الوجود الصليبي في جزيرة العرب الذي أقر واعترف به بوش الابن في المنطقة ، وهذه عمليات تخدم الأمة الإسلامية وتمت محاربتها على أساس أنها إرهابا لكنها في حقيقة الأمر نتيجة طبيعية ضد ما تتعرض له الأمة من قهر مرير . وها هو السلاح الأمريكي السعودي يستخدم ضد الحوثيين ومنهم هم الحوثيون إنهم من صميم العروبة والإسلام وإن اختلفنا معهم في بعض الأمور إلا أنني تمنيت لو استخدمت هذه الأسلحة ضد الاعتداء على العراق هنا سيقول لي البعض إن صدام عدو لدول مجلس التعاون الخليجي لأنه احتل الكويت ، ولكن لماذا فعل ذلك وما الذي أوصله لفعل ذلك وهو الذي كان أقوى الحلفاء لدول المجلس ضد إيران التي أدرك صدام أن وقوعه في الحرب ضدها لم يكن إلا لمصلحة أمريكا وإسرائيل وأنه تورط في معركة خاسرة مهما حقق انتصارات فيها ، فا القوة العراقية الإيرانية كقوة إسلامية كانت كفيلة بتغيير واقع المنطقة وهذا ما كاد يحدث لولا أن سارع الغرب للقضاء على النظام العراقي بعد أن قامت الدول الأداة للغرب في المنطقة بما قامت لاستفزاز صدام ليقع كعادته في فخ جديد وما أسهل وقوع العرب في فخاخ العدو وما لا أعتقد أنه سينجح هو فخ تغذية عداء العرب لإيران لأنه الفخ الأكبر والذي سينهي معظم قوة هذه الأمة ضد العدو الصهيوني (إيران – سوريا – حزب الله – الحوثيون) والبقية تأتي لن تتوقف العجلة مادامت الشعوب العربية والإسلامية تشعر بهوان الواقع الخليجي فجميعنا ندرك أن أمريكا تريد أن تجعل من العدو الصهيوني حليفا للعرب في المنطقة اقتصاديا وعسكريا بخلق عدو كبير خطير ، فهل كانت تغفل الاستخبارات الأمريكية عن استجلاب العقول النووية من الاتحاد السوفيتي المنهار إلى إيران ..؟؟ كانت تدرك ذلك لكنها تعمل لجعل إيران عدو خطير إلى حد ما كما اختلقت ذلك ضد العراق عدو تتجه إليه أنظار الأمة الإسلامية والعربية بحجة تهديد مكة وهذا كله يقلل من حجم خطورة العدو الصهيوني فلولا الموقف السوري والتهديد الذي يحدثه حزب الله ضد الصهاينة لكانت هناك قواعد إسرائيلية علنية في جزيرة العرب وإن كانت القواعد الأمريكية هي ذاتها قواعد إسرائيلية لكنها غير معلنة فلمصلحة من تعمل هذه القواعد إنها لمصلحة الصهاينة أي أنها لحماية الوجود الصهيوني .
لقد وجدت ومن باب الإنصاف في الدور القطري والقوة القطرية ما يفوق القوة الأمريكية وخطورة السلاح النووي الإيراني هذه الرقعة الصغيرة استطاعت أن تستفيد من طبيعة الأحداث وتشابك الأزمات فهي لم ترض عن الموقف السعودي تجاه بعض القضايا ، ولم تأمن الموقف الإيراني فأقامت قاعدة أمريكية كبيرة ولم تجعل من سياساتها ومن حاجتها للدور العسكري الأمريكي ما يضر بالعرب والمسلمين مثلما فعلت بعض دول الخليج الكبرى وتفعل ، فلعبت قطر دورا تمنيناه لو كان دورا سعوديا فما تحدثه قناة الجزيرة وإن كان بمراعاة المصالح القطرية في كل ما يجري أكبر مما تحدثه أي قمة عربية أو مشروع عمل عربي ، فما نتمناه جميعا دورا خليجيا موحدا يمتد من خلال القمة العربية المقبلة بليبيا إلى مشروع عربي إسلامي كبير، يجب أن يعمل العرب من المسلمين وغيرهم بقلب واحد لأن المسائل الخلافية يمكن حلها وبسهولة جدا فمتى اقتنع الشيعة بما اقتنعوا والسنة كذلك فيجب احترام المسائل الحساسة الخاصة بكل طرف فهذا الاحترام كفيل بأن نصل من خلاله إلى حقيقة منطقية ألا وهي حقيقة المصير المشترك فنحن السنة بدون إيران لاشيء وإيران بدون السنة لاشيء ولعلي هنا لا أخالف نفسي إذا قلت بما قال به القائد معمر القذافي وهو أننا جميعا شيعة تشيعنا لآل البيت ومن منا لا يصلي على رسول الله وعلى آل بيته الكرام ومن منا لا يقول على كرم الله وجهه المسألة تحتاج إلى :
أولا: الإجماع على أن الفتنة هي مخطط غربي لا يجب الوقوع فيه وأنه يخدم المشروع الصهيوني الذي يجب اعتباره العدو الأول للأمة العربية والإسلامية.
ثانيا : إيقاف وكشف كل من يغذي هذه الفتن بين المسلمين سنة والشيعة سواء قنوات فضائية أو صحوات أو مساجد وسواء ممن يدعي خدمة السنة أو ممن يدعي خدمة الشيعة بشكل عام على حساب وحدتهما.
ثالثا:تشكيل لجان لحل المسائل الخلافية للوصول إلى حلول ونقاط اتفاق تتقارب فيما بينها بدلا من الوصول إلى المزيد من نقاط الخلاف التي يفاقمها ويزيدها كل يوم العدو ..
رابعا:دعم وتفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي وتزويدها بنظام يخدم مصلحة الأمة الإسلامية اجتماعيا واقتصاديا وحتى عسكريا.
خامسا: الاعتراف باليهود عموما والعرب خصوصا كأبناء عمومة يحق لهم العيش بدون تعرضهم لأي خطر ومنحهم حقوقهم الدينية والديمقراطية وكذلك العرب المسيحيين وغيرهم من الأقليات الأخرى المحدودة لقطع خيوط الفتنة بين العرب واليهود وغيرهم بما يخطط له المشروع الصهيوني فتفتح بذلك أبواب المشاركة الاقتصادية للعرب اليهود كل حسب دولته العربية بمنح الفرص الاقتصادية له ليرجع إليها ويترك فلسطين للفلسطينيين ليكون في حل من أي مواجهة عربية إسلامية صهيونية مستقيلا لاسترجاع فلسطين المحتلة.
سادسا: وهو الأهم اعتبار أن اللغة العربية هي اللغة الأم في الدول العربية وأن اللهجات أو اللغات الأخرى إن وجدت تكون في مستوى الشعور بأهمية اللغة العربية لغة القرآن فما يراد الوصول إليه هو إضعاف اللغة العربية في الأماكن التي يمكن فيها ذلك للقضاء عليها للحد من الانتشار الإسلامي فبعد انتشار لغات أخرى متعددة في المنطقة العربية كان أهلها قد تحدثوا العربية حبا في الإسلام وحرصا على تماسكه وخوفا مما قد يفرق الأمة الإسلامية سوف لن يكون هناك من يستطيع قراءة القرآن فينبغي أن تحذو الأجيال الجديدة حذو الآباء والأجداد من أهالي تلك المناطق والتمسك باللغة العربية.
أختم وأنا أتمنى من الشعب السعودي والمملكة عموما لعب دور هام في قضايا المنطقة بمراعاة المصالح العربية والإسلامية بعيدا عن أي أهمية لأي مصلحة أخرى فمتى كانت السعودية عند مستوى جرحنا كنا عند مستوى شرف الموت هناك لأجلها ضد أي خطر إيراني أو غيره في حال كان ذلك يشكل خطرا على أمتنا الإسلامية ولكن بواقع الحال اليوم لا يمكن إن يقنعنا أي كان سواء من السعودية آو غيرها أن إيران هي العدو في وقت ننتظر فيه أن نهب لنصرة إيران متى تعرضت لهجوم صهيوني أو غيره فنحن اليوم معها قلبا وقالبا في مشروعها الذي أتمناه غير سلمي فقد انتهى زمن المشاريع السلمية ونحن نتألم بخنجر السلاح النووي الصهيوني داخل مصيرنا يوما بعد يوم ننزف قهرا في واقع حال أمة أراها (كقصيدة جميلة يلقيها أبكم والمنصتون إليه أصماء).
شاعر وكاتب ليبي
****
عن جهاز المخابرات الإسرائيلية - الموساد
د. عادل السيد
مر اغتيال الناشط الفلسطيني المنتمي لحركة حماس، محمود عبد الرؤوف المبحوح، مرور الكرام على الساحة الثقافية والسياسية العربية، وفضل الكثير من المثقفين العرب، على الأقل في مصر، معالجة قضايا داخلية أخرى، قد لا تقل برأيهم أهمية عن هذا الموضوع، والذي تم بواسطة فريق تصفية جسدية إسرائيلي، لم تقم إسرائيل حتى الآن ولن تقوم كعادتها بإعلان مسؤوليتها المباشرة عنه.
والاغتيال محسوب بالطبع على جهاز الموساد، والذي استخدم فيه - وحسب التقارير الواردة من دبي - فريق من 29 فردا، دخلوها بصفة السياحة حاملين لجوازات سفر أوروبية، دون علم أصحابها الأصليين، وهم مهاجرون جدد أتوا مؤخرا إلى إسرائيل من دول أوروبية غربية، لها علاقات وثيقة بدولة الإمارات العربية، مثل إنكلترا وايرلندا وفرنسا وألمانيا، وكان اتصال أفراد فريق الاغتيال ببعضه البعض يتم باستخدام هواتف نمساوية محمولة وغير مسجلة تعمل بنظام البطاقات، مما قد يعني أن العملية قد تم التخطيط لها من عدة أجهزة، منها وزارة الداخلية إدارة الهجرة وإدارة السجون، حيث قدمت الأولى جوازات سفر المهاجرين الجدد وقدمت الثانية معلومات قيمة عن الهدف القتيل (محمود المبحوح)، جرى اصطيادها بواسطة جهاز الاستخبارات الداخلية المعروف باسم (شين بيت) أو (الشاباك)، من مساجين فلسطينيين ينتمون لمنظمة فتح، إما بإرادتهم الشخصية، أو خلسة عبر التنصت على أحاديثهم من قبل عملاء من بينهم للجهاز أو غيرها من الطرق. وقد يعني ذلك أيضا اشتراك وزارة الدفاع مع وزارة الخارجية في العملية، لتقدمان وتسهلان وسيلة المواصلات للفريق القادم من عدد كبير من الدول الغربية والعربية على الأكثر، إمعانا في التعمية. واشتراك وزارة الخارجية الإسرائيلية في العملية أمر قد يكون من المؤكد، لتقديم الهواتف النمساوية بواسطة (قسم الاتصال) الموجود بسفارة إسرائيل بالنمسا، ووزارة البنى التحتية والتي يمكن لها أن تكون قد قدمت الغطاء اللازم بزيارة وزيرها، لانداو، وفي وقت موافق لعملية الاغتيال لدولة الامارات، حيث اشترك بوفد كبير العدد، كعادة الوفود الإسرائيلية في تلبية دعوة الاشتراك في مؤتمرات في دول ليست لها علاقات رسمية مع دولة إسرائيل - وبناء على ضغوط أمريكية.
وقد يكون كل ذلك احتمال وتخمين من احتمالات وتخمينات لا تعد ولا تحصى، لنعود فنطرح سؤالا مهما، عما يعرفه العامة والمتخصصون في الشأن الإسرائيلي، عن جهاز الموساد، والذي قام أفراده، بلا أدنى شك - بتنفيذ اغتيال محمود المبحوح؟
وقد تكون من الغرابة بمكان أن نعرف أن الثورة الايرانية قد ساهمت مساهمة كبيرة في كشف بنية الموساد ومناطق عمله وتمركزه في العالم العربي وخارجه، وهي المعلومات الوحيدة المتوافرة في العالم كله (حتى الآن) عن بنية الموساد ومكوناتها الداخلية والخارجية، عدا عن التخصصات والعدد الاحتمالي للعاملين بها ومناطق عملهم. ويرجع الفضل لهذا الكشف المذهل للطلبة الإيرانيين، الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران مع الثورة الإيرانية عام 1979، قبل أن يجعلوا منها أول سفارة لدولة فلسطين في الجمهورية الإسلامية، وباستيلائهم على السفارة الأمريكية استولوا أيضا على مكاتب جهاز المخابرات الأمريكية CIA الموجودة داخلها، بما فيها من جبال من الوثائق والمستندات، ليكتشفوا بينها ملفا كاملا مكتملا، كان الجهاز الأمريكي قد أعده عن جهاز الموساد الاسرائيلي، والذي كان ينافسه في الفوز بقلب ورضاء الشاه الراحل، ليقوم الطلبة الإيرانيون بعد دراسة الملف بإذاعته في مؤتمر صحافي عام على العالم أجمع، حيث عُدَّ ذلك لهم وبالتأكيد، ثأرا طال انتظاره، بل والعمل وبحرفية بالغة على أن يتم وبخسارة كبيرة على الجانب الإسرائيلي والأمريكي أيضا، حيث أن جهاز الموساد الاسرائيلي كان قد قام ببناء (وليس فقط الاشتراك في تأسيس وإنشاء) جهاز المخابرات الإيراني البشع، السافاك، والذي استخدمه شاه إيران المخلوع، والمدفون بمسجد الرفاعي بالقاهرة، في تكبيل وسحل وقهر الشعب الإيراني كله، حيث لم يقتصر ذلك على المعارضة اليسارية العلمانية والإسلامية الدينية الناشطة وقتها فقط، بل اشتمل على كل إمكانية لقيام شكل ما لمعارضة ما للشاه الأسطوري، حتى ولو كان ذلك ممثلا في شكل حلم في سرير دافئ، فالأجهزة الايرانية والمدعومة من جهاز الموساد الإسرائيلي كانت ترصد حتى أحلام الإيرانيين، كما روى لي أحد نشطاء حزب (توده) وبالتفصيل الساخر، كعادة المعارضين في العالم كله.
وقبل أن أفرد هنا لما أفشاه الإيرانيون عن بنية جهاز الموساد، أود هنا أن أعطي لمحة قصيرة عن تاريخه، فقبل إعلان قيام الدولة رسميا عام 1948، كان للوكالة اليهودية في فلسطين الانتداب، الكثير من الأذرع في عديد من الدول العربية والأوروبية لتسهيل الهجرة اليهودية الغير شرعية إلى فلسطين، وأذرع أخرى أكثر خطورة كانت تجمع المعلومات عن كل عدو أو صديق محتمل، مع تركيزهم وقتها على العمل داخل فلسطين، بفتح ملف معلوماتي تخابري لكل قرية ومدينة عربية فلسطينية، خاصة بعد ثورات الفلسطينيين المتعددة ضد الصهاينة، كان آخرها الهبة الكبرى والتي استمرت من 1936 حتى بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939. ومع إعلان الدولة قام دافيد بن غوريون، أول رئيس للوزارة في إسرائيل، بضم كل المجموعات العاملة في داخل وخارج فلسطين في جهاز واحد أطلق عليه 'مؤسسة التنسيق' (بالعبرية: موساد لتاوم)، ليشتهر الجهاز منذ ذلك الوقت تحت اسم (الموساد) أو 'المؤسسة'، والذي تغير رسميا عام 1993 ليحمل اسم 'مؤسسة المخابرات والعمليات الخاصة' (بالعبرية: موساد لموداعين أُو لتاكفيديم مييوهادين)، ليستمر معها الاحتفاظ بالاسم الأكثر شهرة، 'الموساد'.
ومنذ ذلك الوقت يخضع رئيس الجهاز (لا الجهاز نفسه) رسميا لشخص رئيس الوزراء مباشرة، لا لمكتبه، وفي أحيانا كثيرة، كما تفشي الأدبيات، لا يعلم حتى هو بأخبار بعض العمليات السرية التي يقوم بها أفراد الجهاز، إلا بعد إتمامها.
ومن المعروف عن الجهاز أيضا عدم أحقية مُساءلته أمام أي جهة تشريعية أو قضائية أو تنفيذية، أيا كانت، ليصبح بذلك سلطة رابعة في 'واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط'، يضاف لذلك أن حتى ميزانية الجهاز السنوية (والتي تقدر بمبلغ قد يتراوح بين 400 إلى 650 مليون دولار) تخضع للسرية الصارمة ولا يتضمنها أي تقرير حكومي رسمي أو صحافي، مما يدع البعض بالتساؤل حول توافق ذلك مع 'ديمقراطية الدولة'، أو مع 'دولة المؤسسات'.
وعلاوة على ذلك يحظر النشر عن الجهاز، وبأي صورة من الصور، اللهم إلا في نشر ما يسمح به كجزء من عمليات تضليل مقصودة أو دعاية أو رسالة ضمنية أو حرب نفسية، كما يجري العمل منذ عدد من السنوات وبإنتظام بالغ الدقة ضد كلا من سورية وإيران وفي أحيان متواترة ضد كل من مصر والسعودية. وكان اسم رئيس الجهاز حتى عام 1966 سريا لا يعرفه أحد حتى الوزراء، علاوة على العامة والخاصة في الداخل أو الخارج، تم بعدها التصريح بنشر اسمه، ومنذ أيلول (سبتمبر) عام 2006 يقوم (مائير داجان) بقيادة الجهاز، كواحد من أبنائه المصعدين من داخل صفوف وبنى الجهاز نفسه.
أما عن تركيبة موظفي الجهاز فقد كتب العميل السابق، فيكتور أوستروفسكي، بابا كاملا عنه في كتابه المنشور له منذ عشر سنوات في كندا حيث يقيم، وركز فيه على كيفية تجنيدهم والتي وصفها بالقسوة والصعوبة البالغة، ويذكر أيضا أن الموساد بعد أن كان هو الذي يختار عملاءه بنفسه من الداخل والخارج، أصبح يفتح الباب منذ سنوات قليلة لمن يريد التقدم للعمل في صفوفه، فمع التقدم التقني أصبح للجهاز الآن صفحة على الشبكة العنكبوتية، تستقبلك بمقولة: 'حين لا تكون هناك خطة يسقط الشعب، ومع تعدد المتشاورين يقوم الأمان'. وتعرض صفحة الجهاز الإلكترونية الشروط والمعلومات الضرورية عن كيفية الالتحاق بصفوفه، بالإضافة إلى معلومات عامة عنه، تروج لبطولات له ولمعجزات حققها منذ إنشائه. وتذكر جريدة (ها آرتس)، الصادرة بالإنكليزية بتاريخ 22 حزيران (يونيو) عام 2001، خبرا صغيرا عن أن الجهاز أطلق حملة 'جديدة' عبر الصحف في إسرائيل لتوظيف 'ضباط مراقبة عملاء'، أي 'لقسم الجمع'، وهو أكبر أقسام الجهاز على الإطلاق، وجاء في الإعلان أيضا والذي ذكرت (ها آرتس) أنه قد نشر من عدد من الصحف اليومية، 'أن ضباط المراقبة هؤلاء سيكونون كمخرجين وواضعين للسيناريوهات وممثلين أيضا'، أي مستقلين في عملهم تماما- أي على طريقة (جيمس بوند). كما أنه من المعلوم أيضا، أن جهاز (الموساد) الإسرائيلي كان قد أعلن على صفحته الرسمية في أبريل عام 2001 عن حاجته لمهندسي كهرباء وكومبيوتر (لقسم التكنولوجيا التابع له)، فمع بداية الألفية الثالثة أصبح لدى الجهاز الأقسام التي تحتاج لأفراد أكثر مما كان عليه الحال من قبل.
أما ما قد نشره الطلبة الإيرانيون عن بنية الجهاز نقلا عن الوثائق المخابراتية الأمريكية المضبوطة، فتتضمن الشروحات الوافية عن كل الأقسام الممثلة فيه، أذكر هنا منها ما قد يفيد في حالة 'محمود المبحوح'، وهو 'قسم الجمع'، الذي سبق التعرض له، والذي يقود عمليات التجسس من مراكزه الموزعة على كافة مناطق العالم بواسطة مكاتب سرية خاصة به، أو بواسطة أفراد منه يعملون ضمن الجهاز الدبلوماسي الرسمي للدولة والممثل - بفضل اتفاقات أوسلو عام 1993 - في عدد كبير من الدول الإسلامية والعربية كذلك، عدا عن تمثيله في عدد كبير من بلاد العالم، ويعمل الدبلوماسيون في هذه الحالة على طريقة 'عملين بمكافأتين لموظف واحد'. ويلي 'قسم الجمع' في الأهمية 'قسم العمليات السياسية والتعاون الدولي'، وهو القسم الذي يقوم بعمليات سياسية بالتعاون مع أجهزة مخابرات 'صديقة'، وحتى مع تلك التي ليس لها علاقات دبلوماســــية رسمية مع إسرائيل، وقد يعمل أفراد القسمين في فريق واحد، ليقوم الاثنان بالتنسيق للمناطق الجغرافية المختلفة معا، كما في حالة مكتب الجهاز في باريس، وهو أكبر مكاتب الجهاز على الإطلاق، وهناك من يقول بأن مكتب 'مدينة سالزبورغ النمساوية' يفوقه ضخامة، نظرا لموقعه الجغرافي الاستراتيجي الهام، ولاقتصادية الحياة في هذه المدينة النمساوية مقارنة بباريس ولندن، وهو موقع يتيح على ذلك ميزة هامة وهي حرية الحركة بين دول أوروبا جميعها والعالم وبسهولة تامة.
أما 'قسم العمليات الخاصة' (بالعبرية: ماتسادا) فيقوم بتنفيذ عمليات اغتيالات وتخريب وعمليات عسكرية محدودة بالإضافة إلى تكليفه ببث برامج حرب نفسية، مثلما حدث في حرب لبنان الأخيرة عام 2006 والعدوان على غزة عام 2009. ولبرنامج الحرب النفسية أيضا قسم خاص يقوم بحد ذاته ويحمل نفس الاسم، (بالعبرية: لوخاميت بسيخولوجيت)، حــــيث يتولى تنفيذ برامج للحرب النفسية من عمليات دعائية وتضليلية حتى داخل دول على علاقة وثيقة واستراتيجية مع إسرائيل، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. أما 'قسم الأبحاث' فهو القسم المتخصص، طبقا لوثائق طهران، بتقديم تقارير مخابراتية يومية، تكون بالتعاون مع قسمي 'الجمع' و'العمليات السياسية والتعاون الدولي'، أو بدونهما. ويقدم القسم موجزا أسبـــوعيا عن عمله، علاوة على تقرير شهري عن الحالة العامة للجهاز أو لعملــــيات خاصـــة، منها ما يقدم لرؤساء المكاتب، ومنها ما يقدم لرئيس الجهاز ليعرضه 'شفويا' (وعلى انفراد) على رئيـــــس الوزراء في اللقاء الأسبوعي أو ما يتفق عليه من مواعيد. و'قسم الأبحاث' هذا مقسم إلى 15 قسما يعمل كل منها متخصصا بمنطقة جغرافية بعينها، تتضمن دولة أو مجموعة من الدول قد تتسع لتشمل قارة مثل أفريقيا.
أما عن مصــــر فلم تكن مدرجــــة بين أي من الأقسام الجغرافية الخمسة عشر في وثائق طهران، وقد يكون قد أعد لــــها ملفا خاصا بها، لم تصل إليه يد الطلبة الإيرانيين، أو قد أعدم كحالة ملايين الوثائق التي أعدمت قبل احتلال الطلبة للسفارة، ولكني أجزم بأن مصر العربية محل اهتمام بالغ لكل الأجــــهزة المخابراتية الإسرائيلية. أما المناطق الجغرافية التي اشتملت عليهــــا وثائق طهران تحديدا فهي وعلى التـــوالي، الولايات المتحـــدة الأمريكية، وكندا، وأمريكا اللاتينية، وغرب أوروبا، وروسيا (الاتحاد السوفييتي السابق طبقا للوثائق)، والصين، وأفريقيا كوحدة واحدة لاتشمل الشمال العربي الأفريقي، ودول المغرب العربي كوحدة واحدة، وليبيا، والعراق، والأردن، وسورية، والسعودية، وإيران، والإمارات العربية المتحدة كوحدة مستقلة أيضا.
ويضاف إلى المكاتب الجغرافية المتخصصة بالمناطق المذكورة سالفا، مكتب 'لقسم الأبحاث' يختص بحاله ويحمل اسم 'ذرة'. ويعمل هذا المكتب برصد أي معلومات أو موضوعات مثارة محليا أو عالميا لأي 'أسلحة خاصة، ذرية كانت أو كيماوية أو بيولوجية' في كل المناطق الجغرافية السابقة، وقد يكون لهذا المكتب دورا في رصد واغتيال عالم الذرة المصري الدكتور يحيى المشد في باريس في حزيران( يونيو) من عام 1980، وتدمير المفاعل الذري العراقي عام 1981، وقصف ما قيل أنه مفاعل نووي سوري في أيلول( سبتمبر) من عام 2008، وقد تكون آخر 'بطولاته' الظلامية اغتيال عالم الذرة الإيراني، الدكتور مهدي بزركان، في 13كانون الثاني (يناير) 2010 في طهران.
وأخيرا يعمل 'القسم التكنولوجي' للجهاز، وهو قسم مستقل لحاله، على تطوير تقنية متقدمة لمساعدة كافة أقسام الجهاز- من تخطيط وأفراد ولوجيستك وتدريب وبحوث إلى آخره، للقيام بعملياته بنجاح، وهو دائما ما يكون في حاجة لتوظيف المزيد من الأفراد، بنشر إعلانات لهذا الغرض على صفحة الجهاز الرسمية بالشبكة العنكبوتية، أو في الصحف الإسرائيلية اليومية بكافة اللغات المستخدمة فيها، وهي كثيرة. وقد يكون 'القسم التكنولوجي' قد استخدم طريقة ليست بالجديدة في مقتل (محمود المبحوح) في دبي، قد نكون أيضا قد تعرفنا عليها في أفلام التجسس التقليدية في ستينات القرن الماضي، منها مثلا تحويل جهاز الحلاقة الكهربائي أو فرشاة تنظيف الأسنان الكهربائية الى مدفع كهربائي دقيق وقوي، يمكن تمريره وبسهولة بالغة أيضا على كل أجهزة الرصد الإلكترونية في المطارات والفنادق الكبرى، خاصة مع كونه في حوزة أوروبيين غربيين، مثلما أثبتت أجهزة الرصد في دولة الإمارات العربية، لنعود مرة أخرى لنقر بأن التكنولوجيا لا تقابل إلا بمثيلتها، فالرصد الذي قامت به أجهزة الشرطة في دولة الإمارات الناهضة هو حاجة الساعة، لا الإدعاء ونظرية المؤامرة الكبرى، والتي طالما تمسكنا بها عبر عقود من الصراع مع التكنولجيا الغربية.
وأخيرا ومع نقطة نظام لهذا الملف الشائك، فالدروس المستفادة من ملف اغتيال (محمود عبد الرؤوف المبحوح) تتمثل في إلقاء الضوء على جهاز يعمل ليل نهار على ما يدعيه بحماية وسلامة أمن دولة إسرائيل من بحر عربي عدائي التوجه لها ولمواطنيها، فهل سمعتم يوما، سادتي، عمن يريد إلقاء اليهود في البحر؟، أو عمن يريد تدمير دولة إسرائيل عن بكرة أبيها؟ فالخيال المريض للكثير من الساسة الإسرائيليين الحاليين هو الذي يهدد أمن دولتهم، ويصنع أبطالا لم يكن العالم العربي ليعرفهم قبل أن يقرر النظام اغتيالهم ليخلق قاعدة صلبة من المقاومة له، وليظهر له، كما يريد هو، من يغني بكراهيته وليرقص البعض على موائد هذه الكراهية، مما يقذف بالشرق الأوسط بأجمعه في هوة قد تكون فيها نهاية الجميع.
وبعد أيضا فالجهاز الذي عرضت له ليس خرافيا كما يدعون، فواقعة (لافون) الفاشلة في خمسينات القرن الماضي في مصر، وحادثة ليليهامر في النرويج عام 1973، ومحاولة اغتيال (خالد مشعل) الفاشلة بحقنة السم في أذنه في أحد شوارع عمان عام 1997، وحادثة برن الفاشلة أيضا عام 1998 ومحاولة ستة من أعضاء الجهاز زرع جهاز تنصت على خط لهاتف مواطن لبناني يعيش في سويسرا، والمحاولات الفاشلة في قبرص بزرع أجهزة للتنصت في عام 1991 على السفارة الإيرانية في نيقوسيا وفي عام 1998 في محاولة التنصت على قواتها المسلحة لصالح تركيا، كل هذا ليدل على أن (الموساد) قابل للهزيمة، والأمل الأخير هو الوعي، والوعي فقط، ثم بالثقة، والثقة بتوقيف الأصابع الضالعة بامتهان حقوق الإنسان وسلام العالم يوما ما، نعم يوما ما، أمام قضاء الضمير العالمي، فلنقل آمين.
' أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة ونسدرو ـ النمسا
****
الشعوب التي تفضل العيش بين الحفر
مولاي التهامي بهطاط
رغم أن "الهم" العربي أكبر من أن يلم مهما سال من مداد، ومهما صام الإنسان عن الكتابة وتصنع اللامبالاة إلا وسيجد نفسه مضطرا إلى الانفجار على الورق أحيانا بعد أن يتضح له أن الهاوية أصبحت بلا قعر، وأن كل النظريات التاريخية والسوسيولوجية التي تتحدث عن أن السقوط يتبعه قيام في تسلسل سرمدي حكم مختلف أشكال التجمعات البشرية منذ الأزل، أصبحت بلا معنى في واقعنا العربي.
لا أدري لماذا ننظر إلى أنفسنا –كما أصبح ينظر إلينا غيرنا أيضاً- على أننا بشر من نوعية خاصة جداً، وأننا حالة مستثناة من كل نواميس الكون التي لا تجري علينا كما تجري على غيرنا من بني آدم، وأن الشيء الوحيد الذي نتقنه هو معاكسة حركة التاريخ وربما حتى قوانين الطبيعة.
وحتى لا نحمل الأجيال الحالية وحدها مسؤولية ما نراه اليوم، فالأمر له جذور وامتدادات بل له علاقة ربما بالتركيبة الجينية لجنس "العرب" الذين اقتتلوا في السابق عقودا طويلا في ما بينهم بسبب ناقة أو سباق خيل..رغم أن دمهم واحد..بل حتى عندما احتكوا بالحضارات الإنسانية في مراحل تاريخية معينة، رأينا كيف أن بعض حكامهم كان مستعدا للتنازل عن نصف مملكته مقابل بيت من الشعر..مديح معجون بالتملق والنفاق والمبالغة..
لقد كان هذا المدخل ضروريا لفهم ما جرى خلال نهاية شهر فبراير المنصرم من "إضافات" للصفحة السوداء أصلا للعرب الذين أصبحوا يعيشون على هامش العالم، تماما كما كان يفعل أجدادهم الذين فضلوا فيافي الصحراء على الاستقرار في الحواضر..
حدثان سجلهما التاريخ في الفترة المشار إليها، يستحقان أن نتوقف عندهما لأنهما مؤشران إضافيان على مستوى الانحدار الذي وصلته "خير أمة أخرجت للناس"، ونتمنى أن يكون كلامنا خفيفا على سفارتي ليبيا ومصر..لأن مما ورثه عرب هذا الزمان عن أسلافهم..
"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم"..
وحبذا لو كان دم شقيق أو صديق..ولو بسبب ناقة جرباء..أو مباراة كرة قدم..أو مقال صحفي..
الحدث الأول يتعلق بإعلان الأخ العقيد حاكم ليبيا "الجهاد" ضد سويسرا ظاهرا لأنها منعت بناء المآذن، وباطنا لأنها منعت آله وصحبه من دخول أراضيها..
لن أتوقف طويلا عند هذا الموضوع، خاصة بعد مبادرة مصادر ليبية للتصحيح والتوضيح بأن "كلام العقيد أسيء فهمه"..ولا ندري هل حدث ذلك من طرف "الوثنيين" الأفارقة الذين يدخلون على يديه في دين الله أفواجاً، أم من طرف وسائل الإعلام التي نقلت خطبته العصماء، أم من طرف الحكومات الغربية، أم طرف خبراء القانون الذين اعتبروا "دعوة الجهاد" تلك بمثابة إعلان حرب رسمي، يبرر إرسال "الطائرات السويسرية لإعادة قصف الخراب الذي خلفته طائرات رونالد ريغن في ثمانينيات القرن الماضي"..
أنه منطق "عليهم..عليهم" الذي نقرأه في كل مفصل من مفاصل التاريخ العربي المعروف من زمن شعار "اليوم خمر وغد أمر" إلى "موقعة أم درمان" التي أشعل نارها صحفيو الفضائيات الخاصة والصحف القومية.. شعراء قبائل هذا الزمان..
الحدث الثاني، وهو الأهم والأخطر في نظري، يتعلق بمسلسل البرادعي في مصر..
لو حدث في أي مكان من العالم أن قرر مهاجر سبق له أن شغل منصبا دوليا رفيعا وخرج منه مرفوع الرأس بل ومحملا بجائزة نوبل، أن يمارس حقوقه السياسية في بلده الأصلي كأي مواطن، هل كنا لنتخيل وقوع ما وقع في "مصر المحروسة" لابنها البرادعي؟
الأمر لم يعد يثير الدهشة ولا حتى ضحكا كالبكاء، لأننا أمام حالة مستعصية، خاصة حين نسمع عن بلاغات ضد الرجل الذي يبدو أنه هدد بتصريحاته مخططات مهندسي المرحلة الذين رتبوا أمورهم على إحياء الملكية عبر توارث العرش مجددا، لتتحول ثورة يوليو -التي كانت مجيدة- إلى مجرد جملة اعتراضية في تاريخ "أم الدنيا"..
لا أدري هل ينظر المصريون إلى أنفسهم كما نراهم نحن وغيرنا من الخارج، أم أنهم متقوقعون على أنفسهم، يؤمنون بأن الشمس تشرق من شرم الشيخ وتغرب في مرسى مطروح..وتطل عليهم وحدهم دون غيرهم؟
وهذه ليست شماتة بل شفقة على الدولة التي منها أشعت الأنوار في عهد التنوير..
فالهجمة التي تعرض لها الدكتور البرادعي فقط لأنه قرر ممارسة حق من حقوقه السياسية الطبيعية تكشف واحدا من أسباب انحدار مكانة مصر من قوة إقليمية إلى مجرد دركي يحمي حدود أعداء الأمس.. وشاهد "ما شافش حاجة" من معاناة جيرانه المحاصرين..على رأي "الزعيم" عادل إمام..
الخوف من البرادعي ربما لأنه لا يمكن اتهامه بالانتماء لجماعة "الإخوان" ولا بتزوير توقيعات كما حدث مع أيمن نور الذي تجرأ واحتل الرتبة الثانية في انتخابات مزورة أصلا..وربما لأن العالم لن يصدق هذه المرة أن النزاهة قد تقود إلى فوز أعداء إسرائيل وأمريكا.. بالضرورة..رغم أن مسار الرجل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أثبت انه يتمتع بنوع من الاستقلالية وقوة الشخصية..
ومع ذلك فكل شيء ممكن، فقد رأينا كيف بادر البعض إلى تقديم بلاغات يتهم فيها الرجل بتهديد الاستقرار في مصر، كما شاهدنا قيادات في الحزب الوطني تهدده علانية بـ"الاعتقال"..وذلك رغم أنه وضع شروطا تعجيزية لقبول ترشيح نفسه لرئاسة مصر..
المستوى الذي نزل إليه الإعلام الحكومي في هذه القضية يدعو إلى الشفقة أيضا، لأننا أمام تحول غريب تمت فيه شخصنة مصر بماضيها وحاضرها في قالب معين..والأغرب من ذلك أن حتى بعض "النخب" التي تصنف نفسها ضمن المعارضة تبرمت من الرجل، بل هناك من اتهمه بعدم التوفر على "كاريزما الزعيم"، وهناك من لاحظ أن بعده الطويل عن مصر يجعل من الصعب عليه تدبير شؤون البلد..والحال أنه ربما هدد "مصدر رزق" معارضة مدجنة لا تهش ولا تنش وتقنع بما يرمى إليها من فضلات الحزب الحاكم..
وأتوقف عند لأن الاستمرار لا يفيد إذ كان الشعب راضيا بالتدافع و"الاستشهاد" في طوابير الخبز وقنينات الغاز، ومتشبثاً بالواقع كما هو رغم سوداويته..
ما أنا على يقين منه هو أنه في النهاية "كيفما تكونوا يول عليكم" والذين يشفقون على مصر وليبيا وغيرهما من الدول "الشقيقة" ينبغي عليهم استحضار قصيدة الشاعر أبو القاسم الشابي حول إرادة الحياة..
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
....
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش ابد الدهر بين الحفر
...
والشعوب في هذه المنطقة الجغرافية تفضل العيش بين الحفر..فهي تقف تحت الشمس الحارقة ساعات في انتظار مرور المواكب..وتبكي بحرقة وصدق عندما يتدخل عزرائيل لترتيب الأوراق..بل تلتمس كل الأعذار الممكنة لحكامها حتى عندما يجلدونها..
عقود مرت، وقد تمر قرون ولا جديد تحت الشمس في المنطقة.. شمس غسان كنفاني وبطله "أبي الخيزران" الذي سلمت له أجيال كاملة مهمة نقلها نحو الجنة الموعودة فقادها إلى حتفها..ومع ذلك لم تقرع الخزان..
* كاتب من المغرب
Touhami69@hotmail.com
****
المروق الصهيوني إلى متى؟
ابراهيم العبسي
ثمة حقيقة ساطعة وجلية لم يعد ثمة من يعرفها في هذا العالم، ولا مجال لانكارها او المراوغة فيها.
وهي ان الدولة الصهيونية الحاكمة في تل ابيب والمتخفية في زي دولة"ديمقراطية"، هي الدولة الوحيدة على وجه الارض القائمة على العدوان والتوسع والقتل والارهاب والاغتيال. فالحروب التي فجرتها في المنطقة العربية لم يكن لها هدف الا العدوان والتوسع، كما حدث في في فلسطين عام 1948، يوم كانت مجرد عصابات مجرمة تجمعت في فلسطين وتوزعت على المدن والقرى الفلسطينية فارتكبت فيها اكثر من اربعمائة مذبحة بحق الفلسطينيين وشردت وهجرت مئات الالاف منهم تحت طائلة القتل، تبع ذلك قيامها بالدور الرئيسي حينما اشتركت مع كل من بريطانيا وفرنسا فيما سمي بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم حربها التوسعية عام 1967على كل من مصر وسوريا والاردن والذي اسفر عن احتلال كل فلسطين التي لم تزل ترزح تحت نير استعمارهم الاستيطاني، اضافة الى احتلالها لهضبة الجولان السورية وسيناء المصرية، ثم ضمها للقدس تحت سمع العالم وبصره وكذلك ضم الجولان السورية، تبع ذلك عمليات استيطان واسعة في كل من الضفة والجولان وغزة التي اندحرت عنها مؤخرا تحت ضغط المقاومة.
ولا ننسى عمليات الاجتياح والتوغل في الضفة التي لم تكن تتطلع من ورائها الا الى تصفية الناشطين الفلسطينين مثلما فعلت في مخيم جنين الذي دمرته وقتلت اعدادا لا تحصى من ساكنيه كما نستذكر في هذا المجال حروبها العدوانية على لبنان عام 1978 وعام 1982 وعدوانها على الجنوب اللبناني عام 2006الذي عادت منه مدحورة مهزومة، وما فعلته في اجتياحها لغزة وتدمير بنيتها التحتية بالكامل وحصارها لاهالي القطاع المليون ونصف مواطن غزي وتجويعهم وتعريضهم لشتى الوان العذاب و الامراض والاوبئة .
وبالتزامن مع هذه السلسلة الجهنمية من الحروب العدوانية لم تتوقف هذه الدولة المارقة عن ممارسة عمليات القتل والاغتيال حيث تصل ذراعها، فثمة قائمة طويلة من المناضلين والمفكرين والسياسيين الذين اغتالتهم اسرائيل دونما رادع او او حساب، منهم غسان كنفاني وكال ناصر وكمال عدوان في بيروت، وابوعلي حسن سلامه في قبرص وابوجهاد في تونس والشيخ احمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي في غزة وابو علي مصطفى في رام الله كما حاولت اغتيال خالد مشعل في عمان، والعشرات غيرهم ممن تحفظهم الذاكرة الفلسطينية جيدا، وها هي تغتال القيادي الحمساوي محمود المبحوح في دبي مستخدمة جوازات سفر اوروبية، ومورطة اوروبا في جرائمها وهي التي تقتات على الهبات والمساعدات الغربية الاوروبية .
وها هي تضم الحرم الابراهيمي الشريف ومسجد بلال الذي اسموه قبة راحيل الى تراثها الملعون زورا وظلما وبهتانا وتحت انظار العرب والعالم المتوحش لا المتحضر، اضافة الى شروعها في بناء 600 وحدة سكنية في القدس الشرقية صافعة كل الوجوه التي طالبتها بوقفالاستيطان وتجميده.
وبذلك تثبت اسرائيل للمرة المليون انها سيدة الاغتيال والموت في العالم الديمقراطي ذي المعايير المزدوجة وسيدة المروق على الاعراف والقوانين الدولية، ولم تزل تمارس هذا الدور تحت سمع وبصر العالم وبدعم من حلفائها الاميركيين والاوروبيين الذين ملأوا الارض ضجيجا عن خطورة الارهاب فيما هم يؤازرون بالمال والسلاح والمواقف السياسيةاكبر بؤرة ارهابية في العالم ( اسرائيل).
ترى الى متى تظل هيئة الامم المتحدة صامتة على جرائم هذه الدولة المارقة التي تجاوزت فيها كل الاعراف والقوانين والشرائع الدولية، والتي لا تكن ذرة احترام لهذه الهيئة الدولية بل تسخر منها،اذ رفضت حتى هذه اللحظة تنفيذ اكثر من ثمانين قرارا صدرت بحق هذه الدولة.
نعرف ان الولايات المتحدة هي التي تكبل يد الامم المتحدة وتطلق يد اسرائيل في حروبها العدوانية التوسعية وعمليات الاغتيال التي تمارسها، ولكن ذلك لا يمنع من طرد هذه الدولة عن طريق الجمعية العامة للامم المتحدة، او على الاقل انزال العقوبات الصارمة بحقها نتيجة عدم تنفيذها للقرارات الدولية وخروجها الدائم على الشرعية الدولية. ولا يمنع من ادانة اميركا نفسها التي تقف بكل امكانياتها وراء هذا المروق.
Ibrahim.absi@yahoo.com
كاتب من فلسطين
****
سوداء اليمامة وامبراطوريات الشر
جمال محمد تقي
3/6/2010
ريغان كان اول من اطلق عبارة امبراطورية الشر على الدولة السوفياتية التي تشكل القطب الموجب في عملية صراع الاقطاب وقتها ، وذلك اثناء انهماكه مع شريكته تاتشر في تصعيد المواجهة التي بلغت حينها مبلغ النجوم لتسمى لاحقا بحرب النجوم وكأن الارض لا تكفي ميدانا لها فاختارت السماء شاهدا يقربها اكثر من العرش الابدي ، مستحضرا لامبراطوريته الامريكية كل مبررات الخير التي يبشر بها الرب في وصاياه ، حتى تصور العالم وقتها انه لو لم تكن هذه الامبراطورية الشريرة كما يزعم لعمه الخير كله .
داخ الليبراليون المستنسخون مسلمون او مسيحيون في تبرير او فهم سر الحبل السري الذي يربط المملكة التي تمنع النساء من قيادة السيارات فيها ، وتمنع بناء الكنائس على ارضها بإمبراطورية الخير حسب وصف ريغان ، وعندما تتبعوا الاثار التي ارجعتهم الى حيث حلف عبد العزيز وروزفلت ولقاءهم التاريخي الذي وضع النقاط على الحروف ـ حلف النفط والبقاء ـ وجدوا ان المملكة كانت شريكا قوي في جعل ثغرة افغانستان دمارا شاملا للجدار الحديدي الذي كانت تتحصن به امبراطورية الشر اياها بزعمه ، "الاسلام" كان حليفا قويا للامبراطورية صاحبة تمثال الحرية وقبلة الليبراليين المتهافتين على نموذجها الغير قابل للتكرار ، الاسلام وقتها كان يشبه اسلام اوباما حاليا .
مر ما مر من الزمن وماتت امبراطورية الشر المزعومة وشبعت موتا ، ولم يعم العالم الخير كما وعدنا ريغان ،بل اصبح الشر كالفيضان الهائج يغمر كل شيء وبكل الاتجاهات حتى وصلت اثاره الى السماء السابعة .
ربما بقايا من بقايا امبراطورية الشر المزعومة ما زالت تعرقل مسيرة الخير الامريكية الموعودة ،، نعم نعم هي الدول المارقة كوريا الشمالية وايران وسوريا وفنزولا ومن يدري ربما هناك امبراطورية شريرة اخرى في طور التشكل ويبدو انها الصين وليس غيرها محورا للشر البديل .
الليبراليون المسلمون والمسيحيون في شرقنا الكبير يتحيرون من سيشاركونه الرأي من قياصرة امبراطورية الخير بوش او اوباما ؟
لقد كانوا زمن بوش ولمدة ثمان سنوات يعتبرون الاسلام اساس البلاء ـ الارهاب والتخلف والتشوه والعقد النفسية ومرض نقص المناعة وكل اشكال الانفلونزا ـ وبدون تطهير النفوس منه سيبقى الشر مستديما ، انه دين يحرض على الارهاب : "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدوكم وعدو الله" والان خطاب اوباما يشدد على ان العلة في المتشددين من المسلمين وليس في الاسلام نفسه كديم خير ومحبة وتسامح .
امريكا يمكنها ان تسامح القذافي وبن لادن والظواهري والملا عمر والقراصنة الصوماليون اذا سمعوا الكلام وتعاونوا ووضعوا اياديهم بايادي من هم على شاكلة جماعة حامد كرزاي وشيخ احمد شريف واسرائيل واذا اطاعوا السائد ولم يتمردوا عليه ، حتى البشير ونجاد وحسن نصر الله وشافيز وهنية وراؤول كاسترو ، امريكا قلبها كبير يستوعب الجميع ما دام الجميع سيكون في خدمتها وبالتالي في خدمة بقائهم دون ملاحقات .
زرقاء اليمامة كانت تمد البصر على المدى وكان المتربصون باهلها يخشون راداراتها ، فراحوا يتحايلون لخداعها ، ورغم ذلك فانها كانت تحذرالاهل من ان الاعداء قادمون لامحالة لكنهم تواكلوا على خشية الاعداء من فعالية راداراتها فناموا واخذوا على حين غرة .
سوداء اليمامة اليوم لا تبصر ابعد من بطنها وما ملكت ايمانها ، ففي صفقة واحدة من صفقاتها الفاسدة خسرت اهلها ما يقارب ال 60 مليار دولار ، ولان السماسرة حلوا فمها بملياري دولار فانها قبلت بما لا يقبله الشرفاء من اهل الدار ، صفقة اليمامة التي بموجبها تم بيع المملكة العربية السعودية طائرات حربية حديثة تعتبر واحدة من اكبر الصفقات العسكرية التي شملت على واحدة من اكبر فضائح العمولات في التاريخ كله ، فلم يحدث في اي صفقة تجارية او حربية ما وعلى مر الدهور والعصور ان تكون عمولتها بهذه القيمة الضخمة 2 مليار دولار ، وهذا يدل على ان الصفقة نفسها مغشوشة اي لا تستحق اصلا ما دفع بها من مبلغ وقدره 60 مليار دولار ، فقد اكتشف لاحقا بان الطائرات المشتراة ليست بالكفاءة المعلنة عنها وان اجهزة الحاسبات التي تعتمدها هي جيل يعتبر متخلف بالقياس لاجيال متقدمة واسعارها بنفس اسعار الصفقة اياها لكنها لا تباع لمن يشاء الا بحسابات موازين الابقاء على تفوق سلاح الجو الاسرائيلي على سماء المنطقة كلها ، نستعيد اليوم اخبار الصفقة هذه بعد ان ظهر مؤخرا قرار نهائي من المحاكم الامريكية يغرم الشركة البريطانية التي باعت الطائرات في صفقة اليمامة لسببين اولهما ان الشركة اياها لم تاخذ موافقات بعض الشركات الامريكية المصنعة لاجزاء من مكونات تلك الطائرة وثانيا لان مبلغ العمولة ـ الرشوة ـ والذي يبلغ 2 مليار دولار كان قد حول لحساب امير اليمامة في البنوك الامريكية بطريقة غير شفافة او غير قانونية .
يعني خسرت المملكة 58 مليار دولار مقابل خردة ، ثم إن مبلغ الرشوة نفسه الذي فرح به الأمير غير المبصر قد دخل أيضا مصارفهم التي لا تصرفه إلا بصفقة فاسدة أخرى من الباطن وهذا ما يؤكد اليوم بان السواد يغطي بصيرة يمامة المملكة كما عيونها .
كاتب عراقي
****
مبارك السادس
عبد الحليم قنديل
3/8/2010
كانت النبوءة ساخرة مريرة، لكن المدهش أنها تتحقق الآن بالحرف، بعد عشر سنوات، وعلى مسافة أربعة آلاف يوم من حافة النطق الأول.
كنت وقتها مديرا لتحرير جريدة 'العربي' القاهرية زمن رئاسة تحرير الراحل عبد الله إمام، كنا في أواخر 1999، وكان مبارك يسعى لاختطاف رئاسته الرابعة، ولم تكن المعارضة لمبارك كما هي عليه الآن، وإن بدت علامات الزهق ظاهرة من بقائه الطويل المزمن في كرسي الرئاسة، وقتها أعددت ندوة 'مائدة مستديرة' نشرت في جريدة 'العربي'، كان العنوان : الرئاسة. . تجديد أم تأبيد ؟، والمشاركون ـ غيري ـ أربعـــة كبار من تيارات مصـــر الإسلامية والناصرية واليسارية والليبرالية، ضياء الدين داود ممثلا للناصريين، وطـــارق البشري ممــــثلا للإسلاميـــين، والراحل عبد العظيم أنيس ممثلا لليساريين، ثم الراحل سعـــيد النجار ممثلا لليبراليين، والأخير كان صاحب النبوءة المفزعة، كان الرجــل من أساتذة الاقتصاد الليبراليين الكبار، وكانت كلماته رائقة واثقة متمهلة كأنه يتلقى وحيا سماويا، وألقى بقنبلته كأنه يخوفنا من عذاب النار، قال النجار : أنه لاحظ شيئا طريفا يلفت نظره كرجل اقتصاد، فكل خطط الدولة الاقتصادية تنتهي في عام 2017، وهو شيء بالغ الغرابة، فالخطط تعد وتوضع في العادة، وبحيث تنتهي إلى رقم مقفول، خمسي أو عشري، كأن توضع إلى عام 2010 مثلا، أو إلى عام 2020، أو حتى إلى عام 2015، لكن توقيت الخطط بحيث تنتهي في عام 2017 يلفت النــــظر، ويـــبدو غريبا من زاوية الاقتصاد، وإن بدا لافتا من زاوية السياسة، وداعيـــا للتفكر في حكمته، ففي عام 2017 تكون فترة الرئاسة السادسة لمبارك قد انتهت، والمعنى ـ النبوءة الذي ألقى به سعيد النجار في وجوهنا المترقبة، هو أن مبارك ينوي البقاء في الرئاسة إلى هذا التاريخ.
رحل سعيد النجار ـ بعد النبوءة ـ إلى رحاب ربه، وترك لنا بؤس العيش مع حكم حسني مبارك، كان النجار ليبراليا أصوليا، ترك عمله الذي استمر لمدة طويلة في البنك الدولي، وعاد إلى مصر مع إطراد التحول إلى الخصخصة، كان ظنه أن تحولا اقتصاديا ملائما من وجهة نظره يجري في مصر، وبدا لفترة مشايعا لمعاهدة السلام مع إسرائيل ومضاعفاتها، ثم كان 'انقلابه الوطني' على ما يجري كله، فقد أدرك أن ما يجري لا علاقة له بقواعد الاقتصاد حرا كان أو اشتراكيا، وأن 'النهب العام' هو العنوان الأدق، وحمل جمال مبارك الذي التقاه في ندوة اقتصادية رسالة لأبيه الرئيس، قال له : قل لأبيك أنكم تحكمون بلدا لا تعرفون قيمته، بعدها صمت الرجل، ولملم أوراق عمره، ومات وفي قلبه غصة، لكن حسني مبارك لم يمت إلى الآن، بل ويستعد لاغتصاب الرئاسة السادسة في 7 أيلول/سبتمبر 2011.
وربما نحتاج إلى استعادة أجواء جابرييل غارثيا ماركيز، وإلى الخيالات الكابوسية لروايته الشهيرة 'خريف البطريرك'، وهي تحكي عن ديكتاتور لاتيني لا يموت في مواعيد البشر، ويولد مجددا في مواعيد النعي الدوري، يدهس بحضوره المراوغ أجيالا وراء أجيال، وحين تجيء النهاية لا يصدقها أحد، وربما نحتاج إلى واقعية ماركيز السحرية كي نحتمل ما يجري في مصر، فالرئيس مبارك ـ أطال الله عمره ـ قصف أعمارنا، وسيكون في الثالثة والثمانين عند خط بداية الرئاسة السادسة، وربما يكملها نكاية فينا، وفي أولادنا وأحفادنا، ويكون وقتها في التاسعة والثمانين، اللهم إلا إذا كانت لله إرادة أخرى، وعجلت بمواعيد الختام على غير توقع من الكاتبين والقارئين.
والأنكى أن بعض من ينسبون أنفسهم زورا لمعنى المعارضة المصرية، ويقومون بأدوار محسوبة كمفرغات صواعق، يقولون لك : لا مانع من فترة رئاسة سادسة للرئيس مبارك، وعلى أن يتعهد بإطلاق الحريات العامة، وكفالة نزاهة الانتخابات لمن سيأتي من بعده، وهو شيء أشبه بعشم إبليس في الجنة، فليس الذي صنع المأساة هو الذي ينهيها، والحدأة لا ترمي الكتاكيت، فهؤلاء يتغاضون عن الوضع الذي انتهى إليه نظام مبارك، وهو وضع 'التخشب الرمي' بلغة الأطباء الشرعيين، فالميت الذي يموت قابضا يده، يستحيل على أي قوة في الأرض أن تفك قبضته، ويبعث على هذه الهيئة، تماما كنظام مبارك الذي انتهى إلى قبض اليد، وإلى موت سياسي قبل الموت المؤجل إعلانه، فقد كف نظام مبارك من زمن عن أن يكون له معنى السلطة، فالسلطة ـ بأي معنى سياسي أو أسري ـ تطلب الإذعان مقابل الإشباع، وقد آلت سلطة مبارك إلى تداعي تاريخي، ولم تعد لها مقدرة الإشباع بأي معنى، لا معنى سياسي ولا اقتصادي ولا اجتماعي ولا وطني، لم يعد لديها ما تدفعه، وانتهى حسابها في بنك التاريخ إلى صفر كبير، ومع انعدام القدرة على أي إشباع، أو على تجديد قواعد اجتماعية أو سياسية، مع الوصول لقاع العدم، تطلب الإذعان المجاني، وهو ما يفسر الهيئة التي انتهت إليها، وظهورها بمظهر الرأس العائلية المعلقة على خازوق أمني متضخم ومتورم، وهي الهيئة التي تبدو عليها الآن، وتبعث عليها يوم الحساب، فقبضة يد الميت لا تنفك، ولا حل سوى بقطع اليد نفسها، فهي لا تملك أن تحرك إصبعا، ولا أن تجري تعديلا في الدستور على النحو الذي تروج له نخبة 'مفرغي الصواعق'، ولسبب بسيط، وهو أنها أجرت آخر تعديل قبل قبض يدها الأخير، وانتهت إلى تقنين 'الديكتاتورية العائلية' في الدستور، وتحويل الرئاسة إلى شراكة عائلية مغلقة، وبحكم الأمر الواقع قبل نص الدستور، فالحكم للأب والابن والأم، وعلى أن يظل اسم مبارك الأب على واجهة المحل مادام حيا، وهو ما يفسر أشياء بينها مصير النجل جمال مبارك، فهو شريك ـ من زمن ـ في رئاسة فعلية، لكن الأب لا يسمح له بأن يكون عنوانا للرئاسة الرسمية، ويستبقي العنوان لاسمه، فالبطريرك في خريفه لا يثق بأحد، وحتى لو كان ابنه، ولا يضمن ألا تنقلب دورة النجوم، وألا تنزلق قدمه من قبة العرش إلى زنزانة السجن، فمبارك يعرف - بالغرائز ـ أعظم الخطايا فيما جرى، وهي جريمة سرقة بلد وتجريف ثرواته وأرضه ومصانعه، ويعرف أن نظامه لا يستحق أن يحكم بل أن يحاكم، ويسعى بالغرائز لتجنب أسوأ المصائر، يسعى لكسب ثقة الراعي الأمريكي الإسرائيلي، وتجديد أوراق اعتماده كخادم أمين، والتحصن في بروج مشيدة تحرسها قوة أمن داخلي تقترب من حاجز المليوني عسكري، والبقاء على كرسي الفرعون حتى آخر نفس، فهو يريد أن يبقى في القصر حتى ينتقل إلى القبر فلا يسائله أحد في الحياة الدنيا، وقد روى الإعلامي المصري عماد الدين أديب قصة ذات مغزى ظاهر، الرجل مقرب جدا من العائلة، وتحدث قبل شهور عن ضمانات الخروج الآمن، وقال : أن مبارك فكر في ترك الرئاسة عام 2005، لكنه ـ بحسب رواية أديب ـ تراجع، وكان السبب تصريح للمتحدث باسم كفاية، وهو كاتب هذه السطور، والذي هدد وقتها بمحاكمة مبارك بعد خلعه.
ولا علاقة لتصميم مبارك على البقاء بحادثة أو ظاهرة البرادعي، فقد أطاح مبارك الأب بطموح ابنه الرئاسي قبلها بزمن، ودعمته جمـــاعة الأمن في الجيـــش والمخابرات وقوات وزارة الداخلية، والتي تعاند نفوذ جماعة 'البيزنس' الملتفة من حول الابن، وتخــــوض ـ من وراء ستار ـ معركة مماليك الأب ضد مماليك الابن، وتروج لدعوى 'الاستمرار سبيل الاستقرار'، وتتخوف من انفجار سياسي واجتماعي لو جرى تولية الرئاسة رسميا للابن، وقد تصاعد النزال منذ أواسط العام 2009، وعاد مبارك من زيارة واشنطن في آب/أغسطس 2009، وقد حزم أمره، كثف زياراته لوحدات الجـــيش، وقلص من ظهور ابنه جمال مبارك في وسائل الإعلام، وبدأ يروج لشخصه مجددا، وتحدث عن برنامجه الانتخابي، ويتنقل بشبابه المستعاد من مدينة إلى مدينة، ويكرر المشاهد الهزلية ذاتها التي سبقت اغتـــصابه الخامـــس للرئاسة في 7 أيلول/سبتمبر 2005، وقتها خلع رباط عنقه، وأعدوا له ' لقاءات الاخصاص ' مع عينات منتقاة من المواطنين، وشرب معها الشاي الذي تعده له أجهـــزة الأمن، تمــــاما كما تعد له 'الكومبارس' الذي ينافسه في فيلم كارتون انتـــخابي، وتحجز له مقعد الفوز الذي ينتظــــره مبارك السادس بعد مبارك الخامس.
وربما لم يبق غير قراءة الفاتحة علينا وعليكم، إلا إذا كان للأقدار رأي آخر.
' كاتب مصري
Kandel2002@hotmail.com
****
عبد الحليم قنديل: ضدّ «العائلة المالكة»... مع سبق الإصرار!
دينا حشمت
هيئته ليست هيئة زعيم، بل هيئة موظّف يحرّكه إحساسه بالواجب. والواجب حسب رؤيته هو إنهاء احتكار «عائلة مبارك» للحياة السياسية في مصر. في مسعاه هذا، تجده دقيقاً ومنظّماً؛ لا يمل البحث عن الدلائل وبناء حجج مصقولة بعناية.
هذا يجعل عبد الحليم قنديل خطيباً مختلفاً عن زملائه الناصريين. لا يحب أن يلعب دور طفل الجماهير المدلّل. يفضّل الدخول في صلب الموضوع مباشرة. يراهن على ذكاء جمهوره، فيكلمه بلغة الأرقام. يعرف كيف يستخدم الكلمات المناسبة في الوقت المناسب، كيف يختار الصيغ الجميلة وينتقل بلباقة من فكرة إلى أخرى. هل ساعده في ذلك كونه شاعراً؟ ربّما. لكنه لا يحب الحديث عن موهبته هذه. «كتبت ديواناً ولن أنشره»، يقول. قد لا تتوافق هذه الموهبة مع مسيرته كسياسي، ومناضل ناصري، وإن اعترف بأنه لم يتخيّل أنّ حياته ستتخذ يوماً هذا المسار.
في عائلته، انقسم إخوته وأخواته بين من درَس الطب ومن لم يدرسه. كانت دراسة الطب أشبه بقضية شرف للأب، الفلاح البسيط الذي كافح طوال حياته ليضمن لأولاده تربية جيدة. لم يناقش عبد الحليم رغبة أبويه، فنجح ببراعة ولم ينشغل كثيراً بالسياسة. لم يشارك حتى في أحداث يناير 1977، وليس لديه ما يحكيه عن «انتفاضة الخبز»، إلا تلك القصة التي تناقلها الطلبة آنذاك: قصة شاب وقف أمام السادات خلال لقاء بعد الأحداث مباشرة، ليعلن عن نفسه ناصرياً، فسأله السادات: «يعني إيه ناصري؟». كان ذلك الشاب هو حمدين صباحي الذي أصبح نائباً عن حزب «الكرامة».
بعد سنوات على أحداث يناير 1977، وخلال عامه الأخير في الجامعة، دخل قنديل «نادي الفكر الناصري» حيث كان حمدين نشطاً. هكذا بدأ زمن اللقاءات الأولى بين زعيم الحركة الطلابية الذي انتخب عاماً بعد آخر رئيساً لاتحاد الطلبة، وبين الطالب المثالي الذي حلم بأن يصبح شاعراً، وظل يشارك في المسابقات الأدبية. حمدين يعشق الجمهور والتظاهرات؛ عبد الحليم يفضّل الجلوس أمام الورقة والقلم. لكن مسيرتيهما متشابهتان: جاءا من الريف إلى المدينة وينتميان إلى الجيل نفسه، والتيار السياسي نفسه. هما ناصريا المعارضة، ومؤسسا «حركة الكرامة» المنشقة عن الحزب الناصري. ناضلا معاً في منظمات ناصرية راديكالية نشأت في المعارضة لأنور السادات، ووجدا نفسيهما في «طليعة التنظيم الناصري» السرية التي اعتقل عبد الحليم قنديل للمرة الأولى سنة 1980 بتهمة الانتماء إليها. ثم ناضلا حتى 1993 في وحدة الطليعة الناصرية «وطن» التي كوّنا معاً بناءها القيادي.
كيف أصبح عبد الحليم ناصرياً؟ بسبب قصة عاشها خلال عمله في مستوصف قرب «بلقاس» على حدود محافظتي الدقهلية وكفر الشيخ، في الدلتا. «الفلاحون كانوا يعيشون بلا ماء ولا كهرباء. رأيت على جدار أحد المنازل صورة لجمال عبد الناصر مقصوصة من جريدة. أدركت حينها أن عبد الناصر أوتوبيا الفقراء. صورته تعني المساواة، إمكانية الحصول على التعليم».
عمل عاماً في المستوصف، وعاماً آخر طبيباً متدرباً في مستشفى الساحل الجامعي في شبرا، لكنه لم يقتنع بمهنة الطب. موت الأب، سنة 1981، حرّره من وعده الضمني؛ وفي عام 1984 اختار الصحافة. كان هذا الحل الوسط بين حلمه الأول، بأن يصبح عالماً «بالنسبة إلي، كانت الكتابة عملية تطفلية. كنت أحلم بأن أصبح آينشتاين»... وحلمه الثاني بأن يصبح شاعراً. عمل كمراسل لجريدة «الخليج» ثم في مجلة «الموقف العربي» الشهرية. أغلقت الحكومة المجلة بسبب تنديدها بسياسة السلطة السعودية المساندة لإسرائيل، فوجد عبد الحليم نفسه من دون عمل. كتب عمود «هوامش» في «مصر الفتاة»، قبل أن يعمل في مركز الإعلام البديل (مركز صاعد): «المكان الذي ساعد على تكوين كل الصحافيين المقربين من الدوائر الناصرية».
عام 1993، شارك في تأسيس الحزب الناصري «العلني» وجريدته «العربي» التي تولى رئاسة تحريرها لاحقاً. سرعان ما تكوّن لعبد الحليم جمهور خاص. صفحات «العربي» شهدت بداية حملته ضد «العائلة المالكة». وفي 18 حزيران (يونيو) 2000، كتب مقالاً عبّر فيه عن معارضته الصريحة لتوريث السلطة لبشار الأسد في سوريا. لكنه لم ينس تأكيد احترامه لذاكرة حافظ الأسد الذي لم يوقّع أي اتفاقية مع إسرائيل، ولم يسلّم على رؤسائها. تصدى لـ«بلطجية الأحزاب»، وكرّر اعتراضه على أسس السياسة الساداتية وعبّر عن انبهاره بشخصية حسن نصر الله. لم يتردد في استخدام أعنف الألفاظ في حديثه عن صحافيي الإعلام الرسمي، أو رجال النظام مندّداً بتملّق أولئك وغرور هؤلاء.
ارتفعت حدة مقالاته، ورافقت ميلاد «كفاية»، «الحركة المصرية من أجل التغيير»، فانزعج رجال الأمن! وفي 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، أوقفه عدد من البلطجية وأوسعوه ضرباً، وأمروه بأن «يبطل الكلام عن الكبار»، ثم تركوه مجرداً من ملابسه على طريق صحراوية. هذا الحدث كان ميلاده الثاني: «لم أتوقّع أبداً موجة تضامن بهذا الحجم»، يحكي في مقدمة «ضد الرئيس» (ميريت ــــ 2005)، كتاب جمع مقالاته المنشورة في «العربي». انهالت عليه الدعوات من الفضائيات ومؤتمرات الاحتجاج والتظاهرات.
يقول عبد الحليم إن بعضهم تسرّع وأعلن موت «كفاية» لأنه لم يفهم ما هي طبيعة هذه الحركة: «هي شجعت مئات من المثقفين على أن يقولوا لا، وألهمت حركة القضاة في 2006». يرى أنها لا بد أن تبدأ بلعب دور فعّال من أجل بناء حركة تغيير منظّمة: «خطتنا هي العودة إلى الشارع وبناء ائتلاف المصريين من أجل التغيير». تعتبر انعقاد اجتماعات مشتركة مع «شباب 6 أبريل» خطوةً إيجابية في هذا الاتجاه، كما يقول.
«يقضي أغلب وقته في «كفاية»»: هكذا برّر رئيس مجلس إدارة «صوت الأمة» استبعاده من رئاسة تحرير الجريدة في 16 آذار (مارس) الماضي. أما هو فيرى أنّ هناك «هجمة أمنية»، و«ثأراً» شخصياً منه. ولهذا، استبعد من رئاسة تحرير جريدة «الكرامة» سنة 2007: «أبعدت من كل منابر التأثير. أمشي في طريق تنطفئ أعمدة نوره شيئاً فشيئاً». لكن هذا لن يمنعه، يقول، من أن يؤدي واجبه المقدّس: «إنهاء عصر العائلة الحاكمة في مصر».
5 تواريخ
1956
الولادة في الدقهلية (مصر)
1980
تخرّج من كلية الطب
2000
رئيس تحرير جريدة «العربي» الناصريّة
2007
استبعد من رئاسة تحرير «الكرامة»
2009
صدور كتابه «كارت أحمر للرئيس» عن «دار الثقافة الجديدة»
عدد الأربعاء 16 أيلول 2009
****
أيختار العرب معسكر الحق في الحرب المقبلة؟
د. خالد سليمان
3/8/2010
في فيلم 'الرسالة' الشهير للمخرج المبدع الراحل مصطفى العقاد، وفي مشهد متقن يصعب نسيانه، نرى قريشاً تحتفل بالرقص والطبل والزمر وشرب الخمر وهي تتهيأ لأولى معاركها مع المسلمين، وكأنها مقبلة على نزهة سريعة ممتعة تنتهي بالخلاص من الإسلام وأهله واقتلاع شوكتهم من الوجود. انتهت 'النزهة' سريعاً حقاً، ولكن ليس قبل أن تسجل في تاريخ قريش واحدة من أكثر هزائمها إيلاماً وإذلالاً وقسوة، وربما كانت تلك الهزيمة هي بداية النهاية لمسلسل تجبر قريش وصلفها.
هذه الأيام، أراني أسترجع ذلك المشهد وأنا أتابع التحضيرات في الكيان الصهيوني لمعركة أخشى أن أقول أنها باتت وشيكة، ومع أن تحضيرات ذلك الكيان لمعركته المقبلة لا تشتمل على قرع الطبول والرقص إلا أن التصريحات العنجهية الخرقاء لمجرميه تذكّر حقاً بالتصريحات الطائشة لعتلات قريش وهم يعدون العدة لخوض موقعة بدر، التي جعلت رؤوس الكثيرين منهم تتدحرج متمرغة في التراب. كحقيقة ثابتة لا شك فيها، الكيان الصهيوني لا يقوى على الحياة والبقاء دون أن يبقي من يعيشون تحت مظلته أسرى هواجس الحرب ونذرها، فهذا يضمن له صرف أنظارهم عن حقيقة هشاشته وتمزقه وتأزمه الفاضح، وتوحد كلمتهم شاءوا أم أبوا، من أجل الاستعداد المستمر والمكثف لمجابهة معركة يتم الترويج بأنها لا بد آتية، إن لم يكن اليوم فغداً. لقد أدمن الكيان المصطنع المذعور ذلك النهج المريض، فبات يقتات عليه صباح مساء، دون أن يدرك أن دماره، عاجلاً أم آجلاً، قد لا يكون إلا في ذلك التوجه القاتل.
ولحسن الحظ، بينما تحضر الحرب في وعي الكيان الصهيوني ككابوس مرعب لا يملك لأسباب عديدة إلا الارتماء في أحضانه بالرغم من مقته والخوف منه، تحضر في وعي بعض أبرز وأقوى أعدائها، وفي مقدمتهم إيران وحزب الله وحركة حماس، ومن ثم سورية، على الأقل في الخطاب المعلن، بوصفها جهاداً مقدساً يفرض نفسه للدفاع عن حقوق مشروعة وقيم سامية ومبادئ رفيعة، دينية ووطنية وقومية وإنسانية، وهذا يُحدث فرقاً هائلاً بين المعسكرين، فالمعسكر الصهيوني هو معسكر اللص المغتصب ضعيف الحجة الذي يعرف قبل غيره أنه ليس أكثر من سارق آثم يحمل لواء الباطل ويحامي عنه، بينما يعبر المعسكر الذي يطيب لي أن أسميه معسكر الصمود عن قيم العدل والشرعية والدفاع عن الحق.
قد يكون من السذاجة والتعسف المغامرة والجزم باقتراح مثل ذلك التقسيم، ففي مجال السياسة، الملوثة غالباً بالحسابات التي قد لا ترتفع فوق مستوى الشبهات، يصعب لأي دولة أو حزب أو حركة أن تكون معبرة تماماً عن مبادئ العدل والشرعية والحق، فلكل فاعل سياسي، في أيامنا خاصة، حماقاته وصغائره وتجاوزاته التي تخدش نقاء تلك المبادئ وتعكر صفوها، لكن دخول الكيان الصهيوني الشرير تحديداً في المعادلة، يصنف كل الأطراف المجاهرة بعدائه تلقائياً في صف معسكر العدالة والحق والخير.
لا يستوي المعسكران حتماً ولا يلتقيان، والغلبة لن تكون في نهاية المطاف إلا لمعسكر 'الحق'، ولو بعد حين. وننوه هنا أن هذا الافتراض لا يدخل في باب الأمنيات السرابية الحالمة، التي اعتدنا عليها في عالمنا الإسلامي بفعل الضعف والانهزام والتخاذل وقلة الحيلة، فالوقائع باتت تبرهن يوماً بعد آخر على تفاقم أزمة الكيان المتطفل، وانسحاب البساط من تحت قدميه الملوثتين شيئاً فشيئاً. فمجرد عجزه الفاضح عن تحقيق أهدافه في القضاء على حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة بعد أن جند لذلك كتائبه الجرارة لا يمكن أن يسجل إلا في باب الهزيمة النكراء. وإخفاقه تحديداً في الخلاص من حركة محاصرة لا تتمتع إلا بقدرات تبدو مثيرة للشفقة أمام قدراته المهولة كحركة حماس، يعكس في واقع الأمر المستوى المتضخم الذي وصل إليه على طريق التآكل والانهيار.
قد تشهد المنطقة معركة ساخنة عما قريب، ربما تشتعل بعد أن يبادر الكيان الصهيوني المفلس إلى مهاجمة إيران أو حزب الله أو حماس أو سورية، واضعاً نفسه في ورطة حقيقية لا يحسد عليها. فالتحالف الوثيق والحميم بين الأطراف الأربعة قد يجعل من كيان العدو متورطاً على أربع جبهات ساخنة مع أربع جهات قوية تتحرق لإيقاع هزيمة نكراء به؛ ما يعني أنه لن يخرج من تلك المعركة إذا ما دخلها، أياً تكن نتيجتها، إلا وقد دفع ثمناً باهظاً لم يدفعه من قبل، سيسرّع على الأرجح من جريه الحثيث باتجاه التقوض والاندثار.
الدول العربية المعنية مباشرة بالصراع العربي/ الإسلامي ـ الصهيوني تحتاج من أجل منع الحرب أو المساهمة في وضع حد جدي للخطر الصهيوني الذي يعصف بأمن المنطقة إلى الوقوف قلباً وقالباً إلى جانب ما سميناه معسكر الصمود، فالكيان الصهيوني الواجف قد يعيد حساباته ويفكر ألف مرة في المخاطرة بإشعال فتيل الحرب كلما ازداد عدد الدول التي سيكون مضطراً إلى مواجهتها. أما إذا ما انساق خلف نزعات العدوان والتدمير الثاوية في بنيته وأعلن الحرب، فإنه سيكون الخاسر الأكبر حتماً إذا ما ارتفع عدد الجيوش التي ستدخل في تلك الحرب ضده.
بالرغم من حالة الضعف والتمزق العربي، إلا أن الظروف تبدو مواتية كي تنتهز دول 'الاعتدال' العربي الفرصة وتعيد النظر جدياً في علاقتها بالكيان الصهيوني، وهي على كل حال لن تختفي من الخارطة ولن تموت جوعاً وأوضاعها لن تسوء أكثر مما هي عليه إذا ما قررت وضع حد لمسلسل خوفها المرضي من ذلك الكيان، والقفز في سفينة المعسكر العربي ـ الإسلامي، بدلاً من أن تظل في واقع الأمر متورطة بشكل أو بآخر بالتعاون مع كيان العدو، على حساب كل ما هو عربي وإسلامي، مهما كانت الذرائع والمبررات والتزويقات لذلك الواقع المخجل.
لا يكف قلم التاريخ لحظة عن الكتابة، وصحيح أن الدول تجد دائماً من الأفاقين من يكتب ما يزيف الوقائع ويشوه الأحداث ويتلاعب بالأسماء لإخفاء الحقيقة، لكننا سنظل دائماً نجد من يدون الحقيقة، والحقيقة وحدها. فهل نرى العرب ينحازون إلى جانب الحقيقة الصارخة التي تقول إن الكيان الصهيوني هو العدو الأول للعروبة والإسلام، وإن التاريخ سيعاقب بكل قسوة كل من يقرر الاصطفاف في خندق ذلك العدو ضد إخوة الدين والدم؟
' باحث أردني
sulimankhy@gmail.com
****
أنباء عن الإعداد لأفراح شعبية لاستقباله للرد على البرادعي
الحزب الحاكم ينفي إصابة مبارك بمرض غامض ولا يستبعد ترشح جمال للرئاسة
3/8/2010
القاهرة ـ 'القدس العربي' ـ من حسام أبو طالب: أكد الدكتور جهاد عودة القيادي في الحزب الحاكم وعضو الأمانة العامة للسياسات التي يرأسها جمال مبارك أنه لا صحة مطلقاً لما راج من أنباء خلال الساعات الماضية عن إصابة الرئيس مبارك بمرض خطير.
وشدد في تصريحات خاصة لـ'القدس العربي' أنه ليس من أسرار تخفى بشأن الحالة الصحية للرئيس'.
وأشار إلى أن النشاط المكثف للرئيس على مدار الأيام التي سبقت زيارته لألمانيا والحالة الطيبة التي بدا فيها أثناء لقائه المستشارة الألمانية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على أن مبارك في أفضل حالته الصحية.
وهاجم القيادي في الحزب الحاكم المعلومات التي يطلقها بعض المنتسبين للمعارضة الذين يسعون لنشر الخوف بين ملايين المواطنين الذين ينتظرون على حد رأي عودة عودة مبارك من ألمانيا بعد نجاح العملية الجراحية التي أجراها.
وكشف أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان النقاب عن أنه في حال إذا ما قرر الرئيس مبارك عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة والخلود للراحة فإن جمال هو أبرز المرشحين عن الحزب الحاكم.
وحول الأنباء التي تتردد عن إعداد النظام لتهيئة الرأي العام لخلافة جمال مبارك قال إن مصر دولة مؤسسات وكل شيء يخضع فيها للشفافية .
وأعرب عن أمله في أن يستقبل الرئيس مبارك شعبياً بما يتناسب مع جماهيريته وتاريخه الكبير.
وعلمت 'القدس العربي' أن استعدادات بدأت بالفعل في الخفاء للإعداد لعودة مبارك بشكل شعبي واسع، حيث ترددت معلومات عن أن النظام يعتزم بالفعل حشد أعداد غفيرة من العمال والموظفين من أجل أن يكونوا في انتظار الرئيس مبارك لحظة نزوله من الطائرة القادمة من ألمانيا والتي كان قد وصل إليها الأسبوع الماضي من أجل إجراء جراحة لاستئصال الحوصلة المرارية.
وأشارت أنباء إلى أن قيادات النظام تريد أن تكون مناسبة عودة مبارك لأرض الوطن أبلغ رد لمحمد البرادعي رئيس وكالة الطاقة النووية والذي خطف الأضواء عقب زيارته الأخيرة لمصر حينما حظيت جميع أنشطته فيها بمتابعة شعبية واسعة.
وكشفت الأنباء عن أن قيادات الحزب الوطني تقترح بسرعة البدء في تنظيم مجموعات الإستعراضات التي تشارك فيها فئات مختلفة من شباب الحزب لاستقبال الرئيس مبارك بمطار القاهرة الدولي إبتهاجاً بعودته من العاصمة الألمانية برلين، عقب العملية الجراحية التي أجراها الرئيس بمستشفى 'هايدلبرغ' الجامعي.
وفي تصريحات خاصة أكد عبد الأحد جمال الدين زعيم الأغلبية بالحزب الحاكم إنه من الطبيعي أن تهب الجماهير من تلقاء نفسها لاستقبال الرئيس الذي خاض أبرز الحروب في زمن الحرب وزمن السلام.
وهاجم المعارضة التي تسعى للتشكيك في الشعبية الجارفة التي يتمتع بها مبارك.
وقال مصطفى بدوي رئيس اللجنة الإلكترونية بأمانة شباب الحزب الوطني إن المؤشرات الأولية لمواقع الحزب الإلكترونية تكشف النقاب عن أن آلاف الشباب راغبون للإنطلاق من كل بقاع مصر نحو مطار القاهرة لاستقبال الرئيس.
وتابع:لقد تلقيت عن نفسي العديد من البرقيات والرسائل من الشباب سواء بالحزب أو خارجه لحضور استقبال الرئيس بالمطار وقمت بنقل هذه الرسائل لقيادات الحزب الوطني للإطلاع على الموقف.
وأشارت تكهنات لعزم النظام جلب مئات المطربين والفنانين بالأمر المباشر للمطار من أجل الترحيب بالرئيس.
وفي السياق ذاته دعا عدد من النشطاء السياسيين في غروب لهم على الفيس بوك لوقفة شعبية أطلقوا عليها 'وقفة المليون' أمام المطار تضم مواطنين من مختلف المجالات من جميع محافظات مصر لاستقبال الرئيس مبارك، عقب بعد رحلة علاجه من ألمانيا، في وقفة شبيهه باستقبال د. محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مطار القاهرة.
وهاجم عضو الحزب الوطني ورئيس لجنة الزراعة في مجلس الشعب قوى المعارضة التي تشكك في شعبية مبارك مطالباً بمحاكمة كل من يروج لتلك الشائعات المغرضة على حد رأيه.
وقال الغول لا يوجد من هو أشهر من مبارك على أرض مصر وفي المنطقة العربية فهو قائد الحرب والسلام.
وانتقد الغول من يروج لمعلومات حول حشد النظام للمظاهرات بالأمر المباشر، مشيراً إلى أن المواطنين يترددون ويتجمعون من تلقاء أنفسهم من اجل استقباله بحفاوة بالغة تليق بقدره.
وفي السياق ذاته أشار القيادي في صفوف اليسار كمال خليل إلى أن النظام يشعر بحالة من الغيظ بسبب حالة الجدل والصخب التي كشف عنها حضور البرادعي لمصر ولأجل ذلك هو راغب في أن يسطو على ذلك النجاح من خلال رد الصفعة للبرادعي ولكل من يدعو ويروج له وذلك من خلال الإعداد لمظاهرة ضخمة تتوجه للمطار لاستقبال الرئيس.
جدير بالذكر أن آخر الأنباء الواردة من ألمانيا تشير إلى أن مبارك يتحدث بطبيعية وأنه لا يزال يمكث بغرفة العناية المركزة بعد إفاقته، حيث يتحدث مع أفراد أسرته والفريق الطبي المعالج، كما تلقى العديد من المكالمات الهاتفية من كبار المسؤولين في الدولة.
مصدر طبي: الورم في الاثنى عشر قد يكون مقدمة للإصابة بسرطان الأمعاء
لندن 'القدس العربي': قال مصدر طبي في لندن أمس انه من خلال متابعة التقرير الطبي الذي أصدره مستشفى هايدلبرغ الألماني حول الحالة الصحية للرئيس حسني مبارك يتضح أن الورم الذي تم استئصاله من الاثنى عشر قد يكون مقدمة للإصابة بالسرطان في الأمعاء.
وأضاف المصدر أن التقرير الطبي تفادى عن عمد إخفاء تفاصيل الحالة الصحية، واكتفى بالقول أن اختبارا بأسلوب (frozen section) لطبيعة الورم أثبت أنه من النوع الحميد. وأكد المصدر أن هذا الاختبار غير كاف في حد ذاته لتأكيد طبيعة الورم، الذي يحتاج إلى اختبارات أخرى تستغرق عدة أيام.
واستغرب المصدر أن يكون أطباء الرئيس لم يكونوا يعرفون بوجود هذا الورم وطبيعته قبل سفره إلى ألمانيا بالنظر لوجود خبراء مصريين في هذا المجال يتمتعون باحترام واسع على مستوى العالم.
وكانت وكالة الأنباء الرسمية اكتفت بالقول أن الرئيس كان يعاني من التهاب في المرارة، دون ذكر للورم في الاثنى عشر، الذي وصفه وزير الصحة المصري بـ'زائدة لحمية' .
وحسب المصدر فان حدوث هذا الورم بالأمعاء التي يشكل الاثنى عشر الجزء الأول منها يؤدي إلى آلام حادة، وقد يعيق مرور الغذاء إذا كان كبيرا، ومن أعراضه وجود دم في البراز. وحول الفترة التي يحتاجها المريض للعودة إلى ممارسة حياته الطبيعية، أشار إلى أن الأمر سيتوقف على نتائج التحاليل والاختبارات الطبية خلال الأيام المقبلة، مشيرا إلى أن الأمر يحتاج وقتا أطول في العادة عندما يكون الإنسان في مرحلة الشيخوخة. ولم يشر الفريق الطبي المعالج بعد إلى تاريخ خروج مبارك من المستشفى، وان أكدوا أنه في حالة مستقرة، وتناول بعض الأطعمة الخفيفة مثل الزبادي والعسل.
وتحدثت أنباء في القاهرة أمس عن قرار بمنع المسؤولين من السفر للخارج حتى عودة الرئيس مبارك إلى الوطن، مستبعدة مشاركة مبارك في قمة سرت العربية المقررة أواخر الشهر الحالي.
****
النظام العربي: تنازلات للعدو حتى قعر الهاوية!
مطاع صفدي
3/8/2010
إنه الاستغراب عينه الذي يبديه مثقف غربي في حوار يتكرر مع آخر عربي، كلما وصل الحديث إلى سر الاستعصاء العربي على التغيير. يُطرح هذا السؤال التقليدي المتجدد: لماذا يعجز العرب عن استثمار قواهم. ليس هذا (التعجّب) اشتقاقاً للتعجب الأهم والأشمل: لماذا تأخر العرب وتقدم الجميع، أو معظم الآخرين، وإن كان التعجبان متضايفين في التوصيف وفي أسلوب الاستغراب. فالتساؤل في الصيغتين لا ينتظر جواباً، لأنه ينطلق من مسلّمة جاهزة غير محتاجة للتدليل أو البرهان، كما لو أن العجز لم تعد له أسبابه الخارجية عينها.
فقط صارت متضمنة فيه. صار العجز علّة ذاته. عوامله وآلياته تُضاعف من مساوئه، فتتغذى هذه من بعضها، كل ذلك يحدث والإنسان العربي يعيش مثبط الهمم، يقف هو كذلك عاجزاً وسط بحرانها، لم يعد يدري كيف يتصدى لها، إن سمحت له ظروفُ الواقع السياسي الجاثمة على صدره، بالتنفس قليلاً، بعيداً عن هوائها المسمم الفاسد.
يتلقى الجمهور العربي خبر عودة النظام إلى المربع الأول من المفاوضات مع العدو الإسرائيلي. بأمر رجال هذا النظام ما يسمى السلطة الفلسطينية بالتراجع عن آخر شروطها وأضعفها، فيما يتعلق بوقف الاستيطان. رغم أنه شيء يمكن أن تقدمه إسرائيل إلى أقطاب النظام والسلطة الفلسطينية، سوى ما كانت عليه دائماً من العسف والتدمير المنظّم لكل ما هو فلسطيني. فهل ستتغير إسرائيل بعد مهلة الأربعة أشهر، المعطاة كإنذار لنهاية التفاوض؛ وهي التي لم تتزحزح قيد شعرة عن مشروعها الاغتصابي طيلة الستين عاماً من إنشائها. فما هو المقصود الفعلي من وراء هذا الإجراء المصطنع الذي تفتَّقت عنه عبقرية الدبلوماسية العربية الحاكمة. تقول أوساطها في معرض التبرير وليس التصديق البرهاني على صحة القرار العليل، إن هذا التنازل الجديد هو كرمى لعيون أمريكا ورئيسها (المختلف) أوباما؟
ذلك أن أصحاب النظام يشفقون على سمعة رئيسهم الأمريكي هذا من أن تذهب أدراجَ الرياح مع وعودها الفاشلة بدءاً من خيبتها مع يهودية مؤسسة الحكم والمال المُطِّوقة لضواحي البيت الأبيض والمتغلغلة في دهاليزه وشرايينه. فما هي المعجزات التي ستحققها مهلة الشهور الأربعة، ما لم تستطع إنجازه خلال عقدين تقريباً من مناورات الخبث التفاوضي العقيم.. والأنكى من كل هذا ليس جبروت الجلاد الذي من (حقه) أن يمارسه ما دام قادراً على ممارسته، ليس هو ضعف الضحية، بل انصياع الضحية مُسوَّغاً بوهم الضعف. السؤال الممنوع ليس هو: لماذا الضعف؟، بل هو بالأحرى: لماذا إنكار القوة. فالنظام العربي الحاكم مجمعٌ على التنكر لقوة أمته. لا يزل ممعناً في إشادة أسوار العزل والفصل بينه وبين شعوبه. خوفه من أهله وعشيره، يعلمه الحرص على عدوه، إن إلى درجةِ بذل الكرامة والأصالة من أجل مرضاته. فقد يدَّعي بعض رموزه الكبار أنهم لم يعودوا مجرَّدَ أتباع للقوة العظمى في العالم، فقد ارتقوا إلى مستوى الحلفاء لها.لعلَّ هذا الحلف يعوضهم عن احتقار شعوبهم وكراهيتهم لهم. وبذلك لم يعودوا مجرَّدَ حكام ضعفاء. أصبحوا أقوياء بقوة أسيادهم الغرباء عنهم وعن أقوامهم. لكن من يقول في مثل هذه العلاقات الشاذة أن الحليف الكبير سيظل محتاجاً لحليفه الصغير. هذا النوع من شكوك المصير المستقبلي يكاد يرهن النظام العربي كلياً للإرادة الأجنبية. إلى ذلك الحد الذي يكبِّلُ فيه حريةَ خياراتِه بما يدفعه أكثر إلى قمع حريات مواطنيه، والمضي في ارتكاب المساومات المريبة على حقوق الاستقلال والسيادة لدولته، مع خصوم هذه الدولة، التقليديين منهم والطارئين.
ما يرفضه عقل النظام دائماً في ماضيه الاستبدادي، كما في حاضره المزعزع، هو التنبُّه لتطورات مجتمعاته، كما أنه يعاني من سوء فهم مزمن لتحولات موازين القوى العالمية والإقليمية من حوله. فالتخلّف ليس صفة مقيمة في بنية المجتمعات العربية، بقدر ما هي الوصمة المشتركة لمعظم أصحاب القرارات السياسية الحاكمة، والمصيرية، الشاملة.
أبسط الملاحظات في هذا الصدد تنطلق من القول: كيف يمكن أن تَحْكُمُ أكثرية الدول العربية بأنظمة سلطانية مستمرة في رموزها الإنسانية وأساليبها العشوائية، منذ عقود عديدة، وبعضها منذ قرن أو قرنين، فقد تثبت أبسطُ دراسات الاستقصاء الاجتماعي شساعةَ الفوارق بين حكام العرب، والعرب أنفسهم. فوارق الفهم والوعي العام، وفيما يخص الإحساس أو الإلمام بتطورات العصر، وفي جانبها السياسي والاستراتيجي تحديداً. هذا عدا أن الطبقة المسيطرة استساغت احتقار النزاهة الأخلاقية. لم يعد يحرك لديها النقد الشعبي المعمَّم ضدها أية اهتمامات بردود الأفعال، ليس على صعيد المعاناة الصامتة لمواقف الرفض الجماهيرية وحدها، بل إن مسالك القادة أمست تضرب في عرض الحائط بكل احتمالات التمرد على جبروت الدولة الأمنية. يحدث هذا بعد أن لعب استيراد النيوليبرالية إلى ما وراء حصون القطريات السلطانية القائمة، أدواراً حاسمة في فك بعض العزلة من حول الأنظمة الأحادية القائمة، إن تكونت ثمة شرائح من أغنياء أسواق السمسرة باقتصاديات الحاجات الاستهلاكية، الضرورية منها والنافلة.
خبراء صناعة العقول الجماعية في أمريكا قد يحق لهم أن يهنِّئوا أنفسهم وهم يرصدون حركة الهرولة العربية نحو حقبة النيوليبرالية، في الوقت الذي تنفجر فيه فقاعاتها الوهمية في عواصمها الرئيسية. فالمتغير البنيوي والأيديولوجي الذي تشحنه النيوليبرالية وراءها أينما تحل، نجح في اختطاف المرحلة الانتقالية النابعة من ذاتية المجتمع التقليدي. والمتجهة به نحو الحداثة المتطابقة مع نوازع تحرره التاريخي، وراح يفرض عليها كل عاهات البرجزة الزائفة، ساعياً إلى قلب دينامية التطور الطبيعي لمجتمعاتها، واستبدالها بآلية الاستنساخ لأشباه الظواهر النخبوية. لكنها ستظل فقاقيع عائمة على ضفاف جمهراتها الراكدة؛ كأنها بإنتظار شرارة من نار الأزمة الاقتصادية العالمية لتحولها أثراً بعد عين. إنها تلك الفئات أو الشراذم من حواشي ما تحت السلطة، التى ترفع دونها أعمدة أسواق المال والسمسرة وحدها، وليس إنتاج التنمية الاقتصادية المشروعة. وتلتحق بهما معاً_ السلطة والبرجزة ـ فئات الحلفاء الطبيعيين من حولها، من منظمي مسارح الاستعراض في كل شأن جماعي أو فردي، من فعاليات الاستهلاك اليومي في التجارة والصناعة النافلة، كل في تسليع الإعلام و الثقافة، وموضات العصرنة الشخصانية في المظهر و القول و الفعل.
إنه منهج الانفكاك السياسي عن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي دفعة واحدة. ذلك المنهج الذي يوفر للسلطة احتكار القرار والسلوك السياسيين معاً، ويجعلهما بمنأى عن رقابة ما يسمى بالرأي العام، الذي يفقد هو بدوره، عوامله الذاتية المكونة لأفكاره ومواقعه الواضحة في ظل هذا المجتمع الانقسامي الجديد، ما بين البرجزة النيوليبرالية في طبقاته العليا، اللاهية في عقد صفقات الشراكة الخبيثة مع المال والسلطة، وبين كتل الطبقات الدنيا الغارقة في بحران العوز والحرمان والغيبيات، وضياع الطبقة الوسطى بينهما. إنه الانقسام البنيوي للكيان الاجتماعي الذي تستغله السلطة في منح ذاتها أكبر قسط من الحرية العابثة، بينما تمنع أقّلها عن بقية جماهيرها. تلك هي حرية اللامبالاة بالمصالح القومية على مستوى الأمة، كما هي حرية الاستهتار بأبسط حقوق المشاركة السياسية للمنظمات المدنية على مستوى الوطن الصغير لدولتها.
فحين تطلب السلطة الفلسطينية تغطية جديدة لمرحلة التنازلات الأخطر القادمة، من قبل النظام العربي فليس أسهل عليه من منحها إياها بالطبع، كما كان يفعل دائماً منذ ابتُليت فلسطين كقضية تحرر وطني بعاهات السلم الكاذب، مع اتفاقية أوسلو المشؤومة، بينما كان من المفترض، ولو شكلياً، ألا يتداعى أركان النظام العربي لحل المأزق الإسرائيلي الأمريكي الذي تعانيه إسرائيل من انهيار سمعتها العالمية كدولة إرهاب وحرب ضد الإنسانية، كما تعانيه رئاسة أمريكا في افتقادها المتسارع لبقية مصداقيتها، ووعودها المبذولة جزافاً، وتحديداً فيما تدَّعيه من الأولوية الممنوحة لقضية (الشرق الأوسط)، بحسب مصطلحها الملغوم هذا في تداوليات أدبيات الغرب.
التناقض العجيب الغريب بين قوى العرب العظمى وتفاهة الثقل السياسي لكياناتها الدولانية، حتى لا نقول مع انسداد مسارات التقدم الحقيقي بأبسط معاييره الحضارية والمادية أمام أجيال الأمة.. هذا التناقض من هو المسؤول عنه في ثقافة العصر النهضوي الذي من المفترض أن العرب يعيشون إرهاصاته ونكباته معاً، ولكن كما لو كان ذلك العصر والعيش الإنساني في كنفه، صارا أسيرين فقط لإيقاع الخيبات في سياق كل رهان حيوي تناقلته هذه الأجيال دون أن تضيف سوى الركام فوق الركام.
حديث القوى العربية المتوفرة بما لا تعرفه أفضل النخب، ولا تقرُّ به أية سلطة مسؤولة، هو كذلك حديث المنع والإجهاض والتشويه في الوقت نفسه لأية مبادرة سياسية أو فكرية، حاولت استكشاف شذرات من هذه القوى في الإنسان والجماعة والأرض، واستثمارها في تصحيح بوصلة هذه الدولة أو تلك.
مثلما ألهبت فلسطين شعلة الحراك السياسي في غابر الزمن، وشكلت معايير الصدقية وعكسها في مختلف الحركات (الثورية) وأنظمتها الحاكمة طيلة عقود متوالية، فإنها تنتهي اليوم إلى ما يشبه البضاعة الأخيرة لكل الخاسرين، من أهلها القريبين والبعيدين، بينما الرابح الوحيد هو العدو، إسرائيل التي ستكون هي الخاسر المحتوم، في نبوءات البعض من طلائعها المثقفة، كما عند الكثير من أصدقائها وأوليائها الغربيين. لكن انقلاب الأدوار والمصائر ليس من صنع الأقدار وحدها.
' مفكر عربي مقيم في باريس
****
نفخ فلسطيني في قربة عربية مثقوبة
نقولا ناصر
3/8/2010
سيكون من باب التمني، أو كما يقول المثل الشعبي العربي "كالنفخ في قربة مقطوعة"، أن يتراجع القادة العرب في مؤتمر قمتهم بليبيا أواخر الشهر الجاري عن قرار وزراء خارجيتهم يوم الأربعاء الماضي بتوفير غطاء عربي لتراجع المفاوض الفلسطيني عن شروطه المعلنة لاستئناف المفاوضات العقيمة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
ليس لأن هؤلاء الوزراء هم ألسنة قادتهم فحسب، بل لأن المفاوض الفلسطيني و"شماعته" العربية ليس في جعبتهم أي خيار آخر غير الرضوخ للضغوط الأميركية التي ما زالوا بدورهم ينفخون في قربتها المثقوبة ويرهنون قرارهم العربي ومعه القرار الفلسطيني للسراب الخادع بأن واشنطن قد تتمكن في يوم ما من امتلاك الإرادة السياسية لممارسة ضغط على عصاها الإسرائيلية الإقليمية التي تستخدمها ضدهم جميعا لكي "تتنازل" أو تذعن لجعل المصالح الحيوية الأميركية، لا المصالح "الأمنية" الإسرائيلية، هي عماد السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، لكن كل الدلائل تؤكد المرة تلو الأخرى بأنه لا الإدارات الأميركية المتعاقبة ولا الحكومات العربية معنية حقا بمساهمة جادة في تحول كهذا.
واللافت للنظر في قرار وزراء خارجية الدول الأعضاء في لجنة متابعة مبادرة السلام العربية ليس فقط ما اعترضت سوريا عليه بأنه ليس من صلاحية اللجنة اتخاذ قرار كهذا، ولا ما اعترضت علية "المعارضة" الفلسطينية بأنه يفوض قيادة فلسطينية منتهية شرعيتها بالتفاوض، ولا ما اعترضت عليه فصائل فلسطينية أعضاء في منظمة التحرير التي تقودها رئاسة محمود عباس بأنه قرار مخالف لقرار سابق اتخذته اللجنة التنفيذية للمنظمة حول استئناف المفاوضات.
بل إن الأكثر لفتا للنظر أن قرار لجنة المتابعة يعبر لأول مرة عن موقف عربي سقفه أدنى من السقف السياسي المعلن للمفاوض الفلسطيني الذي كان دائما يستقوي بالسقف التفاوضي الأعلى للموقف العربي. ويلفت النظر أكثر أيضا أن لجنة المتابعة العربية قد أجازت الانفراد الفلسطيني بالتفاوض في تناقض صارخ مع مبادرة السلام العربية التي "تتابعها" والتي "أجمع" القادة العرب عليها تحديدا من أجل وضع حد لمزيد من الانفراد العربي في الصلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل أن يسالموا جماعة إن عجزوا عن الحرب جماعة.
أما التناقض الأكبر في قرار لجنة المتابعة فيكمن في موافقة عربية على الإيحاء الخادع ب"تعريب" القرار التفاوضي الفلسطيني بينما يعرف وزراء الخارجية المعنيين وقادتهم أكثر من غيرهم بأن القيادة الفلسطينية المفاوضة إنما كانت تبحث عن مجرد غطاء عربي يمنحها شرعية عربية تمكنها من مواجهة شبه إجماع وطني فلسطيني رافض لاستئناف المفاوضات – في الأقل في إطار المعطيات السياسية والميدانية الراهنة – من أجل مواصلة مسار كان منذ البداية مسارا تفاوضيا منفردا وثنائيا غير عابئ بأي موافقة أو أي رفض عربي له ولتكتيكاته ومرجعياته، مسارا تجهد الدول العربية لمعرفة حيثياته وتفاصيله خشية أن يتمخض عن نتائج قد تكون سلبية على أمنها الوطني (الأردن مثالا) أو تكون سلبية على مسارات التفاوض الثنائية الأخرى (سوريا ولبنان).
وفي هذا السياق لا بد من تسجيل المفارقة الكامنة في حرص الرئاسة الفلسطينية المفاوضة على منح شرعية عربية لاستئناف المفاوضات بينما كانت هذه الرئاسة نفسها غير معنية حتى بالحصول على شرعية فلسطينية عندما فاوضت سرا ثم وقعت على "إعلان المبادئ" (اتفاق أوسلو) في واشنطن عام 1993، دون استئذان أحد من العرب أو نيل بركتاهم، من وراء ظهر الوفد الفلسطيني "الرسمي" الذي كان حينها يدير مفاوضات علنية شفافة في العاصمة الأميركية طوال اثنين وعشرين شهرا مما قاد رئيس هذا الوفد الراحل د. حيدر محي الدين عبد الشافي إلى الاستقالة في نيسان / أبريل عام 1993 بسبب الخلاف حول المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية ورفضه أي تسوية بشأنها لا تنص على إزالتها.
وهذه هي نفسها العقدة التي تمنع في الوقت الحاضر حتى إجماع الفصائل المؤتلفة في إطار القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير على استئناف المفاوضات دون "تجميدها"، ناهيك عن إزالتها بعد أن تفتقت عبقرية المفاوضين عن فكرة "تبادل الأراضي" لإبقائها تمهيدا لضمها إلى دولة الاحتلال، وهذه هي نفسها المستوطنات التي ألزمت الرئاسة المفاوضة نفسها بعدم استئناف المفاوضات قبل تجميدها كشرط مسبق ولو لفترة مؤقتة قبل أن تقرر تحت الضغط الأميركي التراجع عن شرطها بالبحث عن شماعة عربية تعلق عليها تراجعها، وقد وفرت لها لجنة المتابعة العربية يوم الأربعاء الماضي هذه الشماعة.
والمفارقة الثانية الجديرة بالتسجيل هنا أن لجنة المتابعة العربية قد اجتمعت وعلى جدول أعمالها الفلسطيني بند واحد فقط هو المقترح الأميركي باستئناف مفاوضات غير مباشرة، وأن الرئاسة الفلسطينية قد "طلبت" -- طبقا لكبير المفاوضين صائب عريقات في التاسع عشر من الشهر الماضي -- اجتماع وزراء الخارجية العرب الثلاثة عشر الأعضاء في اللجنة لبحث هذا المقترح الأميركي، دون أن تكلف إحداها أو الجانب الفلسطيني الذي طلب اجتماعها أنفسهم بإضافة أي مقترحات بديلة يبحثونها، ثم يغضبون جميعهم أو أكثرهم إن قال محلل أو معلق سياسي إن واشنطن هي التي تضع جداول الأعمال لهم، وإنهم جميعا أو أكثرهم يفتقدون الإرادة السياسية الحرة لكي لا تكون حركتهم السياسية مجرد ردود فعل مستجيبة للضغوط الأميركية.
وإذا كان لا يوجد على جدول أعمال القيادة الفلسطينية المفاوضة سوى بند واحد فقط هو التفاوض الذي بدونه لا يعود هناك أي مسوغ لوجودها، لأن "الحياة مفاوضات" كما كتب عريقات، بحيث أصبح التفاوض هدفا في حد ذاته، فإن الإجماع العربي قد أجمع على الهدف ذاته كما يبدو، لأن هناك "قناعة كاملة" لدى الحكومات العربية ومن تراهن عليهم في البيت الأبيض الأميركي وكثير من الدول الغربية بضرورة الحفاظ على مسار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية دون ربط هذه المفاوضات بفترة حكومة رئيس وزراء دولة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو، كما قال وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي على هامش اجتماع لجنة المتابعة العربية في القاهرة، بالرغم من اعتراف محمود نفسه بأن "هناك تراجعاً خطيراً في الموقف الأميركي عن الموقف الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما في بداية ولايته".
فعندما يصبح "الموقف الفلسطيني هو (نفسه) الموقف العربي"، كما قال نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم عباس، يكون هناك تضامن رسمي عربي – فلسطيني حقيقي مصر على أن يلدغوا جميعا من الجحر الأميركي مرات، لا مرتين، وفي هذه الحالة لا يعود "الترحيب" الإسرائيلي بقرار لجنة المتابعة العربية مستغربا.
لكن في هذه الحالة ربما يكون من الأجدى لعرب فلسطين أن يعودوا إلى الاستراتيجية الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتعريب قضيتهم عبر القفز عن الحكومات العربية لمخاطبة أشقائهم من شعوبها مباشرة، فالطاقات الكامنة في استعداد الأمة وشعوبها للتضحية من أجل قضية ما زالت الأمة وشعوبها يعتبرونها قضيتهم المركزية كفيلة بتغيير معادلة الصراع وموازين القوى فيها تغييرا يغني عرب فلسطين عن الاستمرار في النفخ في القربة المثقوبة للحكومات العربية.
*كاتب عربي من فلسطين
nicolanaer@yahoo.com*
*****
الموساد في ذمة الانتربول
د. أيمن أبو ناهيــة
3/8/2010
غرور دولة الاحتلال جعلها تعتبر نفسها دائماً فوق القانون الدولي، لا بل فوق العالم بأسره ولا تحسب حساباً لأحد، حتى أنها لا تحترم المعاهدات الدولية التي وقعت عليها، لأنها لم تجد من يلزمها ويقيدها بها.
ففي الوقت الذي يحتدم النقاش بخصوص تقرير لجنة التحقيق الدولية برئاسة "غولدستون"، حول جرائم الحرب ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الاحتلال أثناء الحرب على غزة، تقوم بارتكاب الجرائم تلو الجرائم بحق الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بالتصفيات الجسدية والاغتيالات البشعة بدم بارد وبدون اخذ أي اعتبار لأحد وقد شجعها على ذلك الصمت العربي والدولي المطبق الذي اعتادت عليه على مدار 60 سنة الماضية. فكم مرة تصدر المحاكم الدولية قرارات باعتقال مجرمي الحرب من الصهاينة؟ وكم مرة تصدر قرارات اعتقال ضد مسؤولين عسكريين صهاينة في كثير من دول أوروبا ولكن لم تنفذ بعد؟ فبدلا من تنفيذ إلقاء القبض عليهم توجه لهم التحذيرات بعدم القدوم إلى تلك الدول أو يوجه لهم النصح بالمغادرة إذا كانوا موجودين في تلك الدول خوفا عليهم من الاعتقال أو عدم ملاحقتهم قضائيا بحجة تمتعهم بحصانات دبلوماسية.
فكل هذه المحاباة والمراضاة والتساهلات المقدمة للصهاينة على طبق من ذهب نتج عنه كل هذه التجاوزات والانتهاكات الصهيونية وعدم إعطاء أي اهتمام لأي جهة إطلاقا فهم لا يخشون أي ردة فعل ولا حتى استنكار من احد على هذه الجرائم، لأنهم يأخذون القانون الدولي بأيديهم، لذلك أقدم جهاز الموساد على فعلته الإجرامية باغتيال الشهيد محمود المبحوح بدم بارد في إمارة دبي على مرأى ومسمع من العالم بأسره. حتى أن أفراد خلية الموساد الإجرامية، المكونة من 28 شخص (حسب مصادر شرطة دبي)، تجاوزت الخطوط الحمراء بانتحال شخصيات وأسماء أشخاص بتزوير جوازات سفر أوروبية اغلبها بريطانية بالإضافة لحوزتهم على جوازات سفر ألمانية وفرنسية وايرلندية واسترالية وحصولهم على بطاقات ائتمان أمريكية ومزودين ببطاقات تلفونية وشرائح بلفونية نمساوية.
لم تكن هذه المرة الأولي التي يقدم عليها الموساد بتزوير أسماء وجوازات سفر غربية، فقد سبق أن استخدم جوازات سفر كندية في تنفيذ محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل في عمان، والغريب في الأمر تزامنت جريمة تزوير الموساد لأسماء وجوازات السفر الأوروبية مع الحملة الأوروبية المذعورة بتشديد الإجراءات الأمنية على مطاراتها وتكثيف إجراءات التفتيش والتدقيق على المسافرين بفحص جوازات السفر بحجة مكافحة الإرهاب ومنع التسلل والتهريب وانتحال الشخصية.
فإذا كانت الدول الغربية فعلا معنية بعدم انتحال الشخصية وتزوير جوازات السفر وبطاقات ائتمان، لماذا إذن لم توقف الموساد عند حده ولتلزمه وحكومته بعدم انتحال شخصيات وأسماء مواطنيها بتوظيفها للقيام بعمليات إرهابية في أنحاء دول العالم؟ ولماذا لم تقم الدول الأوروبية بإجراءات وقائية وقانونية ضد الموساد لمقاضاته وحكومته في المحاكم الدولية على قضية تزوير شخصيات وأسماء مواطنيها وجوازات سفر بلادها؟ أليس انتحال شخصيات لأشخاص وتزوير أسماء وجوازات سفر لهو الإرهاب بعينه؟ ولماذا لم تضع الدول الأوروبية أسماء أفراد خلية الموساد على قائمة المطلوبين بما يعرف بـ"اللوحة السوداء" بان تصدر محكمة الجنايات الدولية حكم ملاحقتهم من خلال الانتربول الدولي حتى يتم القبض عليهم وتقديمهم للعدالة؟ وإذا كانت الدول الأوروبية ستتهاون في مثل هذه المسألة ما هي دواعي الإجراءات الأمنية التي تتخذها في بلادها؟!!!
لقد تَعَود الموساد وحكومته على ارتكاب الجرائم والإفلات دون عقاب، بل يجدوا من يغطي ويتستر عليهم ويوفر الحماية القانونية لهم، لكن الآن جاءت لحظة ثقافة عدم الإفلات من العقاب بملاحقة جميع المتورطين بعملية الاغتيال وتقديمهم للعدالة والقضاء الدولي لينالوا العقاب كما جاء في تقرير "غولدستون". فلا اعتقد أن حركة حماس قد تقع من جديد في فخ الانجرار وراء ما يسعى إليه الموساد منذ سنين طويلة لجعلها تنقل المعركة إلى الخارج بالثأر للشهيد المبحوح، بل يعتبر هذا خطأً استراتيجياً يؤثر على مستقبلها دولياً، وأرى أن الصواب هو وضع قضية الشهيد المبحوح بين يدي العدالة الدولية خاصة وأن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة - التي لازالت بفضل التقنيات الحديثة التي تمتلكها تكشف كل يوم عن تفاصيل جديدة لتورط الموساد في عملية اغتيال المبحوح الفاشلة - تصر على ملاحقة المتورطين من الموساد في اغتيال الشهيد المبحوح عبر الشرطة الدولية (الانتربول), حيث طالب القائد العام لشرطة إمارة دبي, الفريق ضاحي تميم, الانتربول أن تصدر أمراً باعتقال رئيس جهاز الاستخبارات الموساد, مائير دغان وجميع أفراد الخلية منفذو اغتيال المبحوح وتقديمهم جميعاً للعدالة والقضاء الدولي للنيل منهم وهذا اقل ما يمكن فعله لعدم تكرار مثل هذه الجرائم بانتهاكهم حرمة بلاده والعبث بأمنها واستقرارها واستخفافهم بقوانينها للقيام بجرائم قتل عن طريق استخدامهم جوازات سفر وجنسيات وأسماء وبطاقات مزورة
أستاذ الاجتماع والعلوم السياسية –غزة-.
****
السعوديون ينوبون عن إسرائيل بتأليب الصين ضد إيران
3/9/2010
في تعليقي على زيارة وزير الخارجية السعودي للصين، أريد أن أوجه عددا من الأسئلة إلى الأشقاء في الحكم السعودي، وأرجو منهم أن يجيبوا شعوب العالم العربي والعالم الإسلامي عليها لكي لا نظلمهم ولا يظلموننا، وبكل صراحة. والأسئلة هي:
1- إلى متى ستبقون مطية ووسيلة دمار تستعملكم أمريكا لدمار الدول العربية والشرق الأوسط وشعوبهما والدول الإسلامية؟
2- هل دولتكم جزء من الأمة العربية، أم جزء من المنظومة الإسرائيلية في المنطقة و لماذا تساعدون أمريكا على دمارنا، أم أن هذا ثمنا لحمايتكم من شعوبكم؟
3 - إذا كانت إيران تسعى لإنتاج سلاح نووي، أين كنتم أنتم، ولماذا لا تسعون للحصول على نفس السلاح، بدل إهداركم أموال شعبكم والشعوب العربية من البترول في شراء القصور في شتى بقاع العالم وشراء السلاح والذمم لمحاربة شعبكم وبناء المحطات الفضائية الخــــلاعية لإفساد الشباب العربي، فأموال بترولكم نقمة وليست نعمة لا لشعبكم ولا للشعوب العربية، وغالبية شعبكم انفق أمواله في النوادي الليلية خارج بلدكم كل الوثائق تثبت هذه الحقيقة المرة. للأسف أنتم مطالبون بالرد على كل هذه الأسئلة قبل أي حساب!
صالح الرويلي
****
التاريخ السعودي يعيد نفسه: بالأمس العراق واليوم إيران
3/9/2010
تذكرنا زيارة الوزير السعودي للصين لشراء موقف ضد إيران، بالخطوات السعودية سنة 1990 لشراء الموقف الروسي ضد العراق، حينما أعلن عن منح روسيا أربعة مليارات دولار وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدولة التي كانت لعشرات السنين الماضية تمثل الإلحاد من وجهة النظر السعودية، ولكن فجأة انتقلت إلى معسكر الإيمان الأمريكي في أثناء أزمة الخليج وسخر مال المسلمين كله في مشاريع الأمير بندر لجلب الدمار الأمريكي عليهم، كما يسخر اليوم المال نفسه لجلب دمار مشابه على الأمة العربية والإسلامية التي يتحدثون باسمها، وكأنه لا نصيب لها من هذا المال إلا في الإنتحار به حبا وولها بعيون الغرب وإسرائيل بدل تسخيره في إحداث نهضة ضاعت وضاعت آمالها ..إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد شعبان
****
لقد بالغ السعوديون في تطرفهم!
3/9/2010
أن يسير الإتحاد الأوروبي ومعه العديد من الدول العربية بالحذاء الأمريكي فإن ذلك ليس بالشيء الغريب علينا، ولكن كون أن السعودية ستحاول إقناع الصين بدعم مشروع أمريكي لاستصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات جديدة على إيران على خلفية ملفها النووي، وان الرياض ستقوم بعرض نفط وغاز بأسعار منخفضة لتعويض الصين عن مصادر الطاقة الايرانية، هذا يجعلنا نتمنى وندعو الله بحرق هذه الكائنات أحياء ليكونوا عبرة لمن يعتبر من أهل الإسلام!
السيدة كلينتون تقول أنها تعتقد أن إيران لن تتفاوض بصدق مع المجتمع الدولي بخصوص برنامجها النووي'! والسؤال هو: هل تفاوض المجتمع الدولي بصدق مع إيران؟ وقف إطلاق النار وتبادل السفارات وليس سلاما كاملا، يقول الأشاوس فما دخل القضية الفلسطينية بذلك؟ 'النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي'. فهل تفقهون؟ لا ولن تفقهوا.
فهد عبد السميع - القاهرة
****
هيروشيما ونجازاكي
بابكر عباس الأمين
3/9/2010
اقتصر دور الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية, حتي عام 1941, علي تزويد الحلفاء بالعتاد العسكري وتوفير الحماية البحرية لسفنهم في الأطلنطي. وفي يوليو 1941, قطعت أمريكا صادارتها النفطية لليابان, ثم نقلت قيادة أسطولها البحري من ساندياقو, كاليفورنيا إلي بيرل هاربر بحيث بات أقرب لليابان.
اعتبرت اليابان هاتين الخطوتين بمثابة عداء تصحبه رغبة مبطنة لدخول أمريكا في الحرب ضدها. لذا قررت توجيه ضربة إستباقية لها, فهاجمت بيرل هابر في نوفمبر 1941, حيث ألحقت بها خسائر فادحة. وعلي أثر هذا الهجوم دخلت أمريكا الحرب ضد اليابان.
أظهر الجيش الياباني مقدرات وتكتيكات عسكرية مدهشة, كما أثبت الجندي الياباني شراسة, وكان مبدأه الموت بشرف أفضل من الاستسلام في ذل. وكمثال علي ذلك المعركة التي دارت للسيطرة علي جزيرة صغيرة من جزر سليمان عام 1942. لم تتمكن القوات الأمريكية من هزيمة الجيش الياباني واحتلال تلك الجزيرة إلا بعد ستة شهور من المعارك الطاحنة, التي قُتل فيها 12 ألف جندي أمريكي. وكانت أكبر خسارة بحرية في التاريخ هي العمليات الانتحارية التي قادها الطيارون اليابانيون ضد الأساطيل الأمريكية في المحيط الهادي.
وبتقدم الحرب أصبحت اليابان في وضع عسكري وجيوسياسي أضعف لسببين. الأول: تسبب سقوط روما, ثم استسلام ألمانيا في مايو 1945, في تسديد ضربة معنوية لها. كما مكَّن أمريكا من تركيز ترسانتها الحربية علي الجبهة الغربية والسيطرة علي المحيط الهادي, وفرض حصار بحري علي اليابان أدَّي إلي شُح النفط والمواد الغذائية. الثاني: مقابل اعتراف أمريكا وبريطانيا بسيادة الإتحاد السوفيتي علي جمهوريات البلطيق وجزر صينية, ألغت روسيا اتفاقية الحياد مع اليابان, ثم دخلت الحرب ضدها. وكان تدهور الوضع الداخلي في اليابان معلوماً للأمريكان, لأنهم تمكنوا من فك الشفرة اليابانية في يوليو 1945, والتقطوا مكالمات تشاور فيها الإمبراطور حول إنهاء الحرب.
قبل إلقاء قنبلة هيروشيما كان الطيران الأمريكي قد تمكن من تدمير من 30 إلي 50 في المئة من المدن اليابانية الهامة, مما أدَّي لأن يصبح ملايين اليابانيين دون مأوي. وعن اختيار مدينتي هيروشيما ونجازاكي كهدفين, فقد تفادت أمريكا قصفهما, قبل إلقاء السلاح النووي, كتجربة لرؤية مفعول وآثار السلاح الذري. فحسب مذكرات هنري ستمسون, وزير الحرب الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية: "كنا نخشى أن يقضي سلاح الطيران علي المدن اليابانية بحيث لا نجد هدفاً يظهر قوة السلاح الجديد."
ولعلم مجموعة من العلماء, الذين ساهموا في مشروع مانهاتن النووي بفتك السلاح الجديد, اقترحوا علي الإدارة الأمريكية إقتراحاً لربما أدَّي لاستسلام اليابان دون إلقاء القنبلتين النوويتين. قال الاقتراح أن يتم إجراء تفجير ذري في صحراء أو جزيرة نائية بحضور ممثلين عن كل الدول ليشاهد العالم, بما فيه اليابان, القدرة التدميرية الهائلة للسلاح الجديد. إلا أن الرئيس الأمريكي, هاري ترومان, رأي أن ذلك إن أدَّي لاستسلام اليابان فإنه لن يكون استسلام بدون شروط, كما يريد. وكان إصرار ترومان علي استسلام ياباني غير مشروط إرسال رسالة للعالم كافة بقوة ونفوذ أمريكا. إضافة إلي أن بعض فريق الإدارة الأمريكية رأي أن اقتراح أولئك العلماء سيجرِّد أمريكا من عامل المفاجأة, وبالتالي, الصدمة.
أُلقِيت القنبلة الذرية الأولي علي هيروشيما يوم 681945. وبلغت درجة الحرارة نتيجة القنبلة 4,500 درجة مئوية, أي ما يساوي حرارة مركز الشمس أربع مرات. وكان عدد الذين ماتوا في الحال مئة ألف, إضافة إلي خمسين ألف فيما بعد من أثر سموم الإشعاع الذري. ولم تكن هناك جثث في مركز سقوط القنبلة لأنها تحولت الي رماد. وبعد إلقاء القنبلة علي هيروشيما أعلن الرئيس الأمريكي, هاري ترومان من الإذاعة: "أننا قد ألقينا سلاحاً جديداً علي قاعدة عسكرية وتحاشينا المدنيين." صحيح أن هيروشيما كانت بها منشئات عسكرية إلا أن عدد المنشئات المدنية من أعمال تجارية وكنائس ومصانع ومستشفيات ومدارس, إضافة إلي عدد المدنيين قد كان ضخماً. كان عدد سكان هيروشيما قد بلغ 200 ألفا منهم 40 ألف عسكري. بل أن ترومان حاول أن يضفي علي السلاح الجديد بُعداً دينياً حينما قال فيما يشبه الفتوى: "نشكر الله لأن هذا السلاح قد وقع في أيدينا بدلاً عن أيدي الأعداء. إننا نصلي لله كي يقودنا لاستعماله في طريقه (الله) وأهدافه."
وقبيل إلقاء قنبلة هيروشيما, كان الجنرال مهندس ريتشارد قروف, مشرف مشروع مانهاتن, قد أصدر أوامره لقادة الميدان بعدم الإدلاء بأي تصريحات للصحفيين عن آثار السلاح النووي, بدون إذن من وزارة الحرب. وكان كل ما صدر من تصريحات صحفية من وزارة الحرب - عقب استخدام السلاح النووي - قد انحصر في تكرار ضحايا بيرل هاربر الأمريكيين. كما انحصرت التبريرات الرسمية علي أن استخدام السلاح النووي سيحسم الحرب أسرع, وبالتالي, يقلِّل عدد الموتى. بيد أن هذا يتضمن أن الحفاظ علي أرواح الجنود الأمريكان, في ميدان القتال, أهم من الحفاظ علي أرواح اليابانيين الذين لقوا حتفهم من جراء السلاح الذري.
كانت اليابان علي وشك الاستسلام بعد قنبلة هيروشيما إلا أن أمريكا ألقت القنبلة الثانية علي نجازاكي في 981945. ولم تُلقي القنبلة في مقر قيادة الأسطول الياباني إنما أُلقيت في مركز المدينة, حيث مات 70 ألف في الحال. إضافة إلي الموت كنتيجة مباشرة لإلقاء القنبلتين, فقد مات عشرات الآلاف فيما بعد من جراء سموم الإشعاع الذري والسرطان. أما الأحياء الذين نجوا, فقد تعرضوا لأمراض خطيرة كنزيف وتفسخ الجلد وتساقط الشعر والحمي المستعصية, استمرت آثارها لجيل كامل. وبحلول عام 1950, فقد بلغ مجموع قتلي المدينتين 350,000 شخصاً. وباستخدامها لهذا السلاح فإن الولايات المتحدة قد نقضت توقيعها علي معاهدتي لاهاي لمنع استخدام الأسلحة السامة عامي 1899 و 1907. كما تنصلت من موافقتها علي قرار عصبة الأمم عام 1938 بمنع قصف مواقع المدنيين.
وكان الأدميرال وليام ليهي, قائد الأركان الأمريكي قد ذكر, بعد استسلام اليابان, بأنها كانت علي وشك الاستسلام, لذا فان إلقاء القنبلتين لم يكن له مبرر. وأضاف بأنه أضعف أمريكا بالمعايير الأخلاقية وأعادها لمستوي برابرة العصور المظلمة. والحقيقة أن الدافع وراء قرار إلقاء القنبلتين النوويتين علي اليابان لم يكن عسكرياً, إنما كان سياسياً القصد منه إرسال رسالة للعالم عامة, وللسوفيت خاصة بالسلاح الجديد الذي ملكته أمريكا. ومن ناحية أخري, أدركت أمريكا أن اليابان لو هُزمت دون استعمال السلاح النووي لأصبح الإتحاد السوفيتي شريكا, وبالتالي, لطالب باقتسام اليابان معها كحالة ألمانيا. إضافة إلي أن استخدام هذا السلاح قُصد منه تقليل سقف طموح السوفيت في مفاوضات ترتيبات ما بعد الحرب في شرق ووسط أوربا. الطريف أن من بين المبررات التي ساغها الرئيس الأمريكي لإلقاء القنبلتين هو إقناع الكونغرس بأن المبلغ الذي أُنفق في مشروع مانهاتن النووي (2,6 بليون دولار) لم يضع هدرا.
وهناك عامل آخر هو أن الإدارة الأمريكية قصدت كسر الإنسان الياباني نفسياً بصدمة السلاح الذري والاستسلام. كانت اليابان قد تمكنت منذ نهاية القرن التاسع عشر من التحديث وإضافة العلوم والتكنولوجيا الغربية دون المساس بثقافتها وتقاليدها المحلية إطلاقاً. أدي ذلك لأن تصبح قوة لها وزنها حيث حصلت علي مقعد دائم في عصبة الأمم, كما كان لها مشروعها النووي. وبلغت من القوة بحيث أنها لم تُهزم في الحروب التي خاضتها قبل الحرب العالمية الثانية ضد كوريا والصين. كما استطاعت هزيمة الأسطول الروسي عام 1905.
أدي استعمال السلاح الذري ضد اليابان إلي سباق التسلح النووي إذ تمكَّن الإتحاد السوفيتي من تفجير الذرة عام 1949, ثم فاقت ترسانته النووية الترسانة الأمريكية. صحيح إن اليابان قد نجحت في إعادة البناء والنهوض الاقتصادي بعد الحرب بسرعة قصوي. إلا أن الولايات المتحدة قد أفلحت في هزيمة اليابان نفسياً وربطها بأمريكا اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. ونتيجة لذلك فإن يابان ما بعد هيروشيما لم تعد يابان ما قبلها نسبة لهيمنة الثقافة الأمريكية, وما صحبها من آفات اجتماعية كثقافة الاستهلاك وتدهور مؤسسة الأسرة وانخفاض الإنجاب وانتشار المخدرات.
كاتب سوداني
****
بين فياض وبن غوريون: الدولة ووهم الدولة
عبد الحميد صيام
3/9/2010
كنا في مقال سابق في 'القدس العربي' علقنا على مديح شمعون بيريس للسيد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية وتمنينا عليه أن يرشحه لجائزة نوبل ليكون الفلسطيني الثاني الذي يحصل على هذه الجائزة الرفيعة. 'فالجائزة الأولى كانت ثمن التنازل عن 78' من فلسطين التاريخية والثانية ستكون ثمن التنازل عن البقية الباقية من الرقع الصغيرة والمعازل المتناثرة التي يسكنها هؤلاء الفلسطينيون الغرباء والذين يعكرون نقاء يهودية الدولة'.
لكن مديح بيريس للسيد سلام فياض، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، تجاوز كل حدود بل وأثار زوبعة في إسرائيل نفسها عندما شبهه ببن غوريون. فقد شارك السيد فياض في مؤتمر هرتزيليا السنوي المعني أصلا بأمن الدولة وكيفية مواجهة الأخطار التي تهددها وعلى رأسها الخطر الديمغرافي والخطر الإيراني والخطر الإسلامي، وألقى كلمة في الحضور عشية الثاني من شهر شباط (فبراير) وصفه بعض المريدين أنه خطاب شجاع وكأن إسرائيل ترتعد للخطابات وتقلق من أثرها المدوي في قاعة المؤتمر.
وعبثا حاولت منذ ذلك اليوم أن أجد وجه شبه بين الرجلين: بن غوريون وفياض ولمّا أعثر على أي أثر. قلبت الصفحات وغصت في بطون الكتب وراجعت الكثير من التعليقات ولم أجد شيئا. ثم حاولت أن أفسر ما قد عناه ثعلب السياسة الإسرائيلية العجوز في هذا التشبيه. وقد توصلت إلى تفسير قد يكون في ذهن المتحدث والله أعلم.
فقد يكون السيد بيريس يعني أن بن غوريون عمل على بناء مؤسسات الدولة وهي تقبع تحت الاحتلال البريطاني (وهنا تشويه وقح للتاريخ) مثلما يحاول فياض أن يبني مؤسسات الدولة الفلسطينية وهي قابعة تحت الاحتلال الإسرائيلي (وهنا اعتراف لئيم ولكنه وقح أيضا). ولا أعرف حقا وأتمنى أن أعرف يوما كيف فسر السيد فياض نفسه هذا التشبيه. مصدر الوقاحة والتزوير أن يسمي بيريس الانتداب البريطاني لفلسطين الذي تم على خلفية وعد بلفور وتفويض صريح من عصبة الأمم للمساهمة في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، يسميه احتلالا (للدولة اليهودية طبعا) ويقارنه بين الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهو ما قد كان يعنيه بيريس على فرض أن فهمي للمقارنة صحيح. إذ يحاول الصهاينة أن يزوروا التاريخ ويقولوا إن بريطانيا استعمرت بلدهم وقاموا بحرب لنيل الاستقلال ونالوه فعلا عام 1948 كما ويسمون الخامس عشر من شهر أيار (مايو) بعيد الاستقلال مما يوحي أن الدولة كانت قائمة ولكنها وقعت تحت احتلال أجنبي وناضل أبناؤها ضد المحتل حتى انتزعوا الاستقلال. أي تزوير للتاريخ أكثر جلافة من هذا؟ وأود فقط أن أقتبس مقولة للمرحوم جميل البارودي ممثل المملكة العربية السعودية الأسبق في الأمم المتحدة عندما وقف خطيبا في قاعة الجمعية العامة ليقول: 'إن إنشاء دولة إسرائيل لم يكن نتيجة لوعد من الله بل نتيجة لوعد من بريطانيا يسمى وعد بلفور، فالله لا يعمل مندوبا عقاريا ليقتطع أراضي شعب ويمنحها لشعب آخر'. فلو لم يكن هناك انتداب بريطاني لفلسطين لما قامت الدولة أصلا ولما تم التطهير العرقي الذي أشرف عليه بن غوريون نفسه لإخلاء فلسطين من سكانها الأصليين لتستقبل المستوطنين اليهود من كل بقاع الأرض.
إذن أين التشابه بين الرجلين؟
ليس سرا أن السيد فياض لم يحمل مسدسا في حياته بل ويفتخر بهذا، ولم ينضم إلى تنظيم فلسطيني ولم يشارك في مظاهرة لأجل فلسطين ولم يكن جزءا من الانتفاضتين ولم يبت ليلة واحدة في سجون الاحتلال ولم يشارك في مسيرة سلمية لأجل القضية ولم يرشحه أحد إلى هذا المنصب والذين فرضوه على الساحة الفلسطينية هم الأمريكان الذين يعرفونه من أيام دراسته في تكساس وعمله في البنك الدولي ثم صندوق النقد الدولي. المرة الوحيدة التي جرب فيها الأحزاب والتحزب عندما أسس دكانا سياسيا صغيرا استعدادا لانتخابات المجلس التشريعي عام 2006 مع حنان عشراوي وياسر عبد ربه أسموه 'الطريق الثالث' أي بعيدا عن فتح وحماس، وخاض ثلاثتهم الانتخابات فنجح فياض وعشراوي وسقط عبد ربه.
كل ما وجدت في تاريخه النضالي أنه اشترك في شهر كانون الثاني (يناير) بإحراق بعض الخضر والفواكه المنتجة في المستوطنات والتي وجدت على رفوف بعض محلات الفلسطينيين. هذا الحدث دعا بعض غلاة الصهاينة لمنحه لقب 'إرهابي'.
أما بن غوريون، فلا أحد ينكر، إلا جاهل، الدور المحوري الذي لعبه في إقامة الدولة اليهودية العنصرية وهزيمة الجيوش العربية الخمسة واقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم وقيادة 60 ألفا من قوات الهاغانا والتي بدأت حرب التطهير العرقي في أوائل عام 1947 ومراجعة لمسلسل المذابح التي ارتكبتها قوات بن غوريون المنظمة والمنضبطة تبين مدى الاستهتار بالذاكرة العربية والفلسطينية عند تشبيه فياض ببن غوريون.
بن غوريون هاجر من بولندا إلى فلسطين عام 1906 وهو في العشرين من عمره وانضم إلى مجموعة الحرس التي كانت تحمي البؤر الاستيطانية من هجمات الفلسطينيين. وللعلم فإن الحاكم العثماني في بيروت قد أجاز تشكيل تلك الوحدات بعد أن قام الفلاحون الفلسطينيون بالهجوم على بؤرة استيطانية وقتلوا أحدهم. وفي عام 1918 انضم إلى الفيلق اليهودي الذي تشكل للقتال إلى جانب القوات البريطانية ثم عاد بعد الحرب واستقر نهائيا في فلسطين. وطالب يهود فلسطين بالانضمام إلى الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، فتطوع الآلاف منهم وحاربوا ضمن قوات الحلفاء مما دعا بريطانيا إلى الاعتراف شبه الرسمي بالهاغانا ورئيسها بن غوريون وتحويل معظم المعسكرات البريطانية للهاغانا بعد انتهاء الانتداب. وبن غوريون هو الذي أعلن في الرابع عشر من أيار (مايو) 1948 بيان الاستقلال وهو أول رئيس وزراء منتخب وظل في المنصب لغاية 1963 ما عدا سنتين (1953 -1955) عند تولي موسى شاريت المنصب. وفي عهده تم ترحيل آلاف اليهود العرب إلى إسرائيل ضمن عملية أطلق عليها بن غوريون 'عملية البساط الطائر'، وفي عهده تم بناء مفاعل ديمونة للأبحاث النووية وفي عهده تم تنفيذ العدوان الثلاثي على مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر بالتآمر مع بريطانيا وفرنسا. وظل بن غوريون ملتزما بالقضية الصهيونية طوال حياته وجمع بين القيادتين العسكرية والسياسية. كما كان رئيسا للوكالة اليهودية وأسس حزب الماباي (العمل). كما وحد جميع الفصائل تحت قيادته عند اقتراب إعلان الدولة دون هوادة أو تراخ. أما قبل ذلك فكان ينسق الأعمال الإرهابية مع الأرغون وستيرن ثم يباعد نفسه عن الحادث عند وقوعه، كما فعل في تفجير فندق الملك داوود عام 1946، حيث وافق مع مناحم بيغن على التفجير ثم أدان العملية من بعد.
بدأ في بناء مؤسسات الدولة قبل إعلانها وخاصة الجيش، حيث كان يعلم علم اليقين أن إسرائيل لن تستطيع البقاء إلا بالقوة وفرض إرادتها على العرب وإخلاء السكان الأصليين من البلاد. يقول بن غوريون عام 1956 في تعليق على حب الفلسطينيين لوطنهم كما اقتبسه ناحوم غولدمان في كتابه المهم : المعضلة اليهودية (1978): 'لماذا يقبل العرب بالسلام؟ لو كنت قائدا عربيا لن أقبل بالتصالح مع إسرائيل أبدا. وهذا شيء طبيعي. لقد جئنا وأخذنا بلادهم. نعم كان هناك معاداة للسامية ونازيون وهتلر ومعتقل أوشوتز، وهل كان ذلك ذنبهم؟ هم يرون شيئا واحدا: جئنا إلى هنا وسرقنا منهم بلدهم فكيف يمكنهم أن يقبلوا هذا؟ قد ينسون ما حدث بعد مرور جيل أو جيلين، لكن في الوقت الحاضر لا يوجد أية فرصة للنسيان. ودعني أقول بكل بساطة: يجب أن نبقى أقوياء ونحافظ على وجود جيش قوي'. كما يعلق غولدمان على مدى تطرف سياسة بن غوريون ضد العرب قائلا: إن بن غوريون هو صاحب النظرية التي تقول: كلما قويت شوكتنا أكثر فأكثر كلما اقترب العرب من القبول بالاتفاق معــنا' ( صفحات: 98 و99 من الطبعة الإنكليزية للكتاب).
كم كان محقا بن غوريون في رؤيته لمستقبل الصراع مع الأنظمة العربية وكم كان مخطئا في استهتاره بالشعوب. لقد مر أكثر من جيل وجيلين وثلاثة وأربعة ورفض وجود الدولة العنصرية الباغية الظالمة أعتى وأوسع من أي وقت مضى ليس فقط بين سكان الأرض الأصليين بل وفي قلوب العرب جميعا والمسلمين وأنصار السلام والحرية ورافضي الظلم والقهر في العالم. لكن بن غوريون كان محقا في استشرافه لانصياع الأنظمة العربية الناتج عن القوة استخداما واستعراضا. فبعد أن كوّعت مصر في اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، لحقت بها السلطة الفلسطينية في اتفاق أوسلو عام 1993 ثم الأردن في اتفاق وادي عربة عام 1994. وها هم المسؤولون الإسرائيليون يحلون ضيوفا على أكثر من بلد في مغارب الوطن العربي ومشارقه، يسرحون ويمرحون، يحضرون المؤتمرات أحيانا ويغتالون خصومهم أحيانا أخرى.
باختصار ظل بن غوريون يعمل طيلة حياته أولا من أجل قيام الدولة، وبعد قيامها من أجل تقويتها عسكريا وسياسيا إلى أن تقاعد عام 1970 واختار مستوطنة في النقب وظل فيها حتى مات عام 1973. فأين سلام فياض من كل هذا؟
تغليب الاقتصادي على الوطني الجديد في رؤية فياض التي استحقت كل هذا المديح ليس فقط من بيريس بل ومن هيلاري كلنتون وسركوزي وتوني بلير وآخرين، هو تغليب الاقتصاد على الهم الوطني. أي بناء المشاريع والبنى التحتية وتحديث القديم وتوسيع المشاركة الإنتاجية لرفع مستوى معيشة القابعين تحت الاحتلال بشرط ألا يقاوموا الاحتلال لا بطريقة عنيفة أو غير عنيفة. ولتحقيق هذا الهدف سيطر السيد فياض بمساعدة الدول المانحة على مفاصل ثلاث: الميزانية والأمن والإعلام. فالتسعمئة مليون دولار المقدمة من الدول المانحة (منها 500 مليون من الولايات المتحدة) تدخل في حسابات يسيطر عليها السيد فياض بنفسه، والقوات التي يشرف على تدريبها الجنرال دايتون تدين بالولاء للسيد فياض كما بدأت وسائل الإعلام السلطوية تعكس رؤية فياض ومنظوره للتطورات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث يخصص الجزء الأكبر من التعبئة والتعليق لمهاجمة حماس أكثــــر من الاحتـــلال وويلاته وتهويده للقــدس ومستوطناته المنتشرة على جسد الأرض الفلسطينية كالجرب.
هذه إذن رؤية فياض والذي وعد بقيام دولة فلسطينية على أرض الواقع خلال سنتين. يقول توماس فريدمان، كاتب 'النيويورك تايمز' الأشهر: 'إن سلام فياض وطني فلسطيني واستراتيجيته تقوم على مبدأ: كلما سارعنا في بناء المؤسسات النوعية كالمالية والشرطة والخدمات الاجتماعية كلما ضمنا حقنا في الاستقلال. إنني أرى أن هذا النهج تحدٍ للعرفاتية التي تركز على حقوق الفلسطينيين أولا ثم يأتي بناء مؤسسات الدولة لاحقا ولكن عرفات فشل في تحقيق الاثنين معا. (نيويورك تايمز- 4 آب/أغسطس 2009).
الكاتب الصهيوني آفي ترينغو قال إن فياض يعرف جيدا أنه يعتمد أساسا في موضوعة الأمن على قوة جيش الدفاع والشين بيت رغم مجاهرته بضرورة ابتعاد جيش الدفاع عن التحرك داخل مناطق السلطة. إنه يعرف أنه لا يملك السيطرة على الأرض لا في الضفة الغربية (هو يقول حرفيا يهودا والسامرة) ولا في قطاع غزة. بل وينتظر فياض جيش الدفاع لإستعادة غزة من حركة حماس وتقديمها جاهزة له ليقيم عليها سلطته. (مقال منشور بتاريخ 7 شباط/فبراير 2010 بعنوان فياض ليس بن غوريون موقع آراء إسرائيلية). سنرى في السنتين القادمتين أين ستصل برامج فياض من قيام الدولة الفلسطينية. هل ستنتهي كما انتهت العرفاتية لا دولة ولا مؤسسات أم أن ما تبقى من معازل وكانتونات في الأراضي الفلسطينية سيطلق عليها اسم الدولة التي تكون ملحقة بمنظور الأمن الإسرائيلي حسب الرؤية الفياضية كما يسميها فريدمان؟ دولة لا تخدم الشعب الفلسطيني بكامل تجمعاته في فلسطين والشتات بل تخدم الفئة المتنفعة الفاسدة التي تعيش على ما تقدمه الدول المانحة مقابل الرضوخ والخنوع واعتبار رمي حجر نحو قطعان المستوطنين جريمة يعاقب عليها القانون بينما تمنح قوات الشين بيت رخصة تفتيش المخيمات وإطلاق النار على 'المطاردين' واعتقال من تريد دون بيان احتجاج.
كم أتمنى أن أكون مخطئا وأعد القراء أن أعتذر علنا للسيد فياض إذا ما قامت الدولة الفلسطينية المستقلة المترابطة جغرافيا والقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف وحدودها معروفة ومعترف بها ولم تفرط لا بمصادرها الطبيعية ولا بحق العودة لأربعة ملايين ونصف المليون من اللاجئين الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون على أمل العودة. لكنني أخشى أن تمر السنتان ولا يبقى مكان تقام عليه دولة المؤسسات العتيدة التى يبنيها السيد فياض ويكون مثله كمثل الذي أعد العَرَبة جيدا قبل التأكد من وجود الحصان.
' أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك